الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 12

تحميل Word

012

الإعراب والبناء في الكلمات

كان الكلام في بيان المراد من الإعراب، وقلنا إن الإعراب في اللغة هو البيان وهو الإظهار، وفي الاصطلاح هو تغيير أواخر الكلمات لاختلاف العوامل الداخلة.

وذلك لأن اللغة العربية لما كانت هي لغة الفصاحة ولغة الإعجاز والبيان، فمن حقها ومن شأنها أن تميز سائر المعاني بنحو دقيق وواضح، فأي معنى يعرض على اللفظ فإن من شأن اللغة العربية أن تميزه وأن تبينه. وعندنا بعض الألفاظ أو عندنا معان قد تعرض على اللفظ الواحد في عدة تراكيب وفي عدة موارد، وهذه المعاني تحتاج إلى مميز يميزها مع أن اللفظ يبقى على حاله في كل واحد من هذه التراكيب والاستعمالات، ومن هنا احتاج إلى مميز من خارج اللفظ يميز هذه المعاني بعضها عن بعض.

وحيث إن هذه المعاني التي تعرض على الاسم كانت ثلاثة، فلم يحتاجوا إلا إلى مميزات ثلاثة، فجاؤوا بضمة فجعلوها علامة على الفاعلية، وجاؤوا بفتحة فجعلوها علامة على المفعولية، وجاؤوا بكسرة فجعلوها علامة على الإضافة.

مقارنة بين الاسم والفعل والحرف

ونحن إذا أردنا أن نقارن بين الاسم والفعل والحرف من جهة هذه المعاني التي تعرض عليها، فيمكننا أن نأخذ عن الاسم مثلاً زيد، ونأخذ عن الفعل ضرب، ونأخذ عن الحرف لفظة فيه.

نقول: أما زيد وهو اسم إذا وضعناه في عدة تراكيب في أكثر من جملة، فإنك تقول في الجملة الأولى: جاء زيد، أو في الجملة الأولى تقول: ضرب زيد عمرا. (لا أريد أن أحرك، يعني أنا بحسب الفرض بعد لا يوجد إعراب). وفي الجملة الثانية تقول: ضربت زيدا، يعني ضربت زيد. وفي الجملة الثالثة تقول: ضربت غلام زيد.

التفت، هذه استعمالات ثلاثة وتراكيب ثلاثة وجد فيها لفظ زيد وهو اسم. إذا تأملنا في المثال الأول نجد أن زيدا قد عرض عليه أي معنى؟ معنى الفاعلية، وهو أن الضرب حدث صدر عن من؟ عن زيد، فقد عرض على زيد معنى الفاعلية. وفي الاستعمال الثاني نجد أن زيدا قد عرض عليه معنى المفعولية، لأن الضرب لم يحصل ولم يصدر من زيد وإنما وقع على زيد، وفرق بين أن يكون زيد ضاربا وبين أن يكون مضروبا، فقد عرض على زيد في التركيب الثاني معنى المفعولية. وفي التركيب الثالث زيد لم يكن لا ضاربا ولا مضروبا، لأنك تقول: ضربت غلام زيد، فحدث الضرب لم يصدر عن زيد وإنما صدر عن المتكلم، كما أنه لم يقع على زيد، لأن الذي ضرب من؟ غلام زيد.

وأنت عندما تقول مثلاً: جاء غلام زيد، التفت، أنت لا تريد أن تخبر عن مجيء زيد، لأن زيدا لم يجئ، ولا تريد أن تخبر عن مجيء الغلام أي غلام كان، وإنما تريد أن تخبر عن مجيء خصوص الغلام المنسوب إلى من؟ إلى زيد. ولذلك احتجت إلى أن تظهر أن تضيف كلمة إلى أخرى ليتركب عن مجموعهما معنى، هذا المعنى هو المقصود بالحكم.

