دروس مقررة — النصوص المتاحة
54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 44 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 11
011
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
لا زال الكلام في علامات الفعل، وقد وصل الكلام إلى العلامة الرابعة، وهي دخول تاء التأنيث الساكنة. وقلنا إن هذه التاء اشترط فيها أن تكون ساكنة احترازاً عن التاء المتحركة. والفارق بينهما أن التاء المتحركة تدل لوحدها على هوية الفاعل وحقيقته، بحيث لا ننتظر بعد هذه التاء معرفة أي شيء عن ذلك الفاعل، فيكون الكلام تاما بمجرد ذكر التاء، كما تقول (قمت) فتتعلم أن القائم هو المخاطب، أو كما تقول (قمتُ) فيعلم المخاطب بأن القائم هو المتكلم، فلا ينتظر شيئاً جديداً. ولما لم ينتظر شيئاً جديداً، علم أن المركب كلام تام، وإذا كان كلاما تاما فهو جملة، وإذا كان جملة فهو إما فعلية وإما اسمية، وحيث إنه فعلية فلا بد أنه قد تركب من الفعل ومن الفاعل. إذاً فقد وجد الفاعل، فالتاء هي الفاعل.
وهذا بخلاف تاء التأنيث الساكنة، فإنها وإن كانت تنبئ عن أن الفاعل مؤنث، ولكنها لا تدل على هويته ولا تشرح لنا حقيقته، ولذلك إذا قلت (قامت) لوجدت نفسك منتظراً لسماع شيء جديد فتسأل: من التي قامت؟ ولذلك يحكم على هذا المركب بأنه لا يصح السكوت عليه، إذاً فهو ليس بكلام فليس جملة فعلية مع أنه يشتمل على فعل. قلنا لأن الجملة الفعلية تتركب من فعل وفاعل، والفعل وإن كان موجوداً، إذاً فالفاعل هو الذي فقد في المقام، فالتاء الساكنة ليست فاعلاً.
أما التاء المتحركة فلما كانت هي الفاعل والفاعل يجب أن يكون اسماً، فصارت تلك التاء اسماً. وأما التاء الساكنة فهي حرف لمجرد إفادة التأنيث. تأنيث من؟ لا نقول تأنيث الفاعل دائماً، تأنيث الفاعل إذا كان الفاعل معلوماً، وتأنيث المفعول إذا كان الفعل مجهولاً فاعله. وهذا أوضحناه، تقول (قامت هند)، التاء هنا دلت على تأنيث الفاعل. وتقول (كسرت السلة)، التاء ها هنا دلت على تأنيث المفعول حقيقة. ولذلك أراد الشارح أن يجمع كلا هذين الموردين في عبارة جامعة واحدة فقال: التاء تدل على تأنيث الاسم الذي يسند إليه الفعل. الفعل إذا كان فاعله معلوماً فإنه يسند إلى الفاعل، وإذا كان فاعله مجهولاً فإنه يسند إلى المفعول. ويقال للمفعول حينئذ نائب عن الفاعل، لأنه ناب عن الفاعل في أن أسند الفعل إليه. ولذلك نائب الفاعل ينوب عن الفاعل فيأخذ أحكامه فيرفع وإن كان هو في المعنى مفعولاً به. طيب، جيد.
بقي عندنا في هذا المطلب مسألتان:
المسألة الأولى في تاء التأنيث الساكنة المتحركة لعارض
المسألة الأولى: أنه قد يقال إن تاء التأنيث الساكنة قد لا تكون ساكنة دائماً بل تكون متحركة، كما تقول (قامت امرأة)، فهل تكون هذه التاء علامة على الفاعل أو لا؟ إن قلنا إن هذه التاء علامة على الفاعل، فكان ينبغي ألا نشترط أن تكون التاء ساكنة لأن هذه التاء متحركة. وإن قلنا إن هذه التاء ليست علامة على الفاعل، اعترضنا أيضاً بأن هذه التاء كالتاء الساكنة في أنها تدل على تأنيث الفاعل. ما هو الفرق بين (قامت هند) وبين (قامت امرأة)؟ التاء في كلا الموردين تدل على أن الفاعل مؤنث وتدل على أن الاسم الذي أسند إلى الفعل كان مؤنثاً، مع أن التاء في المورد الأول كانت ساكنة وفي المورد الثاني كانت متحركة.
والجواب عن ذلك أن هذه التاء هي تاء التأنيث الساكنة أيضاً ولا يضر بسكونها أن تحركت في هذه المسألة، وذلك لأن التاء الساكنة في أصل الوضع، ولا يضر بذلك أن تتحرك لعارض يعرضها فيوجب تحركها. وهذا ككثير من الحروف والكلمات، فإنها كثيراً ما توضع الكلمة ساكنة الآخر، ومع ذلك فإنها تتحرك. سيأتي معكم الآن فعل الأمر يبنى على السكون تقول (اقتل) و(اضرب)، (اضرب زيداً) ولكنك تقول (اضربِ الولدَ) بكسر الباء تماماً. وتقول في حروف الجر مثلاً... نسيت المثال، المهم، هناك كثير من الكلمات، الآن إذا تذكرنا نذكره لكم.
