الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 29

تحميل Word

029

أحكام الفعل الماضي

الفعل الماضي حقه أن يبنى، وأن حق البناء أن يكون على السكون. فالأصل في البناء أن يكون على السكون، ولكن الماضي لكثرة دورانه في الكلام استحق علامة خفيفة فأعطي الفتحة، وصار الفعل الماضي مبنيًّا على الفتح.

الفتح في الفعل الماضي بسبب ذلك هو علامة الأصل؛ فإن منع من الفتح مانع عُدل عنه إلى غيره مراعاة للأصل. فإذا توالت حركات كثيرة مثلاً، مما يوجب ثقلاً على المخرج، إذ يلزم أن يكون الفم مكلفاً بمهمات متعددة، من دون أن يستريح فيها بقطع الصوت، فإنه يرجع عن البناء على الفتح إلى ما هو الأصل، فيبنى الماضي حينئذ على السكون.

الماتن هنا زعم أن الفعل الماضي يبنى على الفتح دائماً، غير أن الفتح فيه قد يكون ظاهراً وقد يكون مقدراً. والذي حمله على ذلك هو أننا عندما عرفنا البناء قلنا: إن البناء هو لزوم آخر الكلمة طريقة واحدة، والفعل الماضي مبنيّ، فلا بد أن يلزم طريقة واحدة، فلا يمكن أن يبنى على الفتح تارةً وعلى السكون تارةً ثانيةً وعلى الضم تارةً ثالثةً. فجعل الفتح لازماً له، غير أنه قد يكون مقدراً. إلا أن هذا الزعم ليس في محله، وذلك لسببين:

السبب الأول: أننا عندما تحدثنا عن البناء لم نشترط فيه أن يلزم طريقة واحدة، بل اشترطنا فيه ألا يكون التغير في الآخر مأتياً به للحكاية عن المعاني المتغايرة. وكان الأصل حينئذ ألا نحتاج إلى حركات متغايرة، ولكن لا مانع أن يؤتى بحركات مبدلة، ما دامت هذه الحركات لم يؤتى بها لأي معنى؛ ولذلك لا مانع أن يبنى الفعل الماضي على أكثر من حركة، أو على السكون تارةً وعلى الفتح تارةً أخرى. وهذا لا يصيره إعراباً، إذ إن تغيير هذه الحركات لا نريد به أن تغير الحركات تابع لتغير المعاني وحاكم عنها وكاشف عنها كذلك. هذا من جهة.

والسبب الثاني: أن التقدير كما عرفنا إنما يلجأ إليه في موضع لا يمكن ظهور الحركة أساساً، كما كنا نقول في (جاء الفتى) و(رأيت الفتى) و(مررت بالفتى)، لا يمكن ظهور الحركة على آخر هذا الاسم المقصور؛ ولذلك احتجنا إلى التقدير، لا أننا نحتاج إلى التقدير عندما يكون هناك حركة ونريد أن نفرض مكانها حركة ثانية، كما فعل الماتن عندما نقول مثلاً (لعبت). قال الماضي هاهنا لم يبنَ على السكون، بل هو مبني على الفتح المقدر. نقول: السكون يمكن ظهوره هاهنا، فهو سكون ظاهر، فلا معنى للتقدير حينئذ. التقدير يكون عندما يكون الحرف قاصراً عن أن يظهر عليه أي حركة، والباء في (لعبت) لا قصور فيها، فلا معنى للتقدير حينئذ.

وكأنه إنما هرب أو لم يرتكب ذلك حرصاً على أن يكون المبني ما يلزم طريقة واحدة. مع أن العجيب منه هو أنه عندما سوف ينتقل إلى فعل الأمر بعد قليل فإنه سوف يبنيه على حركات متعددة، سوف يجعل له علامات متعددة.

على كل حال، فالفعل الماضي يبنى على الفتح، وهذا هو الأصل بعد الأصل؛ أي هذا هو الأصل بعد التزامهم بأن الماضي كثير الدوران في الكلام فيستحق علامة خفيفة. وإلا فالبناء على السكون أيضاً هو الأصل، فالاصل في البناء أن يكون على السكون، استثني من ذلك الفعل الماضي. وكثيراً ما يرجع الماضي إلى أصله فيبنى على السكون مرةً ثانيه.

فالفعل الماضي يبنى على السكون -عفواً- يبنى على الفتح إلا أن يتصل به تاء الفاعل المتحرك، يعني تاء ضمير رفع متحرك، وهذا يشمل نون النسوة ويشمل المتكلمين، ولا يشمل واو الجماعة وألف الاثنين؛ لأنها ضمائر رفع ساكنة.

