اليوم الخميس 3 ربيع الأول 1439 هـ المصادف 23/11/2017 م
قال الإمام الحسین(ع): أنَا قَتيلُ العَبَرَةِ لايَذكُرُني مُؤمِنٌ إلاّ استَعبَرَ؛-بحار الأنوار: ج 44، ص 284   الاخبار : زوار كربلاء على موعد مع  الاخبار : تطبيق «مكتبة أنيس - Anees Books»  الاخبار : التحميل من الموقع  الاخبار : منهاج الصالحيــن  الاخبار : إصدار جديد من مشروع العروة الوثقى  الاخبار : تفاسير القرآن الكريم وعلومه ومعانيه  الاخبار : رجال الحديث  الاخبار : مختصر تفسير الميزان  الاخبار : حوزة الإمام الباقر (ع)  الاخبار : أدب الطـف  المقالات : كتاب الله وعترتي (1)  المقالات : كتاب الله وعترتي (2)  المقالات : من وحي آية قرآنية..  المقالات : تنقسم المعاصي إلى كبائر وصغائر  المقالات : تبديل الاءحرام الي العمرة بين الواقع والخيال  المقالات : الجمالیة فی أدعیة الامام السجاد(ع)[القسم الأول]  المقالات : الجمالیة فی أدعیة الامام السجاد(ع)[القسم الثاني]/ تکملة القسم الثاني  المقالات : الشيعة في العصر الاموي  المقالات : حول ولادة ووفاة السيدة المعصومة (عليها السلام)  المقالات : المعصومة سلام الله علیها  المكتبة المرئية : السيد منير الخباز -مسائل قصيرة- 1437  المكتبة المرئية : السيد منير الخباز خارج الاصول- 1437  المكتبة المرئية : السيد منير الخباز - خارج الفقه 1437  المكتبة المرئية : الفقه الاستدلالي-طهارة-ش ال طوق  المكتبة المرئية : خارج الاصول - 1435 - خاتمة البراءة-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : خارج الفقه- 1436-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : خارج الاصول - 1436-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : التسامح في ادلة السنن- 1435 هـ-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : دروس الاخلاق - الشيخ محمد باقر الايراواني  المكتبة المرئية : أصالة التخيير - متجدد 2014-السيد منير الخباز  المكتبة الصوتية : بحث الطهارة-1439هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438 هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438 هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438 هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : دروس في فروع العلم الاجمالي من كتاب العروة الوثقى  المكتبة : جامع احادیث الشیعه جلد 1  المكتبة : الوثائق الرسمیة لثورة الامام الحسین علیه السلام  المكتبة : تاریخ الشیعه السیاسی  المكتبة : کفایة الاصول  المكتبة : الحلقه الثالثه فی اسلوبها الثانی  المكتبة : مصباح المنهاج  المكتبة : السنن التاریخیه في القرآن  المكتبة : التلخیص و البیان عن مجازات القران  المكتبة : المبسوط : فی فقه الامامیه جلد 1  المكتبة : أصول الفقه --الجزء 4 
الذبح بالمكائن الحديثة
23/01/2011
١٥٣٥٩

 

 

الذبح بالمكائن الحديثة

آية اللَّه السيّد محمود الهاشمي‏

مجلة فقه أهل البيت، العدد 1، صفحة  29-76

[تمهيد]

تعدّ اليوم مسألة استخدام الماكنة في الذباحة ضرورة حياتية بحيث يصعب الاستغناء عنها بالذبح اليدوي ..

والمتبادر في أوّل وهلة أنّ ذلك ممّا يصعب تبريره شرعاً للإشكال فيه من عدّة جهات سنوافيك بها بالتفصيل ..

وقد يتصوّر في البدء عدم تحقّق الشرائط المعتبرة شرعاً في التذكية .. وفي هذا المقال وضعت هذه الإشكالات مع ما لها من المدارك والأدلّة على طاولة البحث والتحقيق فلم تسلم من الخدشة .. ولم تصمد أمام النقد ..

واستطاع الباحث إثبات حلّية ما يُذبح بالآلات الحديثة وفي هذا البحث يلمس قارءنا الكريم المعالجة العلمية الدقيقة للموضوع من كافّة جوانبه .. ويحسّ بقدرة الذهنية الفقهية على الإبداع وقابليّتها على بحث القضايا المستجدة مع الحفاظ في الوقت نفسه على المتانة في الاستدلال والأصالة في المنهجية.

من الواضح أنّ البحث ليس عن حكم نفس هذا العنوان بنحو الشبهة الحكمية، بأن يتوهّم حرمة استخدام الماكنة في الذبح، وإنّما المقصود البحث عن مدى تحقّق الشرائط المعتبرة في حلّية الذبيحة شرعاً فيما يذبح اليوم بهذه المكائن المتطوّرة السريعة الذبح؛ حيث وقع الإشكال فيه من قِبل بعض الأعلام.

وما يمكن أن يكون منشأ للإشكال أحد امور:

الأمر الأوّل (انتساب الذبح لغير الإنسان):

فقد يرد الإشكال من ناحية عدم انتساب الذبح إلى الإنسان، بل إلى الآلة، ويشترط في حلّية الذبيحة أن تكون ذبيحة الإنسان، بمقتضى قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ»

«1» الظاهر في اشتراط أن تكون التذكية- وهو الذبح الشرعي. كما يدلّ عليه قوله تعالى: «وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ»

«2»- تذكية الإنسان، والذبيحة ذبيحته؛ لأنّه مقتضى إضافتها إلى الإنسان، خصوصاً مع كونه استثناء عن المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع، ممّا يكون زهاق الروح فيه لا بفعل الإنسان- سواء كان استثناء عنها جميعاً أو عن خصوص ما أكل السبع- فإنّه يدلّ على أنّ ذلك ليس حلالًا ما لم تصدر التذكية من الإنسان، ولو بأن يدرك الحيوان حيّاً فيذكّيه.

ولعلّه المراد أيضاً بقوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» «3» الظاهر في أن يكون إمساك الكلب للصيد من جهة تعليمه وإرساله‏لا لنفسه- فيكون الصيد مستنداً إليكم.

وقد دلّت على ذلك أيضاً جملة من الروايات الدالّة على أنّه لا يكفي زهاق روح الحيوان من نفسه أو بفعل حيوان آخر- ولو بخروج دمه أو قطع مذبحه- ما لم يدركه الإنسان فيذكّيه «4».

بل لعلّ اشتراط كون الذبح أو الصيد بفعل الإنسان ومستنداً إليه ممّا لا يقبل الشكّ، فإنّ التذكية لا تكون إلّابفعله.

فإذا قيل بأنّ الذبح بالماكنة فعل الآلة لا فعل الإنسان كان المذبوح بها ميتة كالنطيحة والمتردّية.

الجواب:

إنّ هذا الإشكال يندفع بأنّه يكفي في انتساب فعل أو نتيجته إلى الفاعل المختار أن لا يتخلّل بين عمله وبين حصول تلك النتيجة إرادة اخرى، بحيث يكون حصول تلك النتيجة بفعله قهريّاً وترتّبه عليه طبيعياً، وإن تأخّر عنه زماناً أو كان بينه وبين تلك النتيجة وسائط تكوينية. ومن هنا لا يستشكل أحد في صدق القتل وانتسابه إلى الإنسان إذا ما قتل شخصاً آخر بالآلة، فحكم الآلة الحديثة المتطوّرة من هذه الناحية حكم الآلة البسيطة كالسكين والمدية من حيث صدق عنوان (ذبيحة الإنسان) على المذبوح بها، فلا تكون ميتة.

ودعوى: التفكيك بين عنوان (القتل وزهاق الروح) وعنوان (الذبح)، بأنّ الأوّل يكفي فيه مطلق الآلة بخلاف الثاني؛ لأنّ عنوان الذبح يتقوّم بفري الأوداج وإمرار السكّين على مذبح الحيوان، فلا بدّ فيه من مباشرة الإنسان ذلك بيده.

مدفوعة: بأنّ الذبح ليس إلّاعبارة عن إزهاق روح الحيوان عن طريق قطع مذبحه- وهو الحلقوم- وفري الأوداج، سواء كان ذلك بآلة بسيطة كالسكّين أو بالماكنة والآلة المتطوّرة التي تقوم بنفس النتيجة، أي‏تفري أوداج الحيوان من مذبحه، فيكون الذبح مستنداً إلى الإنسان، وتكون الذبيحة ذبيحته بلا إشكال.

وقد يقال: بانصراف الإطلاق إلى الذبح باليد ونحوه؛ لعدم وجود غيره حين صدور الأدلّة، أو يقال: بعدم الإطلاق في الأدلّة، واحتمال دخل المباشرة باليد ونحوه في التذكية.

والجواب: امّا عن الانصراف؛ فإنّ غلبة الوجود لا توجب الانصراف على ما حقّق في محلّه، وأما على الثاني، فإنّ الإطلاق ثابت في كثير من الروايات التي رتّبت الحكم على عنوان الذبح أو ذبيحة المسلم، بل وفي الآية المباركة «إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ ...»، إذا كانت بمعنى ذبحتم.

نعم، لو قيل: بأنّ المأخوذ في مادة التذكية أو هيئة «ذَكَّيْتُمْ» أن يكون إيجاد صفة المذبوحية والذكاة في الحيوان بيد الذابح المذكّي مباشرة وبلا واسطة مهمّة كالماكنة أو تسخير حيوان أو إرادة إنسان آخر يذبح بلا إرادة حرّة بل بأمر أو بسلطة شخص آخر، لم يتمّ الإطلاق عندئذٍ.

إلّا أنّ استفادة هذا القيد من مادة أو هيئة «إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» خلاف الإطلاق المتبادر منها.

الأمر الثاني (عدم تحقّق التسمية):

الإشكال من ناحية التسمية، بأن يقال: إنّ الذبح بالماكنة يؤدّي إلى حصول الفاصل بين ذبح الحيوان وفري أوداجه الأربعة وبين زمان تشغيل الماكنة أو ربط الحيوان بها من قِبل الإنسان المستخدم للماكنة، فلا تكون تسميته- حين التشغيل أو حين ربط الحيوان بها- مجزية في التذكية:

1- إمّا لأنّ حال هذه التسمية حال تسمية الواقف على الذبيحة التي يذبحها الغير، فكما أنّه لا تجزي تسميته ما لم يسمّ الذابح نفسه، فكذلك الحال في المقام، فيقع الإشكال في حلّية الذبيحة من ناحية التسمية المعتبرة فيها.

2- وامّا لوجود الفاصل بينها وبين زمان تحقّق الذبح وفري الأوداج.

الجواب:

أمّا عن الأوّل: فبمنع كون تسميته كتسميةالأجنبي عن‏الذبح، كيف! وهو الذابح بالآلة، ومجرّد كونه حين تحقّق فري‏الأوداج ساكناً لا يجعله أجنبياً عن‏الذبح بعد أن كان فري الآلة للأوداج بحركته وبسببه وفعله، وقد أشرنا إلى أنّ كون الآلة معقّدة أو متطوّرة لا يمنع عن استنادالفعل إلى‏الإنسان، فهوالذابح وتكون‏تسميته تسمية الذابح، إلّاأنّ طريقةالذبح بالآلة تكون بتحريك‏الآلة وربط الحيوان به للذبح، فيشمله إطلاق «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» «1»؛ لا من جهة كفاية ذكر الاسم- ولو من غير الذابح‏ليمنع عنه‏بظهور الآية في إرادة ذكر الاسم على‏الذبيحة بما هي‏ذبيحة تذبح، الظاهر في أنّ من يذبح لا بدّ وأن يذكر اسم اللَّه، وكذلك ظهور الروايات الكثيرة في اشتراط تسمية الذابح، كصحيح محمّد ابن مسلم «2» وصحيح سليمان بن خالد «3» وموثق ابن قيس «4»، وموثق الحلبي «5»، وفحوى صحيح محمد بن مسلم«6»، وغيرها من الروايات.

بل من جهة كون المحرّك للآلة ذابحاً بها حقيقة، فيشمله العنوان المذكور في الآية والروايات.

وأمّا عن الثاني- وهو تحقّق الفاصل الزماني بين زماني التسمية والذبح- فهذا ما يمكن تلافيه:

- أوّلًا: بافتراض تكرار الذابح- وهو المحرّك للآلة أو الذي يربط الحيوانات بها للذبح‏للتسيمة إلى زمان حصول الذبح بها.

- وثانياً: بأنّ الفاصل الزماني إذا كان قصيراً بحيث يعدّ عرفاً بحكم المتّصل بزمان الذبح شمله إطلاق ذكر اسم اللَّه في الآية والروايات.

- وثالثاً: أنّ زمان‏الذبح بكلّ شي‏ء يكون بحسبه، فإذا كان الذبح باليد فزمانه مثلًا زمان وضع السكين على مذبح الحيوان للفري، وأمّا إذا كان بالآلة فزمانه زمان تشغيلها وتوجيهها على الحيوان بحيث يتحقّق الذبح ويترتّب عليه قهراً.

وإن شئت قلت: إنّه في المسبّبات التوليدية ينطبق عنوان المسبّب على فعل السبب التوليدي من حينه وإن كان بينهما فاصل زمني.

أو يقال: بأنّ المستظهر من أدلّة شرطية التسمية اشتراطها حين الشروع في الذبح والعمل الاختياري المستند إلى الفاعل المختار، وإن فرض تحقّق الذبح في الحيوان- بحيث يتّصف به فعلًا- متأخّراً عن ذلك زماناً.

وهذا نظير التسمية في الصيد، حيث يتحقّق عنوان الصيد من حين رمي السهم أو إرسال الكلب، ولهذا يجب التسمية عنده، وإن كانت إصابة الحيوان الذي يراد صيده بالسهم أو بالكلب المعلّم متأخّراً زماناً.