وهنا أنت لا تريد أن تبين أنك ضربت زيدا لأن زيدا لم يضرب في قولك: ضربت غلام زيد، ولا تريد أن تبين أنك ضربت غلاما ما أي غلام كان، فأنت لا تقول ضربت غلاما ولا تقول ضربت زيدا، ولكنك تريد أن نبين معنى لا يحصل هذا المعنى في الذهن إلا بإضافة كلمة إلى أخرى ودمجهما معا -سيأتي مفصلا في محله- ولذلك تقول: ضربت غلام زيد، أي ضربت خصوص الغلام المنسوب إلى زيد أي الغلام المضاف إلى زيد، فهذا يقال له معنى الإضافة.

ومن الواضح جدا أن كون زيد ضاربا مغاير لكونه مضروبا ومغاير لكونه لا ضاربا ولا مضروبا، فهذه معان عرضت على زيد، والسبب في عروض هذه المعاني المختلفة على لفظ زيد هو العامل الذي دخل على هذا اللفظ قبله، فنفس إسناد ضرب إلى زيد هو الذي صير زيدا فاعلا، وإسناد ضربت إلى زيد هو الذي صيره مفعولا، وهكذا في باقي الاستعمالات.

فنقول: الاسم تعرض عليه معان متغايرة، والسبب في عروض هذه المعاني ما هو؟ هو دخول العوامل المختلفة تماما؛ لأن ضرب غير ضربت وغير ضربت غلامه. اختلاف هذه المعاني إنما نشأ عن اختلاف العوامل، ولذلك إذا قلت: جاء، فمباشرة ما يأتي بعدها سوف يكون فاعلا، فإسناد المجيء إلى الاسم الذي بعده هو الذي سير الاسم فاعلا. ولذلك لو قلت لك: زيد، من دون ضرب ومن دون ضربت ومن دون ضربت غلام، سوف لا تفهم أي معنى من المعاني، لا الفاعلية ولا المفعولية ولا أي معنى آخر، فهذه المعاني إنما عرضت على الاسم بسبب دخول العوامل.

ولماذا تسمى عوامل؟ لأنها هي التي تحدث فيه معنى الفاعلية، أي تعمل فيه، أي تؤثر فيه فتحدث فيه معنى الفاعلية، فيقال الفعل عامل في الفاعل، أي أنه يحدث فيه معنى الفاعلية. والفعل يعمل في المفعول به لأن الفعل هو الذي يحدث فيه معنى المفعولية، والمضاف يعمل في المضاف إليه، لأنه هو الذي يحدث فيه معنى الإضافة تماما.

فهذه معان متغايرة لأن الفاعلية تغاير المفعولية وتغاير الإضافة، تعرض على الاسم الواحد عند اختلاف العوامل التي تدخل عليه. وحيث إن هذه المعاني متغايرة، فلو لم تتميز لدى المخاطب لوقع في الالتباس؛ إذا قلت لك: ضرب زيدا، لا تعرف من الضارب ومن المضروب. فهذه معان متغايرة يحتاج إلى تمييزها، إذ لو لم تتميز لوقع المخاطب في الالتباس، ولكن الالتباس ممنوع في اللغة العربية لأنه ينافي الفصاحة والبلاغة وهما من شروط اللغة وإعجازها.

إذاً، نحن وصلنا إلى الآن أننا نحتاج إلى مميز يميز هذه المعاني، ولكننا إذا نظرنا إلى لفظ زيد، لوجدناه واحدا في كل استعمال من هذه الاستعمالات، فلا يمكن أن يكون التميز حاصلًا بنفس لفظ زيد، لأنه واحد، وما به الاشتراك لا يمكن أن يكون به الافتراق، ولذلك احتجنا إلى مميز من خارج اللفظ. فجاؤوا بمميزات ثلاث؛ لأن المعاني التي نحتاج إلى تمييزها ثلاث فلا نحتاج إلى أكثر من هذه المميزات، فجاؤوا بضمة قالوا هي علامة على الفاعلية، وبفتحة وهي علامة على المفعولية، وبكسرة وهي علامة على الإضافة. ومن هنا صار الاسم بحيث يتغير آخره بسبب تغير العوامل الداخلة عليه، أي يتغير آخره ليميز المعاني العارضة عليه التي تنشأ عن اختلاف العوامل الداخلة عليه، ولذلك صار الاسم مرفوعا ومنصوبا ومجرورا. هذا بالنسبة إلى الاسم.

