الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 28

تحميل Word

028

المفعولات وعلامات الإعراب الفرعية: الجمع والمذكر والأسماء والأفعال الخمسة

من أبواب النيابة في الإعراب: الجمع المذكر السالم والأسماء الخمسة؛ ويشتركان في أنهما يرفعان بالواو ويجران بالياء، ويفترقان في أن الجمع المذكر السالم ينصب أيضاً بالياء، والأسماء الخمسة تنصب بالألف. وبالجملة، فالجمع المذكر السالم كما عرفنا يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، فهذه نيابة عن ضمة الرفع وعن فتحة النصب وعن كسرة الجر. أما الأسماء الخمسة فترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، ففي الأسماء الخمسة هناك ثلاثة حروف تنوب عن حركات الإعراب، وفي الجمع المذكر السالم عندنا حرفان هما الواو والياء خاصةً.

قال: (وأما جمع المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ويخفض بالياء). وأقول: الثاني من الأشياء التي تعرب بالحروف جمع المذكر السالم، وقد عرفت فيما سبق تعريف جمع المذكر السالم، وحكمه أن يرفع بالواو نيابة عن الضمة، وينصب ويخفض بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها نيابة عن الفتحة أو الكسر. كُسر ما قبل الياء حتى لا يلتبس مع المثنى، لأن المثنى يفتح ما قبله.

النون التي بعد الياء هي عوض عن التنوين. ولعل قائلًا يتساءل: حينئذ إذا كانت النون في آخر المثنى تقع مكسورة وفي آخر الجمع تقع مفتوحة، فقد تمايز المثنى عن الجمع المذكر السالم بهذه النون، فلماذا أصروا على كسر ما قبل الياء في الجمع المذكر السالم وفتح ما قبلها في المثنى؟ وعللوا ذلك بأنه للتمييز، وإذا التمييز حاصل بهذه النون؟

والجواب على ذلك: أن التمييز بين الجمع المذكر السالم وبين المثنى بالنون وإن كان حاصلاً، إلا أنه حاصل في غير صورة الإضافة، أما في صورة الإضافة فلان هذه النون كما عرفنا هي عوض عن التنوين، والتنوين لا يجتمع مع الإضافة، فكذا ما ينوب عن التنوين؛ ففي حالة الإضافة تحذف النون من التثنية ومن الجمع المذكر السالم لكونها عوضاً عن التنوين، فكيف نميز بين المثنى والجمع المذكر السالم في مورد الإضافة؟ قالوا: في مورد الإضافة نحتكم إلى ما قبل الياء، فيفتح ما قبلها في التثنية ويكسر ما قبلها في الجمع، وفي حالة انتفاء الإضافة فيمكننا حينئذ أن نميز بينهما بالنون.

قال: (ويوصل به بعد الواو أو الياء نون تكون عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد وتحذف هذه النون عند الإضافة كنون المثنى). فمثال جمع المذكر السالم المرفوع: حضر المسلمون وأفلح الامرون بالمعروف، فكل من المسلمون والامرون مرفوع لانه فاعل وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

ومثال جمع المذكر السالم المنصوب: رأيت المسلمين. التفت مثلاً لنفترض أننا أردنا أن نضيف هذه الجملة: رأيت مسلمي المدينة، تمام! فالذي يميز الجمع عن التثنية حينئذ هو انكسار ما قبل الياء وإلا لقلت: رأيت مسلمي المدينة، فينحصر التمييز حينئذ بحركة ما قبل الياء في حالة الإضافة، وفي غير حالة الإضافة يمكن التمييز بالنون. قال: (رأيت المسلمين واحترمت الآمرين بالمعروف)، فكل من المسلمين والآمرين منصوب لأنه مفعول به، وعلامة نصبه الياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد.