بل لعلّ ظاهر روايات اشتراط التسمية في الصيد لزوم التسمية عند إرسال الكلب أو تسديد السهم ورميه. ومن هنا أفتى بعضهم بعدم الاجتزاء بالتسمية بعد ذلك إذا لم يسمّ حين الإرسال عمداً وإن كان قبل إصابة الصيد.

ففي صحيح سليمان بن خالد «سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن كلب المجوسي يأخذه الرجل المسلم فيسمّي حين يرسله أيأكل ممّا أمسك عليه؟ قال: نعم؛ لأنّه مكلّب وذكر اسم اللَّه عليه» «1» وظاهر جواب الإمام بيان التعليل والضابطة وانطباقها على ما فرضه السائل من التسمية حين الإرسال، والذي يكون عادة قبل إمساك الكلب للصيد.

وموثق الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام «قال: سألته عن الصيد يرميه الرجل بسهم فيصيبه معترضاً فيقتله، وقد كان سمّى حين رمى ولم تصبه الحديدة قال: إن كان السهم الذي أصابه هو الذي قتله فإذا رآه فليأكل» «2».

وأوضح منه دلالة موثقه الآخر «قال: سألت أباعبداللَّه عليه السلام عن الصيد يصيبه السهم معترضاً ولم يصبه‏بحديدة وقد سمّى حين رمى، قال: يأكل إذا أصابه وهو يراه. وعن صيد المعراض، قال: إن لم يكن له نبل غيره وكان قد سمّى حين رمى فليأكل منه، وإن كان‏له نبل غيره فلا» «3»؛ لأنّه قد ورد فيه‏ قيد التسمية حين الرمي‏ في كلام الإمام عليه السلام بخلاف الأوّل حيث ورد ذلك في كلام السائل فيحتاج فيه إلى دعوى ظهور الجواب في إمضاء ارتكاز السائل شرطية التسمية حين الرمي. فلا إشكال من هاتين الناحيتين.

3- وإنّما الإشكال في إمكان‏الاكتفاء بتسمية واحدة حين تشغيل الماكنة مثلًا.

4- بل الإشكال أيضاً في تشخيص مَن هو الذابح الذي تجب تسميته إذا افترض وجود عمّال عديدين لتشغيل الماكنة.

والتحقيق: أنّ الذابح هو الشخص الذي يتحقّق على يده الجزء الأخير من سبب الذبح، فإذا فرض أنّ الماكنة كانت في حالة التشغيل ويأخذ العامل الحيوان ويربطه بها الواحد تلو الآخر ليذبح اتوماتيكياً كان الذابح من يقوم بربط الحيوان لا محالة؛ لأنّه المحقّق للجزء الأخير ويكون الذبح بعد ذلك بمثابة الفعل التوليدي الصادر منه فيجب التسمية عليه.

وعندئذٍ يمكن أن يقال: بكفاية التسمية عند ربط كلّ حيوان بالآلة أو وضعه على المذبح؛ لأنّه شروع في الذبح بها، ويكفي التسمية عنده؛ لصدق عنوان «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» «1». نعم، لو كان ربطه لأجل أن يذبح فيما بعد بالآلة لا الآن لم يجزى‏ء التسمية عنده.

وقد ينعكس الأمر بأن يفرض ربط الحيوان بالآلة أوّلًا ثمّ تشغيلها، أو يكون المسؤول عن تشغيلها شخص آخر غير من يربطالحيوان بها، كما لعلّه كذلك في ذبح الدجاج بالماكنة حيث يربط بشريط دائري ثم يجعل الشريط على الماكنة لتدور بها على المذبح سريعاً، ففي مثل ذلك يكون تشغيل الماكنة أو وضع الشريط عليها هو الجزء الأخير من السبب، فيكون المسؤول والمتصدّي لذلك هو الذابح فيجب تسميته. ولو كان بفعل أكثر من واحد كفى تسمية واحد منهم في صدق ذكر اسم اللَّه على‏ الذبيحة، وما تقدّم من عدم كفاية تسمية غير الذابح لا يخرج إلّاما إذا كانت التسمية من الأجنبي لا المشارك في الذبح الذي يكون ذابحاً أيضاً.

وهل يمكن الاكتفاء بتسمية واحدة حين تشغيل الماكنة على الشريط أو يجب تكرارها إلى حين انتهاء الشريط وذبح جميع الذبائح المربوطة به؟

يمكن تقريب جواز الاكتفاء بالتسمية الواحدة بأنّ تشغيل الماكنة على الشريط شروع في ذبح جميع ما هو مربوط به عرفاً، فيصدق على الجميع أنّه ممّا ذكر اسم اللَّه عليه، وما اهلّ به للَّه.

ويؤيّده كفاية التسمية في الصيد حين الإرسال وعدم الحاجة إلى تكرارها حتى إصابة الصيد مهما طال الفاصل بينهما. فإذا قصد الذابح بالآلة ذبح جميع ما على الشريط من الدجاج مثلًا بحركة تشغيل الآلة وذكر اسم اللَّه بهذا القصد والنيّة فقد ذكر اسم اللَّه عليها جميعاً وإن كان ترتّب الذبح تدريجياً؛ لأنّ السبب والفعل الاختياري الصادر من الذابح في ذبح جميعها كان بتشغيل الآلة لا غير، ويكفي هذا المقدار في صدق التسمية بمعنى ذكر اسم اللَّه عليه، ولا يشترط الذكر حين تحقّق فري الأوداج، وقد طبق هذا العنوان على الصيد وإرسال الكلب المعلّم الذي يكون التسمية والذكر فيه متقدّماً زماناً على تحقّق إمساك الصيد عادة.

وعلى هذا، قد يقال في المقام: بكفاية التسمية حين تشغيل الآلة بالنسبة لما ربط بها من الحيوانات من أجل الذبح. بل يمكن أن يقال: بعدم الاجتزاء بالتسمية حين الذبح إذا تركها عمداً حين التشغيل، نظير ما قيل في الصيد؛ لأنّ فعل الذبح إنّما يصدر منه بذلك، ولا فعل آخر له بعد ذلك لتكون التسمية عنده تسمية عند ذبحه.

إلّاأنّ هذا إنّما يصحّ فيما إذا كان مجرّد تشغيل الآلة أو ربط الحيوان بها علّة تامة لترتّب الذبح، بحيث لا يمكنه الحيلولة دونه بإيقاف الآلة، كما في الأسباب التوليدية كالإلقاء في النار أو رمي السهم للصيد.

وأمّا إذا كان بحيث يمكنه إيقاف العمل والحيلولة دون تحقّق الذبح في مرحلة البقاء، فليس الفعل سبباً توليدياً إلّا بضمّ عدم المنع بقاء، فيكون الاستناد في ذلك الزمان لا قبله، فقد لا تكفي التسمية عند تشغيل الآلة في مثل ذلك إذا كان الفاصل طويلًا، بل لا بدّ منها حين تحقّق الذبح.

وعلى كل تقدير، فلا إشكال في الحلّية إذا فرض تكرار الذابح بالآلة لاسم اللَّه تعالى حتى تحقّق الذبح بها.

ولا ينبغي توهم الاجتزاء بكتابة اسم اللَّه على الآلة أو وضع مسجّلة تردّد اسم اللَّه حين تشغيلها، فإنّه- مضافاً لما تقدّم من اشتراط تسمية الإنسان الذابح- أنّ عنوان ذكر اللَّه أو التسمية متقوّم بقصد المعنى والالتفات إليه، ولهذا لو تلفّظ به الذابح غير قاصد لمعناه أصلًا لم يكن مجزياً؛ لعدم كونه ذكراً لاسم اللَّه، وهذا واضح.

الأمر الثالث (عدم تحقّق الاستقبال):

كما أنّه قد يرد الإشكال من ناحية الإخلال بشرطية الاستقبال، حيث يقال: بأنّ المستظهر من الروايات والذي عليه الفتوى في مذهبنا اشتراط الاستقبال بالذبيحة، بأن تُوجَّه مقاديمها حين الذبح للقبلة أو وضعها على الجهة اليمنى أو اليسرى إلى القبلة، وهذا لا يتحقّق بالذبح مع المكائن الحديثة عادة.

الجواب:

أنّه لا بأس ببحث كبرى هذه الشرطية أوّلًا، ثمّ البحث عن كيفية تطبيقها في المقام ثانياً.

أوّلًا (البحث الكبروي):

فنقول: لقد استدلّ على شرطية الاستقبال في الجملة بدليلين:

(أوّلهما) الإجماع بقسميه، كما في الجواهر وغيره من الكتب. و (ثانيهما) الأخبار الخاصّة.

وقبل البحث عن هذين الدليلين لا بدّ من تشخيص‏ ما هو مقتضى القاعدة إذا لم يثبت شي‏ء منهما، فهل هو الحلّية أو الحرمة؟

ظاهر بعض القدماء كالسيّد المرتضى قدس سره في الانتصار الثاني، وأنّه ما لم يثبت دليل على التذكية في فرض عدم الاستقبال يحكم بكونه ميتة، ويقتصر في المذكّى على المتيقّن وهو ما إذا استقبل بذبيحته القبلة.

فقد ذكر في الانتصار «وأيضاً فإنّ الذكاة حكم شرعي وقد علمنا أنّه إذا استقبل القبلة وسمّى اسم اللَّه تعالى يكون مذكّياً باتّفاق، وإذا خالف ذلك لم يتيقّن كونه مذكّياً، فيجب الاستقبال والتسمية ليكون بيقين مذكياً» «1». وتابعه على هذا الاستدلال جملة من الفقهاء.

والصحيح هو الأوّل أي‏الحكم بالحلّية وعدم اشتراط الاستقبال إذا شكّ في الدليل على شرطيّته.

وذلك لأنّ مقتضى الأصل العملي وإن كان هو استصحاب عدم التذكية عند الشكّ في حصولها- بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية وجريان أصالة عدم التذكية على ما حقّق في محلّه من علم الاصول- إلّاأنّ مقتضى الدليل الاجتهادي حصول التذكية بغير الاستقبال أيضاً إذا تحقّقت سائر الشرائط المعتبرة، وذلك بالرجوع إلى عمومات التذكية في الكتاب الكريم والروايات.

أمّا الإطلاق في الكتاب الكريم فيمكن استفادته من آيات عديدة منها:

1- قوله تعالى في سورة الأنعام: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ* وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ» «1».

وتقريب الدلالة: أنّ الأمر بالأكل في الآية الاولى إرشاد إلى الإباحة أو حلّية الذبيحة وذكاتها؛ وذلك لمقام توهّم الحظر، وبداهة عدم وجوب الأكل، والآية الثانية قرينة على ذلك أيضاً. ومقتضى إطلاقها كفاية ذكر اسم اللَّه في الحلّية والتذكية، بلا حاجة إلى شرط آخر من الاستقبال أو طهارة الذابح أو غير ذلك، بل الآية الثانية- بقرينة قوله تعالى فيها: «وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»- كالصريحة في العموم، وأنّ غير ما فصّله وحكم بحرمته بالآيات الاخرى- وهو الميتة والمنخنقة والمتردّية ونحوها وما اهلّ لغير اللَّه وما ذبح على النصب- يكون حلالًا.

لا يقال: إنّ الآية ليست في مقام بيان‏أكثر من شرطية ذكر اسم‏اللَّه، وأنّ ما لم يذكر عليه اسم اللَّه يكون حراماً، كما أكّد ذلك‏بعد آيتين بقوله‏تعالى: «وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ ...» «2» فلا يمكن أن يستفاد منها نفي الشروط الاخرى، ومن هنا لم تذكر في الآية الشرائط المعتبرة في الذبح، بل لم يذكر فيها أصل الذبح، مع أنّه لا إشكال في عدم كفاية مجرّد ذكر الاسم في حلّية ما زهقت روحه بغير الذبح كالنطيحة والمتردية أو كان الحيوان ممّا لا يقبل التذكية أصلًا.

فإنّه يقال: فرق واضح بين الآيتين، فتارة يقال: لا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللَّه عليه فهذا ظاهر في الشرطية، واخرى يقال: كُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فهذا ظاهر في أنّ ما ذكر عليه اسم اللَّه حلال مذكّى، فيصحّ التمسّك بإطلاقه لنفي شرط آخر في الحلّية، خصوصاً مع القرينة التي ذكرناها من تفصيل ما حرّم عليكم. والآية المذكورة بعد آيتين أيضاً قرينة على أنّ المراد من الأمر بالأكل ممّا ذُكِرَ اسم اللَّه عليه حلّية كلّ ما يذكر اسم اللَّه عليه وجواز أكله، لا مجرّد شرطية ذكر اسم اللَّه وإلّا كان تكراراً محضاً وركيكاً.

نعم، لا إطلاق في الآية لغير المذبوح والمنحور؛ لأنّ ذلك مذكور تقديراً، لانصراف عنوان ما ذكر اسم اللَّه عليه على المذبوح ونحوه، لأنّ ما ذكر اسم اللَّه عليه عنوان مقابل لما كان يصنعه المشركون من الذبح للأصنام والآلهة، فأصل الذبح مفروغ عنه في الكلام، كما ذكره المفسّرون؛ لأنّ ذكر الاسم إنّما يكون فيه لا في النطيحة والمتردّية والموت حتف الأنف.

فلا إطلاق في الآية من هذه الناحية، كيف! والميتة بأقسامها المذكورة في الآيات الاخرى من المتيقن والواضح دخولها فيما فصّل القرآن تحريمه، والذي أخرجته الآية الثانية.

كما لا إطلاق في الآية من ناحية قابلية المحلّ- وهو الحيوان‏للتذكية كما إذا شكّ في قبول السباع أو الحيوان الجلّال للتذكية؛ لعدم النظر فيها إلى الحلّية والحرمة النفسية في الحيوانات، وإنّما النظر إلى الحلّية والحرمة الناشئة من التذكية والذبح بعد الفراغ عن حلّية لحم الحيوان في نفسه.

وإن شئت قلت: إنّ تلك الحلّية و الحرمة تضاف إلى نفس‏الحيوان بقطع‏النظر عن ذبحه، بينما هذه الآية ناظرة إلى حلّية الأكل من ناحيةالذبح، ولهذا نجد ذلك في آية اخرى وهي قوله تعالى في سورة الحجّ: «وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ» «1».