فحق الاسم أن يعرب، لأن الاسم تعرض عليه هذه المعاني، وهذه المعاني لابد من تمييزها، ولا يمكن تمييزها من نفس اللفظ، فوجب تمييزها من خارجه، وما يكون مميزا هو الضمة والفتحة والكسرة، فقالوا: حق الاسم أن يكون معربا لأنه تعرض عليه هذه المعاني التي نحتاج إلى تمييزها.

وأما الفعل، فلنأخذ الفعل ضرب. ضرب ألا نلتفت؟ ضرب كلمة على أي شيء تدل؟ تدل على الحدث، نفس الحدث لا يكون فاعلا ولا مفعولا ولا مضافا، تماما؛ لأن الفاعل هو الذات التي صدر عنها الحدث، المفعول هو الذات التي وقع عليها الحدث، المضاف هو الذات التي تضاف إلى ذات أخرى.

فهذه المعاني الثلاثة وهي الفاعلية والمفعولية والإضافة، هذه من شؤون الذوات وليست من شؤون الحدث أي من شؤون الأوصاف. عندنا دائما ذات وعندنا وصف وحدث يحل في هذه الذات، كالجدار الذي يحل فيه البياض، فالبياض وصف يحتاج إلى ذات حتى يقوم فيها، والحائط ذات يحل فيها هذا البياض. الفعل ضرب على أي شيء يدل؟ على حدث الضرب، والضرب في الخارج لا يمكن أن يقوم لوحده، ليس ذاتا، نعم هو حدث يحتاج إلى ذات يصدر عنها ذلك الحدث، ويحتاج إلى ذات يقع عليها ذلك الحدث.

فضرب لما كانت معنى حدثيا، فهذا الحدث لا يمكن أن يكون فاعلا ولا مفعولا ولا مضافا، يعني الفعل لا تعرض عليه هذه المعاني الثلاثة الفاعلية والمفعولية والإضافة، ليش؟ نقول: لأن هذه المعاني الثلاثة من شؤون الذات وأوصافها، والفعل لا دلالة له على الذات وإنما يدل على الحدث، ولذلك لا يتصف الضرب بأنه فاعل ولا بأنه مفعول ولا بأنه مضاف. نعم هذه المعاني من أوصاف نفس الذات.

ولكن الفعل تعرض عليه معان ثلاثة أيضا هي غير هذه المعاني الفاعلية، وهي المضي والحضور والاستقبال، تعرض عليه معان زمانية؛ لأنك تقول: ضرب، فهذا عرض عليه أي معنى؟ معنى المضي. وتقول: يضرب، وهذا يصلح للحال والاستقبال. وتقول: اضرب، وهذا لا يكون إلا للاستقبال. فالفعل لا تعرض عليه الفاعلية والمفعولية والإضافة لأنها من شؤون الذات والفعل يدل على الحدث، ولكن تعرض عليه معان ثلاثة أخرى وهي المعاني الزمانية، فإن كون زمان الحدث هو المضي مغاير لكون زمانه هو الحال أو هو الاستقبال، وهذا واضح.

وهذه المعاني نحتاج إلى تمييزها لأنها لو لم تتميز لوقع المخاطب في الالتباس وهو ممنوع في اللغة العربية، إلا أننا مع ذلك لم نحتج إلى الإعراب في الفعل، والسبب في ذلك أننا وجدنا أن هذه المعاني الزمانية كلما اختلفت حصل اختلاف في بنية الفعل وهيئته؛ لأنك عندما تريد الزمن الماضي ماذا تقول؟ ضرب. وعندما تريد الحاضر تقول: يضرب. وعندما تريد الاستقبال في فعل الأمر تقول: اضرب. فلما كانت هيئة الفعل وصورته بحيث تختلف مع اختلاف هذه المعاني، علم أننا سوف لا نقع في الالتباس في فهم هذه المعاني. وإذا كان تميز هذه المعاني حاصلا بسبب اختلاف لفظ الفعل فسوف لا نحتاج إلى مميز من خارج اللفظ، ولذلك لم نحتاج إلى الإعراب، ولذلك قيل: إن حق الفعل أن لا يكون معربا بل أن يكون -شو خلاف الإعراب؟- البناء.

