اليوم الخميس 3 ربيع الأول 1439 هـ المصادف 23/11/2017 م
قال الإمام الحسین(ع): أنَا قَتيلُ العَبَرَةِ لايَذكُرُني مُؤمِنٌ إلاّ استَعبَرَ؛-بحار الأنوار: ج 44، ص 284   الاخبار : زوار كربلاء على موعد مع  الاخبار : تطبيق «مكتبة أنيس - Anees Books»  الاخبار : التحميل من الموقع  الاخبار : منهاج الصالحيــن  الاخبار : إصدار جديد من مشروع العروة الوثقى  الاخبار : تفاسير القرآن الكريم وعلومه ومعانيه  الاخبار : رجال الحديث  الاخبار : مختصر تفسير الميزان  الاخبار : حوزة الإمام الباقر (ع)  الاخبار : أدب الطـف  المقالات : كتاب الله وعترتي (1)  المقالات : كتاب الله وعترتي (2)  المقالات : من وحي آية قرآنية..  المقالات : تنقسم المعاصي إلى كبائر وصغائر  المقالات : تبديل الاءحرام الي العمرة بين الواقع والخيال  المقالات : الجمالیة فی أدعیة الامام السجاد(ع)[القسم الأول]  المقالات : الجمالیة فی أدعیة الامام السجاد(ع)[القسم الثاني]/ تکملة القسم الثاني  المقالات : الشيعة في العصر الاموي  المقالات : حول ولادة ووفاة السيدة المعصومة (عليها السلام)  المقالات : المعصومة سلام الله علیها  المكتبة المرئية : السيد منير الخباز -مسائل قصيرة- 1437  المكتبة المرئية : السيد منير الخباز خارج الاصول- 1437  المكتبة المرئية : السيد منير الخباز - خارج الفقه 1437  المكتبة المرئية : الفقه الاستدلالي-طهارة-ش ال طوق  المكتبة المرئية : خارج الاصول - 1435 - خاتمة البراءة-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : خارج الفقه- 1436-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : خارج الاصول - 1436-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : التسامح في ادلة السنن- 1435 هـ-السيد منير الخباز  المكتبة المرئية : دروس الاخلاق - الشيخ محمد باقر الايراواني  المكتبة المرئية : أصالة التخيير - متجدد 2014-السيد منير الخباز  المكتبة الصوتية : بحث الطهارة-1439هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438 هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438 هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : خارج الاصول 1438 هـ  المكتبة الصوتية : خارج الفقه 1438هـ  المكتبة الصوتية : دروس في فروع العلم الاجمالي من كتاب العروة الوثقى  المكتبة : جامع احادیث الشیعه جلد 1  المكتبة : الوثائق الرسمیة لثورة الامام الحسین علیه السلام  المكتبة : تاریخ الشیعه السیاسی  المكتبة : کفایة الاصول  المكتبة : الحلقه الثالثه فی اسلوبها الثانی  المكتبة : مصباح المنهاج  المكتبة : السنن التاریخیه في القرآن  المكتبة : التلخیص و البیان عن مجازات القران  المكتبة : المبسوط : فی فقه الامامیه جلد 1  المكتبة : أصول الفقه --الجزء 4 
الإعجاز القرآني بينَ رؤيتين
2014/02/26
٧٦١٠

الإعجاز القرآني بينَ رؤيتين

 

 

الإعجاز القرآني
بينَ رؤيتين [1]
بسم الله الرحمنِ الرحيم
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وصلى اللهُ على أشرف بريتهِ وخيرِ خلقهِ محمدٍ وآلهِ الطاهرين .
وبعد :
بينَ يدي القارئ الكريم بحثٌ موجزٌ حول مسألة إعجاز القرآن الكريم ، والمأمول أن يكون نافذةً تُطل بهِ على أهمِّ ما بحثهُ وكتبهُ العلماءُ والمحققون حول هذه المسألة في محاورها الثلاثة التالية :
المحور الأول : ذاتية الإعجاز القرآني .