بل يمكن دعوى عدم إطلاق الآية أيضاً بالنسبة للشرائط المادية المحتمل اعتبارها في الذبح من حيث هو ذبح، كشروط آلة الذبح أو مذبح الحيوان؛ لأنّ كلّ‏ ذلك مفروض مفروغاً عنه في الآية، وليست الآية بصدد بيانه، وإنّما هي بصدد بيان ما يشترط زائداً على أصل الذبح- الذي هو فعل تكويني خاصّ- من الشروط المعنوية المربوطة بالذبح بما هو نسك كالتسمية أو الاستقبال أو أن يكون الذابح مسلماً أو متطهّراً ونحو ذلك. وإن كان قد وقع التمسّك بإطلاق الكتاب في كلمات الأصحاب من كلتا الجهتين، فهذا صاحب الجواهر قدس سره يتمسّك في مسألة عدم حرمة الذبيحة بإبانة رأسها عمداً بإطلاق الآيات، حيث قال: «وعلى كلّ حال، فالظاهر عدم حرمة الذبيحة بذلك، كما صرّح به كثير، ومنهم جملة من القائلين بالحرمة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه؛ لإطلاق الأدلّة كتاباً وسُنّة» «1».

وأيّاً ما كان، فالإطلاق في الآية بالنسبة لما نحن بصدده تامّ، ولا وجه لدعوى كونها في مقام البيان من ناحية شرطية التسمية فقط، وأنّ المراد الأمر بالأكل إذا تحقّقت سائر شروط التذكية، فإنّ هذا لازمه أنّ الأمر بالأكل لا يكون إرشاداً إلى التذكية والحلّية من ناحيتها، وهذا خلاف الظاهر جدّاً، بل غير محتمل في نفسه؛ إذ لا يحتمل التكليف النفسي بالأكل، فإذا كان إرشاداً إلى الحلّية من ناحية التذكية، فلا محالة تكون الآية في مقام البيان من ناحية الحلّية بملاك التذكية، فيصحّ التمسّك بإطلاقها، إذ لا يشترط في الإطلاق أكثر من هذا المقدار.

نعم، لو كان لسان الخطاب أنّ التسمية شرط في حلّية الأكل كان غير نافٍ لوجود شرائط اخرى له إلّاأنّ هذا لم يرد فيه، بل‏الواردالأمر بالأكل‏الذي هو إرشاد إلى الحلّية لا الشرطية، ومقتضى إطلاقه لا محالة نفي دخالة غيره في الحلّية وإلّا لم تكن متحقّقة بذكر الاسم ولم يكن يجوز الأكل، وهذا نظير قوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» «2»

في إثبات حصول‏التذكية بالإمساك مع ذكر اسم اللَّه بلا احتياج إلى شرط آخر، وقد وردالتمسّك به في صحيح جميل‏قال: «سألت أباعبداللَّه عليه السلام عن الرجل يرسل‏الكلب على الصيد فيأخذه ولا يكون معه سكّين فيذكّيه بها، أفيدعه حتى يقتله ويأكل منه؟ قال: لا بأس. قال اللَّه: «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ»» «3».

وممّا يشهد على صحّة التمسّك بإطلاق الآية في المقام تمسّك الإمام عليه السلام في بعض‏الروايات بذلك، كروايةالورد [أبي‏الورد] بن‏زيد قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: حدِّثني‏حديثاً وأمله علي‏غّ حتى‏أكتبه فقال: أين‏حفظكم ياأهل‏الكوفة؟ قال:

قلت: حتى لا يردّه عليَّ أحد. ما تقول في مجوسي‏قال بسم‏اللَّه ثمّ ذبح؟ فقال: كل. قلت: مسلم ذبح‏ولم يسمّ؟ فقال: لا تأكله. إنّ اللَّه يقول: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» و «وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»» «1» فقد استدلّ الإمام عليه السلام على نفي شرطية إسلام الذابح- مع فرض تسميته- بإطلاق الأمر بالأكل ممّا ذكر اسم اللَّه عليه.

وقد استدلّ المفيد في المقنعة «2» على حلّية ذبيحة الكتابي إذا سمّى بإطلاق الآيات، كما استدلّ العلّامة في المختلف بإطلاق الآيات لإثبات حلّية ما يذبحه كلّ منتحل للإسلام ولو لم يكن من أهل الحقّ، كما استدلّ الشيخ في الخلاف «3» بإطلاقها لإثبات الحلّية والتذكية إذا قطع رأسها بالذبح، كما استدلّ بها ابن إدريس «4»- ووافقه العلّامة في المختلف «5»- على عدم حرمة الذبيحة بسلخها قبل بردها أو قبل موتها. فراجع كلماتهم ليظهر لك ثبوت الإطلاق في الكتاب من هذه الناحية جزماً، وإن شككنا فيه من ناحية كيفية فعل الذبح الخارجي.

2- قوله تعالى في سورة المائدة: «.. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» «6».

وهي وإن كانت متعرّضة بصدرها للصيد لا للذباحة، ولا يشترط فيه الاستقبال جزماً، إلّاأنّه يمكن دعوى إطلاق قوله تعالى: «وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» في الذيل وشموله للصيد ولما يذبح منه إذا أدركه الصياد حيّاً ولما يذبح ابتداءً المبيّن في الآية السابقة لها «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» «7» فالذيل جملة مستقلّة مطلقة ترجع إلى كلّ ما يراد تذكيته سواء في‏ذلك ما يذبح أو ما يصاد من دون إدراكه حيّاً أو مع إدراكه حيّاً.

ولعلّ القرينة على هذا الإطلاق تأخير ذكره، فإنّه لو كان النظر إلى‏التسمية في الصيد خاصّة كان المناسب ذكره حين إرسال‏الجوارح، والذي هو قبل‏تحقّق الإمساك منهن عادة، فالحاصل ظاهر هذه الجملة في ذيل هذه الآية النظر إلى مجموع ما بُيّن في الآيتين الآية الاولى المتعرّضة للذبح والآية الثانية المتعرّضة للصيد وأنّ التذكية منهما معاً يكون بذكر اسم اللَّه عليه كلّ بحسبه وما عداه حرام، فيمكن التمسّك بإطلاقه لنفي شرطية الاستقبال زائداً على ذلك، وإلّا كان يلزم ذكره أيضاً.

3- قوله تعالى في سورة البقرة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏       وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «1».

وجه الدلالة: أنّها وإن ذكرت بالمطابقة حرمة ما اهلّ به لغير اللَّه- أي‏نودي عليه لغير اللَّه- ولكن حيث ذكرت ذلك بأدوات الحصر المستفاد من صدر الآية وذيلها ومن السياق والأمر بأكل الطيبات في الآية الاولى، فلا محالة يستفاد منها حلّية ما عدا ذلك ممّا لم يذكر، ومنه ما اهلّ به للَّه‏من الذبائح ولو لم يستقبل به القبلة؛ لأنّه ليس ممّا اهلّ به لغير اللَّه ولا الميتة ولا لحم الخنزير. وما اهلّ به لغير اللَّه يراد به الذبيحة التي لم يذكر اسم اللَّه عليها؛ امّا لأنّه ما لم يذكر اسم اللَّه عليها فقد اهلّ بها لغير اللَّه، أو من باب التقييد أو القرينة القرآنية المنفصلة على إرادته حيث ورد في آية اخرى: انّ ما لم يذكر اسم اللَّه عليه فسق «2».

ودعوى: أنّ الآية ليست في مقام الحصر الحقيقي، كيف! وإلّا لزم التخصيص الكثير أو الأكثر المستهجن.

مدفوعة: بالمنع‏عن‏ذلك؛ لأنّ‏ماثبتت حرمته يمكن‏أن يكون خروجه عن إطلاق الحصر بعنوان كلّي كالمسوخ أو السباع، بل يحتمل أنّ ما ثبت حرمته لم يكن محرّماً بعدُ عند نزول الآية، وإنّما شرّع تحريمه فيما بعد، أو شرّع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ذلك بإذن من‏ اللَّه سبحانه، فلا خلل في الإطلاق القرآني المذكور كما لا يخفى.

نعم، قد يقال: بعدم النظر فيها إلى ما يتحقّق به الذبح؛ لأنّه مفروض فيما يهلّ به، كما ذكرنا في الآيات السابقة.

4- قوله تعالى في سورة الحجّ: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ» «1».

وأوضح منها قوله تعالى في السورة نفسها: «وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» «2».

وجه الدلالة: أنّهما دلّتا على اشتراط ذكر اسم اللَّه على البهيمة، وفرّعتا الأكل والإطعام على ذلك، ولم تذكرا الاستقبال، فيكون مقتضى إطلاقهما كفاية التسمية في حصول التذكية فيما يذبح من بهيمة الأنعام، وعدم اشتراط شي‏ء آخر من القيود المعنوية التعبّدية كالاستقبال.

وقد يناقش في الاستدلال بالاولى منهما:

بأنّها أجنبية عن المقام؛ إذ الظاهر- أو المحتمل على الأقل- أن يكون المراد من ذكر اسم اللَّه في أيام معدودات ذكر اللَّه في أيام منى، ويكون حينئذٍ المراد بقوله تعالى: «عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ»* المقابلة، أي‏يكون ذكر اللَّه في مقابل ما رزقهم من الأنعام في تلك الأيام، فلا ربط لها بالتسمية على الذبح.

وفيه: أنّه خلاف الظاهر جدّاً؛ ولذلك لم يشر إليه أكثر المفسّرين للآية، بل فسّروها بذكر اسم اللَّه على الذبيحة وأرسلوا ذلك إرسال المسلّم، والوجه في ذلك- مضافاً إلى أنّ الذكر لاسم اللَّه غير ذكر اللَّه، فلو كان المقصود ما قيل كان ينبغي أن يقال: فاذكروا اللَّه، كما ورد في قوله تعالى: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» «1» وقوله تعالى: «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ» «2» وغيرهما من الآيات، بخلاف ذكر الاسم، فإنّه يناسب الإهلال والافتتاح، ومضافاً إلى أنّ الذكر لا يناسب أن يكون في قِبال شي‏ء، وعليه فلا يقال ذكر اللَّه على ما أعطاه، وإنّما يقال شكره أو حمده على ما أعطاه- أنّ سياق هذه الآيات وما ورد بعد هذه الآية من قوله تعالى: «وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هم ناسكوه مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ» «3» والآية الثانية قرينة قاطعة على أنّ النظر إلى ذكر الاسم على الذبيحة.

وقد يناقش في الاستدلال بالآيتين معاً:

تارة: بما نسب إلى الزمخشري من أنّ الأمر بذكر الاسم كناية عن الذبح فكأنّه قيل فاذبحوها وأطعموا البائس الفقير، فلا يكون النظر فيها إلى نفس التسمية واشتراطها في التذكية، فضلًا عن غيرها من الشروط.

وفيه: أنّ الآيات صريحة في النظر إلى حيثيّة ذكر الاسم والعناية به لا الذبح، وفي الكناية تكون العناية للمكني عنه لا المكني به. نعم، يستفاد بالملازمة من الأمر بذكر الاسم في مقام الذبح الأمر بالذبح أيضاً لمن ساق معه البدن، لا أنّ الأمر بذكر الاسم كناية عنه، ولعلّ هذا مقصود الزمخشري أيضاً.

وأخرى: بأنّ هذه‏الآيات وإن كانت ناظرة إلى حيثية ذكر الاسم في مقام الذبح، ولهذا يفهم منه اشتراطالتسمية في‏التذكية، إلّاأنّ ذلك ورد فيها بعنوان أنّه منسك وشعار للمسلمين في‏قِبال‏الكفّار ولو في‏مقام‏الذبح بمنى في‏الحجّ، كما في قوله تعالى: «وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ»، فيكون الأمر بذكر الاسم فيها أمراً بإقامة هذا الشعار، لا لبيان ما تتحقّق به التذكية، وإن كان يفهم منه بالالتزام شرطية التسمية في الذبح إلّاأنّ هذه دلالة التزامية وليست الآية في مقام بيانها ليتمسّك بإطلاقها لنفي شرطية شرط آخر في التذكية.

وفيه: أنّ‏هذا إن صحّ في‏الآيةالاولى فلايصحّ في‏الثانية؛ لأنّها ناظرةإلى حيثية حلّية اللحم وما يتوقّف على جواز أكله‏وإطعامه، بقرينة مافيها من‏الترتيب والتفريع، وأنّه لا بدّ من ذكر الاسم عليها وهي صوافّ، فإذا وجبت‏جنوبها اكل منها واطعم، وهذا ظاهر في‏التصدّي لبيان ما يتوقّف عليه حلّيةاللحم، فإذا سكت عن غير التسمية دلّ ذلك على عدم اشتراطه فيها، خصوصاً وانّ الاستقبال لو كان واجباً فهو أيضاً كالتسمية شعار آخر في قبال الكفّار كان ينبغي ذكره، بل لعلّ صدر الآية الثانية تدلّ على أنّ الشعار نفس الأضحية وتقديم البُدن، وأمّا ذكر الاسم على البهيمة فهو مربوط بحلّيتها وجواز أكلها والإطعام، كما أنّ الآية الثلاثين من هذه الآيات «ذلِكَ ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه، وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس...»ظاهرة في النظر إلى حيثية الحرمة والحلية في اللحم «.

وثالثة: بأنّ حيثية التذكية وحلّية اللحم حيث إنّه لم يتعرّض لها مستقلّاً بل عرضاً وضمناً، فلا يمكن إجراء الإطلاق ومقدّمات الحكمة فيها لنفي وجود شرط آخر غير التسمية بمجرّد السكوت عن ذكرها.

وفيه: أنّه لا يشترط في تمامية مقدّمات الحكمة أكثر من أصل التعرّض والتصدّي لبيان حيثية سواء كان ذلك مستقلًا أو في ضمن جهات اخرى، كما إذا تعرّض خطاب لبيان حكمين أو أكثر.