ومثال جمع المذكر السالم المخفوض: (اتصلت بالآمرين بالمعروف، ورضي الله عن المؤمنين)، فكل من الآمرين والمؤمنين مخفوض لدخول حرف الخفض، وعلامة خفضه الياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

قال: (وأما الأسماء الخمسة فترفع بالواو وتنصب بالألف وتخفض بالياء)، طبعاً إذا تحققت الشروط العامة والخاصة بكل واحد من هذه الأسماء كما تقدم. وأقول: الثالث من الأشياء التي تعرب بالحروف الأسماء الخمسة، وقد سبق بيانها وبيان شروط إعرابها هذا الإعراب، وحكمها أن ترفع بالواو نيابة عن الضمة، -طبعاً شو كانت الشروط؟ أن تكون مفردة مكبرة مضافة إلى غير ياء المتكلم-، وتنصب بالألف نيابة عن الفتحة وتخفض بالياء نيابة عن الكسرة.

فمثال الأسماء الخمسة المرفوعة: (إذا أمرك أبوك فأطعه)، من الذي أمرني؟ بهذا الإعراب: أمرك أبوك، إذاً هي فاعل مرفوعة بالواو، و(حضر أخوك من سفره)، فكل من أبوك وأخوك مرفوع لانه فاعل وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة والكاف مضاف إليه، طبعاً لأن الكاف والهاء كلما اتصلت بالاسم فهي في محل جر إضافي مبني على الفتح في محل خفض.

ومثال الأسماء الخمسة المنصوبة: (أطع أباك وأحبب أخاك)، فكل من أباك وأخاك منصوب مفعول به وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر كما سبق.

ومثال الأسماء الخمسة المخفوضة: (استمع إلى أبيك واشفق على أخيك)، فكل من أبيك وأخيك مخفوض لدخول حرف الخفض عليه، وعلامة خفضه الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة والكاف مضاف إليه كما سبق.

قال: (وأما الأفعال الخمسة) -هذا أيضاً من مواضع النيابة، ولكن في موضع الرفع بثبوت النون، وفي موضع الجازم بحذف النون، وفي موضع النصب حمل النصب على الجازم- قال: (فترفع بالنون وتنصب وتجزم بحذفها). وأقول: الرابع من الأشياء التي تعرب بالحروف الأفعال الخمسة. وقد عرفت فيما سبق حقيقة الأفعال الخمسة وحكمها أنها ترفع بثبوت النون نيابة عن الضمة وتنصب وتجزم بحذف هذه النون نيابة عن الفتحة أو السكون.

فمثال الأفعال الخمسة المرفوعة: (تكتبان وتفهمان)، فكل منهما فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم وعلامة رفعه ثبوت النون، والألف ضمير الإثنين مبني على السكون في محل رفع. ومثال الأفعال الخمسة المنصوبة: (لن تحزنا ولن تفشلا)، فكل منهما فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه حذف النون، والألف ضمير الاثنين فاعل مبني على السكون في محل رفع. ومثال الأفعال الخمسة المجزومة: (لم تذاكرا ولم تفهما)، فكل منهما فعل مضارع مجزوم... طبعاً هذه التمرينات تكتب غداً.

الأفعال وأنواعها وعلامات بنائها

جيد! قال: (الأفعال وأنواعها)، نحن قسمنا فيما سبق الفعل إلى أقسام ثلاثة عندما تعرضنا إلى علامات الفعل، وقلنا: إن الماتن ذكر علامة علامات للأفعال ولكن هذه العلامات كانت في الحقيقة علامات للفعل الماضي وللفعل المضارع، ولم يذكر علامة الأمر، ولذلك الشارح هو الذي ذكرها وأنها علامة مركبة من مجموع خصوصيتين. طيب، قال: (باب الأفعال، الأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر، نحو: ضرب ويضرب واضرب).

وأقول: ينقسم الفعل إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الماضي، وهو ما يدل على حصول شيء قبل زمن التكلم، يعني قبل الزمان الذي صدر فيه هذا الفعل عن قائله، تمام؟ نحو: ضرب ونصر وفتح وعلم وحسب وكرم.