المحور الثاني : متعلق الإعجاز القرآني .
المحور الثالث : حدود دائرة الإعجاز القرآني .
توطئةٌ :
وقبل عرض هذه المحاور الثلاثة ، أجدني مرغماً على الوقوف عند جانب مثير من جوانب العظمة في القرآن الكريم فيما يرتبط بإعجازه ، وهو : الفارق بين إعجازه وإعجاز سائر معاجز الأنبياء ( عليهم السلام ) .
وخلاصةُ القول فيه : أنَّ الفارق بينه وبينها يعود إلى حيثية تعدد اتحاد الدال والمدلول فيه ، وتعدده فيها ، بتقريب : أنَّ ( الدَّال ) في الشرائع السماوية السابقة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) شيءٌ ، و( المدلول ) شيءٌ آخر ، كشريعة عيسى ( عليه السلام ) ، فإنَّ ( المدلول ) فيها : هو الإنجيل ، و ( الدال ) هي معجزة النبي عيسى ( عليه السلام ) بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى.
بينما الدَّال والمدلول – بالنسبة لشريعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) – متحدان ؛ إذ ( المدلول ) هو القرآن الكريم الذي تتمثل فيه شريعة خاتم الأنبياء ( صلى الله عليه وآله ) ، و( الدَّال ) هو نفس القرآن الكريم .
وبكلمةٍ مختصرةٍ : فإنَّ القرآن هو المدلول ، وهو نفسه الدَّال على صدقه ، وهذه من آيات القرآن الإعجازية في حدَّ نفسها .
1 / المحور الأول : ذاتية الإعجاز القرآني .
ونلتقي هنا باتجاهين :
أ – الاتجاه الأول : وقد ذهب إليه مشهور علماء الشيعة ، وهو الذي يرى الإعجاز من ذاتيات القرآن الكريم ،وليس أمراً عارضاً عليه .
ب – الاتجاه الثاني : وهو الذي يرى أنَّ القرآن بذاته لم يصل إلى مستوى الإعجاز ، والبشر قادرون على الإتيان بمثله ، وإنما إعجازه بالصرفة بمعنى أن الله صرف البشر وسلبهم القدرة على الإتيان بمثله ، ويُعبّر عن هذا الاتجاه في كلمات الأعلام بـ ( مسلك الصرفة ) .
وقد تبناه من علمائنا :
-الشيخ المفيد ( أعلى الله مقامه ) في أحد قوليه[2] .
-السيد المرتضى ( قدس الله نفسه الزكية )[3] .
-الشيخ الطوسي ( أعلى الله مقامه ) ، وعدل عنه في آخر حياته [4].
-القطب الراوندي ( أعلى الله مقامه ) صاحب الخرائج والجرائح [5].
-الفقيه الأعظم الشيخ أبو الصلاح الحلبي ( قدس الله نفسه الزكية ) ، والذي كان من مفاخر فقهاء الطائفة في عصره [6].
حقيقةُ مسلك ( الصِرْفَة ) :
وقد اختلف أصحاب هذا الاتجاه في بيان حقيقته على ثلاث نظريات :
أ – النظرية الأولى : ومفادها أنَّ الله سبحانه وتعالى صرف البشر بسـلب الدواعي مـن نفوسهم لمعارضة القرآن ، وإن كانت المثيرات والأسباب متوفرة وكثيرة .
ويُلاحظ على هذه النظرية : أنها على خلاف ما يُقطع به تاريخياً من تحقق المعارضة في الخارج .
ب – النظرية الثانية : ومفادها أنَّ الله سبحانه وتعالى قد صرف البشر عن معارضة القرآن الكريم بسلبهم العلوم والآليات التي يحتاجونها لمواجهته ومعارضته في فصاحته وبلاغته ؛ وذلك لأنَّ البلاغة والفصاحة تتوقفان على معرفة آليات، ودراسة مقدمات، وهذه الآليات قد سلبها الله سبحانه وتعالى ، وصرف عنها نفوس البشر .