إذاً فحق الفعل أن يكون مبنيا. وإذا كان الإعراب ما معنى الإعراب؟ قال: تغيير أواخر الكلمات، إذاً فالبناء هو عدم تغيير أواخر الكلمات، يعني البقاء على طريقة واحدة.

وأما الحرف، قال: الحرف لا يمكن أن تعرض عليه معان أصلا، لأنه معناه لا يظهر من نفسه، وما ليس له معنى في نفسه فكيف تعرض عليه المعاني المتغايرة الأخرى من خارجه؟ ولذلك معنى الحرف دائما يظهر من غيره، فهو في نفسه ليس له ظهور في المعنى حتى تعرض عليه معان أخرى، وهذا بخلاف زيد، فإن له معنى في نفسه ولذلك صح أن تعرض عليه معان أخرى. الحرف ليس له معنى في نفسه حتى يصلح لأن تعرض عليه معان أخرى، ولذلك فهو لا يحتاج إلى مميز لعدم وجود هذه المعاني من أول الأمر.

وخلاصة هذه المقارنة بين الاسم والفعل والحرف أن الاسم تعرض عليه معان متغايرة هي الفاعلية والمفعولية والإضافة، هذه المعاني لمكان تغايرها تحتاج إلى ما يميزها، ولكن اللفظ الذي تعرض عليه هذه المعاني يبقى واحدا في كل الاستعمالات، فلم يكن التمايز من نفس اللفظ فاحتجنا إلى مميز من خارجه، وحيث إن المعاني كانت ثلاثة فنحتاج إلى مميزات ثلاثة، فجيء بالرفع والنصب والجر أو بالضمة والفتحة والكسرة، ومن هنا صار الأصل في الاسم أن يكون معربا، وعندما نقول الأصل أن يكون معربا أي حق الاسم أن يكون معربا.

وأما الفعل فهو كالاسم في أنه تعرض عليه معان ثلاثة ليست هي الفاعلية والمفعولية والإضافة لأن هذه المعاني من شؤون الذات، والفعل يدل على الحدث وعلى الوصف، والوصف لا يكون فاعلا، الذات هي التي تكون فاعلا، ولكن تعرض عليه معان ثلاثة أخرى هي المعاني الزمانية كالمضي والحضور والاستقبال الماضي والحال والمستقبل. وهذه المعاني وإن كانت تحتاج إلى مميز، غير أن تميزها لما كان حاصلا باختلاف لفظ الفعل عند اختلاف هذه المعاني، أغنانا ذلك عن البحث عن مميز من خارج اللفظ، لأن اللفظ ما دام متميزا بنفسه فلا نحتاج إلى مميز من الخارج، وإنما نحتاج إلى مميز من الخارج عندما يكون اللفظ فاقدا لذلك التمييز.

ومن ثم فالفعل تعرض عليه معان تحتاج إلى مميز ولكن التميز حاصل للفعل بنفسه وبنفس اختلاف هيئته وصورته، فلم نحتج إلى الإعراب، فصار الأصل في الفعل أن يكون مبنيا لا معربا.

وأما الحرف فهو من أول الأمر لا تعرض عليه المعاني المتغايرة حتى نحتاج إلى تمييزها فيما بعد بشو؟ بالإعراب، ولذلك كان الأصل في الحرف أيضا أن يكون مبنيا. فالحرف والفعل كلاهما مبني، ولكن التفت: الحرف مبني لأنه لا تعرض عليه معان من أول الأمر حتى نحتاج إلى تمييزها بمميز هو الإعراب، أما الفعل تعرض عليه معان غير أن هذه المعاني لا نحتاج إلى تمييزها بالاعراب لتميزها بشيء آخر هي هيئة الفعل في ضرب ويضرب واضرب، ومن ثم صار يقال الأصل في الاسم الإعراب والأصل في الفعل والحرف أن يكون مبنيا. وإذا كان الإعراب هو اختلاف آخر الكلم يعني آخر اللفظ، فالبناء إذا هو أن يلزم اللفظ طريقة واحدة، بأن يكون مفتوحا دائما، أو ساكنا دائما، أو مضموما دائما، أو مكسورا دائما.

