دروس مقررة — النصوص المتاحة
54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 44 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 1
001
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، اللهم صل على محمد وآل محمد وعز الفرسان.
نشرع بعونه تعالى ومنه وتوفيقه في شرح هذا الكتاب كتاب (التحفة السنية بشرح المقدمة الأجرومية)، ونسأله تعالى أن يوفقنا لإتمامه والاستفادة من مطالبه، كما وفقنا لأصل الشروع.
هذا الكتاب حقيقة يشتمل على مؤلفين وعلى كتابين، في هذا الكتاب يوجد كتابان، أحدهما هو لابن آجروم والآخر هو للشارح محمد محي الدين عبد الحميد. وفي الحقيقة هذا الكتاب قصته تدور حول أشخاص ثلاثة. الأول هو الزجاجي وهو واحد من قدماء أهل النحو ومحسوب على مدرسة البصريين، سنعرف أن النحو دائما يدور بين مدرستين: بين المدرسة البصرية وبين المدرسة الكوفية وسنشرح ذلك مفصلا إن شاء الله. الزجاجي وهو من قدماء أهل النحو وفي زمن الحكم العباسي أسس أو دون كتابا سماه الجمل في النحو، وهو عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي. هذا الكتاب كان كتابا واسعا في علم النحو، فجاء ابن آجروم بعد ذلك وأوجزه، يعني اختصره، وسمى هذا المختصر بأنه المقدمة الآجرومية.
وابن آجروم هو محمد بن محمد بن داود الصنهاجي. سمي صنهاجيا نسبة إلى قبيلة صنهاج المغربية، كما يقال فلان الحريصي وفلان الشهابي، وكل واحد ينسب إلى قريته أو ضيعته أو قبيلته إلى آخره. إذن ابن آجروم هو محمد الصنهاجي، نسبه إلى قرية أو إلى قبيلة في المغرب هي قبيلة صنهاج. وسمي ابن آجروم نسبة إلى جده الملقب بآجروم، وآجروم كلمة أمازيغية، لهجة من لهجات أهل المغرب، وهي تعني الزاهد والمتصوف، يعني جد صاحب هذا الكتاب كان زاهدا متصوفا فلقب بأنه آجروم بتشديد الراء، وهذا حفيده فهو ابن آجروم. ثم سمي هذا الكتاب بالآجرومية نسبة إلى ابن آجروم. صار واضحا إلى الآن؟ جيد.
فهذا الكتاب سمي بالمقدمة الآجرومية ويقرأ بتشديد الراء، وما يشتهر على الألسنة من أنها الأجرومية فهو ليس كما ينبغي. هذا تمام الكلام في الأمر الأول، وهو في بيان الكتاب وفي بيان وجه تسميته. نعم، الموجود والمذكور في الكتاب الذي بين أيديكم هو كتابان حقيقة: كتاب المقدمة الآجرومية، وكتاب هو شرح له وهو المسمى بالتحفة السنية، ولذلك في هذا الكتاب سوف نقول قال وأقول، الشارح يقول قال -أي قال ابن آجروم- يذكر عبارة أو مقطعا له ثم يقول وأقول ويشرح هذه العبارة وهذا المقطع، وإلا فلو أردنا أن نأخذ كتاب الآجرومي لوحده فإنه لا يتعدى صفحات يسيرة لأنه وجيز بحسب الفرض.
فهذا الكتاب على صغره يشتمل على كتابين وعلى مؤلفين، هذا هو الأمر الأول.
بيان معنى النحو وعلوم اللغة العربية
الأمر الثاني في بيان معنى النحو، نقول: علم النحو، وهنا لابد أن نعقد مقدمة نشرح فيها الفارق بين علوم اللغة العربية، فإن علوم اللغة متعددة، وواحد من هذه العلوم هو علم النحو.
فنقول: اللغة العربية، عندما نقول اللغة العربية هذا اسم يقع تحته علوم متعددة. من هذه العلوم -عندما نقول علوم اللغة العربية فنحن نقصد جملة علوم- منها: قالوا علم اللغة، ومنها علم الإعراب، ومنها علم التصريف، ومنها علم المعاني، ومنها علم البيان، ومنها علم البديع، ومنها علم العروض، إلى غير ذلك من العلوم الكثيرة، وقد أحصلها إلى اثني عشر علما. تمام.