وهذا التفسير هو الذي يظهر من كلمات السيد الشريف المرتضى ( قدس الله نفسه الزكية ) .
ج – النظرية الثالثة : ومفادها أنَّ الصِرْفةَ هيالإلجاء القهري من قبله سبحانه وتعالى للبشر لعدم معارضة القرآن ؛ فإنَّ آليات المعارضة وإن كانت موجودة لديهم ، والدواعي للمعارضة وإن كانت متوفرة عندهم ، وكانوا بذلك قادرين على الإتيان بمثل القرآن الكريم ، إلا أنَّ الله تعالى قد صرفهم عن ذلك بالقهر والجبر [7].
مناقشةُ مسلك ( الصِرْفَة ) :
وقد ناقش السيد الخوئي ( قدس الله نفسه الزكيةفي تفسيره ( البيان ) ، وغيره من علمائنا هذا المسلك بمناقشات كثيرة ومتعددة تصل إلى عشر أو أكثر ، ولكننا نقتصر على عرض المهم منها :
أ – المناقشة الأولى : وقد أفادها المحقق الخوئي ( قدس الله نفسه الزكية ) ، ومحصّلها: أنه لو كان الإتيان بمثل القرآن في مقدور البشر ؛ لوجدنا في النصوص النثرية والشعرية التي تُنقل من قبل العرب قبل بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؛ وقبل تحديه للبشر ، نصاً مضاهياً لنصوص القرآن ، حيث كان العرب قمة في البلاغة والفصاحة ، ولكننا عند البحث والتدقيق فيما ورد عنهم قبل البعثة لا نجد ولا نصاً واحداً يضاهي نصوص القرآن ، والحال أنهم لم يُصرفوا ذلك الوقت ، مما يعني أنَّ البشر لم يكونوا قادرين على الإتيان بمثل القرآن الكريم لإعجازه الذاتي لا للصرفة [8].
وقد يُلاحظ على هذه المناقشة : أنَّ عدم وجود النصوص المضاهية للقرآن قبل البعثة لا يعني بالضرورة كون إعجازه ذاتياً له ؛ لاحتمال أن يكون الله تعالى قد صرفَ البشر عن ذلك من قبل إنزاله للقرآن ، حتى لا يفقد النص قيمته البلاغية بعد نزوله والتحدّي به .
ب – المناقشة الثانية : وأفادها السيد الخوئي ( قدس سره )أيضاً ، وحاصلها : أنَّ الصرفة لو كانت تعني قدرة الناس على الإتيان بمثل القرآن ، ولكن الله تعالى قد صرفهم عن معارضته ؛ فإنَّ هذا المعنى واضح البطلان جداً ؛ لأن كثيراً من الناس قد تصدوا لمعارضة القرآن ، فلم يستطيعوا ذلك ، واعترفوا بالعجز [9].
وقد يُلاحظ على هذه المناقشة منه ( قدس الله نفسه الزكية )بأنها إنما تصح على ضوء تفسير مسلك الصرفة وِفقَ النظرية الأولى ، وهي : نظرية ( سلب الدواعي ) ، والنظرية الثالثة ، وهي : نظرية ( الإلجاء القهري ) ؛ وذلك لوجود المعارضة الكثيرة المقطوع بها تاريخياً ، فيتم ما أفاده ( أعلى الله درجته ) ، ولكن على ضوء النظرية الثانية ، وهي : نظرية سلب العلوم والآليات ) ، لا تتم مناقشته ؛ إذ أنَّ تبني هذه النظرية لا يتنافى مع تحقق المعارضة ؛ لأنَّ المعارضة ممكنة بمقدار المُستطاع حتى مع سلب العلوم والآليات .
ج – المناقشة الثالثة : ومحصّلها أنَّ لازم القول بمسلك الصرفة هو نسبة العجز إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو منزه عن ذلك .