الإعراب الظاهر والإعراب المقدر

إذا اتضح ذلك، فإن الإعراب الذي هو تغيير أواخر الكلمة ينقسم إلى قسمين. وعندما نتحدث عن الإعراب إلى الآن إذاً فنحن أين نبحث؟ في الاسم أو في الفعل أو في الحرف؟ نبحث في الاسم، لأن حق الاسم أن يكون معربا. فنقول: الإعراب ينقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يكون إعرابا ظاهرا، وإما أن يكون إعرابا مقدرا.

والمراد من الإعراب الظاهر هو الإعراب الذي تظهر فيه الضمة في حالة الرفع، والفتحة في حالة النصب يعني في حالة الفاعلية وفي حالة المفعولية، والكسرة في حالة الجر يعني في حالة الإضافة. وذلك لأن بعض الأسماء وإن كان حقها أن تعرب، ولكن قد ينوجد مانع يمنع من ظهور هذه الحركة ومن ظهور هذا الأثر.

كما لو أخذنا كلمة قاضي في قبال كلمة زيد. زيد كنا نقول: جاء زيد، وضربت زيدا، ومررت بزيد؛ في الأول عرض معنى الفاعلية، في الثاني عرض معنى المفعولية، في الثالث عرض معنى الإضافة. الآن نحن إذا أردنا أن نستبدل كلمة زيد بكلمة القاضي، فماذا تقول في حالة الرفع؟ جاء القاضي، رأيت القاضي، مررت بالقاضي. (أودعك عن هذه الحركات: جاء القاضي، رأيت القاضي، ومررت بالقاضي).

القاضي: اسم أو فعل أو حرف؟ اسم. وقد عرض عليه في التركيب الأول معنى الفاعلية، وفي الثاني معنى المفعولية، وفي الثالث معنى الإضافة، أو مررت بغلام القاضي، هذا معنى الإضافة. وهذه معان تحتاج إلى تمييز، وليس التميز من نفس اللفظ لأن القاضي على حالة واحدة، فنحتاج إلى مميز من الخارج، فكان حق هذا الاسم أن يكون هناك ضمة على آخره في حالة الفاعل وفتحة في حالة المفعول وكسرة في حالة الإضافة.

ولكننا إذا أخذنا حالة الفاعل فكان القياس أن نقول: جاء القاضي، ولكن في هذا الرفع ثقل على اللسان، والثقل ممنوع في اللغة العربية لأن اللغة العربية مبنية على الخفة؛ لأن التعقيد على اللسان أو الثقل على اللسان يوجب صعوبة في النطق، ومن يصعب نطقه يصعب فهم كلامه. ولذلك الإنسان الذي عنده لكنة أو بتاتي كثيرا لا نفهم عليه جيدا، بسبب أن صعوبة النطق توجب صعوبة في فهم المعنى؛ لأن الألفاظ تؤثر على المعاني، ولذلك منعوا في اللغة العربية أن يكون هناك تعقيد في الألفاظ وأن يكون هناك ثقل على اللسان.

ولذلك حكموا على كلمة الهعخع مثلا قالوا: هذه كلمة غير فصيحة وإن كانت كلمة عربية، ليش؟ قالوا: لأن مخارج الحروف لمكان تقاربها فإنها توجب ثقلا على اللسان (رأيت الهعخع) توجب ثقلا على اللسان. أو مثلا مثل قولهم في بيت الشعر: (وقبر حرب في مكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر). (تمام؟ في لغتنا العامية: حاد خليل على حرير...). واضح تقارب مخارج الحروف ولد ثقلا وصعوبة في النطق وهذا يؤثر على المعنى. وبالجملة فاللغة العربية ممنوع فيها الثقل ولأنها مبتنية على الخفة والسلاسة.