الآن ما هو الفارق بين هذه العلوم ولو بطريقة مبسطة؟ التفت. الآن إذا واجهتك كلمة ولم تعرف معناها، فإلى أين تذهب؟ إلى المعجم، إلى المعاجم وكتب أهل اللغة، فتبحث عن هذه الكلمة وتعرف معناها. العلم الذي يتكفل بشرح هذه المفردات هو الذي نسميه بعلم اللغة العربية؛ كتب اللغة، أي القواعد أو المعجم الذي ترجع إليه فتعرف معنى الكلمة التي واجهتك. الآن إذا قلنا لكم أن كلمة (الهعخع) كلمة عربية مثلا، وما معنى الهعخع؟ هذا لا بد أن ترجع إلى كتاب أهل اللغة حتى تعرف معنى هذه الكلمة. تمام. إذن فعلم اللغة علم يتكفل بشرح مفردات الألفاظ. تمام.
العلم الثاني: علم الإعراب والبناء. وهذا العلم يحتاج إليه لكي نميز المعاني عن بعضها البعض، فلا نقع في الاشتباه ولا في الالتباس في فهم كلامنا. ولنأخذ أمثلة على ذلك، التفت.
تارة تقول: ﴿مَا أَجْمَلَ السَّمَاءَ﴾، وتارة تفتح الثانية تقول: ما أجملَ السماءَ. ما هو الفارق بينهما؟
إذا قلنا: ﴿مَا أَجْمَلَ السَّمَاءَ﴾ فأنت تتساءل عن أنه أي شيء في السماء هو الأجمل، وهذه ما نقول لها (ما) الاستفهامية، وأنت تريد أن تستفهم أنه ما هو الشيء الموجود في السماء ويكون هو الأجمل، ما هو أجمل شيء موجود وين؟ في السماء. ﴿مَا أَجْمَلَ السَّمَاءَ﴾ أي ما هو الشيء الأجمل في السماء؟ فيكون الجواب: النجوم أو القمر أو إلى آخره.
وتارة تقول: ما أجملَ السماءَ. وهنا أنت لا تريد أن تستفهم، ولا تريد أن تتساءل عن شيء، بل تريد أن تتعجب من جمال نفس السماء؛ أعجبتك السماء فقلت: ما أجملَ السماءَ، أي تعجب من شدة جمال نفس السماء. وفرق كبير جدا بين أن تتساءل عن جمال السماء وبين أن تتعجب من جمال السماء. فمعنى التعجب معنى يغاير معنى الاستفهام؛ المستفهم يكون جاهلا فيطلب الفهم، والمتعجب يكون عالما بما يتعجب به، غاية ما في الأمر أنه يريد أن يبدي دهشته وإعجابه بهذا الشيء.
واللغة العربية لما كانت هي لغة القرآن فهي لغة الإعجاز، ولغة الإعجاز لغة فصيحة بليغة فيمتنع أن يكون فيها الالتباس، ولذلك لابد أن نرفع هذا الالتباس، ولو بأن نرفعه بضمة أو بكسرة أو بفتحة. وهذا بخلاف الكثير من اللغات الأخرى، فإنه كثيرا ما يقع فيها الالتباس؛ مثلا في اللغة الإنجليزية لا يوجد فارق بين المفرد وبين الجمع، تقول (يو) أنت و(يو) أي أنتم. وفي اللغة الفارسية لا يوجد فارق في اللفظ بين المذكر والمؤنث، تقول (تو) لأنت و(تو) لأنت أيضا. وأما في اللغة العربية فيوجد تفصيل بين المفرد وبين المثنى وبين الجمع وبين المذكر وبين المؤنث، ولذلك هي أعقد لغة للتعليم لكثرة تفريعاتها، ولكنها لغة مفصلة تتكفل بيان المعاني الدقيقة. ومن أمهات القواعد النحوية التي يجب أن نختزنها في البال أن اللغة العربية ممنوع فيها الالتباس، أي من الممنوع أن يؤتى بعبارة عربية وتكون بحيث تشتبه بين معنيين، لابد أن يكون هناك إشارة في هذه العبارة تبين المعنى الذي يراد منها.