وإن شئت قلت: إنّ جملة «فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا ..» في مقام بيان ما يتوقّف عليه حلّية اللحم، وسائر الجمل في مقام بيان المناسك والشعائر في الحجّ، وكلّ منهما مستقلّ عن الآخر، وإنّما جمع بينهما لابتلاء المكلّف بهما معاً في الحجّ.

ورابعة: بأنّ الآية أساساً ليست في مقام بيان أكثر من شرطية التسمية دون‏ سائر الشرائط فإنّها حيثيات اخرى مسكوت عنها.

وهذا إشكال‏عام في هذه‏الآية وغيرها وله‏جواب عامّ‏أشرنا إليه‏إجمالًا فيما سبق، وتفصيله: أنّ الخطاب لو كان بلسان الإخبار عن الشرطية كما إذا قال: «التسمية شرط في حلّيةالذبيحة»، أو بلسان‏النهي عن‏أكل ما لم يذكر اسم‏اللَّه عليه، فمن‏الواضح‏أنّ هذا لا ينافي‏ثبوت‏ألف شرطآخر، إلّاأنّ هذا اللسان‏لم يرد هنا، وإنّما الوارد لسان‏الأمر بالأكل‏أو الإطعام‏الدالّ على‏الحلّية إرشاداً أو بالملازمة، وحمل ذلك على النهي أو الشرطية خلاف ظاهر الأمر جدّاً، وإنّما ظاهر الأمر بالأكل أو الإطعام حلّيةالذبيحة فعلًا، فإذا علّق ذلك على ذكر الاسم كان مفاد الآية حلّية الذبيحة إذا ذكر اسم اللَّه عليها، فكأنّه قال إذا ذكر اسم اللَّه عليها ووجبت جنوبها حلّ أكلها وإطعامها فيتم الإطلاق فيه عندئذٍ لنفي دخل قيد وشرط آخر في ثبوت تلك الحلية وجواز الأكل إذ ثبوت شرط آخر يستلزم إما تقييد إطلاق الحلية وجواز الأكل على التسمية بقيد من قبيل إذا تحقّقت سائر الشروط، أو حمل الأمر بالأكل والحلّية على الحكم الحيثي لا الفعلي الحقيقي، وكلاهما خلاف الظاهر؛ إذ الأوّل خلاف إطلاق الترتّب والتفريع، والثاني خلاف ظاهر ما يدلّ على الحكم وهو الأمر، فإنّ ظاهره الحلّية الحقيقية الفعلية، لا الحيثية ومن ناحية ذلك الشرط فقط، فإنّها ليست حلّية حقيقية لا جعلًا ولا مجعولًا؛ إذ الحكم لا ينحلّ ولا يتعدّد بتعدد قيود موضوعه.

نعم، لو كانت هناك حلّيتان مستقلّتان جعلًا وموضوعاً، كالحلّية من ناحية التذكية والحلّية من ناحية الطهارة لم يكن الإطلاق من ناحيةإحداهما نافياً للُاخرى، وبهذا ظهر الفرق بين المقام وبين ما هو المقرّر من عدم الإطلاق في قوله تعالى:  «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» لنفي نجاسة موضع الإمساك والحلّية من ناحيتها.

5- قوله تعالى في سورة الأنعام: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ‏

مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «1».

6- وقوله تعالى في سورة النحل: «فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَ اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «2».

وهما كالآية المتقدّمة من سورة البقرة، فإنّ هذه‏الآيات‏الثلاث بمضمون واحد وألفاظ واحدة، وهي ظاهرة في الحصر، بل آية الأنعام صريحة فيه؛ لأنّ عدم وجدان النبيّ للمحرّم فيما اوحي إليه مساوق لعدم وجوده، فتكون دلالة هذه الآيات على عدم حرمة غير العناوين المذكورة فيها- ومنها ما ذبح واهلّ به للَّه‏من الذبائح من غير استقبال للقبلة- تامّة.

ودعوى لزوم تخصيص الأكثر قد عرفت جوابه.

هذا مضافاً إلى تمسّك الفقهاء بهذه الآيات وما فيها من الحصر، خصوصاً آية الأنعام لإثبات حلّية الأطعمة المحلّلة كثيراً، بل ورد ذلك في جملة من الروايات الصحيحة، منها صحيح محمّد بن مسلم «3» المنقول في العلل والتهذيب، مع شي‏ء من الاختلاف.

ويظهر من عدّة روايات أنّ جملة ممّا حرّم بعد ذلك كان بنهي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وتحريمه فلعلّه من تشريعاته، فلا ينافي دلالة الآية على الحصر؛ لأنّ تشريع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بعدها بمثابة الناسخ لتلك الحلّية الثابتة أوّلًا بمقتضى الآية كما لا يخفى، فالإطلاق في الآيات تامّ في نفسه.

وأمّا الإطلاق في الروايات فيمكن استفادته من عدّة طوائف منها:

1- معتبرة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام:

«قال: قال‏أميرالمؤمنين عليه السلام: ذبيحة من دان بكلمة الإسلام وصام وصلّى لكم حلال إذا ذكر اسم اللَّه تعالى عليه» «4».

فإنّها لم تشترط في الذبح وحلّية الذبيحة غير إسلام الذابح وذكر اسم اللَّه تعالى‏ عليه، فلو كان يجب أيضاً الاستقبال مطلقاً أو في صورة العلم والعمد للزم ذكره، فيدلّ السكوت عنه مع كونها في مقام البيان على عدم الاشتراط.

ودعوى: أنّ الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية؛ لكونها ناظرة إلى حيثية إسلام الذابح فقط.

مدفوعة: بأنّ نظر الرواية إلى حيثية إسلام الذابح لا ينافي إطلاقها من ناحية سائر الشروط إذا كان في مقام البيان من ناحيتها أيضاً، وفي المقام بقرينة ذيل الرواية حيث تعرّض لشرطية التسمية يفهم أنّها أرادت أن تعطي الكبرى الكلية للذبيحة المحلّلة لنا، فكأنّها قالت كلّما كان الذابح مسلماً وذكر اسم اللَّه تعالى على الذبيحة فهي حلال، ومثل هذه الجملة لا إشكال في إطلاقها.

نعم، لا تكون الرواية ناظرة إلى شرائط عمل الذبح وما به يتحقّق، كما تقدّم نظيره في الآيات الشريفة السابقة؛ لأنّ تلك حيثية اخرى لا نظر إليها، بل تحقّق الذبح مفروغ عنه.

2- الروايات الواردة في حلّية ذبيحة المرأة و الغلام، كصحيح سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن ذبيحة الغلام والمرأة هل تؤكل؟ فقال: إذا كانت المرأة مسلمة فذكرت اسم اللَّه على ذبيحتها حلّت ذبيحتها وكذلك الغلام إذا قوي على الذبيحة فذكر اسم‏اللَّه وذلك إذا خيف فوت‏الذبيحة ولم‏يوجد من يذبح غيرهما» «1».

وصحيح عمر بن اذينة عن غير واحد رواه عنهما عليهما السلام: «إنّ ذبيحة المرأة إذا أجادت الذبح وسمّت فلا بأس بأكله، وكذلك‏الصبي، وكذلك‏الأعمى إذا سدّد» «2».

وصحيح محمّد بن مسلم عن‏أبي‏عبداللَّه عليه السلام في حديث: «أنّه سأله عن ذبيحة المرأة فقال: إذا كان نساء ليس معهنّ‏رجل فلتذبح‏أعقلهنّ ولتذكراسم‏اللَّه عليه» «3».

ورواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث: «أنّه سئل عن ذبيحة المرأة فقال: إذا كانت مسلمة فذكرت اسم اللَّه عليها فكل» «1».

وروايته الاخرى في الغلام: «إذا قوي على الذبح وكان يحسن أن يذبح وذكر اسم اللَّه عليها فكل» «2».

ورواية ابن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «سألت عن ذبيحة المرأة والغلام هل تؤكل؟ قال: نعم، إذا كانت المرأة مسلمة وذكرت اسم اللَّه حلّت ذبيحتها وإذا كان الغلام قوياً على الذبح وذكر اسم اللَّه حلّت ذبيحته» «3».

والسؤال في هذه‏الروايات وإن كان عن شرطية البلوغ والرجولة إلّاأنّ جواب الإمام عليه السلام فيه تعرّض للكبرى وما يعتبر في الذابح والذبح- بقطع‏النظر عمّا يتحقّق به فعل الذبح خارجاً-، بقرينة ذكر التسمية و إسلام الذابح و نحو ذلك، فينعقد فيه إطلاق يمكن الاستناد إليه في نفي شرطية شرط آخر كالاستقبال، وإلّا كان يذكره أيضاً.

3- بعض الروايات الواردة في ذبائح أهل الكتاب‏ والتي تنهى عنه معلّلة بأنّ الذبيحة بالاسم ولا يؤمن عليها إلّامسلم وأهل التوحيد، ففي صحيح الحسين بن المنذر قال: «قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: إنّا قوم نختلف إلى الجبل والطريق بعيد بيننا وبين الجبل فراسخ، فنشتري القطيع والاثنين والثلاثة ويكون في القطيع ألف وخمسمئة شاة وألف وستمئة شاة وألف وسبعمئة شاة، فتقع الشاة والاثنان والثلاثة، فنسأل الرعاة الذين يجيئون بها عن أديانهم، قال: فيقولون: نصارى، قال: فقلت: أيّ شي‏ء قولك في ذبائح اليهود والنصارى؟ فقال: يا حسين الذبيحة بالاسم، ولا يؤمن عليها إلّاأهل التوحيد» «4».

فقد جعل الميزان في حلّية الذبيحة بالاسم، أي‏التسمية، وإنّ إسلام الذابح إنّما يشترط لكي يحرز به ذلك، حيث لا يؤمن عليه لو كان الذابح غير مسلم، امّا لعدم ذكره وتسميته أصلًا، أو لأنّه حتى إذا سمّى فهو غير قاصد لمعناه حقيقة.

والمستفاد من هذه الآية وغيرها أنّ شرطية إسلام الذابح ليس في عرض سائر الشروط وإنّما في طولها، أي‏لأجل إحراز التسمية التامّة فلو أحرز صدورها من الكتابي كان مذكّى، وبه يقيّد إطلاق ما دلّ على شرطية إسلام الذابح، وهذا بحث آخر لا ندخل فيه فعلًا.

وعندئذٍ يقال: إنّ مقتضى إطلاق ذلك عدم اشتراط شي‏ء آخر غير التسمية وما يحرزها وهو إسلام الذابح زائداً على أصل الذبح بخصوصياته الراجعة إلى تحقّق الذبح، فلو كان الاستقبال شرطاً أيضاً كان ينبغي ذكره، خصوصاً وانّ النصراني واليهودي لا يذبح إلى الكعبة يقيناً حتى إذا سمّى، بل التعبير بأنّ الذبيحة بالاسم يفيد الحصر وعدم وجود شرط آخر فيه عدا ما يرتبط بالذبح كما أشرنا.

وقد يقال: بأنّ شرطية الاستقبال حيث إنّها خاصّة بصورة العلم والعمد على ما سيأتي، فلا يقدح عدمه من الجاهل حتى بالشبهة الحكمية كغير الشيعي وأهل الكتاب، وحيث إنّ السؤال في هذه الروايات قد وقع عن ذبائحهم وهم جاهلون بذلك فلا يكون سكوت الرواية عن ذكر هذه الشرطية دليلًا على عدمها لتحقّق الشرط في حقّهم وهو عدم التعمّد، وهذا بخلاف الأدلّة الاخرى المتعرّضة لبيان شرائط التذكية في نفسها في حقّ المسلم.

والجواب: إنّ هذا الإشكال قابل للدفع بأنّ مساق هذه الروايات أيضاً مساق غيرها من الروايات الظاهرة في التعرّض لبيان شرائط التذكية والسؤال عن اشتراط إسلام الذابح وعدمه غاية الأمر قد صيغ ذلك بفرض السؤال عن ذبيحة النصراني واليهودي، فيكون الاقتصار على شرطية التسمية، بل حصر المطلب فيها دالّاً على نفي غيرها.

وإن شئت قلت: إنّ السؤال والجواب في هذه الروايات محمول أيضاً على القضية الحقيقية لا الخارجية، وبنحو القضية الحقيقيّة يمكن فرض تعمّد مخالفة القبلة حتى من أهل الكتاب، فلو كان شرطاً كان ينبغي ذكره.

وهكذا يتّضح أنّ مقتضى إطلاق الأدلّة الأولية كتاباً وسُنّة نفي هذه الشرطية فيكون هو المرجع عند الشكّ وعدم ثبوت دليل عليها مطلقاً أو في حالة معيّنة. وينبغي حينئذٍ على مدّعي الشرطية إقامة الدليل، وقد ذكرنا أنّهم استدلّوا على ذلك بالإجماع وبجملة من الروايات.

أمّا الإجماع:

والذي جعله في‏المستند هو العمدة ففيه- مضافاً إلى أنّه في مثل هذه المسألة التي‏تتوفّر فيها روايات‏عديدةتأمر بالاستقبال بالذبيحة لا يكون تعبّدياً، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ عبائر الفقهاء في كتبهم هي نفس تعبيرات الروايات- أنّ أصل حصول الإجماع غير ثابت، وإنّما الثابت عدم التصريح بالخلاف من قبل أحد.

بل نلاحظ أنّ‏الشيخ‏المفيد في‏المقنعة «1» يذكر الاستقبال في سياق عدم قطع رأس الذبيحة قبل البرد ونحو ذلك ممّا لا يكون شرطاً في التذكية، بل المشهور عدم حرمته، وإنّما هو أدب من‏آداب الذبح، فلعلّه كان يرى‏أنّ هذا أيضاً من آدابه، أو أنّه أمر تكليفي وليس شرطاً في الحلّية. كما أنّ الشيخ قدس سره لم يذكر الاستقبال أصلًا في مبسوطه ولا في خلافه، مع أنّه ألّفه لبيان ما يخالف فيه مع الجمهور، وإنّما ذكره في‏النهاية بعنوان وينبغي أن يستقبل بذبيحته القبلة المشعر بعدم الوجوب، وإن كان قد ذيّله بعد ذلك بأنّه «فمن لم يستقبل بها القبلة متعمّداً لم يجز أكل ذبيحته» «2».