وبيان ذلك : أنه عند القول بأن المعجزة التي جاء بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم تبلغ حد الإعجاز ، فالسؤال الذي يطرح نفسه يقول : إنَّالله سبحانه وتعالى هل يقدر أن يجعل فصاحة وبلاغة القرآن الكريم بمستوى الإعجاز ، أم لا ؟.
ويُمكن أن يُجاب عن هذا السؤال بأحد جوابين :
الجواب الأول : إنَّ الله ( سبحانه وتعالى ) غير قادر على جعل القرآن معجزاً بذاته ، وهذا يستلزم نسبة العجز إليه ( سبحانه وتعالى ) ، وهو منزه عن ذلك .
الجواب الثاني : أن يكون الخالق سبحانه وتعالى قادراً على جعل القرآن معجزاً بذاته ، ومع ذلك لم يجعله بذلك المستوى، وهذا على خلاف الحكمة ، فلا تتسنى نسبته إلى الله تعالى ؛ لأنَّ الحكمة تقتضي أن يؤيد الله رسوله بأقوى معجزة تثبت رسالته ، ليتحقق الهدف منها، فلو صدرَ منه خلاف ذلك لأخلَّ بحكمتهِ تعالى .
ومحصّلة هذا المناقشة : أنَّ لازم القول بالصرفة إما نسبة العجز إلى الله سبحانه وتعالى فيما لو تبنينا الجواب الأول ، وإما نسبة عدم الحكمة إليه سبحانه وتعالى وفيما لو تبنينا الجواب الثاني ، وكلاهما مستحيل.
ومِن جميل القول – بهذا الصدد – قول العالم المجاهد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ( قدس الله نفسه ) ، حيثنقرأ له تعبيراً جميلاً يقول فيه : " القول بالصِرْفَة كالقولِ بالصِدْفَة "[10] ، أي : كما أنَّ القول بالصدفة في حدوث هذا العالم واضح البطلان والفساد ، كذلك القول بالصرفة أيضاً .
 
2 / المحور الثاني : متعلق الإعجاز القرآني.
وفي تحديد متعلق الإعجاز القرآنينلتقي برأيين مختلفين:
أ – الرأي الأول : وهو الذي يرى أصحابهعموم متعلق الإعجاز ، بمعنى أنَّ إعجاز القرآن لا يقتصر على جانب الفصاحة والبلاغة ، بل يشمل جميع الجوانب العلمية والمعرفية والفنية التي تعرض لها القرآن ، وهذا هو الرأي الذي ذهب إليه مشهور علماء الطائفة ( قدَّس اللهُ أسرارهم ) .
وإليك كلمات بعضهم :
-قال العلامة البلاغي ( قدس الله نفسه ) حيث قال : " إنَّ إعجاز القرآن لم يكن بمجرد الفصاحة والبلاغة ، وإن كفى ذلك في الإعجاز والحجة على دعوى الرسالة على أتمِّ الوجوه في المعجزة وأعمها ... ولئن سمعت الاحتجاج بإعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته ، فإنما هو لأجل عموم هذا الإعجاز ، وأنه هو الذي يذعن به العرب الذين ابتدأهم بالدعوة ، وتناله معرفتهم حسب ما عندهم من الأدب ، الراقين فيه ، فتقوم الحجة عليهم وعلى غيرهم ، ويبقى سائر وجوه الإعجاز للفيلسوف والاجتماعي والسياسي والمدني ؛ يأخذ منها كل منهم بمقدار حظه من الرقي " [11].
-وقال السيد الخوئي ( قدَّس الله نفسه الزكية ) : " وإذ قد عرفت أن القرآن معجزة إلهية في بلاغته وأسلوبه ، فاعلم أنَّ إعجازه لا ينحصر في ذلك ، بل هو معجزة ربانية وبرهان صدق على نبوة من أنزل إليه من جهات شتى " [12].