وقولك: جاء القاضي، الانتقال من الكسر إلى الرفع انتقال بعيد لأنه بمثابة الطفرة؛ لأن الكسر يكون إلى الأسفل والرفع والضم يكون إلى الأعلى. قاضي: الضاد مكسورة، والانتقال منها إلى الياء المرفوعة انتقال ثقيل لأنه لم يكن انتقالا تدريجيا لم يمر بالفتح. فقالوا: هذا ثقيل، والثقل ممنوع في اللغة العربية، ولذلك قالوا هاهنا: نعرب هذه الكلمة بأنها فاعل وكان حقها أن ترفع بالضمة، ولكن منع من ظهور هذه الضمة الثقل، فقالوا: إذا هي مرفوعة بضمة مقدرة على الياء لأي شيء قدرت ولم تظهر؟ للثقل. ولذلك جاء القاضي، ماذا نعربها؟ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل.

وأما في حالة النصب يعني في حالة المفعولية فكان القياس أن نقول: رأيت القاضية. الآن هذه يوجد فيها ثقل أو لا يوجد فيها ثقل؟ لا يوجد فيها ثقل حقيقة؛ رأيت القاضية، وين الثقل؟ لا يوجد، يوجد انتقال من كسر من أسفل إلى أعلى من دون وسط، وإنما الانتقال من الكسر إلى الفتح، قالوا: هذه لا يوجد فيها ثقل، إذاً فالقاضي في حالة المفعولية يعرب مفعولا به منصوبا وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره على الأصل.

إذاً متى ننتقل إلى الإعراب التقديري؟ عندما يوجد مانع يمنع من الإعراب الظاهر. فالاصل في الاسم أن يكون معربا لا مبنيا، والأصل في الإعراب أن يكون ظاهرا أو مقدرا؟ ظاهرا، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلى الإعراب التقديري إلا إذا وجد مانع يمنع منه. ولذلك كلمة القاضي في حالة الرفع كان هناك مانع فانتقلنا إلى الإعراب المقدر، وفي حالة النصب لا يوجد مانع فبقينا على الأصل.

طيب، في حالة الجر الآن، احتكموا إلى وجدانكم: مررت بغلام القاضي، فيه ثقل أو لا؟ فيه ثقل بلا شك، ليش؟ لأن هناك حركتين متجانستين كسر فكسر، فكأننا لا نريح المخرج فنكلفه بإصدار حركتين من دون فاصل (مررت بغلام القاضي)، وهذا فيه ثقل، قالوا: والثقل ممنوع في اللغة العربية فنعدل عن هذا الأصل إلى الفرع حرصا على خفة اللغة وسلاستها، ولذلك ماذا نعرب مررت بالقاضي ونقول القاضي أو بغلام القاضي؟ القاضي مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء، ليش؟ للثقل.

الآن إذا أردنا أن نأخذ مثالا آخر: الفتى. تقول: جاء الفتى، رأيت الفتى، ومررت بغلام الفتى أو مررت بالفتى. عرض على لفظ الفتى معان ثلاثة هي الفاعلية والمفعولية والإضافة، نفس الكلام، نفس البيان، أعتقد صار واضحا، فحق هذا اللفظ أن يكون عليه ضمة عندما يعرض عليه معنى الفاعلية، وفتحة عندما تعرض عليه المفعولية، وكسرة عندما تعرض عليه الإضافة.

الآن تعال نأخذ حالة الرفع: جاء الفتى، هل تستطيع أن تضع ضمة على آخر الفتى؟ لا تستطيع من أول الأمر، لا أنك تستطيع أن تجعل الضمة ولكن ذلك يولد ثقلا كما كنا نقول: جاء القاضي، هنا كان بالإمكان أن نضع ضمة على الياء بدليل أنك تقول القاضي فظهرت الضمة ولكنها ظهرت ثقيلة، وهذا بخلاف قولنا: جاء الفتى، لا يمكن للضمة أن تظهر على الحرف الأخير من اللفظ وهو الألف المقصورة، لأنك إن قلت: جاء الفتء، فقد قلبت الألف المقصورة همزا، وإن قلت: جاء الفتي، فقد جعلت الضمة على الياء والياء ليست من أصول الكلمة بل ما هو من أصول الكلمة هي الألف المقصورة، وإن قلت: جاء الفته، فقد قلبت الألف المقصورة هاء، إذاً ما هو الحرف الأخير؟ هو الألف المقصورة وهذه لا يظهر عليها أثر الضم، أثر الرفع، لا تظهر عليها الضمة، لا يمكن، شو يعني لا يمكن؟ يعني يتعذر يعني يمتنع ظهور الضمة عليها، ولذلك صار الانتقال من الإعراب الظاهر إلى الإعراب التقديري أمرا لازما، فتقول: الفتى فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف المقصورة. ألا لماذا قدرت؟ للتعذر؛ لأن الثقيل هو الأمر الممكن حصوله ولكن بصعوبة وثقل، أما في الفتى لا تظهر الضمة، ولذلك فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف المقصورة للتعذر، لأي شيء؟ قال: لتعذر ظهورها عليها.