والحاصل أن الكلمة قد تكون ساكنة الآخر بحسب أصلها، أي أن الواضع عندما انتخب هذا اللفظ وجعله لمعنى، قد جعله ساكناً. ففي أصل الوضع وضعت ساكنة، ولكن هناك مواد أو علل قد تعرض على الكلمة فتوجب تحركها. واحدة من هذه العلل والموجبات قالوا: المنع من التقاء الساكنين. في اللغة العربية يوجد قاعدة تقول التقاء الساكنين ممنوع، أي التقاء حرفين ساكنين ممنوع في اللغة العربية.
وذلك التفت لأننا إذا أردنا أن نحلل معنى السكون؛ السكون عبارة عن إعدام الحركة، فلا بد أن نفرض أن هناك صوتاً يمتد في أعلى أو في وسط أو في أسفل ونحن نريد أن نقطعه، كما كنا نقول في التنوين إنه قطع التصويت، فأنت تصوت في الأعلى فتقول (زيدٌ) تريد أن تقطع هذا الصوت فتقول (زيدْ) أو (زيداً) تقطع هذا الصوت، أو حركة في الأسفل فتريد أن تقطع. إذاً فالسكون الذي هو عدم الحركة -والحركة تستلزم مد الصوت في اتجاه إما موافق للفك الأعلى أو للفك الأسفل أو بينهما- فالسكون قطع ذلك الصوت. فحتى يتحقق معنى السكون لابد أن نفترض صوتاً في رتبة سابقة ليصح بعد ذلك أن نقطع ذلك الصوت فيتحقق السكون. واضح إلى الآن؟ تمام.
فكل سكون لا يكون سكوناً إلا بعد حركة. ولذلك لمن درس المنطق أو يريد أن يدرس المنطق فيما بعد، يقال إن النسبة بين السكون والحركة نسبة الملكة وعدمها، يعني عدم في مورد الملكة. تماماً! التفت، الجاهل لا يقال له جاهل إلا إذا كان له قابلية أن يتعلم، ولذلك الحمار لا يقال له جاهل والحجر لا يقال له جاهل وإن كان الحجر غير متعلم تماماً. حتى تقول لشيء إنك جاهل لابد أن يكون له قابلية أن يتعلم، حتى تقول لشيء إنه ساكن لابد أن يكون له قابلية أن يتحرك، فالسكون إنما يكون في مورد الحركة.
فحتى يتحقق سكون لابد أن نفرض صوتاً ممتداً في رتبة سابقة نريد أن نقطعه. وحينئذ أما السكون الأول فلا شك في إمكان تحققه لأنه قطع للصوت الأول، ولكن كيف نحقق سكوناً ثانياً بعد سكون أول؟ هذا ممنوع بل مستحيل حقيقة، لأن السكون الثاني حتى يتحقق لابد أن نفرض وجود صوت قبله وقد فرضنا أن الذي قبله ماذا كان؟ هو السكون الأول. فالتقاء ساكنين مستحيل حقيقة وليس فقط ممنوعاً، هو في الأصل ولذلك أنت الآن إذا تريد أن تجعل الساكنين يلتقيان تجد من نفسك أنك لابد أن تعطي نحواً من أنحاء الحركة. شوف (اضربِ الولدَ) تماماً! قالوا كسرت لالتقاء الساكنين. الآن أنا أريد أن أحاول أن أجعل الحرف الأول ساكناً والثاني ساكن (اضربْ الولدْ) تلقائياً لابد أن تحدث صوتاً بين الساكنين. فالتقاء الساكنين أمر غير مقدور للمتكلم، ولذلك إذا لم يكن مقدورا فكيف يكون جائزاً في لغة هي لغة الإعجاز والفصاحة؟
ولذلك قالوا: التقاء الساكنين ممنوع في اللغة العربية. فكلما كان الكلام موجبا لالتقاء الساكنين وجب دفع ذلك بتحريك الساكن الأول حركة توجب التسهيل على المتكلم. هلا هذه الحركة قد تكون إلى الكسر، قد تكون إلى الفتح، والأصل في التخلص من التقاء الساكنين ما هو؟ هو الكسر، احفظوا ذلك جيداً. ليش الكسر؟ مجرد المعلومة من دون لمَ ليس له أثر تماماً. لما كان الأصل في التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر دون الفتح أو دون الضم، هذا ابحثوا عنه. على كل حال، إذاً فالتقاء الساكنين ممنوع في اللغة العربية.
والتاء لما كانت ساكنة في آخر الكلمة لأنها تدخل على الفعل في آخره، فكثيراً ما تتصل بكلمة يكون أولها ساكناً. تقول لي: كيف تكون كلمة وأولها ساكن والسكون لا يكون إلا بعد حركة؟ هذه هي قضية همزة الفصل وهمزة الوصل. شوف (الولد)، إذا قلت (الولد) في ابتداء الكلام ماذا تقول؟ (الْولدُ)، شوف أثم تأتي باللام الساكنة. إذا جاءت (الولد) في نصف الكلام في منتصف الكلام تقول (جاء الولدُ)، لا تقول (جاء الْولدُ)، جاء الولد. ولذلك الحرف الأول ساكن بشرط أن يتصل بكلمة سابقه قبلها متحركة حتى... ولذلك ابتداء النطق بالساكن مستحيل، لا يمكنك أن تبتدئ النطق بحرف ساكن لأن السكون إنما يكون بعد حركة، والفرض أنك تبتدئ الكلام، فقبل هذا الكلام لا يوجد كلام، إذاً فلا يمكن أن تبتدئ بالساكن.