القسم الثاني: المضارع، وهو ما يدل على حصول شيء إما في زمن التكلم أو بعده، ولذلك قلنا: المضارع دائماً يصلح للحال ويصلح للاستقبال، نحو: يضرب وينصر، ولذلك يصح أن تقول: يضرب الآن ويضرب غداً وينصر ويفتح ويعلم ويحسب ويكرم. ليش يكرم؟ لأنه هو ذكر أفعالاً ماضية فيما سبق عندما مثل للفعل الماضي مثل له بكرم ولم يمثل له بأكرم، أكرم يكرم، تمام؟ هي أصلها يؤكرم حقيقة ولكن كرم يكرم، على كل حال.

القسم الثالث: الأمر، وهو ما يطلب به حصول شيء بعد زمن التكلم. إذاً، في دلالة على الطلب، ومعنى أنه يدل على الطلب أنك تطلب حصول شيء ولا بد أن يكون هذا الشيء بحيث لم يحصل بعد وإلا فلا معنى لطلبه لأنه طلب لتحصيل الحاصل، ولذلك فزمان الأمر دائماً سوف يكون بعد التكلم، إذ إنه ينظر إلى الفعل على أنه يراد إيجاده في الخارج فيما بعد، فيدل على الطلب.

قال: (الأمر وهو ما يطلب به حصول شيء بعد زمن...)، طبعاً الأمر صيغته دائماً تنتزع من صيغة المضارع، تمام؟ ولذلك مثلاً تقول: اضرب... ولا، في الأمر هل نقول اضرب أو نقول... اضرب زيداً أو اضرب... نقول: نرجع إلى مضارعه، ضرب يضرب، ولا نقول يضرب، فإذا كان مضارعه مكسور ما قبل الآخر يضرب فالأمر منه على هذه الشاكلة يقع، تمام؟ ولذلك عندما قلت يضرب فتقول في أمره: اضرب، وينصر فتقول في أمره: انصر، ويفتح: افتح، ويعلم: اعلم، ويحسب... يحسب يحسب، ربما هذا على غير في القاعدة، هذا لعله فيما بعد.

وعندنا يكرم فتقول: أكرم. طبعاً التفت هنا يوجد مشكلة، نعم! عندنا التفت، عندنا فعل (حسب)، وما معنى حسب؟ ظنّ، حسبتك نائماً أي ظننتك، طيب، وهذا مكسور في ماضيه (حسب)، فماذا تقول في مضارعه؟ أحسب، عفواً في مضارعه (يحسب)، حسب يحسب، ففي أمره (احسب)، تمام؟ وعندنا فعل آخر (حسب) جمع بمعنى قدر، أجرى عملية حسابية، حسب علاماته، تمام؟ فهذا ماذا تقول في مضارعه؟ يحسب، ففي أمره (احسب)، تمام؟ ولذلك هو جعل الماضي حسب فمضارعه يحسب فالأمر منه يحسب حينئذ... لا، لا حسب، لا احسب، على كل حال.

قال: (وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا التقسيم، وذكرنا لك معه علامات كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة على حدة)، إذاً لماذا أعيد هذا البحث؟ أعيد هذا البحث ليكون مقدمة وتوطئة للشروع في علامات بناء الفعل.

قال: (فالماضي مفتوح الآخر أبداً، والأمر مجزوم أبداً)، هكذا قال! وهذه العبارة عجيبة منه، لأن الجزم من علامات الإعراب، والمراد ها هنا أن الأمر يبنى على السكون دائماً، فالسكون في الإعراب يكون على... وفي البناء يكون علامة بناء.

قال: (والمضارع ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربعة التي يجمعها قولك أنيت)، وهذا ذكرناه أيضاً، (وهو مرفوع أبداً حتى يدخل عليه ناصب أو جازم فينتصب أو ينجزم حينئذ).