-وقال السيد السبزواري ( قدس الله نفسه الزكية ) : وجوه إعجاز القرآن كثيرة ومتعددة ، بل هو من جميع الجهات ؛ لأن قوله تعالى { قل لإن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } خطاب عام لجميع أفراد الأنس والجن بما فيهم من العلماء وأرباب علوم شتى وفنون كثيرة ، فلا بدَّ وأن يعم الجميع بما هم كاملون ومخترعون ، وبعبارة أخرى : إنَّ دعوى المبارزة والتحدي بالإتيان بالمثل دعوة إلى العقل الإمكاني من حيث هو كذلك ، وقد ثبت عجزه عن الإتيان بمثله …" .
إلى أن قال : " فلا بدَّ وأن يكون التحدي عاماً من جميع الجهات ، ومن كل جهة يشمل المتحدى به على الدعوة من تلك الجهة ، وإلا لما تمت الحجة كما هو معلوم ، فكل شيء فيه جهة حسن وكمال للفرد أو المجتمع في الدنيا أو النشئات الأخرى يكون القرآن معجزة فيه من حيث بيانه والاستكمال فيه ، فهو معجزة للفصيح والبليغ في فصاحته وبلاغته ، وللعالم في علمه ، وللفلسفي في فلسفته ، إلى غير ذلك "[13].
-وقال العلامة الطباطبائي ( قدس الله نفسه الزكية ) : " والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ، ومن أعمها تحديّاً قوله تعالى في أولها : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } ، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة .
فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعدّ التحدي قوماً خاصاً ؛ وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجن .
إلى أن قال : فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه ، وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقننين في تقنينهم ، وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان .
ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازاً لكل فرد من الإنس والجن " [14].
والحاصل : فإنَّ ما تبناه مشهور علماء الطائفة هو عموم متعلق الإعجاز لمجموع الجوانب المعرفية والبلاغية والفنية في القرآن .
ب – الرأي الثاني : وقد ذهب إليه من المعاصرين : العلامة السبحاني ( حفظه الله ) ، وحاصله : أنَّ متعلق الإعجاز ليس عاماً ، وإنما إعجاز القرآن في جهةٍ واحدةٍ فقط ، وهي جهة البلاغة والفصاحة والبيان ، وأما الجهات الأخرى فهي مؤيدات لإعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته ، وليست مظاهر للإعجاز[15].
مناقشة الرأي الثاني :
وهذا الرأي لا يخلو عن مناقشة ؛ وذلك لأنَّ التحدي الموجود في القرآن لم يقتصر على عصر نزول القرآن ، بل يشمل مختلف الأزمان ، كما يستفاد ذلك من الآية المباركة : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً }[16].
بتقريب : أنَّ الآية الشريفة لها عموم بمستويات ثلاثة :
أ – العموم الأفرادي ، بمعنى أنَّ التحدي فيها يشملجميع أفراد الإنس والجن من غير استثناء .
ب - العموم الأزماني ، بمعنى أنَّ التحدي لم يقتصر على فترة زمنية محدودة ، بل يشمل جميع الأزمان من عصر النزول إلى يوم القيامة .
ج – العموم الأحوالي ، بمعنى أنَّ الآية تتحدى الإنس والجن في مختلف حالاتهم ومختلف ظروفهم .
وهذا العموم بمستوياتهِ الثلاثة غير مقتصر على هذه الآية الكريمة فقط ، بل هو سارٍ في جميع آيات التحدي الموجودة في القرآن الكريم ؛ ولكن هذه الآية أظهرها .
وعلى هذا ؛ فإنَّ حصر متعلق الإعجاز القرآني في جهة الفصاحة والبلاغة واضح البطلان والضعف ؛ لأن العموم الموجود في الآية المباركة بجهاته الثلاث يتنافى مع حصر المتعلق في جهة واحدة ؛ إذ بعد التسليم بعموم التحدي القرآني عموماً أفرادياً وأزمانياً وأحوالياً ، نقول :
-في زمان نزول القرآن كانت الصنعة الرائجة عند الناس هي الفصاحة والبلاغة ، فكان من المناسب أن يكون التحدي بالفصاحة والبلاغة .