وكذلك رأيت الفتى، وكذلك مررت بالفتى، إذ لا يقال: رأيت الفتي ولا الفته ولا الفتى إلى آخر هكذا. وكذلك ولذلك الفتى تقدر عليه الضمة وتقدر عليه الفتحة وتقدر عليه الكسرة، أما القاضي فتقدر عليه الضمة وتقدر عليه الكسرة ولا تقدر عليه الفتحة لأنه لا يوجد ثقل في الفتحة ويوجد ثقل في الكسرة والضم. فالاسم ها هنا وقع معربا، غاية ما في الأمر أنه لم يعرب بإعراب ظاهري وإنما أعرب بإعراب تقديري. والمراد من الإعراب الظاهري إذن هو ظهور هذا الأثر على آخر اللفظ، والإعراب المقدر هو أن لا يظهر الأثر على آخر اللفظ وإنما يقدر وجوده، يعني ينوى وجود الضمة وينوى وجود الفتحة والكسرة وإن لم ينجد أثرهما واضحا في آخر اللفظ. وسيأتي معنا أقسام الإعراب المقدر ومنه يتضح أنواع الإعراب الظاهري.

قاعدة في الأصل والعلة

هذا تمام الكلام في المطلب الأول. التفتوا جيدا: قلنا إن الأصل في الاسم أن يكون معربا، والأصل في الفعل أن يكون مبنيا، والأصل في الحرف أن يكون مبنيا كذلك.

احفظوا ذلك جيدا: والشيء إذا جاء على وفق أصله فلا يسأل عنه بـ(لم)، وإنما يسأل عن الشيء بـ(لم) إذا جاء على خلاف أصله. ولذلك لا تسأل: لما كان الاسم معربا؟ لأن الأصل في الاسم أن يكون معربا، متى تسأل؟ إذا جاء على خلاف أصله، فإذا وقع الاسم مبنيا تسأل: لما بني الاسم؟ وليس لك أن تسال: لما أعرِب الاسم؟ لأنه على وفق أصله.

وليتضح لنا ذلك بمثال: لو وجدت ماء حارا لصح لك أن تسأل: لمَ كان الماء حارا؟ لأنه ليس من أصل الماء ومن طبيعته أن يكون حارا، فتسأل عنه بـ(لم) لأنه جاء على خلاف أصله، فيجاب على سؤالك: لأنه كان في وعاء حار، فلك أن تعيد السؤال: ولمَ كان الوعاء حارا؟ لأنه ليس من طبيعة الوعاء أن يكون حارا أيضا، فيجاب: لأنه كان على النار. ولا يصح لك بعد ذلك أن تسأل: ولمَ كانت النار حارة؟ إذ إن النار لا تكون نارا إلا أن تكون حارة. ومن هنا قيل: إن الشيء لا يسأل عنه بـ(لم) إلا إذا جاء على خلاف أصله، أو قول: الذاتي لا يعلل، يعني لا يسأل عن علته، ومن ذاتيات النار أن تكون حارة، فلا يسأل عن علة ذلك.