وجه بناء الأفعال وأصل البناء فيها

نوقع الكلام أولاً في الفعل الماضي، قلنا فيما سبق: إن الإعراب إنما يؤتى به لتمييز المعاني التي تعرض على الألفاظ وتكون بحاجة إلى تمييز، وهذا يتحقق في الاسم قطعاّ إذ تعرض عليه معان كالفاعلية والمفعولية والإضافة، وهذه معان لا شك تحتاج إلى أن تتمايز فيما بينها حتى لا نقع في الالتباس الذي هو ممنوع في اللغة العربية، وهذه المعاني عند عروضها على الاسم لا تحدث تغييراً في هيئة الاسم، بل يبقى الاسم على حاله، ولذلك احتيج إلى مميز من خارج اللفظ فجيء بالحركات الإعرابية.

وأما الحروف والأفعال؛ فالحروف لا تعرض عليها معان أصلاً حتى تحتاج إلى تمييز، ولذلك لم نحتج إلى تغيير هذه الحركات أو إلى الاتيان بهذه الحركات الإعرابية. والأفعال تعرض عليها بعض المعاني، ولكن هذه المعاني التي تعرض على الفعل تكون متمايزة بنفسها، إذ تتغير هيئة الفعل بتغير تلك المعاني الزمنية كالمضي والحال، وأما معاني الفاعلية والمفعولية والإضافة فلا تعرض على الفعل ولا تقع في الفعل، لأن هذه المعاني من شؤون الذات ومن أوصافها، والفعل لا دلالة له على الذات حتى يتصف بكونه فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، ولذلك قالوا: إن الأصل في الفعل أن يكون مبنياً لأنه لا يحتاج إلى هذه حركات الإعراب.

ومعنى أن يكون الأصل في الفعل هو البناء: أنه ليس هناك حاجة تدعو إلى أن يتغير آخر الفعل، بل الأصل فيه أن يلزم طريقة واحدة، لأن التغيير في الآخر إنما نحتاجه عند تغاير المعاني، ولا يوجد معان تتغاير فنحتاج في تمييزها إلى إحداث هذه الحركة، ولذلك قالوا: إن البناء هو لزوم آخر الكلمة طريقة واحدة، وأن المبنية هي الكلمة التي تلزم طريقة واحدة فلا يحصل تغير في آخرها.

وإذا كان الأصل في الفعل هو البناء، فإن البناء هو عدم الحاجة إلى الحركة الإعرابية، وعدم الحركة إنما يكون بالسكون، فلذلك قالوا: إن الأصل في البناء أن يكون على السكون، وذلك لأن البناء خلاف الإعراب، والإعراب إنما يكون بالحركات، فما يخالف الإعراب لابد أن يخالف الحركات، وما هو خلاف الحركة ليس إلا عبارة عن السكون، فلذلك صار الأصل في الفعل البناء، والأصل في المبني دائماً أن يكون ساكناً، فلا يحصل تغير... فلا يخرج عن السكون إلا لمانع يمنع منه كالتقاء الساكنين.

وعلى هذا فكلما جاء الفعل مبنياً على السكون فلا نسأل عنه بلم أساساً، لا نقول: لم كان مبنياً؟ إذاً الأصل فيه البناء، صح! ولا نقول: لم بني على السكون؟ لأن الأصل في المبني أن يسكن. نعم، لو وقع الفعل مبنياً على الفتح أو على الضم فإننا نسأل حينئذٍ: لم بني على خصوص الضم؟ ولا نسأل لما بني الفعل؟ لأن حقه البناء، فنقول: لما بني على الضم أي لما خرج عن أصله في البناء على السكون فبني على الضم، وهكذا.

وعلى هذا فكان حق الفعل الماضي أن يبنى على السكون لأنه مبني، والأصل في البناء أن يكون على السكون، كما أن حق فعل الأمر أن يكون على السكون. واضح من أين استفدنا هذه الأصالة؟ لأن المبني هو الذي لا يحتاج إلى الحركة الإعرابية حتى يميز المعاني التي تعرض على اللفظ، إذ لا تعرض على اللفظ تلك المعاني التي تحتاج إلى تمييز. ومعنى أنه لا يحتاج إلى هذه الحركات الإعرابية هو أن لا تقع على آخره تلك الحركات، وعدم الحركة ليس إلا السكون، ولأن البناء خلاف الإعراب، والإعراب إنما يكون بالحركات، فما يخالف الإعراب لابد أن يخالف الحركة، والسكون هو الذي يخالف الحركة.