-ولكن في مرحلتنا الزمنية ليست الصنعة الرائجة هي الفصاحة والبلاغة ، بل إنَّ الكثير من الناس لا يعلم ما هي الفصاحة والبلاغة مقارنة بزمان النزول .
-وعليهِ ، فالتحدي للناس في هذه المرحلة يتناسب أن يكون من جهة الصنعة الرائجة عندهم والتي هي التطور التكنولوجي والعلمي [17].
-وعند الخروج من دائرة الزمان إلى دائرة المكان نرى أن هنالك من الأفراد في بعض الأمكنة من لا يحيط باللغة العربية أصلاً ، فضلاً عن أن يدرك فصاحتها أو بلاغتها ، فتحدي القرآن لهم يتناسب أن يكون بتشريعاته ، أو بعلومه الغيبية مثلاً .
 
المحور الثالث : حدود دائرة الإعجاز.
اتضح مما عرضناه : أنَّ القرآن معجز بذاته ، ولكن الكلام في أنَّ حدود دائرة الإعجاز القرآني هل تتسع بحيث تشمل حتى الآية الواحدة ؟ أم لا تتسع لهذا المقدار ، وذلك لأنَّ القرآن تحدى البشر أن يأتوا :
-بمثل القرآن .
-وأن يأتوا بعشر سور من القرآن .
-وأن يأتوا ولو بسورة من مثله .
ولكن لم يتحداهم بالإتيان ولو بآية واحدة ، فلو أراد أحد أن يأتِ بآية واحدة من آيات القرآن ، فهل تتسع دائرة الإعجاز لتشمل حتى الآية الواحدة فلا يتمكن أحد من الإتيان بمثلها ، أم لا ؟ .
قال المحقق الخوئي ( قدس الله نفسه الزكية ) : " على أنَّ عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثل القرآن لا ينافي قدرتهم على الإتيان بآية أو ما يشبه الآية ، فإنَّ ذلك أمر ممكن ، ولم يدّعِ المسلمون استحالة ذلك ، ولم يذكره القرآن عند التحدي بالمعارضة " [18].
وحاصل كلامه : أنَّ التحدي وعدم إمكان الإتيان بمثل القرآن إنما هو في حدود السورة فما فوق ، وأما ما دون السورة فالإتيان به أمر ممكن ، والدليل على ذلك أنَّ القرآن لم يتحدى بالإتيان بآية واحدة ، في حين أنه تحدى بالإتيان بمثل القرآن ، وبعشر سور ، بل حتى بسورة من سور القرآن ، وعليه فلو كان الإتيان بآية واحدةٍ غير ممكن لتحدى به القرآن من باب أولى ، فلما لم يتحدى القرآن بذلك ؛ دلّ ذلك على أن الإتيان بآية لا تشمله حدود دائرة الإعجاز .
مناقشة كلام السيد الخوئي ( قدس سره ) :
وقد يُقال في مناقشة كلامه ( قدس سره ) : إنَّ المستفاد من خلال تتبع آيات القرآن الكريم هو عدم إمكان الإتيان ولو بآية واحدة من آياته ؛ ولعلَّ ذلك يستظهر من خلال آيتين :
أ – الآية الأولى : قوله تعالى : { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } [19].
والاستدلال بهذه الآية يتوقف على استظهار أنَّ الباء في : { بسورةٍ } بمعنى التبعيض ، فكأنَّ الآية تقول : فأتوا ببعض سورة ، وعليه فإذا كانت كذلك شمل التحدي حتى الآية الواحدة ، فتكون هذه الآية دالة على عدم إمكان الإتيان ولو بآية واحدة ، والتي ينطبق عليها عنوان بعض السورة .
ب – الآية الثانية : قوله تعالى : { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } [20].