كما أنّ عبائر السيّد المرتضى قدس سره في الانتصار «3» ظاهرها عدم الإجماع في المسألة؛ لأنّه استدلّ على ذلك بالأصل والقاعدة.

وأيّاً ما كان فتحصيل إجماع تعبّدي على شرطية الاستقبال في التذكية وحلّية الذبيحة من مثل هذه التعبيرات مشكل أيضاً.

وأمّا الروايات الخاصّة:

فهي العمدة والمهم في الاستدلال على شرطية الاستقبال، وهي على ثلاث طوائف:

طائفة: تأمر بالاستقبال بالذبيحة إلى القبلة مطلقاً، كصحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام «قال: سألته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة». ومثله صحيحه الآخر «إذا أردت أن تذبح فاستقبل بذبيحتك القبلة» «1».

وهناك روايتان معتبرتان أيضاً دلّتا على نفس المضمون، هما صحيح الحلبي «2» وموثق معاوية بن عمّار «3». إلّا أنّهما واردتان في الأضحية والذبح بمنى، فيحتمل فيهما أن يكون ذلك من آداب أو شرائط الأضحية.

وطائفة اخرى من الروايات: تقيّد ذلك بصورة العمد وتنفي البأس عن أكل ذبيحة لم يستقبل بها القبلة إذا لم يكن عن عمد، كصحيح محمّد بن مسلم أيضاً «قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة فقال: كل ولا بأس بذلك ما لم يتعمّده» «4». ومثله صحيح الحلبي ومعتبرة علي بن جعفر في كتابه «5».

وطائفة ثالثة: جمع فيها الأمر والنهي معاً، وهي صحيح محمّد بن مسلم «قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة قال: كل منها. فقلت له: فإنّه لم يوجهها؟ قال: فلا تأكل منها، ولا تأكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم اللَّه عليها» «6».

والمشهور قيّدوا إطلاق الطائفة الاولى بالثانية، وحملوا الرواية الثالثة على أنّ المراد بالنهي فيها صورة عدم توجيه الذبيحة إلى القبلة عمداً، بينما المراد بالإباحة والأمر بالأكل في صدرها صورة الجهل، كما هو فرض السائل فيها. فتكون النتيجة اشتراط الاستقبال في صورة العلم وإمكان الاستقبال، فلو جهل بالقبلة أو جهل بالشرطية أو كان لا يمكن ذلك ولو من جهة خوف موت الذبيحة لم يقدح في التذكية؛ لعدم تحقّق العمد في تمام هذه الموارد، والمدار على صدقه بمقتضى الجمع بين الروايات المذكورة.

مناقشة النراقي قدس سره للمشهور:

وقد ناقش في‏الاستدلال بالروايات على شرطية الاستقبال المحقّق النراقي «1»: بأنّ مفادها غير ظاهر في ذلك؛ إذ الأمر بالاستقبال في مثل قوله عليه السلام «استقبل بذبيحتك القبلة»، وكذلك نفي البأس في قوله عليه السلام في صحيح الحلبي «لا بأس إذا لم يتعمّد» يناسب التكليف النفسي بأن يجب الاستقبال حين الذبح في نفسه من دون أن يلزم من عدمه حرمة الذبيحة وصيرورته ميتة. وما ورد في صحيح محمّد بن مسلم من قوله عليه السلام «كل ولا بأس بذلك ما لم يتعمّده» مجمل من هذه الناحية؛ لأنّ اسم الاشارة إذا كان راجعاً إلى الذبح لغير القبلة لا إلى الذبيحة كان ظاهراً في نفي البأس تكليفاً مع عدم التعمّد، ومفهومه ثبوته كذلك مع التعمّد.

ردّ هذه المناقشة:

وقد يناقش فيما أفاده هذا المحقّق:

- أوّلًا: أنّ الأمر في مثل هذه الموارد إرشاد إلى‏الشرطية لا التكليف النفسي؛ لاستبعاده في نفسه عرفاً ومتشرعياً، ولأنّ المهم في باب الذبيحة والذي ينصرف النظر إليه‏ارتكازاً إنّما هو حكم‏أكل الذبيحةوتذكيتها، فإذا أمر بشي‏ء فيها كان ظاهره أنّ ذلك الغرض‏المهم لا يتحقّق إلّابما أمر به، نظير حمل‏الأمر بالغسل مرّة أو مرّتين على الإرشاد إلى أنّ التطهير لا يتحقّق‏إلّا بذلك لا الوجوب‏النفسي. إلّاأنّ هذا النقاش إنّما يتّجه إذا فرض عدم‏تناسب الموضوع‏المنهي عنه مع التكليف أو الآداب التكليفية، وهو ممنوع في المقام؛ إذ لا إشكال أنّ للذبح آداباً تكليفية كالنهي عن إيذاء الحيوان والأمر بكون الشفرة حادّةوالأمر بسقيه قبل الذبح، فليكن منها الاستقبال للقبلة.

- وثانياً: وجود قرائن في ألسنة الروايات تجعلها كالصريح في النظر إلى حكم الذبيحة لا فعل الذبح، منها- ورود السؤال عن الذبيحة حيث قيل في أكثرها «سألته‏ عن الذبيحة تذبح لغير القبلة» ممّا يدلّ على أنّ النظر إلى حكم الذبيحة لا حكم الذبح تكليفاً.

ومنها- ورود الأمر بالأكل في جواب الإمام في أكثرها ممّا يعني أنّ النظر إلى حلّية الذبيحة لا الحكم التكليفي للاستقبال. وما ذكره المحقّق النراقي قدس سره من احتمال رجوع اسم الإشارة إلى الذبح خلاف الظاهر جدّاً؛ لأنّ لازمه أنّ ذيل جواب الإمام أجنبي عن صدره، وأنّ المراد من الأمر بالأكل حلّية الذبيحة، بينما المراد من نفي البأس عن ذلك جواز فعل الذبح لغير القبلة في نفسه، وهذا ليس عرفياً؛ إذ العرف يرى أنّ الجملتين في قوله عليه السلام «كل، ولا بأس بذلك» لبيان مطلب واحد وأنّ الثاني تعليل للأوّل، لا مطلبان مستقلّان أحدهما غير الآخر.

وفي صحيح علي بن جعفر ورد الأمر بالأكل بعد التعبير بنفي البأس. وفي صحيح محمّد بن مسلم الآخر ورد التصريح بالنهي عن الأكل.

ومنها- التعبير بقوله عليه السلام «إذا لم يتعمّد» أو «ما لم‏يتعمّد» فإنّه‏أيضاً يناسب النظر إلى حكم الذبيحة لا فعل الذبح؛ إذ لو كان النظر إلى فعل الذبح لغير القبلة وحرمته تكليفاً كان ما فيه‏بأس قد وقع، غايةالأمر قد يكون معذوراً مع عدم العمد، فلا يناسب‏التعبير عنه ب «لا بأس إذا لم‏يتعمّد»، كما يظهر بملاحظة أدلّة المحرّمات النفسية التكليفية. وإن شئت قلت: إنّ هذا القيد يناسب النظر إلى ما يترتّب على الفعل من‏الآثار والنتائج الوضعيةالاخرى لا حكم نفس‏الفعل‏الذي فرض وقوعه كذلك.

وثالثاً: لو سلّمنا إجمال الروايات الواردة في الاستقبال مع ذلك كانت النتيجة حرمة أكل الذبيحة التي لم يستقبل بها القبلة؛ وذلك لتشكّل علم إجمالي إمّا بحرمة أكلها لكونها غير مذكاة- بناءً على استفادة الشرطية- أو حرمة عمل الذبح إلى غير القبلة- بناءً على‏النفسية- وهذا علم إجمالي منجّز يوجب الاحتياط باجتناب طرفيه، بل تكفي أصالة عدم التذكية حينئذٍ لإثبات الحرمة؛ بناءً على ما هو الصحيح من جريانها لإثبات الحرمة والمانعية وإن قلنا بعدم جريانها لإثبات النجاسة.

ولا يتوهّم محكوميتها للعمومات المتقدّمة، إذ المفروض إجمالها بإجمال المخصّص لها، وهو الروايات المذكورة؛ لأنّ تلك العمومات كما تنفي الوجوب الشرطي للاستقبال حين الذبح كذلك تنفي- ولو بإطلاق مقامي فيها- الوجوب النفسي التكليفي له، وإلّا لكان ينبغي ذكره؛ لأنّه تكليف تعبّدي يغفل عنه العرف، فيكون المقام من موارد إجمال المخصّص ودورانه بين المتباينين، الذي يسري إجماله إلى العام إذا كان متّصلًا به، ويوجب تعارض إطلاقيه إذا كان منفصلًا. وعلى كلا التقديرين لا يصحّ الرجوع إلى العام لنفي شرطية الاستقبال في حلّية الذبيحة، كما هو مقرّر في سائر موارد المخصص للمجمل الدائر بين المتباينين.

نعم، لا يتمّ الإطلاق المقامي في بعض الآيات من قبيل قوله تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ...» «1».

وهكذا يتّضح أنّ ما استشكل‏به المحقّق النراقي قدس سره على المشهور قابل للدفع.

مناقشة المشهور:

وأمّا ما صنعه المشهور في فهم الروايات- حيث فسّروا العمد فيها بما يقابل السهو وما يقابل‏الجهل‏ولو بالحكم ولو عن‏تقصير- فهذا خلاف‏الظاهر ومغاير مع ما مشوا عليه‏في سائرالأبواب؛ إذ العمد معناه‏القصد، والعمد إلى فعل لا يتوقّف على العلم بحكمه، فلو قصدالأكل- مثلًا- كان متعمّداً سواء علم بحرمته‏أم لا، ومن قصد الذبح لغير القبلة كان متعمّداً سواءً علم بشرطيّة الاستقبال أم لا. نعم، الجاهل بالموضوع، أي‏بعنوان الفعل لا يكون متعمّداً؛ لأنّ القصد والعمد إلى فعل فرع الالتفات‏والعلم أو الاحتمال له على‏الأقلّ، كما أنّ المأخوذ لو كان عنوان تعمّد مخالفة السُنّة أو المعصية لم يصدق مع الجهل بالحكم؛ لأنّ عنوان المخالفة والمعصية يكون مجهولًا عندئذٍ، فيكون من الجهل بالموضوع، إلّاأنّ العمد اضيف في هذه الروايات إلى نفس الذبح لغير القبلة. نعم، ورد في مرسلة الدعائم عنوان مخالفة السُنّة على ما سنشير إليه.

وهذا يعني أنّ مقتضى الصناعة تقييد الطائفة الاولى بالثانية التي ورد فيها أنّ البأس ثابت في صورة العمد ويراد به صورة القصد إلى الفعل وهو الذبح لغير القبلة، سواء علم بحكمه أم لا.

إلّا أنّ هذا على خلاف ما هو المسلّم من حلّية ذبائح المسلمين من سائر المذاهب مع صدق العمد إلى الفعل في حقّهم، بل وعلى خلاف صحيحة محمّد ابن مسلم الأخيرة فإنّها صريحة بصدرها في جواز الأكل مع الجهل بالحكم، لأنّ السؤال فيها عن حكم الجاهل بالحكم لا بالموضوع، حيث ذكر «فجهل أن يوجهها إلى القبلة»، ولم يقل «وجهل القبلة».

وما صنعه المشهور في تفسيرها من حمل صدرها على صورة عدم العمد وذيلها على صورة العمد واضح البطلان؛ إذ مضافاً إلى ما تقدّم من أنّ الجهل بالحكم لا يرفع العمد، صريح الرواية أنّ الفقرتين فيهما تسآل عن فرضية واحدة لا فرضيتين. وعليه، فلو حملنا ذيلها على النهي عن الأكل لا الإخبار كان المتعيّن حمله على الكراهة والتنزّه، لأنّ الأمر بالأكل في صدرها صريح في الحلّية، بينما النهي ظاهر في الحرمة، فيحمل على التنزّه لا محالة، فيكون مفاد الصحيحة الكراهة وعدم الحرمة، وعندئذٍ لا بدّ إمّا من تقييد روايات الطائفة الاولى والثانية بصورة العلم بالحكم، أو حمل الأمر فيها على الاستحباب.

ونحن لو لم نقل بتعيّن النحو الثاني للجمع- إمّا لاستحالة التقييد بذلك؛ لأنّه يلزم‏ أخذ العلم بالحكم في موضوعه، أو لاستبعاده في نفسه وعدم عرفيته، أو لأنّه يوجب إلغاء عنوان العمد وإرادة العلم منه، وهو ليس من التقييد بل مخالفة لظهور وضعي- فلا أقلّ من تساوي الاحتمالين من حيث المؤونة العرفية، بحيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر فيكون مجملًا.

هذا، ويمكن أن يقال: إنّ عنوان تعمّد الذبح لغير القبلة يساوق عرفاً التعمّد لحيثيّة الذبح لغير القبلة؛ وذلك بأن يكون الذابح قاصداً مجانبة القبلة في الذبح، نظير ما ورد في مسألة خلود من قتل مؤمناً متعمّداً في النار من أنّ المراد منه من تعمّد قتله بما هو مؤمن لحيثيّة إيمانه.

وإن شئت قلت: إنّ عنوان‏العمد قد يضاف إلى‏ذات‏المقيّد بقيد، وقد يضاف إلى المقيّد بما هو مقيّد، أي‏إلى حيثيّةالتقيّد، وتشخيص‏ذلك يكون بالقرائن والمناسبات.