جيد. إذاً فتاء التأنيث لما كانت ساكنة في أصل الوضع، فإذا تقارنت مع كلمة ساكنة في أولها بعدها، فوجب التخلص من هذا الالتقاء بفتح تلك التاء، فتقول: قامت الـ... قامت المرأة. ولذلك قال: والمراد أنها ساكنة في أصل وضعها فلا يضر تحريكها لعارض التخلص من التقاء الساكنين في نحو قوله تعالى ﴿قَالَتِ اخْرُجْ﴾. التفت، المرأة تريد القطع تريد الوقف (قالتْ أخرجْ)، ما في مشكلة! ليه؟ لأنه لا يوجد ساكنان. مرة تريد الوصل فتقول: ﴿قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أو ﴿وَإِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ أو قالتا... وين؟ وين التقاء الساكنين هنا؟ الألف والألف لوحدها ساكنة، شوف سيأتي معكم أن الألف والواو والياء حروف علة، وحروف العلة لا تظهر عليها الحركات إذا فهي ساكنة، فالألف لوحدها ساكنة لا يظهر عليها حركة والتاء قبلها ساكنة فلا يمكنك أن تقول (قالتا)، لا، لا يمكن تحقق ذلك، فلذلك تقول (قالتا)، فتحت التاء تخلصاً من التقاء الساكنين بالفتح، قالوا لأن الذي يناسب الألف الفتح، كما أن الذي يناسب الواو الضم، وكما أن الذي يناسب الياء الكسر.
جيد. ﴿إِذْ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. كنا نتحدث عن حروف الجر؛ (من) هي حرف جر موضوعة على حرف ساكن أخير (منْ)، مع أنك ماذا تقول؟ لا تقول (جئت منْ المدرسةِ)، تقول (جئت منِ المدرسةِ)، فتحت للتخلص من التقاء الساكنين.
المسألة الثانية في علامة فعل الأمر
هذا تمام الكلام في المسألة الأولى. قلنا بقيت مسألتان. المسألة الثانية: أن هذه العلامات التي جاء بها المصنف هي علامات أربع؛ قد، السين، سوف، والتاء. وقد جيء بهذه العلامات لتمييز الفعل عن غيره من الأقسام. والفعل كما عرفنا ثلاثة أقسام: ماض ومضارع وأمر. فيقع الاعتراض بأن هذه العلامات لا تصلح لتمييز فعل الأمر عن غيره من الأسماء والحروف، بداهة أن السين وسوف لا يكونان إلا في المضارع فهما علامتان تميزان الفعل عن الاسم والحرف وتميزان المضارع عن غيره، وقد توجد في الماضي وتوجد في المضارع ولكنها لا تكون في الأمر، ولم يأتي لنا بعلامة تميز فعل الأمر عن غيره. ولذلك لما كان هذا النقص موجوداً في كلام المصنف، تصدى الشارح لجبره ولرفعه فذكر علامة تميز فعل الأمر عن غيره.
وحاصل هذه العلامة أنها علامة واحدة ولكنها مركبة من مجموع أمرين، فلا يحكم على الفعل بكونه فعل أمر إلا إذا تحقق كلا الأمرين مجتمعين:
الأمر الأول: أن تدخل على الفعل نون التوكيد، وقد قلنا لكم مراراً أن نون التوكيد هي النون المشددة التي تقع في آخر الفعل وتفيد توكيده، (لعبنَّ)، (العبنَّ).
والثاني: أن يكون الفعل دالاًّ على الطلب وليس حاكياً عن الخبر.
إذا وجدت كلتا هاتين الخصوصيتين مجتمعتين في كلمة حكم عليها بأنها فعل أمر، واما إذا انتفت إحداهما أو كلتاهما فلا تكون الكلمة فعل أمر. وهذا يعني أن وجود إحدى هاتين الخصوصيتين لوحدها لا يكفي لأن نقول إن الفعل فعل أمر، بل لابد من وجود المركب منهما.
والحاصل أن الكل دائماً يتركب من أجزاء، فلا يتحقق الكل إلا عند تحقق كل جزء من أجزائه، ولكن يكفي في نفي الكل نفي جزء من أجزائه. الآن إذا فرضنا أن حقيقة الماء هي في الأكسجين والهيدروجين فلابد حتى يتشكل عندنا ماء أن ينوجد كل واحد من هذين العنصرين، فلو وجد أحد العنصرين لوحده لا يتحقق الماء، فالكل لا ينوجد إلا بعد وجود كل جزء من أجزائه، ولكن يكفي في إعدام هذا الكل ونفيه نفي جزء واحد من الأجزاء، يكفي أن تعدم الهيدروجين فلا يعود الماء ماء. وهكذا، هذه قاعدة عقلية، فإذا كان البيت مركباً أو إذا كان السرير مركباً من خشب وحديد وماء... أين نجد هذا السرير إلا إذا وجدت سائر الأجزاء؟ ولكن يكفي حتى ينعدم السرير أن ينعدم ولو جزء واحد من هذه الأجزاء. ذكرني بعد الدرس بسؤال.