بتقريب : أنَّ المراد من مفردة ( الحديث ) : العبارة التامة التي تفيد فائدة يحسن السكوت عندها ، وعلى هذا ينطبق عنوان ( الحديث ) حتى على الآية الواحدة ؛ لأنها عبارة تامة يحسن السكوت عليها .
وهذا يعني أنَّ التحدي في الآية الكريمة : { فليأتوا بحديث مثله} يشمل حتى مثل الآية الواحدة .
( وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين )


[1] تعود كتابة هذا البحث إلى سنة 1423 هـ ، وكم تمنيت أن أعيد النظر فيه ، ولكن يؤسفني أنَّ الوقت لم يتسع لذلك إلا بالمقدار اللازم فقط ، والمرجو من الله تعالى القبول ، ومن القرّاء الكرام الغض عمّا فيه من القصور والتقصير .
[2] قال ( طاب ثراه ) في ( أوائل المقالات ) ص 63 : " ( القول في جهة إعجاز القرآن ) وأقول : إنَّ جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن المعارضة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بمثله في النظام عند تحديه لهم ، وجعلَ انصرافهم عن الإتيان بمثله وإن كان في مقدورهم دليلاً على نبوته ( صلى الله عليه وآله ) .
[3]نسبه إليه تلميذه الشيخ الطوسي ( قدس الله سره ) في كتابه : ( الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ) ، الصفحة : 277 .
[4]هكذا أفاد الشيخ السبحاني ( حفظه الله تعالى ) في كتابه ( الإلهيات ) ج 2 ص 321 ، ولكن بعد العودة إلى كلمات الشيخ الطوسي ( قده ) نفسه وجدناه يصرح بأنّه لم يكن يدافع عن مسلك الصرفة بما هو مسلك يتبناه ، وإنما بلحاظ كونه مذكوراً في كتاب الجمل للسيد المرتضى ( قده ) الذي قام الشيخ الطوسي ( قده ) بشرحه ، ولم يستحسن مخالفة أستاذه وهو في مقام شرح كتابه ، وإليك نص عبارته في كتابه ( الاقتصاد ) ص 278 : " وأقوى الأقوال عندي قول من قال إنما كان معجزاً خارقاً للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص دون الفصاحة بانفرادها ، ودون النظم بانفراده ، ودون الصرفة ؛ وإن كنتُ نصرتُ في ( شرح الجمل ) القول بالصرفة على ما كان يذهب إليه المرتضى - رحمه الله - من حيث شرحتُ كتابه ، فلم يحسن خلاف مذهبه " .
[5]استحسنه القطب الراوندي ( قده ) في ( الخرائج والجرائح ) ج 3 ص 982 ، وأكدَّ على أنه الأقرب إلى الحجة والأشبه بالحق في الصفحة ( 984 ) .
[6]قال ( قده ) في كتابه ( تقريب المعارف ) ص 107 : " وإذا بطلت سائر الوجوه ثبت أن جهة الإعجاز كونهم مصروفين " .
[7] راجع : الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل ، للشيخ السبحاني ( حفظه الله ) ، المجلد 2 الصفحة : 322 .
[8] راجع : البيان في تفسير القرآن ، للسيد الخوئي ( قده ) ، الصفحة 84 .
[9] راجع : البيان في تفسير القرآن ، للسيد الخوئي ( قده ) ، الصفحة 84 .
[10] نقلها عنه ( قده ) الشيخ محمد هادي معرفة في كتابه ( التمهيد في علوم القرآن ) ج 4 ص 155 .
[11] نقله سماحة السيدُ محسن الخرازي في كتابه : ( بداية المعارف الإلهية ) ص 250 و 251 عن كتاب ( أنوار الهدى ) ، للشيخ البلاغي ( قده ) .
[12] البيان في تفسير القرآن ، الصفحة : 48 .
[13] مواهب الرحمن في تفسير القرآن : 1 / 118 .
[14] الميزان في تفسير القرآن : 1 / 59 و 60 .