علة بناء الفعل الماضي على الفتح وأحواله

إلا أنهم في الفعل الماضي قد بنوه على الفتح، وجعلوا الأصل فيه أن يبنى على الفتح، والسبب في ذلك أن الأحداث التي وقعت في الماضي أحداث كثيرة نحتاج إلى التعبير عنها أكثر من حاجتنا إلى التعبير عما يقع الآن أو عما سيقع في المستقبل، وذلك لأن الذي يقع الآن منحصر بما نراه ونشاهده ونحس به، وما يقع في الغد هو في أكثره غير معلوم بالنسبة إلينا، فأكثر معارفنا وأكثر خطاباتنا إنما هي للتعبير عما وقع في الزمن الماضي.

فلما كانت أحداث الماضي أكثر من أحداث الحال والاستقبال، علم أن الاستعمال المتكلم للفعل الماضي سوف يكون استعمالاً مطرداً في الكلام، استعمالاً متكثراً في الكلام. وما يكون استعماله متكثراّ في الكلام فحقه أن يعطى علامة خفيفة، لأنه لكثرته لو أعطي علامة ثقيلة، فلزم تكثر هذا الثقل في الكلام، ولذلك عندهم قاعدة تقول: ما يكثر دورانه في الكلام -أي ما يكثر استعماله في الكلام- فحقه أن يعطى علامة خفيفة، وأخف العلامات الفتح، ولذلك أعطي الفعل الماضي الفتح وجعل الفتح فيه أصلاً بعد ذلك. ولذلك هو ليس أصلاً، والدليل على ذلك أننا عللنا سبب إعرابه أو سبب بنائه على الفتح، قلنا: لأن الفعل الماضي يكثر دورانه في الكلام، وما يكون كثير الدوران في الكلام فيستحق علامة خفيفة، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: فلأن الفعل كما عرفنا دائماً يحتاج إلى فاعل، وفاعل الفعل لا يخلو إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، إما أن يكون معرفاً بالألف واللام أو لا يكون معرفاً بها، وكلما وقع الفعل... الفاعل معرفاً بالألف واللام فيلزم من الإتيان به بعد الفعل الماضي التقاء الساكنين لو بنينا الفعل الماضي على السكون، فلو كان الماضي مبنياً على السكون للزم أن يلتقي ساكنان في كثير من مواطن الكلام، وذلك عندما يقع بعد الفعل فاعل معرف بالألف واللام، والغالب في الفاعل أن يكون معرفاً بالألف واللام، إذ إن الإخبار إنما يكون عمن تعرفه لا عمن لا تعرفه. ولذلك وجدوا أن في الاقتصار على السكون -الذي هو الأصل في البناء- موانع منها وقوع التقاء الساكنين في بعض المواطن، ومنها الاحتراز عن الثقل فيما يتكثر به الكلام.

وبالجملة فالفعل الماضي من جهة كونه فعلاً كان حقه أن يبنى على السكون، لأن الأصل في الفعل البناء، والأصل في البناء أن يكون على السكون، ولكن لكثرة دورانه في الكلام أعطي علامة خفيفة، فصارت القاعدة في النحو أن الفعل الماضي يبنى على الفتح. وقد لا يبنى على الفتح فيرجع إلى الأصل في مواضع سوف نحللها ونعرف السر في أنه لما لم يبنى الماضي ههنا على الفتح ورجع عنه إلى السكون.