ولذلك عندما تريد أن تتعجب فبعد ما التعجبية يجب أن تنصب، تقول: ما أجملَ السماءَ، أو مثلا: ما ألعَبَ الأولادَ، أنت تريد أن تتعجب من كثرة لعبهم. وبعد الاستفهام لابد أن ترفع، تقول: ﴿مَا أَجْمَلَ السَّمَاءَ﴾ أي أي شيء في السماء هو الجميل، وما أَلْعَبُ الأولادِ يعني أي واحد من الأولاد هو الذي يلعب، وهكذا.
طيب، وإذا أردنا أن نأخذ مثالا ثانيا، هناك مثال مشهور في الكتب النحوية يقولون: لا تأكل السمكَ وتشربْ، عفوا، لا تأكل السمكَ وتشربْ، أكل السمك وشرب اللبن، هذا هو موضوع هذه العبارة، ولكن التفت. لا تأكل السمكة، أعرف أن هذه المصطلحات التي سنذكرها ليست واضحة لكم أو لكثير منكم، ولكن نريد أن نأخذ المثال بشكل موجز، وإلا نحن بعد لم نطلع على شيء من المطالب النحوية.
طيب، هذه العبارة يمكن أن تقرأ بقراءات:
الأولى: قراءة التسكين، أن تقول: لا تأكل السمكَ وتشربْ اللبنَ، وتشربْ اللبنَ، على أن بعدين تحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، هذه يقال لها لغة التسكين.
القراءة الثانية: أن تقرأ بالرفع، تقول: لا تأكل السمكَ وتشربُ اللبنَ.
والثالثة: أن تقرأ بالنصب، فتقول: لا تأكلي السمكَ وتشربي اللبنَ.
طيب ما هو الفارق بينهم؟ الآن لا تأكلي السمكة وتشربي اللبن أو وتشربْ اللبن أو وتشربُ اللبن. طيب الآن فقط نريد أن نأخذ الشاهد، لا نريد أن نعرف السبب ولا نريد أن نتعرف على معنى الحال أو على معنى الاستئناف أو على أي شيء من هذه المعاني التي سوف نذكرها.
قالوا: إذا قلت لا تأكل السمكَ وتشربُ اللبنَ، فهذا يعني أنك قد جعلت الواو عاطفة، تمام؟ فتكون العبارة بمثابة قولنا: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن، فعندك نهيان: أنهاك عن أكل السمك، وأنهاك أيضا عن شرب اللبن. هذا إذا جعلناها، إذا جعلنا السكون على الباء فالواو للعطف. ما معنى العطف؟ أي أن ما بعدها يشترك في الحكم مع ما قبلها، وما قبلها منهي عنه (لا تأكل السمكة) فما بعدها منهي عنه (يعني لا تشرب اللبن). إذن فأنت أنا أكلفك بتكليفين وأنهاك بنهيين: نهي أول عن أكل السمك، ونهي ثاني عن شرب اللبن. فأنت إذا أكلت السمك لوحده فقد فعلت ما نهيتك عنه، وإذا أكلت اللبن لوحده -شربت اللبن لوحده- فقد فعلت ما نهيتك عنه، وإذا أكلت السمك وشربت اللبن معا أيضا فأيضا أنت قد فعلت ما نهيتك عنه. هذا هو المعنى الأول. قالوا الباء إذا كانت ساكنة فالواو للعطف، فيوجد نهيان، تمام؟
طيب إذا جعلناها، إذا جعلنا الفعل تشرب منصوبا تقول: لا تأكل السمكة وتشربَ اللبنَ. قالوا إذا جعلت الباء مفتوحة يعني كان المضارع منصوبا، فهذه الواو ليست للعطف، وإنما هي واو المعية. شو يعني واو المعية؟ هي الواو التي تكون بمعنى مع، تقول: سرت وطلوع الفجر، يعني سرت مع طلوع الفجر. لا تأكل السمكة وتشربَ اللبنَ، قالوا الواو تكون للمعية، يعني بمعنى مع. إذن ماذا يصبح معنى العبارة؟ لا تأكل السمكة مع شرب اللبن. إذاً فأنا لا أريد أن أنهاك عن أكل السمك، لك أن تأكل السمك. ولا أريد أن أنهاك عن شرب اللبن، لك أن تشرب اللبن. ولكن لا تأكلهما معا، فهو نهي عن الجمع بينهما. أما إذا أكلت السمك لوحده فلا مشكلة، وإذا شربت اللبن لوحده فلا مشكلة أيضا، المشكلة أن تأكل أحدهما مع شربك للآخر. إذن فماذا ينقلب المعنى؟ نهي عن الجمع بينهما وليس نهيا عن كل واحد منهما. واضح إلى الآن؟ تمام؟
واضح كيف يختلف المعنى بغض النظر عن أنه لما كانت الواو هكذا، هذا كله سوف نعرفه بعد أن ندرس الكتاب. طيب، هذا احتمال ثاني.