كيف ندرس؟ جيد. طيب. أما عندما تدخل واو الجماعة فهناك نزاع؛ البعض يجعل الفعل مبنياً على الضم لاتصاله بالواو، والبعض يجعل الفعل مبنياً على الفتح المقدر على ما قبل الواو، الاشتغال المحلي بالحركة المناسبة، والواو على كل تقدير هي فاعل.

جيد. وأما إذا اتصل بالفعل الماضي ألف الاثنين فهو مبني على الفتح الظاهر دائماً، حتى لو كان هذا الفتح فتح إتباع فإنه يبنى على الفتح الظاهر؛ لأن هذا الفتح ما دام فتح بناء فهو لا يتغير، فلا منع أن تجعله علامة.

حكم فعل الأمر

يقع الكلام في حكم فعل الأمر، وفعل الأمر لكونه واحداً من الأفعال فحقه البناء، ولكونه مبنياً فحقه أن يبنى على السكون؛ لأن الأصل في الفعل البناء، والأصل في البناء أن يكون على السكون.

والأمر جعلوه هكذا -يعني قبل أن نأخذ هذه الجملة- ولا ينتقل عن السكون حينئذ إلا لمانع يمنع منه كالتقاء الساكنين، فينتقل عنه إلى غيره. وأخف الحركات بعد السكون هو الفتح، فتقول: (العب). فإذا دخل على الأمر حرف ساكن في آخره امتنع بناؤه على السكون حينئذ؛ وذلك لأن التقاء الساكنين ممنوع، فيحرك آخر الأمر بالفتح، وجعل الفتح حينئذ علامة بناء للأمر.

ولذلك نستطيع أن نقول: فعل الأمر إذا دخلت عليه نون النسوة يبقى مبنياً على السكون (أنتن العبن)؛ لأن النون متحركة. ولكن لو دخلت نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة فإنه يجب حينئذ أن يبنى فعل الأمر على الفتح؛ أما الخفيفة فواضح لأنها نون ساكنة (العبن) تماماً، وأما الثقيلة فلأن الثقيلة هي نون مشددة، والتشديد دائماً هو عبارة عن حرف ساكن بعده حرف مثله متحرك، فيلتقي ساكنان أيضاً.

وقد يبنى فعل الأمر على حذف حرف العلة، وذلك إذا كان آخره حرفاً معتلاً، وكان القياس أن يبنى فعل الأمر المعتل على سكون في الآخر، ولكن لأن السكون لا يمكن ظهوره على الحرف المعتل، إذ لا يظهر عليه شيء -جيد- فاحتيج إلى أن يعوض عن السكون بعوض. ولكن الحرف لما كان معتلاً فإنهم جعلوا نقصانه من الكلمة عوضاً عن السكون الذي هو نقصان للحرف، كما فعلوا في الفعل المضارع، عوضوا عن الجزم بحذف الحرف؛ لأن السكون أو لأن الحذف وعدم الحرف هو السكون، وعدم الحركة هو السكون، فجعلوا عدم الحرف عوضاً عن عدم الحركة.

وهنا كذلك، وكذلك يبنى فعل الأمر على حذف النون إذا اتصلت به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة؛ لا لأنه من الأفعال الخمسة -الأفعال الخمسة مخصوصة بالفعل المضارع- بل لأن مضارعه من الأفعال الخمسة.

وذلك لأن هناك خلافا بين النحاة في أن فعل الأمر هل هو فعل، هل هو قسم ثالث للأفعال يضاف إلى الفعل الماضي والفعل المضارع فتكون الأفعال ثلاثة؟ هذا هو مذهب البصريين. أم أن فعل الأمر هو فرع عن الفعل المضارع كما هو مذهب الكوفيين؟ ذهبوا إلى أن فعل الأمر ليس نوعاً مستقلاً عن الماضي والمضارع، بل هو متفرع على الفعل المضارع، وزعموا أن كل فعل أمر فإن أصله عبارة عن الفعل المضارع وقد دخل عليه لام الأمر، ثم حذفت اللام تخفيفاً، فأصبحت صورته صورة فعل الأمر؛ (العب) أصلها (يلعب)، ثم دخلت لام الأمر -وسيأتي معكم أن لام الأمر تدل على الطلب وتوجب جزم المضارع بعدها- فصارت (ليلعب) تماماً، ثم حذفت اللام وعوض عنها بألف مكسورة وحذفت الياء فصارت (ال).