[15] هذا ما نسبه إليهِ تلميذه الشيخ محمد جميل حمود في كتابه : ( الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية ) ج 1 ص 521 ، ولكننا بعد العودة إلى كلمات الشيخ نفسه في كتابه ( الإلهيات ) وجدناه يصرح في أكثر من موضع بأن اعتبار جهة الإعجاز البياني للقرآن هي جهة الإعجاز الوحيدة دون بقية الجهات ليس على إطلاقه ، وإنما هو في خصوص زمن النزول .
فمثلاً : قال في ج 2 ص 227 : " إن إعجاز القرآن في عصر الرسالة ، كان يتمثل في فصاحة ألفاظه ، وبلاغة معانيه ، وبداعة أسلوبه الخاص " .
وقال في ج 2 ص 244 : " إنّ ما نركز البحث عليه في المقام راجع إلى الإعجاز البياني للقرآن ، الذي كان هو محور الإعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة وبلغائهم ، وبه وقع التحدي . وأما إعجازه من جهات أخرى ، ككون حامله أمياً ، وكونه مبيناً للعلوم الكونية التي وصل إليها البشر بعد أحقاب من الزمن ، أو إخباره عن المغيبات ، أو كونه مصدراً لتشريع متقن ومتكامل ، أو غير ذلك من الجهات ، فلا يمكن أن نعدّها أركاناً للإعجاز ، ووجه ذلك : أن القرآن سحرَ العرب من اللحظة الأولى لنزوله ... فلا بدَّ أن نبحث عن منبع السحر في القرآن ، قبل التشريع المحكم ، وقبل النبؤة الغيبية ، وقبل العلوم الكونية ، وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشتمل على هذه المزايا . فقليل القرآن الذي كان في أيام الدعوة الأولى ، كان مجرداً عن هذه الأشياء التي جاءت فيما بعد ، وكان مع ذلك محتوياً على هذا النبع الأصيل الذي تذوقه العرب ، فقالوا : إن هذا إلا سحر يؤثر .
إننا نقرأ الآيات الكثيرة في هذه السور فلا نجد فيها تشريعاً محكماً ، ولا علوماً كونية ، ولا نجد إخباراً بالغيب يقع بعد سنين ، ومع ذلك سحر عقول العرب ، وتحدث عنه ابن المغيرة بعد التفكير والتقدير بما تحدث .
لا بدَّ إذن أن السحر الذي عناه ، كان كامناً في مظهر آخر غير التشريع ، والغيبيات ، والعلوم الكونية ، لا بدّ أنه كامن في صميم النسق القرآني ذاته ، وكان هذا يتجلى من خلال التعبير الجميل المؤثر المعبّر المصوّر .
[16] سورة الإسراء ، الآية : 88 .
[17] نعم قد يقال ، كما في كلمات الحجة البلاغي ( قدس الله سره ) في ( آلاء الرحمن في تفسير القرآن ) الصفحة 5 : "إنَّ القرآن يكون حجةً على العرب ببلاغته وفصاحته ، وبعجزهم عن الإتيان بمثله أو بسورة من مثله ، وبخضوعهم لإعجازه ؛ وهم الخبراء في ذلك يكون أيضاً حجة على غيرهم في ذلك " . ولكنَّ ما أفاده إنما يصح على فرض عدم تحقق العموم بشقوقه الثلاثة في آيات التحدي .
[18] البيان في تفسير القرآن : 93 . وأكدّ على كلامه في الصفحة 255 بقوله : " وذلك لأنَّ الإعجاز في بلاغة القرآن وإن كان يمنع عن الإتيان بمثل سورة من سوره ، ولكنه لا يمنع من الزيادة عليه بكلمة أو كلمتين ، بل ولا بآية كاملة ، ولا سيما إذا كانت قصيرة " .
[19] سورة البقرة ، الآية : 23 .
[20] سورة الطور ، الآيتان : 33 ، 34 .