طيب الاحتمال الثالث: قالوا أن يكون المضارع بعد الواو مرفوعا، لا تأكل السمكة وتشربُ اللبنَ وتشربُ اللبنَ. قالوا المضارع إذا كان مرفوعا فهذه الواو سوف تكون للاستئناف. ما معنى الاستئناف؟ قالوا الاستئناف هو أن ينقطع الكلام اللاحق عن الكلام السابق، أي أن يكون ما بعد الواو غير مرتبط بالمرة مع ما قبلها، فكأنه عندنا جملتان وكأنه عندنا كلامان منفصلان: (لا تأكل السمكة) ينهاك عن أكل السمك، تمام؟ قلنا الواو استئنافية، إذن انسَ ما تقدم، دعك مما تقدم كأنه ابتدأ كلاما جديدا فقيل: (وتشربُ اللبنَ)، فيكون المعنى أنني أنهاك عن أكل السمك فقط وأبيح لك شرب اللبن، تمام؟ (وتشربُ اللبنَ) يعني ولك أن تشرب اللبن، فهو نهي عن أكل السمك لوحده وإباحة لشرب اللبن.
الآن هذه معان ثلاثة اختلفت في عبارة واحدة، وكانت العبارة الواحدة صالحة لأن تحقق كل واحد من هذه المعاني، ولكن هذا يوجب الالتباس إذن لا نعرف مراد المتكلم معه، والالتباس ممنوع في اللغة العربية، فوجب أن نصب علامة تمنع من وقوع هذا الالتباس. ولذلك الذي يمنع من الالتباس ويبين هذه المعاني هي الحركات الإعرابية: الضم والفتح والسكون والكسر إلى غير ذلك مما سنعرف.
ومن هنا نعرف أن الحركات الإعرابية ليست أمورا يؤتى بها لمجرد تزيين الألفاظ، وإنما هي حركات أساسية دخيلة في فهم المعنى؛ فالعلامات الإعرابية علامات تميز المعنى. الآن ما معنى كلمة إعراب في اللغة العربية؟ التفت. تقول: أعربت عن رأيي، ما معنى أعربت عن رأيي؟ أي أبديت رأيي، بينت رأيي، أفصحت عن رأيي. فعندما نقول علم الإعراب يعني علم التمييز، أي الحركات التي تميز أصل المعنى؛ لأن هذه العبارة إنما جيء بها ليحكي المتكلم لنا معنى من المعاني، فالعلامات الإعرابية علامات تميز لنا هذه المعاني الأصلية. تمام. هذا هو علم الإعراب والبناء.
تمام. من العلوم العربية، صار واضحا الآن؟ نريد أن نأخذ نظرة إجمالية عن كل واحد من هذه العلوم.
علم الصرف والاشتقاق
من العلوم العربية أيضا علم الصرف أو علم التصريف أو علم الاشتقاق، هذه تسميات ثلاث. الآن علم الصرف أو علم التصريف ما هو؟ أولا ما معنى التصريف في اللغة العربية؟ هو التغيير، أي تغيير الكلمة الواحدة من أجل أن ننتزع منها كلمات متعددة، كما تقول مثلا: أحرق واحترق، كسر وانكسر وتكسر، كبر وتكبر واستكبر.