على كل حال، إذا اتضح ذلك، فعلامة الأمر علامة مركبة من جزئين هما: قبول نون التوكيد، والدلالة على الطلب. مش بالضرورة أن تدخل، يكفي أن تكون قابلة لأن تدخل عليها النون مع الدلالة على الطلب. فكل كلمة حتى تكون فعل أمر لابد أن تدل على الطلب ولابد أن تكون قابلة لدخول نون التوكيد، كما يقال (العبْ). شوف (العبْ) فيها دلالة على الطلب، لأنها لا تحكي عن وقوع اللعب في الخارج وإنما هي طلب لإيقاع هذا الحدث وين؟ في الخارج، فهي دالة على طلب إيقاع الحدث لا أنها تحكي وقوع حدث، فهي تدل على الطلب. وثانياً (العبْ) يمكن أن تدخل عليها نون التوكيد بأن تقول (العبنَّ)، نعم إذاً فهي فعل أمر.
ولمن ليس له أنس بنون التوكيد يمكن أن نستبدل له نون التوكيد بياء المخاطبة، فتقول يمكن أن تدخل عليها الياء التي تدل على الفاعل بأن تقول (العبِي)، نعم تقول (العبِي). فكل كلمة تقبل الياء وتدل على الطلب فهي فعل أمر، أو كل كلمة تقبل النون وتدل على الطلب فهي فعل أمر. (اذهب)، تقول (اذهبنَّ)، تدل على الطلب، لا تحكي وقوع الذهب وإنما تطلب إيقاعه في الخارج، ويمكن أن تدخل عليها نون التوكيد تقول (اذهبنَّ أنتَ)، ويمكن أن تدخل عليها ياء المخاطبة يعني التي تدل على الفاعل المؤنث (اذهبي). ويكفي انتفاء واحدة من هاتين الخصوصيتين حتى لا يكون الفعل أمراً. فإذا انتفت خصوصية الطلب ماذا تصير الكلمة؟ فعلاً مضارعاً مباشرة.
فالكلمة حتى تكون فعل أمر لابد أن تدل على الطلب ولابد أن تقبل الياء والنون، فإذا كانت تدل عليهما معاً فهي فعل أمر، وإذا كانت تقبل الياء أو النون ولا تدل على الطلب فهي مضارع قطعاً. طبعا ليش؟ لأن نون التوكيد كما سيأتي معكم، قالوا دائماً تخلص مدخولها للاستقبال، يعني تجعل ما تدخل عليه لأي زمن؟ المستقبل. والاسم عندنا لا يدل على الزمان، والحرف لا يدل على الزمان، والماضي ينافي الاستقبال، فلم يصلح للمستقبل إلا الأمر والمضارع. وهذه الكلمة لأنها لا تدل على الطلب فليست أمراً، فماذا بقي؟ فبقي أن تكون مضارعاً.
وأما إذا كانت تدل على الطلب ولكنها لا تقبل الياء ولا النون فماذا تكون؟ قالوا هذه تكون اسم فعل أمر. هذا نتركه، كما تقول (صهْ)، أي (صهْ) بمعنى اسكتْ. وهكذا أو (مهْ) بمعنى كُفَّ، إلى غير ذلك. قال هذه تدل على الطلب ولكنها لا تقبل النون ولا ياء المخاطبة، كما في البيت المعروف:
والأمر إن لم يكن للنون محل فهو اسم نحو صه وحي هل
نعم، نقرأ هذا المقدار أيضاً. قال: (ومما تقدم يتبين)، والله يتبين، ومما تقدم يتبين لك أن علامات الفعل التي ذكرها المؤلف على ثلاثة أقسام:
قسم يختص بالدخول على الماضي وهو تاء التأنيث الساكنة.
وقسم يختص بالدخول على المضارع وهو السين وسوف.
وقسم يشترك بينهما وهو قد.
طيب، وين علامة فعل الأمر؟ إذاً هو يريد أن يشكل على المؤلف، يريد أن يشكل على الماتن. ولكن ينبغي في الشارح دائماً ينبغي للشارح أن يتأدب مع الماتن، لأن الشارح نسبته إلى الماتن نسبة التلميذ إلى استاذه. وقد ترك علامة فعل الأمر، ولكن يستطيع أن يقول ويشكل عليه بأنه فوت ذكر علامة الأمر إلى آخره.