ولذلك تقول في الماضي: ذهب وقام وسأل، لأن الماضي كثير الدوران في الكلام فيستحق علامة خفيفة وأخف العلامات الفتح. فإذا دخلت عليه تاء التأنيث الساكنة -طبعاً هذا من المواطن التي يصح أن نعلل فيها السر في بناء الماضي على الفتح- لأن الفعل الماضي كثيراً ما تقترن به تاء التأنيث الساكنة، تمام؟ فلو كان مبنياً على السكون للزم في هذا الموطن أن يلتقي ساكنان، ولذلك إذا دخلت تاء التأنيث الساكنة فإن الفعل معها يبقى مبنياً على الفتح، ما هو مبني على الفتح صار قبلها يبقى معها مبنياً على الفتح.

إذاً متى يبنى الفعل الماضي على غير الفتح؟ قالوا: إذا دخلت عليه تاء الفاعل أي التاء المتحركة فتقول فيه: ذهبت، والسر في ذلك واضح، لأن هذا الفتح إنما أعطي للماضي لأي سبب؟ للتخفيف في اللفظ، لأنه كثير الدوران في الكلام، وما يكثر دورانه في الكلام فحقه أن يعطى علامة خفيفة، فالغرض من فتح الفعل هو إحداث التخفيف في اللفظ.

فعند دخول التاء المتحركة التي تكون للفاعل، فلو أن الماضي بقي مبنياً على الفتح للزم الثقل: ذهبت، يلزم أن تقول فيها (ذهبْـتُ)، وهذا واضح أن فيه ثقلاً، فإذا كان الغرض من فتح الماضي هو التخفيف فيلزم من بقائه مفتوحاً عند دخول التاء المتحركة نقض الغرض، الغرض الذي لأجله جيء بالفتح هو التخفيف، وهذا الغرض لا يتحقق عند دخول التاء المتحركة لوضوح أنه قولك (ذهبتُ) أثقل من قولك (ذهبتُ) ولذلك عندما قالوا: إن الغرض من الفتح التخفيف، فحيث يتعذر التخفيف بالفتح يمتنع الفتح، وعند امتناع الفتح نرجع إلى الأصل، والأصل في الفعل أن يكون ساكناً، فرجع إلى الأصل.

وكذلك عند دخول نا المتكلمين (ذهبنا)، فإنه أخف من (ذهبنا)، إضافة إلى أن بقاء الفتح ها هنا قد يوجب التباساً: قتل... هناك فرق بين أن تقول (قتلنا) أي نحن القاتلون وبين (قتلَنا) فنحن المقتولون، فعندما تدخل نا المتكلمين وتكون فاعلاً فإنه يبنى على السكون. من الموارد أيضاً قالوا دخول نون النسوة: ذهبْن، ولو قيل (ذهبََّن) أيضاً لوقع الثقل. بعد شو عندنا من الموارد؟ عندنا واو الجماعة وألف الاثنين. قالوا:

جيد! التفت واو الجماعة وألف الاثنين تدخلان على فعل الماضي وتقول: لعبا ولعبوا. هذه المسألة مسألة اختلف فيها بين النحاة، في أن الماضي عندما تدخل عليه واو الجماعة فما هي علامة بنائه؟ هل تكون علامة البناء هي الضم؟ أو أن علامة البناء هي الفتح المقدر؟

أصل الفعل لعب، فعندما دخلت واو الجماعة صار يقال لعبوا. ليش؟ قالوا: لأن هذه الباء وإن كانت مفتوحة، ولكن عند دخول الواو فإن الواو تشغل المحل فتستلزم تحرك الحرف الذي قبلها بحركة تناسب الواو، والذي يناسب الواو هو الضم، ولا يمكن أن نرجع إلى الأصل فنرد الباء إلى كونها ساكنة في قولنا (لعبْوا) لأن الواو أيضاً ساكنة فيلزم التقاء الساكنين، فصار يقال (لعبوا). النحاة اختلفوا في إعراب الفعل الماضي عند اتصاله بواو الجمع، فبعض قال: الماضي ها هنا لما كان مبنياً، ونحن في البناء إنما نلاحق حركة الآخر، نلاحق هذه الحركة، وما وجدناه على حركة على آخر الباء ما هي؟ هي الضم، فنقول: إذاً هو مبني على الضم لاتصاله بواو الجمع، لأن البناء فقط نحتاج أن نلاحق حركة الآخر، الحركة التي نراها على آخر الكلمة هي الحركة التي تكون تلك الكلمة قد لزمتها، فنقول: الفعل الماضي إذاً مبني على الضم.