الآن أتحسبون أن هذه الألفاظ كلها تدل على معنى واحد؟ ها؟ هذا معنى مشترك فيما بينهما، ولكن فرق بين كسر وبين تكسر وبين انكسر وبين استكسر إلى آخره. كل كلمة من هذه الكلمات في اللغة العربية تدل على معنى يغاير المعنى الآخر. هناك فرق بين ضرب زيد عمرا وبين ضارب زيد عمرا وبين تضارب زيد وعمرو. خلينا نشرح بالمثال، بالمثال التفت. عندما نقول: ضرب زيد عمرا. إذن هناك ضارب ومضروب، من هو الضارب؟ زيد، وعمرو هو المضروب. إذن عندما نقول: ضرب زيد عمرا فأحدهما هو الضارب وليس مضروبا، والآخر هو المضروب وليس ضاربا.
وهذا بخلاف ما إذا قلنا: ضارب زيد عمرا، فهذا يعني أن أحدهما فعل في الآخر ما فعله الآخر في الأول. ضارب زيد عمرا يعني أن زيدا أحدث الضرب في عمرو، وعمرا أحدث الضرب في زيد. ولذلك تقول: مصارعة، مقاتلة، مضاربة، هذه الألف التي دخلت على هي أصلها ضرب، دخلت عليها ماذا؟ ألف. هذه الألف هي التي أحدثت كل هذا المعنى، ويقال لها ألف المفاعلة؛ لأنها توجب التفاعل بين الطرفين، وهي أن يفعل أحدهما في الآخر ما يفعله الآخر في الأول. طيب جيد. الآن وتقول: تضارب زيد وعمرو، نفس المعنى، أحدهما ضرب الآخر والآخر ضربه، إذن ما هو الفرق بين ضارب زيد عمرا وبين تضارب زيد وعمرو؟ شوف دقة اللغة العربية، الفارق أنهما وإن كانا يشتركان في المفاعلة، ولكن التفت، تارة زيد هو الذي يبتدئ الضربة فيقوم عمرو بالرد عليه فيباشره أو يبادله الضرب، هنا تقول: ضارب زيد عمرا، ولذلك كل واحد منهما وإن كان ضاربا ومضروبا ولكنك جعلت زيدا هو الفاعل رفعته وجعلت عمرا هو المفعول فنصبته، ضارب زيد عمرا، كل واحد منهما ضرب الآخر وكل واحد منهما ضرب من الآخر، ولكن لماذا جعلت زيدا هو الفاعل؟ نقول لأنه هو الذي ابتدأ الضرب، هو الذي بادأك الضربة ثم أنت أجبته عليه فيما بعد.
وتارة ثانية تقول: تضارب زيد -شوف بالرفع- وعمرو -بالرفع أيضا- كلاهما هو الفاعل، لأنهما وإن كان كل واحد منهما ضاربا ومضروبا، ولكن لم يتقدم أحدهما على الآخر، لم يبتدئ أحدهما الضربة، كأنهما ابتدأ معا عملية المضاربة. فنحن نجد أننا ننتزع من الكلمة الواحدة صيغا متعددة، وكل صيغة تبرز معنى جديدا لا تبرزه الصيغة السابقة، هذا العلم يسمى بعلم التصريف.