وفي المقام الظاهر هو الثاني، فليس المقصود إضافة العمد إلى ذات الذبح لغير القبلة، بل المقصود من يتعمّد مجانبة القبلة في الذبح بأنّ يتقصّد أن لا يذبح إليها، بل يذبح إلى غيرها، وهذا لا يكون إلّاممّن في قلبه مرض كالكفّار والمنافقين، أي من ليس بمسلم لبّاً وواقعاً، كالكفّار الذين يتعمّدون الإهلال بذبائحهم لغير اللَّه من الأصنام ونحوها، وإلّا فهو لا يصدر عن المسلم الواقعي.

فخروج ذبائح‏المسلمين- من أبناءالمذاهب الاخرى- عن عنوان العمد في الروايات ليس بملاك أنّ جهلهم بشرطيّة الاستقبال يجعلهم غير عامدين للذبح إلى غير القبلة، ليقال بأنّ الجهل بالحكم لا يرفع عنوان العمد إلى الموضوع، بل لعدم قصدهم مجانبة القبلة، أي‏عدم عمدهم لحيثيّة القيد، فإنّ هذا لا يكون عادة إلّافيمن لا يعتقد بأصل القبلة، لا المسلم فإنّه إذا ذبح لغير القبلة فلغرض له في ذات المقيّد لا حيثيّة القيد، فلا يصدق عليه العمد بالمعنى المذكور. وهذا يعني أنّ هذه الروايات ليست بحسب الحقيقة دالّة على شرطيّة الاستقبال، بل على أن لا يكون الذابح متعمّداً مجانبة القبلة في ذبحه، والذي قد يكشف عن عدم صحّة اعتقاده وعدم إسلامه.

وبهذا لا يكون مفاد هذه الروايات شرطاً زائداً على اشتراط إسلام الذابح وحسن اعتقاده.

وقد يؤيّده ما نجده في ذيل صحيح محمّد بن مسلم الأخير، حيث عطف على النهي عن أكل ذلك بقوله عليه السلام: «ولا تأكل من ذبيحة ما لم يذكر اسم اللَّه عليها» فإنّ بيان هذه الكبرى الكلية عقيب ذلك مع أنّه لم يرد سؤال عنه لعلّه لبيان نكتة ذلك النهي، وأنّ مَن يتعمّد أن لا يوجّه الذبيحة إلى القبلة بالمعنى المتقدّم حيث يشكّ في اعتقاده وإسلامه يشكّ في تسميته وإهلاله بالذبيحة للَّه‏أيضاً.

وممّا يمكن أن يستدلّ أو يستأنس به على الأقلّ لما ذكرناه عدم ورود هذا الشرط في شي‏ء من عمومات الكتاب والسُنّة، حتى المتعرّضة لتفاصيل الذبح وآدابه، كقوله عليه السلام: «ولا ينخع ولا يكسر الرقبة حتى تبرد الذبيحة» «1» فلو كان الاستقبال شرطاً أيضاً فلماذا لم يذكر؟! وهذه وإن كانت عمومات قابلة للتقييد في نفسها، إلّاأنّ خلوّ مجموعها عن ذكر هذا الشرط- خصوصاً ما يتعرّض فيها لذكر الشروط والآداب المستحبّة أو غير الموجبة لحرمة الذبيحة- قد يشكّل دلالة قوية على نفي الشرطية بحيث تجعلها كالمعارض مع الروايات الدالّة على الشرطية.

وإن شئت قلت: إنّ‏التقييد في مثل‏المقام قد يكون‏أكثر مؤونةمن‏حمل الروايات الآمرة بالاستقبال على الاستحباب، وأنّه سُنّة وأدب إسلامي في مقام الذبح والإهلال بالذبيحة للَّه- كما صرّحت بذلك رواية الدعائم «عن أبي جعفر وأبي عبداللَّه عليهما السلام: أنّهما قالا فيمن ذبح لغير القبلة إن كان أخطأ أو نسي أو جهل فلا شي‏ء عليه وتؤكل‏ ذبيحته، وإن تعمّد ذلك فقد أساء ولا يجب [ولا نحب‏] أن تؤكل ذبيحته تلك إذا تعمّد خلاف السُنّة» «1» وظاهرها عدم الوجوب كما لا يخفى، كما أنّها أضافت التعمّد إلى مخالفة السُنّة، وهو الحكم الشرعي، لا مجرّد الفعل الخارجي.

هذا كلّه مضافاً إلى استبعاد مثل هذه الشرطية اللزومية في نفسها بأن يكون الاستقبال شرطاً في التذكية ولكن ترتفع شرطيّته بالجهل ولو بالحكم ولو عن تقصير، بحيث تكون شرطيّته خاصّة بالشيعي العالم بالحكم، فإنّ هذا يناسب الأحكام التكليفية لا الوضعية كالطهارة والتذكية ونحو ذلك.

وهذه المناسبة قد تشكّل قرينة لبّية أيضاً لصرف مفاد الروايات إلى التكليف النفسي في مقام الذبح أو إلى ما ذكرناه من الكاشفية عن حسن إسلام الذابح وإهلاله بالذبيحة للَّه‏حقيقة وجدّاً.

ثمّ إنّ عبارة الشيخ قدس سره في الخلاف «2» في مسألة الاستقبال قد تدلّ على عدم إجماع في المسألة، وإلّا كان يصرّح به ويستدلّ به، فقد ذكر في المسألة (11) من كتاب الأضحية «لا يجوز أكل ذبيحة تذبح لغير القبلة مع العمد والإمكان، وقال جميع الفقهاء: إنّ ذلك مستحب، وروي عن ابن عمر أنّه قال: أكره ذبيحة تذبح لغير القبلة. دليلنا: أنّ ما اعتبرناه مجمع على جواز التذكية به، وليس على ما قالوه دليل، وأيضاً روى جابر قال: ضحى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم بكبشين أقرنين فلمّا وجّههما قرأ وجّهت وجهي، الآيتين».

وممّا قد يدلّ على ذلك أيضاً أنّه لم يذكره في كتاب الصيد والذباحة وشرائطهما، بل ذكره في كتاب الضحايا ومستحبّاتها.

كما أنّ عبائر السيّد المرتضى قدس سره في الانتصار «3» قد توحي بعدم وجود إجماع واضح في المسألة، حيث إنّه استدل على ذلك بالأصل العملي، فراجع كلماته.

وأمّا كلام المفيد قدس سره في المقنعة «1» فقد ذكر فيه الاستقبال في سياق غيره من الشروط المستحبّة أو الواجبة نفسياً أي غير الموجبة لحرمة الذبيحة، كعدم قطع رأس الذبيحة وعدم سلخها حتى تبرد، فراجع وتأمّل.

هذا كلّه في أصل شرطية الاستقبال كبروياً.

ثانياً (البحث الصغروي):

ثمّ لو فرغنا عن الشرطية، فهل الشرط استقبال الذابح أو الذبيحة أو كلاهما؟ وجوه والمشهور الثاني منهما. وقد استدلّوا عليه بأنّ ظاهر الدليل ذلك، حيث ورد «استقبل بذبيحتك القبلة»، والباء للتعدية، نظير قوله تعالى: «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» «2» أي‏أذهب اللَّه نورهم، فيكون ظاهره جعل الذبيحة مستقبلة للقبلة. نعم، ورد في مرسل الدعائم عن أبي جعفر عليه السلام «إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذّب الذبيحة أحدّ الشفرة واستقبل القبلة» «3»، ولكنّه مع إرساله لا ظهور فيه على الخلاف؛ لاحتمال إرادة الاستقبال بالبهيمة «4».

ولكن الظاهر أنّ الباء في مثل هذه الموارد وإن أفادت التعدية، إلّاأنّ ذلك ليس بمعنى سلخ الفاعل عن إسناد الفعل إليه، بل هو مع بقاء الفعل مسنداً إلى فاعله، فقولنا: «ذهبت بزيد» معناه أنّني ذهبت وأذهبت معي زيداً، وكذلك معنى «استقبل بذبيحتك القبلة» أن تستقبل أنت القبلة وتجعل ذبيحتك كذلك معك، فيكون ظاهر هذا اللسان اشتراط استقبال الذابح أيضاً حين الذبح وعدم كفاية استقبال الذبيحة وحدها.

إلّا أنّ هذا الظهور يمكن رفع اليد عنه بما ورد في سائر الروايات من التعبير بقوله «لم يوجهها» «5» أو التعبير بقوله: «تذبح لغير القبلة» «6» ممّا ظاهره أنّ ما هو شرط أن تكون الذبيحة إلى جهة القبلة، وظاهر هذا العنوان كفاية أن يكون مذبحها حين الذبح مواجهاً للقبلة، فإنّه ذبح لجهة القبلة، فلا يشترط أن تكون جميع مقاديمها إلى‏ القبلة، فضلًا عن أن تكون مضطجعة على يمينها أو شمالها، فإنّ كل هذا منفي بالإطلاق.

لا يقال: ظاهر الأمر بالاستقبال بالذبيحة إلى القبلة وكذلك توجيه الذبيحة إليها حين الذبح أن تكون مقاديم الذبيحة إليها.

فإنّه يقال: بل ظاهره توجيه الذبيحة والاستقبال بها بما هي ذبيحة، أي‏بلحاظ حيثية ذبحها، وإلّا فوجه الذبيحة لا يمكن أن يكون إلى القبلة حال الذبح فتكون المواجهة والاستقبال بلحاظ محلّ الذبح، وهو مذبحها، لا الامور الاخرى.

ثمّ لو فرض لزوم توجيه مقاديمها إلى القبلة حين الذبح، فلا ينبغي الإشكال في عدم اشتراط أن يكون ذلك في حال الاضطجاع.

بل لو كان يذبح بشكل عمودي إلى القبلة، كما في ذبح الدجاجة بالماكنة حيث تعلّق من رجليها أيضاً كان الاستقبال محفوظاً، فلا ينبغي الإشكال من هذه الناحية.

وبالإمكان في الذبح بالماكنة التخلّص عن مشكلة الاستقبال بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب الإسلامية، فتكون الذبيحة محلّلة؛ لما تقدّم من عدم الشكّ في حلّية ذبيحتهم لنا، وقد استفدناه من صحيح ابن مسلم، واستفاده المشهور أيضاً من روايات عدم التعمّد، فمن ناحية الاستقبال لا مشكلة في الذبح بالمكائن.

الأمر الرابع (كون آلة الذبح حديداً):

وقد يستشكل في الذبح بالماكنة وغيرها من ناحية آلة الذبح، حيث ادّعي اشتراط أن يكون الذبح بالحديد، ففي النهاية «ولا يجوز الذباحة إلّابالحديد فإن لم توجد حديدة وخيف فوت الذبيحة أو اضطرّ إلى ذباحتها جاز له أن يذبح بما يفري‏ الأوداج من ليطة أو قصبة أو زجاجة أو حجارة حادّة الأطراف» «1».

وذكر الشيخ قدس سره في الخلاف (كتاب الصيد والذباحة): «لا تحلّ التذكية بالسنّ ولا بالظفر، سواء كان متّصلًا أو منفصلًا بلا خلاف، وإن خالف وذبح به لم يحلّ أكله، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان الظفر والسن متّصلين كما قلناه، وإن كانا منفصلين حلّ أكله. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم وطريقة الاحتياط، وروى رافع بن خديج أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوا إلّاما كان من سن أو ظفر، وساحدّثكم عن ذلك: أمّا السنّ فعظم من الإنسان وأمّا الظفر فمدى الحبشية». ولم يفصّل بين أن يكون متصّلًا أو منفصلًا» «2».

وذكر في المبسوط «كل محدّد يتأتّى الذبح به ينظر فيه، فإن كان من حديد أو صفر أو خشب أو ليطة- وهو القصب- أو مروة وهي الحجارة الحادّة حلّت الذكاة بكل هذا، إلّاما كان من سنّ أو ظفر، فإنّه لا يحلّ الذكاة بواحد منهما، فإن خالف وفعل به لم يحلّ أكلهما، سواء كان متّصلًا أو منفصلًا. وقال بعضهم في السن والظفر المنفصلين إن خالف وفعل حلّ أكله وإن كان متّصلًا لم يحلّ، والأوّل مذهبنا، غير أنّه لا يجوز عندنا أن يعدل عن الحديد إلى غيره مع القدرة عليه» «3».

وقال القاضي في مهذّبه: «والذباحة لا يجوز إلّابالحديد فمن خاف من موت الذبيحة ولم يقدر على الحديد جاز أن يذبح بشي‏ء له حدّة مثل الزجاجة والحجر الحادّ أو القصب، والحديد أفضل وأولى من جميع ذلك» «4».

وفي الغنية: «مع التمكّن من ذلك بالحديد أو ما يقوم مقامه في القطع عند فقده من زجاج أو حجر أو قصب» «5».

وفي الوسيلة: «والذبح يجب أن يكون حالة الاختيار بالحديدة ويجوز حالة الضرورة بما يفري الأوداج من الليطة والمروة والخشبة» «6».

وفي الشرائع: «وأمّا الآلة فلا يصحّ التذكية إلّابالحديد، ولو لم يوجد وخيف فوت الذبيحة جاز بما يفري أعضاء الذبح ولو كان ليطة أو خشبة أو مروة حادة أو زجاجة» «1».

وفي المختصر النافع: «ولا تصحّ إلّابالحديد مع القدرة، ويجوز بغيره ممّا يفري الأوداج عند الضرورة ولو مروة أو ليطة أو زجاجة، وفي الظفر والسنّ مع الضرورة تردّد» «2».

وفي الجامع للشرائع: «ويحلّ الذكاة بكل محدّد من حديد أو صفر أو خشب أو مرو أو زجاج مع تعذّر الحديد، ويكره بالسنّ والظفر ...» «3».

وفي القواعد: «ولا يصحّ التذكية إلّابالحديد، فإن تعذّر وخيف فوت الذبيحة جاز بكل ما يفري الأعضاء كالزجاجة والليطة والخشبة والمروة الحادة» «4».