وبعض آخر من النحاة قال: إن الفعل الماضي لما كان يستحق التخفيف، والتخفيف إنما يكون بالفتح، فإننا نعربه مبنياً بفتحة مقدرة على ما قبل الواو منع من ظهورها اتصال الفعل بالواو. ولذلك قد تجدون اختلافاً في الكتب، فبعضهم يقول: الماضي إذا اتصل بواو الجماعة فإنه يبنى على الضم، والبعض الآخر يقول: الماضي يعرب بفتحة أو يبنى على الفتح دائماً، غاية ما في الأمر أن هذا الفتح قد يكون ظاهراً وقد يكون مقدراً كما عند دخول الواو على الفعل الماضي. أما تحقيق الصحيح من هذين القولين فيأتي إن شاء الله في محله.

وأما عند دخول ألف الاثنين على الفعل الماضي فيبقى مبنياً على الفتح، لأن الألف وإن كانت تستمر... يلزم أن يتحرك الحرف الذي قبلها بما يناسبها، فهي تشغل المحل، ولكن الذي يناسب الألف ما هو؟ الفتح، ولذلك سوف يبقى الفعل مفتوحاً على كل حال، فيبقى مبنياً على الفتح الظاهر على آخره. طبعاً هذا كله إذا كان الفعل الماضي صحيح الآخر، أما إذا كان معتل الآخر فلا إشكال حينئذٍ في أنه سوف يبنى على الفتح المقدر.

نقرأ هذا المقدار، قال: (فالماضي مفتوح الآخر أبداً... والأمر مجزوم أبداً)، المراد منه أنه مبني على السكون أبداً. (والمضارع ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربعة التي يجمعها قولك أنيت، وهو مرفوع أبداً حتى يدخل عليه ناصب أو جازم).

وأقول: بعد أن بين المصنف أنواع الأفعال شرع في بيان أحكام كل نوع منها، فحكم الفعل الماضي البناء على الفتح، وهذا الفتح إما ظاهر أو مقدر.

أما الفتح الظاهر: ففي الصحيح الآخر -يعني في الفعل الذي يكون آخره حرفاً صحيحاً، ليس معتلاً، ليس سقيماً- عن ظهور الحركة. قال: ففي الصحيح الآخر الذي لم يتصل به واو الجماعة ولا ضمير رفع متحرك (اللي هي التاء أو نا المتكلمين أو نون النسوة)، ليش قال: ضمير رفع متحرك؟ لأن ألف الاثنين ضمير رفع، ولكنها ضمير رفع ساكن، وكذلك فيما... في كل ما كان آخره واواً أو ياء نحو: أكرم وقدم وسافر، ونحو: (سافرت زينب وحضرت سعاد)، هذا لم يتصل به ضمير رافع أصلاً يعني هذا مجرد تاء التانيث، ونحو: رضي وشقي، ونحو: سرو وبذوا. طبعاً تقول: ولكن الياء والواو هنا هي من حروف العلة، نقول: العبرة في أنه هل يمكن ظهور الحركة على هذا الحرف أو لا؟ الفتحة يمكن ظهورها، ولذلك في النصب كنا ننصب بالفتحة، ولكننا في حالة الضم كنا نضم أو نرفع بضمة مقدرة للثقل.