قال: (وهي دلالته على الطلب)، ما هي علامة فعل الأمر؟ يعني ذكر المسألة حتى كأنك لا تشعر بأنه في مقام الاعتراض تأدباً معه. قال وهي ما هي علامة فعل الأمر؟ قال دلالته على الطلب مع المصاحبة المقارنة مع قبوله ياء المخاطبة أو نون التوكيد، نحو (قم) و(اقعد) و(اكتب) و(انظر)، فإن هذه الكلمات الأربع دالة على طلب حصول القيام والقعود والكتابة والنظر، لا أنها تحكي حصول القيام، هي تطلب إيقاع الحدث في الخارج، مع قبولها ياء المخاطبة في نحو (قومي) و(اقعدي)، أو مع قبولها نون التوكيد في نحو (اكتبنَّ) و(انظرنَّ) إلى ما ينفعك. طبعا (قم) أيضاً تقول (قومنَّ) و(اقعدنَّ)، جيد؟ و(اكتب) أيضاً تقول (اكتبي) و(انظري). كل كلمة تقبل نون التوكيد تقبل ياء المخاطبة بلا شك. جيد.
علامة الحرف
هذا تمام الكلام في علامات الفعل، فلم يبق عندنا إلا علامات الحرف. بدنا نوقفها لهيدي الساعة، جيد؟ فلم يبق عندنا إلا علامة الحرف، ولكننا حقيقة لم نعد نحتاج إلى علامة نميز بها الحرف عن غيره، لأن الكلمة تنحصر في ثلاثة أقسام لا رابعة لها: إما الاسم أو الفعل أو الحرف. وللاسم علامته وعلاماته، وللفعل علامته وعلاماته، فكل ما لا يقبل علامة الاسم ولا علامة الفعل فلا يكون اسماً ولا فعلاً، وما لا يكون اسماً ولا فعلاً فلا بد أن يكون حرفاً، لأن الكلمة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة.
فصارت علامة الحرف بأن لا يقبل شيئاً من علامات الاسم ولا شيئاً من علامات الفعل، ولذلك صارت علامة الحرف علامة عدمية. لأنه إذا قيل لك إن في الغرفة أولاداً ثلاثة، وذكر لك أسماؤهم، فإذا عرفت زيداً بخصائصه، وعمراً بخصائصه، فلم تحتج لتمييز بكرا عن غيره أن تعرف خصائصه، يكفي أن تعرف... يكفي أن ترى شخصاً ليس فيه خصائص زيد ولا خصائص عمرو لتعرف أن هذا هو بكر.
والكلمة لا تخرج عن هذه الثلاثة؛ الاسم والفعل والحرف. وقد عرفنا الخصائص التي نعرف بها اسمية الكلمة وفعليتها، فكل كلمة لم تقبل علامة الاسم امتنع أن تكون اسماً -طبعاً مش لم تقبل العلامة لأن العلامة قلنا تكون مانعة ولا تكون...- لم تقبل شيئاً من علامات الاسم تماماً، ولا شيئاً من علامات الفعل فلا تكون فعلاً، فوجب فلم يبق إلا أن تكون حرفاً. فصار نفس عدم قبول علامات الاسم وعلامات الفعل علامة على الحرف.
قال: (والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل)، الدليل يعني العلامة، والدليل يرشدك يدلّك على الشيء. وما لا يصلح معه يعني ما لا يمكن أن يدخل عليه شيء مما يدل على الاسم وهي علاماته، ولا شيء مما يدل على الفعل. وأقول: يتميز الحرف عن أخويه الاسم والفعل بأنه لا يصح دخول علامة من علامات الأسماء المتقدمة ولا غيرها عليه. شو يعني ولا غيره؟ ولا غير العلامات المتقدمة، لأنه سيأتي معنا في كتاب آخر أن علامات الاسم لا تنحصر في هذه الأربعة، كما يقول ابن مالك:
بالجر والتنوين والندى والمسند للاسم تمييز حصل
هذه كلها علامات للاسم. كما لا يصح دخول علامة من علامات الأفعال التي سبق بيانها عليه. ومثال الحرف (من)، (هل)، (لم). شوف الدقة! هو جاء بأمثلة ثلاثة، ليش؟ مجرد تفنن في التعبير؟ لا! التفت جيداً، قلنا إن الحرف ليس له معنى مستقل في نفسه، وأن معناه يظهر بغيره، وهذا يعني أن كلمة (في) لا يمكن أن تستعمل لوحدها في كلام، بل لابد أن تدخل على كلمة بعدها، لأن حتى يظهر معنى هذا الحرف بغيره من الكلمات التي دخل عليها، فكل حرف لابد أن يدخل على كلمة.
وهذه الكلمة لا يمكن أن تكون حرفاً، الحرف لا يدخل على الحرف، لأن الحرف الأول بحسب الفرض لا يظهر معناه إلا إذا اقترن بغيره، فهو إنما يأخذ معناه من الغير، وفاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن أن يكون ذلك الغير حرفاً وإلا نقلنا الكلام إليه فأحتاج إلى غيره فننقل الكلام إليه ويتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. بل لابد في الحرف أن يدخل إما على الاسم وإما على الفعل، ولا يدخل الحرف على حرف.
إذا اتضح ذلك، فالحرف إما أن يكون بحيث لا يدخل إلا على الأفعال فيقال هو حرف مختص بالفعل، وإما أن يكون بحيث لا يدخل إلا على الأسماء فهو حرف مختص بالاسم، وإما أن يكون بحيث يدخل على الأفعال وعلى الأسماء فهو حرف غير مختص. ولذلك جاء بأمثلة ثلاثة: مثال للحرف الذي لا يدخل إلا على الاسم، ومثال للحرف الذي لا يدخل إلا على الفعل، ومثال للحرف الذي يدخل على الاسم وعلى الفعل.