وفي اللمعة: «أن يكون بالحديد، فإن خيف فوت الذبيحة وتعذّر الحديد جاز بما يفري الأعضاء من ليطة أو مروة حادة أو زجاجة، وفي السن والظفر للضرورة قول بالجواز» «5».

وفي الجواهر: «وأمّا الآلة فلا تصحّ التذكية ذبحاً أو نحراً إلّابالحديد مع القدرة عليه، وإن كان من المعادن المنطبعة كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها، بلا خلاف فيه بيننا كما في الرياض، بل في المسالك (عندنا) مشعراً بدعوى الإجماع عليه كما عن غيره، بل في كشف اللثام اتّفاقاً كما يظهر» «6».

وقد جرى على الفتوى ذاتها الأعلام المتأخرون في رسائلهم العملية.

واستدلّوا عليه بأنّه مقتضى الأصل وبالإجماع وبالروايات الخاصّة، كصحيح محمّد بن مسلم «سألت أبا جعفر عليه السلام عن الذبيحة بالليطة والمروة فقال: لا ذكاة إلّابحديدة» «7».

وصحيح الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام «سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة فقال: قال علي عليه السلام: لا يصلح إلّا بالحديدة» «1».

ومعتبرة الحضرمي عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه قال: «لا يؤكل ما لم يذبح بحديدة» «2».

ومعتبرة سماعة قال: «سألته عن الذكاة فقال: لا تذكِّ إلّابحديدة، نهى عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام» «3».

ويخرج عن إطلاق هذه الروايات خصوص صورة الضرورة؛ لما دلّ على حصول التذكية بغير الحديد فيها، وهي روايات عديدة ومعتبرة.

أمّا الأصل:

فإن اريد به أصالة عدم التذكية فهو صحيح في نفسه، ولكنّه محكوم للمطلقات في بعض الروايات المتقدّمة وروايات قادمة سنشير إليها.

وأمّا الإجماع:

فالمنقول منه ليس بحجّة، والمحصّل منه غير حاصل، فإنّه لا يظهر من كلمات القدماء وجود إجماع في المسألة، بل لا نجد ذكر هذه الخصوصية حتى في مثل كتاب الانتصار بعنوان ما انفرد به الإمامية، وأمّا الفتاوى التي ذكرناها ونقلناها عن الكتب فهي متطابقة مع تعابير الروايات ممّا يوجب الاطمئنان بأنّ الإفتاء بها باعتبار ورودها في الروايات لا على أساس إجماع تعبّدي في المسألة، ومن هنا يحتمل في أكثرها خصوصاً كلمات القدماء منها ما سيأتي في معنى الروايات.

وأمّا الروايات الخاصّة التي استدلّ بها على شرطية الحديد، فلا دلالة لها على ذلك، وذلك:

امّا أوّلًا: فلأنّ الوارد في لسانها عنوان الحديدة، والحديدة هي القطعة من الفلز الصعب الذي غالباً يكون من جنس الحديد، والذي يحدّد ويعدّ للقطع والذبح، فيكون المراد من الحديدة السكّين والمدية والسيف والشفرة ونحوها، ويكون الملحوظ فيها كونها قطعة حادّة معدّة لذلك، لا جنسها وكونها من فلز الحديد في قبال سائر الفلزات المنطبعة كالنحاس والصفر، فيكون قوله عليه السلام: «لا ذكاة إلّابحديدة» بمعنى لا ذكاة إلّابالسكّين والسيف ونحوهما في قبال الذبح بالليطة والحجر والعود والقصبة ممّا ليس معدّاً لذلك.

وليس المراد اشتراط كون آلة الذبح من جنس الحديد لا من جنس آخر، فلو كان الحديد على شكل عصا أو هراوة أيضاً لا يصلح الذكاة به لأنّها ليست بحديدة بالمعنى المتقدّم.

وممّا يشهد على إرادة هذا المعنى ما نجده في هذه الروايات وغيرها من جعل المقابلة بين الحديدة وبين العود والحجر والقصبة والليطة، مع أنّه لو كان النظر إلى خصوصية الجنس كان اللازم أن يجعل المقابلة بين الحديد وبين النحاس والصفر والذهب ونحوها من الأجناس الاخرى، في حين انّه لم يرد ذلك في شي‏ء من الروايات ولا أسئلة الرواة.

وأيضاً قد ورد في روايات اخرى التعبير بدلًا عن الحديدة بالسكّين، ففي صحيح عبدالرحمان بن الحجّاج قال:

«سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن المروة والقصبة والعود يذبح بهنّ الإنسان إذا لم يجد سكّيناً، فقال: ...» الخ «1».

ومعتبرة زيد الشحام، قال: «سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل لم يكن بحضرته سكّين أيذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود إذا لم تصب الحديدة» «2».

مع وضوح أنّ السؤال واحد في جميع هذه الروايات، فالمراد بالحديدة السكّين ونحوه ممّا هو معدّ للقطع والذبح والقتل في قبال ما لم يعدّ لذلك كالحجر والعصا والقصبة ممّا قد يمكن الذبح بها مع العناية والمشقّة للمذبوح.

لا يقال: لا مانع من أخذ كلتا الخصوصيتين شرطاً في آلة الذبح، أي‏كونها من جنس الحديد وأن تكون محدّدة معدّة للقطع والذبح كالسكّين ونحوه، فيراد بالحديدة ما يكون سكّيناً من جنس الحديد.

فإنّه يقال: بين المعنيين تباين في المفهوم، فلا يصحّ أخذهما معاً في مادة الحديد؛ إذ الحديد بمعنى الفلزّ المعروف غير الحديد بمعنى الحادّ القاطع، كما أنّ بينهما عموم من وجه في الصدق، فالحديدة امّا أن يراد بها القطعة الحادّة المعدّة للقطع والذبح كالسكّين والمدية وإن كان من غير جنس الحديد، وامّا أن يراد بها القطعة من الفلزّ المخصوص وإن لم تكن حادّة وقاطعة للحم.

أمّا الجمع بينهما فهو أشبه باستعمال المادة المشتقّ منها الكلمة في كلا المعنيين، وحيث إنّ الحيثيّة الثانية أعني المحددية والقاطعية ملحوظة هنا جزماً- بل هو المعنى الأصلي للمادة- فيتعيّن إرادة المعنى الثاني، بل قد عرفت تعيّن إرادة ذلك أيضاً بالقرائن الداخلية والخارجية في لسان الروايات، فيتمسّك بإطلاقه من حيث كونه من جنس الحديد أم لا، فيكون مفاد الروايات اشتراط كون الذبح بالآلة المحدّدة المعدّة للذبح والقطع بحدّها، فيكون الذبح بها بسهولة ويسر وإراحة للمذبوح وإن لم يكن من جنس الفلز المخصوص، في قبال ما لا يكون كذلك وإن كان من جنس ذاك الفلز كالحجر والقصب والعصا.

وممّا يشهد على ما ذكرناه مراجعة روايات الجمهور المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وفتاواهم «1»، فإنّه لم يرد فيها التعبير بالحديد، بل الذبح بالمدية والسكّين في قبال الذبح بالعصا والقصب والليطة ممّا يكون ظهوره فيما ذكرناه أوضح، كما أنّ عنوان الحديد الوارد في كلمات فقهائهم أرادوا به ما يكون محدّداً يقطع ويخرق لا الفلز المخصوص، حيث ذكروا أنّه يشترط في آلة الذبح شرطان: أن تكون محدّدة تقطع أو تخرق بحدّها لا بثقلها، وأن لا تكون سنّاً ولا ظفراً.

ولا شك أنّ رواياتنا الصادرة عن الائمّة المعصومين عليهم السلام، وكذلك كلمات فقهائنا القدامى لا بدّ وأن نفهمها في ضوء الجوّ الفقهي السائد عند الجمهور والوارد في رواياتهم لا مفصولة عن ذلك، وهذه نكتة مهمّة لا بدّ من مراعاتها في فهم الأخبار وكلمات الفقهاء.

وممّا يمكن أن يؤيّد هذا الفهم أيضاً، ما ورد في رواياتنا ورواياتهم من التأكيد على لزوم تحديد الشفرة- وهي السكّين الحادّ- وإراحة الذبيحة وعدم تعذيبها فى مقام الذبح وعدم نخعها أو سلخها ونحو ذلك ممّا يؤيّد أنّ المقصود من الأمر بالذكاة بالحديدة المعنى الثاني لها لا الأوّل.

ثمّ إنّ رواية أبي بكر الحضرمي واردة في الكافي والتهذيب بلفظ «ما لم يذبح بحديدة» «1» ولكن الشيخ قدس سره نقلها في الاستبصار بلفظ «ما لم يذبح بالحديد» «2»، إلّاأنّ المراد به نفس المعنى، على أنّ المطمأن به صحّة نسخة الكافي والتهذيب. وكذلك رواية الشحّام واردة في الكافي بتعبير «إذا لم تصب الحديدة» «3»، وفي التهذيب والاستبصار بتعبير: «إذا لم تصب الحديد» «4» وهو أيضاً بنفس المعنى، خصوصاً مع وقوع السؤال فيها عمّن ليس بحضرته سكّين، بل قد عرفت أنّ المعنى الأصلي للحديد القطعة الحادّة القاطعة، لا المعدن المخصوص، ولعلّه إنّما سمّي بذلك لكونه حادّاً وصلباً.

إيضاح:

إنّ الحديدة مؤنّث الحديد، وهو فعيل بمعنى فاعل، أي‏الحادّ، وقد سمّي المعدن المخصوص حديداً لصلابته ومنعته، كما ذكر ذلك أرباب اللغة، فإنّ الحدّ في الأصل له معنيان:

1- المنع وطرف الشي‏ء، وهذا يعني أنّ الحديد أصبح له معنيان معنى لغوي اشتقاقي هو الحادّ ومؤنّثه حديدة، أي‏القطعة الحادّة القاطعة بحدّتها، وقد شاع‏ استعمالها في السلاح، أي‏آلة الذبح والقتل والقطع، وهي ما يعدّ ويصنع من المعادن الصلبة على شكل سكّين أو سيف أو مدية أو شفرة لذلك.

2- والمعنى الآخر المعدن الخاصّ المعروف، وهو معنى جامد، كما أنّه معنى ثانوي لا أصلي كما أشرنا، ومؤنّثه حديدة أيضاً، بمعنى قطعة من ذلك المعدن، وهذا المعنى مباين مع الأوّل، من حيث الجمود والاشتقاق، ومن حيث عدم أخذ خصوصية المحدّدية في المعنى الثاني، بخلاف الأوّل فالحديدة بالمعنى الأوّل أعني مؤنّث الحديد بمعنى الحادّ قد لوحظ فيه خصوصية المحدّدية وجعل الشي‏ء أو المعدن محدّداً بحيث يستعمل للقطع والقتل والفري بحدّته وهو السلاح، بينما الحديدة بالمعنى الثاني قطعة من المعدن بأي شكل وكيفية كانت، وإرادة كلا المعنيين من الحديدة الواردة في روايات : >لا ذكاة إلا بحديدة< غير صحيح جزماً، لأنه مستلزم لاستعمال اللفظ في المعنيين الجامد والمشتق، فيدور الأمر بين أن يكون المراد المعنى الأوّل الذي هو المعنى الأصلي الاشتقاقي للكلمة أو المعنى الثاني في الجامد.

وعلى الأوّل يدلّ قوله عليه السلام: «لا ذكاة إلّابحديدة» على أنّ آلة الذبح لا بدّ وأن تكون سلاحاً أي‏آلة محدّدة معدّة للذبح بحدّها، ولا يكفي مطلق ما يمكن أن يقطع الحلقوم أو تفرى به الأوداج.

وعلى الثاني يدلّ على أنّ آلة الذبح لا بدّ وأن تكون قطعة من الحديد أي‏من المعدن الخاصّ، فلا يصحّ الذبح بغير ذلك من الأجناس، ولا يمكن الجمع بين المعنيين كما هو ظاهر كلمات الأصحاب، إلّاإذا قلنا: بأنّ الحديدة صارت خاصّة بالآلة المحدّدة المعدّة للقطع والفري من جنس الحديد بالخصوص. وهذه الدعوى- مضافاً إلى أنّه لا شاهد عليها- خلاف كلمات جملة من اللغويين، حيث ذكروا للحديدة معنيين، أحدهما القطعة من معدن الحديد، والآخر مؤنّث حديد بمعنى الحادّ، بل من يراجع الاستعمالات يجد أنّه كان يطلق كثيراً على سيف الرجل ومديته ونحوهما أنّه حديدته‏ بلحاظ كونه سلاحاً ومحدّداً معدّاً للقتل والقطع، من دون فرق بين كونه من جنس معدن الحديد بالخصوص أو من جنس آخر أو مجموع جنسين.

فلا بدّ من إرادة أحد المعنيين في استعمال كلمة الحديدة لا كليهما ولا مجمعهما؛ إذ الأوّل من الاستعمال في معنيين والثاني ليس معنى اللفظ. وعندئذٍ يقال: يتعيّن إرادة المعنى الأوّل لا الثاني؛ لأنّه مضافاً إلى أنّه المعنى الأصلي للكلمة، صراحة نظر الروايات إلى حيثيّة المحدّدية، بقرينة المقابلة- في الأسئلة والأجوبة معاً- بين الحديدة وبين العصا والعود والحجر ممّا ليس بحسب طبعه محدّداً ولا معدّاً للقطع والفري وإن كان يمكن القطع بها أيضاً مع العناية والمشقة، وبقرينة ذكر ذلك مقابل السكّين والمدية- كما في روايات الجمهور- وبالقرائن الاخرى التي ذكرناها، بل قد عرفت أنّ الأصحاب أيضاً فهموا دلالة هذه الروايات، بل نظروا إلى حيثيّة المحدّدية ولم يستشكلوا في ذلك، وإنّما حاولوا استفادة مجمع الحيثيتين، والذي عرفت أنّه إمّا ممتنع أو خلاف الظاهر.