إذا اتضح ذلك، فإن عندما كنا نقول إن الاسم يستحق الإعراب، هذا لا يعني أنه لا يبنى، وعندما قلنا إن الفعل يستحق البناء، فهذا لا يعني أنه لا يعرب. والحاصل أن الاسم حقه أن يعرب والأصل فيه أن يعرب، فإذا جاء معربا لم يسأل عن السر في إعرابه، لم يسأل عن سبب إعرابه، لأن الأصل فيه أن يعرب، والشيء إذا جاء على وفق أصله فلا يسأل عنه بـ(لم). ولكن إذا وقع الاسم مبنيا لك أن تسأل عنه بـ(لم). والفعل حقه أن يبنى ولكنه قد يعرب كما سياتي، فحينئذ يسأل عن سر إعرابه. هذه قاعدة.

قاعدة الشبه وأحكام الكلمات

وعندنا قاعدة ثانية نريد أن نضمها إلى القاعدة الأولى حتى نستفيد من مجموعهما مطلبا، وهي أن هناك قاعدة تجري في علم النحو وتعد من أساسيات القواعد النحوية التي يجب أن تحفظوها غيبا، وهي أن ما يشبه شيئا يأخذ حكمه؛ فالاسم إذا أشبه الفعل يأخذ حكمه، وإذا أشبه الحرف يأخذ حكمه، والفعل إذا أشبه الاسم يأخذ حكمه، وهكذا.

أما الاسم قالوا: فقد يشبه الحرف، والحرف من أحكامه أنه يبنى، فإذا أشبه الاسم الحرف أخذ حكمه، وحكم الحرف أنه يبنى، فيبنى الاسم لذلك. ولذلك حق الاسم أن يكون معربا، فإن أشبه الحرف فإنه يأخذ حكمه وحكم الحرف أنه يبنى، ولذلك متى يبنى الاسم؟ إذا أشبه الحرف. هذه قاعدة: متى يبنى الاسم؟ إذا أشبه الحرف.

الفعل كان حقه دائما أن يبنى، متى يعرب؟ قالوا: إذا أشبه الاسم، لأن ما يشبه شيئا يأخذ حكمه، وحكم الاسم أن يكون معربا لأن حق الاسم الإعراب. ولذلك قالوا: الفعل المضارع، لماذا سمي مضارعا؟ التفت، نرجع: لأنه يشبه الاسم، وما يشبه شيئا يأخذ حكمه وحكم الاسم الإعراب، ولذلك أعرب الفعل المضارع ولذلك سمي مضارعا. ولذلك تجد أن الفعل المضارع يختلف آخره باختلاف العوامل الداخلة عليه: تقول: يضرب، لن يضرب، ولم أضرب أو لم يضرب، تجد أن آخر الفعل اختلف بسبب اختلاف هذه العوامل. أما الفعل الماضي فيلزم طريقة واحدة، فعل الأمر يلزم طريقة واحدة لأنه لم يشبه الاسم.

إذاً فالاسم حقه أن يعرب وقد يبنى إذا أشبه الحرف لأن ما يشبه شيئا يأخذ حكمه والحرف دائما يكون مبنيا.

وهذا مطلب، المطلب الثاني: أن الفعل حقه أن يبنى وقد يعرب إذا أشبه الاسم لأن ما يشبه شيئا يأخذ حكمه، وما يشبه الاسم من الأفعال هو الفعل المضارع وحده.

بقي عندنا مشابهة واحدة: أن الاسم قد يشبه الفعل. الاسم إذا أشبه الفعل ماذا يحصل فيه؟ قالوا: يمنع من الصرف، ولكن نترك هذا المطلب إلى أن نصل إليه؛ الاسم إذا أشبه الفعل فانه يمنع من الصرف، هذا هو الممنوع من الصرف، هو باب مشابهة الاسم للفعل. الآن لماذا؟ هذا نتركه إلى أن نصل إلى هذا المطلب، لا يعرب؟ بلى، يعرب ولكن إعرابا ناقصا، فهو خرج عن اسميته ولكنه لم يخرج إلى حد البناء خروجا تاما، ولذلك يحرم بعض علامات الاسم بعض خصائص الاسم ولا يحرم كل الخصائص بما في ذلك الإعراب، هذا يأتي في محله اتركوه جانبا.

نعم، هذا تمام الكلام في هذا المطلب تقريبا، وتتمة البحث تأتي إن شاء الله والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.