قال: مثاله (من) حرف جر، وقد عرفنا أنه من علامات الاسم فهو يختص بالدخول على أي شيء؟ على الأسماء. قال: و(هل)؟ (هل) تدخل على الاسم وعلى الفعل، تقول: (هل جاء زيد؟) و(هل زيد قائم؟). شوف دخلت على (جاء) (هل جاء زيد؟) دخلت على الفعل. و(هل زيد قائم) دخلت على (زيد) وهو اسم، فهذا حرف غير مختص. وتقول (لم) (لم) حرف لا يدخل إلا على الفعل، سيأتي أنه لا يدخل إلا على الفعل المضارع.
وعندنا قاعدة في النحو وسياتي دليلها ومدركها ولكن الآن خذوها أخذ المسلمات: كل حرف يختص بشيء فإنه يعمل فيه، وما لا يختص لا يعمل. حرف الجر لما اختص بالدخول على الاسم عمل فيه، ولذلك هذه الحروف ماذا تحدث في الاسم؟ تحدث الجر والخفض، تعمل فيه يعني تحدث فيه أثراً. ولذلك هذه الحروف عندما تدخل على الاسم فإن الاسم ينجر بها، تقول: (زيدٌ في الغرفةِ)، و(زيدٌ على الطاولةِ) لأن هذه الحروف تختص بالاسم وما يختص يعمل، يعني يحدث أثراً. وهذه الحروف تحدث أثراً في الاسم وهو أثر الجر. وما يختص بالفعل يعمل بالفعل أيضاً، ولذلك (لم) سيأتي معكم أنها من أدوات الجزم تجزم الفعل المضارع. أما (هل) فليست حرفاً مختصاً، وما لا يختص لا يعمل، ولذلك تعربها حرف لا محل لها من الإعراب، لا يحدث أثراً فيما بعده.
قال: (ومثاله من وهل ولم)، فهذه الكلمات الثلاث حروف لأنها لا تقبل شيئاً لا من علامات الاسم ولا من علامات الفعل تماماً. هذه علامة حرفية لا يمكن أن تدخل عليها الألف واللام، لا تقول (المن) ولا (الهل)، ولا يدخل عليها التنوين، ولا تدخل السين ولا سوف ولا قد ولا تاء التأنيث إلى آخره. قال: لأنها لا تقبل (ال) ولا التنوين ولا يجوز دخول حرف الخفض عليها فلا يصح أن تقول (المن) ولا أن تقول (منن) ولا أن تقول (إلى من)، عفواً (إلى منْ) لأن الحرف لا يدخل على الحرف. وكذلك بقية الحروف. وأيضاً لا يصح أن تدخل عليها السين -طبعاً هذا يدلنا على أنها ليست اسماً- قال: وليست فعلاً لأنها لا يصح أن تدخل عليها السين ولا سوف ولا تاء التأنيث الساكنة ولا قد ولا غيرها مما هو علامات على أن الكلمة فعل. وإذ لم تكن فعلاً ولا اسماً فلا بد هي حرف، لأن الكلمة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة.
باب الإعراب والبناء
قال: باب الإعراب. الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً. هذا مطلب جديد جيد لا بأس. الإعراب في مقابل البناء. والمراد من الإعراب في اللغة: البيان، الإفصاح. يقال أعرب عن رأيه، أي أفصح عن رأيه وبيّنه. وإذا كان الإعراب عبارة عن البيان، والبناء عدم الإعراب، فالبناء عدم البيان، هذا في اللغة.
وأما في الاصطلاح عند أهل النحو فله معنى آخر يحتاج بيانه إلى شرح مقدمة. التفت، حاصل هذه المقدمة أن هذه اللغة العربية هي لغة الفصاحة والبلاغة وهي لغة الإعجاز، وما يكون كذلك لا يمكن أن يقع فيه الالتباس والاشتباه والتشويه في فهم المعاني. ولذلك قلنا إن اللغة العربية من الطبيعي جداً أن تكون أعقد اللغات لكثرة اشتمالها على تفاصيل من شأنها أن تبين خصائص دقيقة جداً في الكلام. فاللغة لما كانت لغة الفصاحة فهي لغة البيان، أي إنها أقدر لغة يمكن من خلالها بيان المعاني الموجودة وين؟ في أذهان الناس. ولذلك منعوا في اللغة أن تكون بحيث تؤدي إلى الالتباس في فهم المعنى. فكل كلام يوجب التباساً فهو لا يحقق...