ولذلك كيف لنا أن نفهم القرآن؟ وكيف لنا أن نقف على حقيقة الآيات القرآنية ونحن لا نعرف علم الإعراب، ولا نعرف السبب في هذه الحركات الإعرابية، أو لا نعرف هذه الصيغ والصور المتعددة للفظ الواحد؟ ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ (البقرة: 72)، ادارأ ما هو أصلها؟ أصلها درأ، أصلها دارأ أو أصلها تدارأ؟ أصلها تدارأ، جيد؟ لو إذن أنت كنت تعتمد على الذوق الموسيقي الذي عندك، ما هو أنت ليس ذوقك عربي، الذوق العربي هو ذوق العرب الأقحاح. على كل حال فادّارأ إذا هي مأخوذة من تدارأ فما هو معناها؟ وإذا كانت مأخوذة من دارأ فما هو معناها؟ هذا فضلا عن أنه ما معنى دارأ؟ فنحتاج إلى علم اللغة لنعرف ما معنى دارأ، وإلى علم التصريف لنعرف أن ادارأ من أي وزن ومن أي صيغة أخذ حتى نعرف المعنى تمام؟ ثم نحتاج إلى علم الإعراب لنعرف أن الحركة الإعرابية عليها لأي معنى تشير وإلى أي معنى تسوقنا تمام.
هذا تمام الكلام في أي علم؟ في علم التصريف، ولو نريد فقط أن نقف على لمحة عن أهمية هذه العلوم التي سوف نقف على أكثرها وندرس أكثرها وين؟ في مرحلة المقدمات.
علم المعاني
طيب، العلم الرابع ما هو؟ علم المعاني. التفت، في بعض الأحيان الإنسان يكون -أو دعك الآن، إذا قلت لك: جاء الأستاذ- هذه الجملة واضحة لا تحتمل أكثر من معنى، وهو مجيء الأستاذ، تقول: جاء الأستاذ، تمام. ولكن التفت، عندما أريد أن أقول لك هذه العبارة لابد أن أراعي حالك، وأنت في بعض الحالات قد تكون خالي الذهن لا تعرف مجيء الأستاذ فأخبرك بمجيء الأستاذ، وفي بعض الحالات أنت تكون شاكا في مجيء الأستاذ، وفي بعض الحالات أنت تكون منكرا لمجيء الأستاذ. الذي يكون خالي الذهن -يعني أصل هذه الصورة ليست موجودة في ذهنه- يكفي حينئذ أن تقول له: جاء الأستاذ؛ لأنه خالي الذهن فلا يحتاج إلا إلى ما يرسم له هذه الصورة وهي صورة المجيء في ذهنه، وعبارة (جاء الأستاذ) كافية لأن ترسم هذه الصورة وين؟ في الذهن.
طيب، وأما إذا كنت شاكا، ما معنى أن تكون شاكا؟ أن هذه الصورة حاضرة في ذهنك ولكنك متردد؛ هي صادقة فيكون قد جاء فعلا، أم هي كاذبة فلا يكون قد جاء فعلا؟ ولذلك إذا قلت لك: جاء الأستاذ، لا أفيدك شيئا جديدا، لأن قولي (جاء الأستاذ) يرسم صورة مجيء الأستاذ وين؟ في الذهن، وهذه الصورة بحسب الفرض مرسومة في ذهنك. ما معنى أن تكون مترددا؟ أنك تتصور الوقوع وتتصور اللاوقوع، تتصور أن تقع هذه القضية وتتصور أن لا تقع هذه القضية، إذن القضية موجودة، ولذلك لا يقال لك (جاء الأستاذ)، يقال لك: (إن الأستاذ قد جاء) أو (إن الأستاذ جاء)، ليش؟ قالوا: هذه (إن) ماذا تفيد؟ التوكيد، وأنت لكونك شاكا فيحسن أن أستعمل لك مؤكدا يزيل هذا الشك من ذهنك.
لا، تارة ثالثة أنت لا تكون شاكا بل منكرا، يعني لا تقبل فكرة مجيء الأستاذ، وهنا يقال يؤتى له بمؤكد زائد، فيقال له: (إن الأستاذ قد جاء)، (قد) أيضا للتحقيق فهي تفيد التوكيد، أو مثلا يقال: (والله إن الأستاذ لقد جاء)، شوف (والله) قسم للتوكيد، (إن) توكيد ثاني، (إن الأستاذ لقد) هذه اللام قالوا لام التوكيد توكيد ثالث، (قد) تفيد التحقيق فهي تفيد التوكيد هذا توكيد رابع.
ولذلك نحن إذا رجعنا إلى سورة يس -نسيت مضمون، نسيت ألفاظ الآيات- ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ أو موجود القرآن بين أيديكم، حدا موجود القرآن؟ أي موجود، أعطونا القرآن...