لا يقال: يمكن استفادة اشتراط المحدّدية من فرض الذبح في الروايات، والذي لا يكون عادة إلّابالشي‏ء المحدّد الذي يفري الأوداج، وإلّا لم يكن يذبح به بل يقطع، وأمّا اشتراط معدن الحديد وجنسه فيستفاد من قوله عليه السلام: «لا ذكاة إلّا بحديدة» بإرادة المعنى الجامد منها، فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين وتكون النتيجة ما ذهب إليه المشهور من الجمع بين الحيثيتين.

فإنّه يقال: ليس مفهوم الذبح إلّاقطع الحلقوم والأوداج، كما تشهد به معتبرة الشحّام، فلا يمكن أن يستفاد من مجرّد ذكر الذبح اشتراط المحدّدية، على أنّ الوارد في الروايات لا ذكاة إلّابحديدة، ولم يرد لا ذبح إلّابحديدة لكي يتوهّم استفادة المحدّدية من الذبح، على أنّه من المقطوع به الواضح جدّاً أنّ الحديدة في الروايات قد لوحظ فيها جنبة المحدّدية جزماً ولو بقرينة المقابلة مع العصا والقصبة والعود التي‏ لا تكون كذلك عادة، بل لو كان المراد المعنى الجامد لجي‏ء بالمذكّر أي‏قيل: إلّابحديد، لا الحديدة؛ إذ لا دخالة لكون الحديد قطعة عندئذٍ في التذكية جزماً، بخلاف الحديدة بالمعنى المشتق فإنّها تشبه اسم الآلة، فحمل عنوان الحديدة في الروايات على إرادة القطعة من الحديد- أعني المعدن المخصوص- غير ممكن.

لا يقال: إذا كان المقصود اشتراط المحدّدية في آلة الذبح وإرادة ذلك من عنوان الحديدة، فلماذا وقع النهي عن الذبح بالعصا والعود والحجر مطلقاً، بل كان اللازم أن يقال: اذبح بها إذا كانت محدّدة.

فإنّه يقال: ليست الحديدة بمعنى كلّ محدّد، بل خصوص السلاح المحدّد، أي‏ما يصنع من الفلزات الصعبة عادة على شكل سيف أو خنجر أو سكّين ليستعمل في القطع والقتل والفري بحدّته، فإذا كانت الروايات تدلّ على الخصوصية، فالخصوصية في الحديدة بهذا المعنى، والتي تكون مقابل العصا والعود والقصبة وإن كانت محدّدة.

فلا ينبغي الإشكال في أنّ روايات الحديدة تدلّ على اشتراط الحديد بهذا المعنى لا بالمعنى الجامد، فيمكن التمسّك بإطلاقها لما إذا كانت الحديدة مصنوعة من معدن آخر غير الحديد أو من مجموع معدنين أو أكثر، ويكفي الشكّ واحتمال إرادة هذا المعنى للإجمال والرجوع إلى المطلقات.

وأمّا ثانياً: أنّ مقتضى الصناعة حمل الروايات الناهية على صورة عدم خروج الدم أو عدم فري الأوداج الذي لا إشكال في عدم التذكية فيه. وتوضيح ذلك: أنّ الروايات على طوائف أربع:

- الطائفة الاولى: ما دلّ على النهي عن الذبح بغير الحديدة مطلقاً، أي‏من غير تقييد بصورة الاختيار والاضطرار إلى الذبح، وهي الروايات التي ذكرناها.

- الطائفة الثانية: ما دلّ على الجواز مطلقاً، وهي معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن علي عليه السلام أنّه كان يقول: «لا بأس بذبيحة المروة والعود وأشباههما ما خلا السن والعظم» «1».

- الطائفة الثالثة: ما دلّ على التفصيل بين صورة عدم وجدان الحديدة فيجوز الذبح بغيرها وصورة وجدانها فلا، من قبيل صحيح ابن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «لا بأس أن تأكل ما ذبح بحجر إذا لم تجد حديدة» «2»، ومعتبرة زيد الشحّام قال: «سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل لم يكن بحضرته سكّين أيذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود إذا لم تصب الحديدة ...» إلخ «3»، وصحيح ابن الحجّاج قال: «سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن المروة والقصبة والعود يذبح بهنّ الإنسان إذا لم يجد سكّيناً فقال: إذا فرى الأوداج فلا بأس» «4».

- الطائفة الرابعة: ما دلّ على تقييد الجواز في صورة عدم وجدان السكّين بما إذا كان مضطراً إلى الذبح، وهي رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في الذبيحة بغير حديدة قال: «إذا اضطررت إليها فإن لم تجد حديدة فاذبحها بحجر» «5».

والطائفتان الاولى والثانية وإن كانتا متعارضتين في نفسيهما، إلّاأنّ الطائفتين الثالثة والرابعة تكونان شاهدي جمع وتفصيل بينهما، والمشهور قد فصّلوا بين صورة خوف موت الذبيحة وصورة عدمه فأجازوا الذبح بغير الحديدة في الاولى دون الثانية. إلّاأنّه من الواضح عدم ورود عنوان خوف موت الذبيحة في شي‏ء من هذه الروايات، ومن هنا أفتى جملة من المحقّقين بالتفصيل بين صورة القدرة على الذبح بالحديدة فلا يجوز بغيرها وصورة عدم القدرة فيجوز.

والظاهر استفادة هذا القيد من الطائفة الرابعة، فإنّها لكونها أخصّ من الثالثة تقيد جواز الذبح في صورة عدم وجود السكين بالاضطرار إلى الذبيحة، فمن يكون مضطراً إلى الذبح إن لم يجد سكّيناً يذبح بغيره، وهذا هو المقصود من عدم القدرة على السكّين، فإنّه إنّما يصدق فيمن لا يجد سكيناً مع لزوم أصل الذبح واضطراره إليه، فيقال: إنّ مقتضى الصناعة هذا التفصيل. ولعلّ من عبّر من القدماء بفوت الذبيحة كالشيخ في النهاية «1» والمحقّق في الشرائع «2» والعلّامة في القواعد «3» أراد ذكر مصداق الاضطرار، ولهذا عطف الشيخ على ذلك في النهاية قوله: «أو اضطر إلى ذباحتها».

ولكن أصل هذا النحو من الجمع بين الروايات محلّ تأمّل؛ إذ توجد في روايات الطائفة الثالثة ما يكون ظاهراً في بيان ملاك الحكم بالحلّية وضابطته، حيث ورد في معتبرة الشحّام قوله عليه السلام: «اذبح بالحجر وبالعظم والقصبة والعود إذا لم تصب الحديدة إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس».

ومن الواضح أنّ هذا الكلام مشتمل على شرطين مستقلّين (اذبح بالحجر ... إذا لم تصب الحديدة) و (إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس)، فلو لم تكن الشرطية الثانية موجودة أو لم تكن شرطية مستقلّة، كما إذا لم تكن كلمة فلا بأس موجودة وكانت هكذا (اذبح بالحجر .. إذا لم تصب الحديدة إذا قطع الحلقوم وخرج الدم) صحّ الاستظهار المذكور؛ لأنّ ظاهرها عندئذٍ تقييد الحكم بالجواز في صورة عدم إصابة الحديدة بما إذا قطع الحلقوم وخرج الدم، وأمّا حيث وردت هذه الشرطية بشكل تامّ وبنحو جملة مستقلّة فظاهرها عندئذٍ بيان الضابطة الكلية وأنّ الذبح بالحجر والعود أو غيرهما لا خصوصية فيه، وإنّما الميزان أن يتحقّق قطع الحلقوم وخروج الدم المتعارف، الأمر الثابت لزومه في تحقّق الذبح شرعاً، ولعلّه عرفاً أيضاً.

والمعنى نفسه مستظهر من صحيح ابن الحجّاح بدرجة أخفّ، حيث إنّ جواب الإمام عليه السلام فيه ظاهر في إعطاء الضابطة والكبرى الكلية، وهي أنّه إذا فريت الأوداج فلا بأس، فيكون ظاهر هاتين الروايتين أنّ الأمر يدور مدار فري الأوداج وخروج الدم، وفي موارد الذبح بغير الحديدة من القصب والحجر والعود يخشى عدم تحقّق ذلك، ويكون التقييد بالاضطرار إلى الذبيحة في خبر محمّد بن مسلم في الطائفة الرابعة محمولًا على إرادة التحذير من الوقوع في محذور عدم فري الأوداج وعدم خروج الدم المتعارف، كما هو في معرض ذلك إذا لم تكن آلة الذبح حادة كالسكّين ونحوه، لا تقييد الحكم بالتذكية بذلك.

وقد وقع هذا التعبير ذاته وجاء هذا القيد نفسه في روايات ذبيحة الصبي والمرأة وأنّه لا بأس بها إذا اضطر إلى ذلك أو إذا لم يكن غيرهما أو خيف فوت الذبيحة «1»، مع أنّ المشهور لم يفهموا منها التقييد هناك، بل حملوا ذلك على الخشية من عدم قدرة الصبي أو المرأة على الذبح الصحيح وتسديده، فكذلك في المقام، فإنّ ما جاء في روايتي الشحام وابن الحجاج- مضافاً إلى مناسبة الحكم في نفسه- يوجب أن يفهم العرف من التقييد بالاضطرار أو عدم وجدان السكّين أو الحديدة هنا الخشية من عدم تحقّق الذبح الصحيح، الذي يكون بخروج الدم المتعارف وفري الأوداج، لا أنّ ذلك تقييد زائد للذبح الصحيح.

وهذا المعنى إن استظهرناه من هذه الروايات المفصّلة كانت دليلًا على هذا التفصيل، أي‏حمل الطائفة الناهية عن الذبح بغير الحديدة على صورة عدم تحقّق فري الأوداج أو خروج الدم أو احتمال ذلك، فإنّها مطلقة من هذه الناحية، كما تتقيّد الطائفة الثانية المجوّزة بما إذا حصل ذلك بالذبح بالقصبة والعود ونحوها.

وإن لم نجزم بالاستظهار المذكور فلا أقلّ من احتماله احتمالًا عرفياً لا يبقى معه ظهور في الروايات المفصّلة فيما ذكره المشهور، أي‏لا يثبت كون الاضطرار وعدم القدرة على الحديدة قيداً في الذبح الصحيح، فلعلّه من باب إحراز ما هو القيد الثابت في الذبح، وهو خروج الدم المتعارف وفري الأوداج، فلا يمكن أن نثبت بها حرمة الذبيحة بغير الحديدة إذا خرج الدم المتعارف وفريت الأوداج.

نعم، في فرض عدم تحقّق ذلك تكون الذبيحة محرّمة، وهو ثابت في نفسه بأدلّة اخرى أيضاً، فتبقى الطائفتان الاولى والثانية على حالهما من التعارض، وعندئذٍ يتعيّن الجمع بينهما بتقييد الطائفة الثانية الدالّة على نفي البأس بذبيحة المروة والعود وأشباههما بصورة خروج الدم وفري الأوداج بهما؛ لأنّ هذا ثابت بأدلّة اخرى وبنفس صحيح ابن الحجّاج ومعتبرة الشحّام، لأنّهما تدلّان على كل حال على لزوم ذلك في حلّية الذبيحة وشرطيّته في الذبح الصحيح، وإنّما الشكّ والإجمال في دلالتهما على قيد زائد على ذلك، وهو كون ذلك بالحديدة لا بغيرها، وبعد هذا التقييد تصبح الطائفة الثانية أخصّ مطلقاً من الاولى، فتقيّدها بصورة عدم إحراز خروج الدم وفري الأوداج تطبيقاً لمبنى انقلاب النسبة. هذا لو لم نقل بأنّ الطائفة الثانية في نفسها لا إطلاق لها لصورة عدم تحقّق فري الأوداج وخروج الدم المتعارف، وإلّا كانت أخصّ بلا حاجة إلى مبنى انقلاب النسبة، كما هو واضح.

والمتلخّص من مجموع ما تقدّم في هذا الأمر الرابع: أنّ ما ذهب إليه المشهور من اشتراط كون الذبح بجنس الحديد لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأمرين:

1- أنّ المراد بالحديدة في الروايات ليس جنس الحديد في قبال غيره من الأجناس، بل القطعة الحادّة المعدّة للذبح والقطع السريع كالسكّين والسيف والشفرة سواء كان مصنوعاً من الفلز المخصوص المسمّى بالحديد أم لا، فإنّ هذا هو المعنى العرفي واللغوي للحديد، بل لعلّه إنّما سمّي ذلك الفلز بالحديد لصلابته وحدّته، فلو ثبت من الروايات تفصيل في الذبح بالآلة، فلا بدّ أن يكون بين الذبح بالحديدة بهذا المعنى وغيره، لا بين معدن الحديد وغيره.

2- أنّ أصل التفصيل بين فرض القدرة على الحديدة وغيره في آلة الذبح لا يمكن إثباته بهذه الروايات؛ لأنّ المستفاد منها ليس بأكثر ممّا هو ثابت بروايات اخرى من اشتراط أن تكون كيفيّة الذبح بفري الأوداج وخروج الدم المتعارف، وانّ تقييد الذبح بغير الحديدة فيها بصورة الاضطرار إلى الذبيحة أو عدم وجدان السكّين للتحرّز عن الوقوع في خلاف ذلك؛ لأنّ الذبح بمثل العصا والعود والقصبة وأشباهها في معرض ذلك، نظير نفس التقييد الوارد في روايات ذبيحة الصبي والمرأة، فراجع وتأمّل.

ويكفي لثبوت هذا التفصيل إجمال الروايات من هذه الناحية أيضاً، بل مع سقوط رواية محمّد بن مسلم سنداً لا يبقى إلّا ما دلّ على التفصيل بين من يكون بحضرته سكّين ومن لا يكون ولو لم يكن مضطراً إلى أصل الذبح، ومن الواضح أنّ مثل هذا التفصيل لا يكون بحسب مناسبات الحكم والموضوع دخيلًا في التذكية، وإنّما هو لتسهيل الذبح وإجادته وإتقانه.