بعبارة ثانية التفت: الإنسان لماذا يتكلم؟ لأنه يريد أن يوصل معنى من المعاني التي في ذهنه إلى الشخص الذي أمامه. فلو جاء بكلام لا يوصل هذا المعنى لكان مخلاً بغرضه، لأن الغرض الذي لأجله نطق بالكلام هو أنه أراد أن يوصل هذا المعنى إلى ذهنك، فلو كان الكلام الذي نطق به بحيث لا يوصل هذا المعنى لكان مخلاً بغرضه وهذا ينافي الحكمة. وواضع اللغة -أو اللغة العربية- لما كانت لغة الإعجاز والفصاحة فلا بد أن يكون واضعها حكيماً، والحكيم لا يخل بغرضه. ومن لا يخل بغرضه يجب عليه أن يراعي في هذه اللغة أن تكون بحيث تؤدي المعنى المطلوب على النحو الأتم. فينبغي أن يصل هذا المعنى إلى ذهن المخاطب من دون وقوع أي التباس وتشويش في فهم المعنى. وما لا يكون كذلك لا يعد كلاماً عربياً. ولذلك هناك قاعدة عند أهل البلاغة: الكلام غير البليغ ملحوق عندنا بأصوات الحيوانات، كأنه من أصوات لا معنى له، لأنه لا يوصل المعنى بالنحو الأتم والأدق.
ومن هنا أسسوا قاعدة قالوا إن اللغة العربية ممنوع فيها الالتباس. واضح ما هو المراد من الالتباس؟ التشويش والصعوبة في فهم المعنى. ولذلك لا يصح لك أن تقول (جاء...) لأنك أوقفت المخاطب في الالتباس؛ من الذي جاء؟ الطالب أو الأستاذ؟ لابد أن تتم كلامك فتقول (جاء الأستاذُ) مثلاً. تمام.
إذا اتضحت هذه المقدمة، فنحن إذا جئنا إذا تتذكرون أول مقدمة كانت في علم النحو، هنالك فرق بين أن تقول (ما أجملَ السماءَ) وبين أن تقول (ما أجملْ؟ السماءَ). لأن هناك فرقاً بين أن تكون بحيث تتعجب من جمال السماء، وبين أن تكون سائلاً عن أن أي شيء في السماء هو الذي يكون أجمل. ففرق بين معنى التعجب ومعنى الاستفهام. والمتكلم إما أنه يريد أن يوصل معنى التعجب إلى ذهن المخاطب وإما أنه يريد أن يوصل معنى الاستفهام. فلو قال له (ما أجمل السماء) على قاعدة (اسكت تسلم) لما فهم المخاطب مراد المتكلم، فلا يكون الكلام بليغاً، فلا يكون كلاماً عربياً بل يكون ملحوقاً بأصوات البهائم والحيوانات. ولذلك قالوا منعا لذلك الالتباس لابد أن ينصب المتكلم علامة تميز هذا المعنى عن ذاك.
هذه العلامة، شوف التي قلنا الإعراب ما هو؟ البيان، صحيح؟ هذه العلامة التي تبين المعنى يقال لها علامة إعراب، ويأتي بها المتكلم فينصبها على آخر الكلمة. فهذه العلامة ليست عبارة عن إيقاع موسيقي نرسمه على أواخر الكلمات لمجرد أن العرب نطقت هكذا، وإنما نأتي بهذه الحركات على أواخر الكلمات لنرسم معاني ونبين معاني لا تتضح لولا تلك الحركات. ولذلك صارت هذه العلامات علامات إعراب، أي إنها يؤتى بها لتمييز المعاني حتى لا يقع المخاطب في الالتباس.
ولذلك التفت، عندما تقول (ضرب زيدٌ عمراً)، فالضرب حدث لا يمكن أن يتحقق في الخارج من دون وجود ذات صدر منها الضرب، وذات وقع عليها الضرب، ولا يمكن أن يتحقق الضارب من مجرد وجود ضارب... عفواً من مجرد الضرب، لابد من وجود ضارب ومضروب. ولا يمكن أن يتحقق الضرب من دون وجود ضارب أيضاً، لابد من وجود الضارب والمضروب. وكون أحدهما ضارباً مغاير لكون الآخر... أو عفواً مغاير لكونه مضروباً، معنى الضاربية مغاير لمعنى المضروبية. تمام، إذا كان الضارب ابنك شيء لابد أن تعتذر، إذا كان المضروب ابنك فلابد أن تثأر! فالضارب شيء والمضروب شيء آخر. فلو قيل (ضرب زيد عمرو)، من الضارب ومن المضروب؟
ولذلك قالوا لابد أن تأتي بضمة تميز لك الضارب، تبين أن هذه الذات هي التي صدر منها الفعل. ولذلك تأتي بفتحة تجعلها على آخر الكلمة لتدل على أن هذه الذات هي التي وقع عليها الضرب. ولذلك تقول: (ضرب زيدٌ عمراً)، من الضارب؟ زيد. ولو قلبت فقلت: (ضرب عمراً زيدٌ)، من الضارب أيضاً؟ زيد. فهذه العلامة وهي علامة الرفع التي يقال لها علامة الفاعلية، هي علامة جيء بها لتبين أن هذه الكلمة قد عرض عليها معنى ما هو؟ هو معنى الفاعلية.