... شهيد. التفت، قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما﴾ (يس: 14) تمام؟ ما معنى كذبوهما؟ يعني لم يصدقوهما، يعني أنكروا. أرسلنا اثنين ليهدي ليهدوا أو ليهديا القوم فكذبوهما. طيب، فعززنا بثالث فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: 14] هنا ماذا كم من توكيد يوجد؟ توكيدان، إن. التوكيد الثاني كان الأصل أن يقول (نحن مرسلون إليكم)، هذا التقديم والتأخير سيأتي معكم أيضا يفيد التوكيد: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، قال: تمام. هذا هذا يعني استعملوا التوكيد تمام؟
جيد. قالوا: ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون﴾ (يس: 15)، يعني زادوا في الإنكار، وجاءت الآية: ﴿قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون﴾ (يس: 16) بمثابة القسم، ربنا يعلم إنا إليكم تقديم وتأخير لمرسلون، لأنه تصاعدت حالة الإنكار فتصاعدت حالة التوكيد، ﴿وما علينا إلا البلاغ المبين﴾ (يس: 17) إلى آخره، قالوا إنا تطيرنا بكم إلى آخره.
الآن نريد أن ندخل جهة، التفت: الألفاظ في القرآن الكريم تساوق المعاني، عندما نقول إنه زادت حالة الإنكار فلا بد أن نتوقع أنه قد زادت حالة الشغب عند هؤلاء، وأنهم قد زادت عندهم حالة العناد وحالة قتل الأنبياء وحالة تعذيب الرسل إلى آخره، وعندما نقول إن التوكيد قد تصاعد فهذا يعني أن الجهود المبذولة من قبل المرسلين ومن قبل الأنبياء قد تصاعدت أيضا، ولذلك نعرف السر في أنه كيف نزل عليهم العذاب بعد ذلك بموجب الآيات الآتية، لأنه قد ألقيت عليهم سائر الحجج. لابد أن نقرا هذه الألفاظ وأن نتصور معها هذه المعاني الدقيقة.
أصل المعنى عندما قلنا (جاء الأستاذ) واضح أو لا؟ أصل المعنى هو مجيء الأستاذ، صدور المجيء من الأستاذ، انتهى. ولكن هذا المعنى، ما هذا المعنى الذي قلنا هو معنى زائد على الأصل؟ يراعي حال المخاطب، أنك في بعض الحالات قد تكون منكرا نأتي له بمؤكد أو أكثر، إن كنت شاكا نأتي له بمؤكد واحد، إن كنت خالي الذهن لا نأتي له بمؤكد. خالي الذهن لا نأتي له بمؤكد، تمام؟
ولذلك هذا العلم الذي يتكفل حال المخاطب -شوف أنا أراعي حالك، أدرس حالتك: أأنت خالي الذهن أم لا؟ أأنت شاك أم لا؟ أأنت منكر أم لا؟- هذا العلم الذي يراعي حال المخاطب يقال له علم المعاني. طبعا مراعاة حال المخاطب ليست فقط في أنه شاك أو ليس بشاك، متردد أو ليس بمتردد، تراعي حاله في كل شيء، ونحن نريد فقط مثالا واحدا يبين لنا هذا المعنى فلذلك ذكرنا هذا المثال.
ولذلك علم المعاني إذا أردنا أن نعرفه فنحن نعرفه بأحد تعريفين: أما أن نقول: هو علم يراعي حال المخاطب نطابق مقتضاه حال المخاطب، وأما أن نقول: هو علم يبحث فيه عن تأدية المعاني الزائدة على الأصل؛ أما أصل المعنى علم النحو، المعنى الزائد على أصل المعنى ما هو؟ هو علم المعاني. أصل المعنى هو صدور المجيء من الأستاذ، هذا يتكفله علم النحو. المعاني الزائدة على هذا المعنى الأصلي يتكفلها ما هو؟ علم المعاني.
وأما علم البيان وعلم البديع وعلم العروض فيأتي بيان ذلك غدا إن شاء الله والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد عز الفرسان.