وأما الفتح المقدر: فهو على ثلاثة أنواع، لأنه إما أن يكون مقدراً للتعذر، وهذا في كل ما كان آخره ألفاً نحو: دعا وسعى، ولا يمكن أن تظهر الفتحة، فكل منهما فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف منع من ظهوره التعذر. وإما أن يكون الفتح مقدراً للمناسبة، وذلك في كل فعل ماض اتصل به واو الجماعة، ايش؟ لأن الواو شغلت المحل فاقتضت أن يتحرك ما قبلها بحركة تناسب الواو، وهذا معناه أنه مقدر للمناسبة، فلما ضم آخر الفعل اشتغالاً بالحركة المناسبة فلا بد أن نقدر الفتح، والبعض قال: إن العبرة في المبني أن نلاحق حركة الآخر، وما وجدناه على آخر الفعل هو أنه مضموم، فلا مانع من أن نقول إنه مبني على الضم. الذين منعوا من ذلك قالوا: ولكن لا ضم في الفعل، لأن الفعل يستحق علامة خفيفة على كل حال نحو: كتبوا وسعدوا، فكل منهما فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، وواو الجماعة مع كل منهما فاعل مبني على السكون في محل رفع. إذاً فالواو والألف ضمير رفع، ولكنه ليس ضمير رفع متحرك لأنه ساكن. وإما أن يكون الفتح مقدراً لدفع كراهة توالي أربع حركات.

توالي أربع حركات يعني أربع حروف كلها متحركة، كما تقول ذهبتُ هي ذهب هذه ثلاثة متحركة ذ، ها، ب، والتاء ضمير رفع متحرك أيضاً، فإذا قلت ذهبتُ فهذا تحرك لحروف أربعة من دون استراحة، ما هو السكون؟ التفت، ما هو السكون؟ السكون قطع الصوت، قطع الحركة، فهو بمثابة استراحة يمارسها الفم للتخفيف على نفسه (ذهبتُ)، يلزم أن يكون المخرج مكلفاً بإصدار مهمات أربع من دون استراحة، دون أن يرتاح فيما بينها بالسكون، ولذلك لا يقال: ذهبت، فلا بد أن يصار إلى الاستراحة بقطع الحركة أي باحداث السكون، فأحدثوه في آخر الفعل لأن الأصل فيه أن يكون ساكناً. قال: وأما أن يكون الفتح مقدراً لدفع كراهة توالي أربع متحركات، وذلك في كل فعل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك كتاء الفاعل ونون النسوة نحو: كتبتُ وكتبتَ وكتبتِ وكتبنا وكتبنَ.

طبعاً التفت، كان مبنى الماتن ها هنا أن الفعل الماضي (ذهبتُ) ليس مبنياً على السكون بل هو مبني على الفتح المقدر، وهذا ليس في محله، ونحن سنعرب بهذه الطريقة، نقول: مبني على السكون. الماتن كأنما وجد أن البناء هو أن يلزم طريقة واحدة، فلا بد أن نلتزم بأن الفعل الماضي له طريقة واحدة إذاً هي الفتح. والجواب على ذلك بأننا لا نريد من البناء أن يلزم الفعل في آخره طريقة واحدة، بل نريد أن الفعل لا يحتاج إلى حركات إعرابية، ولا منع من أن يتحرك بعدة حركات ما دام ذلك في... في ذلك التغير في الحركات بحيث لا يرجع إلى تغير في المعنى. نعم، في مسألة اتصال الفعل بواو الجماعة هذا له وجه وجيه يأتي في محله، ولكن إذا رجع الفعل وبني على سكون ظاهر فنحن نبنيه على السكون.

ولذلك نحن نقول: كتبتُ، فعل ماضي مبني على السكون لاتصالي... ليش لابد أن نعلل؟ لأننا التزمنا أن الفعل الماضي صار الأصل فيه أن يبنى على الفتح، فنقول: لاتصاله بالتاء المتحركة، فكل واحد من هذه الأفعال فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض لدفع كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، لأن الفعل مع فاعله كما سياتي كالكلمة الواحدة، والتاء أو نا أو النون فاعل مبني على الضم أو الفتح أو الكسر أو السكون في محل رفع.

وحكم فعل الأمر البناء على ما يجزم به مضارعه في حالة كونه مضارعاّ نرى بأي شيء يجزم فنبنيه على ما يجزم به على ما سيأتي إن شاء الله والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.