ولذلك قالوا إن الضمة علامة على الفاعلية أي علامة جيء بها لتبين هذا المعنى الذي عرض على الكلمة. شوف الآن كلمة (زيد) لوحدها إذا قلت لك (زيد) لا تدل لا على فاعلية ولا على مفعولية ولا على أي شيء، (زيد) لا تدل إلا على هذه الذات التي في الخارج التي اسمها زيد، لم يعرض على هذه الكلمة... ليس فيها أي معنى إلا هذا الشخص. متى يحصل؟ متى ينشأ معنى الفاعل؟ متى يعرض معنى الفاعلية على زيد؟ عندما تقول (ضرب زيدٌ). متى يعرض معنى المفعولية على زيد؟ عندما تقول (ضربتُ زيداً). متى يعرض معنى الإضافة؟ عندما تقول (مررت بزيد)، هذا يأتي فيما بعد.
فهذا الاسم عرض عليه معان متعددة، تارة في التركيب الأول ماذا عرض عليه؟ معنى الفاعلية. في التركيب الثاني عرض عليه معنى المفعولية. تقول (مررت بغلامِ زيدٍ) أو (جاء غلامُ زيدٍ)، نقول عرض معنى ثالث هو معنى الإضافة، هذا يأتي في محله. مع أن كلمة (زيد) في هذه الاستعمالات الثلاثة كانت واحدة تماماً! فزيد لفظ واحد عرض عليه معان متعددة في تراكيب متعددة.
وهذه المعاني حيث إنها متعددة ومتغايرة فتحتاج إلى مميز أو لا؟ بلا شك، إذ لو لم نميزها لوقعنا في الالتباس، والالتباس ممنوع في اللغة العربية. وليس هذا المميز من نفس كلمة (زيد)، لأن (زيد) واحدة في جميع هذه الاستعمالات الثلاثة، شوف (جاء زيدٌ)، (ضربتُ زيداً)، (جاء غلامُ زيدٍ)، إذاً لفظ واحد مشترك بين هذه الاستعمالات الثلاثة، مع أنه في كل استعمال قد عرض عليه معنى غير المعنى الذي عرض عليه في الاستعمال الآخر.
وعندنا قاعدة: ما به الاشتراك لا يكون ما به الافتراق. هذه شرحناها لكم صحيح؟ الغنمات السود والغنمات البيض، تمام؟ ما به الاشتراك لا يكون بما به الافتراق. هو لفظ واحد ومعان متعددة فلا بد أن نميزها، قالوا إذاً وجب أن نميزها من خارجها، فنجعل علامة لمعنى الفاعلية وقالوا هي الضمة أي الرفع، ونجعل علامة للمفعولية وعلامة للإضافة، ولذلك صار الاسم إما مرفوعاً وإما منصوباً وإما مجروراً، لأن الاسم تعرض عليه ثلاث معان فنحتاج إلى كم مميز؟ ثلاثة، إلى ثلاث مميزات. فجاؤوا بالضمة والفتحة والكسرة، أو فقل بالرفع والنصب والجر.
فالإعراب إذاً ما هو؟ هو تغيير آخر الكلمة. لماذا يتغير آخر الكلمة؟ لأنه قد تغير معناها. ومتى يتغير هذا المعنى؟ عندما تعرض معان متعددة. وعروض هذه المعاني المتعددة من أين نشأ؟ نشأ من... مما يدخل على هذه الكلمة، صحيح؟ ولذلك نقول الإعراب هو تغيير آخر الكلمة لاختلاف المعاني. ليش تختلف المعاني؟ لاختلاف العوامل التي تدخل؛ عندما دخل الفعل (جاء) على (زيد) هو الذي أحدث فيها معنى الفاعلية، عندما دخل (ضربتُ) على (زيد) هو الذي أحدث فيها أي معنى؟ المفعولية، صار زيد مضروباً. عندما دخلت الإضافة... إضافة دخل (جاء غلام زيد) أحدث فيها معنى الإضافة.
شوف ماذا قال: (وأقول: الإعراب له معنيان؛ أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي، أما معناه في اللغة قال فهو الإظهار والإبانة) يعني بين الشيء أظهره أفصح عنه، تقول (أعربت عما في نفسي) إذا أبنته. أبنته يعني بينته تماماً، لأنه في عندي البينونة غير الإبانة، وأظهرته. وأما معناه في الاصطلاح فهو ما ذكره المؤلف بقوله شوف (تغيير أواخر الكلم...) إلى آخره.
نرجع إلى قال: (تغيير أواخر الكلم)، ما معنى كلم؟ كلم جمع... جمع كلمة! مثل تمر جمع شو؟ تمرة. وكلم جمع كلمة تماماً! يعني تغيير آخر الكلمة. متى يتغير آخر الكلمة؟ لماذا نغير آخر الكلمة؟ لنميز المعاني التي تعرض على الكلمة. طيب، هذه المعاني التي تعرض على الكلمة متى تعرض على الكلمة؟ عندما تدخل عليها عوامل مختلفة، عندما تتركب في جملة. قال: (تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها).
طيب تغيير آخر الكلمة إما تغييراً لفظياً، حتى تعرف شو يعني لفظاً أو تقديراً، وغداً نشرح تماماً! تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها، ضعوا كلمة هنا (تغييراً لفظياً)، كما إذا كانت الحركة بحسب اللفظ؛ (زيدٌ)، (زيداً)، (زيدٍ). أو تغييراً تقديرياً، وهذا يأتي إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.