ولكن هذا مذهب جماعة من النحاة بأن فعل الأمر أصلُه فعل مضارع دخلت عليه لام الأمر. وعلى أي من القولين -سواء قلنا إن الفعل المضارع نوع برأسه -عفواً- إن فعل الأمر نوع برأسه أو ليس نوع برأسه- لا يوجد خلاف بين النحاة في أن فعل الأمر شديد المشابهة بالفعل المضارع؛ ولذلك كنا نقول لكم: إن صيغة الأمر من أين تنتزع؟ تنتزع من صيغة المضارع، إذا أردت أن تعرف أن فعل الأمر هل يكون مفتوح الوسط أو مكسوره أو مضموماً فلا بد أن ترجع إلى المضارع.

فلشدة المشابهة بينهما أُعطي الأمر من علامات البناء ما يعطى المضارع من علامات الإعراب؛ فالأمر يبقى مبنياً والمضارع يبقى معرباً، ولكن ما نجعله في المضارع علامة إعراب نجعله بنفسه في الأمر علامة بناء. فالمضارع إذا كان يجزم بحذف حرف العلة عندما يكون معتلاً، فالأمر عندما يكون معتلاً يبنى على حذف الآخر. والمضارع إذا كان يجزم بحذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة، فالأمر يبنى على حذف النون إذا اتصلت به الواو والألف والياء؛ أي إذا كان مضارعه من الأفعال الخمسة. ولذلك في مثل (العبوا) نقول: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة. هذا هو وجه التعليل، أي لأنه شابه الفعل المضارع تماماً، فأعطي حكمه.

لك أن تقول: إذا كان قد شابه المضارع وما يشبه شيئاً يأخذ حكمه، فالمضارع معرب، فلمَ لم نعرب الأمر؟

والجواب على ذلك: أننا عندما نقول: إنما يشبه شيئاً يأخذ حكمه، نريد أنه يأخذ حكمه الأصلي، والإعراب في المضارع ليس حكماً أصلياً، المضارع لكونه من الأفعال حقه أن يبنى. واضح؟ ولذلك ليس من أحكام المضارع الأصلية، خاصة أنه الأصل فيه البناء.

نعم، الأمر أشبه المضارع، والمضارع أشبه الاسم، وهذا يعني أن الأمر قد أشبه الاسم، ولكن المشابهة حينئذ ضعيفة؛ لأنها عبارة عن مشابهة طولية ومجموع مشابهتين، هذا كله يأتي تحقيقه وتنقيحه إن شاء الله في كتاب آخر.

إذاً، ولذلك تجد أن الماتن عندما أسس إلى أحكام الفعل قال: فالماضي مفتوح الآخر أبداً -شوف- والأمر مجزوم أبداً، مع أن الجزم قلنا إنه من علامات الإعراب وليس من علامات البناء. لعله أراد من هذا التعبير أن يبين شدة مشابهة الأمر للمضارع، حتى إن البعض عد الأمر فرعاً عن المضارع، ولذلك نعته بكونه مجزوماً وإلا هو مبني. نعم، يبنى على ما يجزم به مضارعه؛ ولذلك قال: وحكم فعل الأمر البناء على ما يجزم به مضارعه، فإن كان مضارعه صحيح الآخر ويجزم بالسكون كان الأمر مبنياً على السكون.

نستطيع أن نقرأ كل هذا، ونستطيع أن نقول إن فعل الأمر على أصله فعل ومبني، وحق الفعل أن يبنى وأن يكون البناء على السكون، وهذا السكون إما ظاهر أو مقدر -عجيب-.

فالسكون الظاهر له موضعان:

أحدهما: أن يكون صحيح الآخر ولم يتصل به شيء -صحيح-.

والثاني: أن تتصل به نون النسوة نحو: (اضرب) و(اكتب)، وكذلك (اضربن) و(اكتبن).

طيب، هذا السكون الظاهر مع الإسناد إلى نون النسوة.

قال: وأما السكون المقدر فله موضع واحد -ونحن لا نقول بالسكون المقدر، نقول: الأمر يبنى على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد- وهو أن تتصل به نون التوكيد خفيفة أو ثقيلة، نحو: (اضربا) و(اكتبا) -[غير مفهوم]-، جيد؟ واضح، يعني نحن نخالف الماتن حتى لا يقع تهافت بين هذا الكتاب وبين ما سيأتي من الكتب الأخرى التي سندرسها. نقول: فعل الأمر إذا اتصل به حرف ساكن في آخره كنون التوكيد ثقيلة أو خفيفة، فإنه يمنع من بناائه على السكون مانع، فيبنى على الفتح.

طيب، وإن كان مضارعه معتل الآخر فهو يجزم بحذف حرف العلة، فالأمر منه يبنى على حذف حرف العلة، ليش؟ قال: لمكان المشابهة، ولأن حرف العلة لكونه سقيماً يمكن حذفه، فجعلوا عدم الحرف عوضاً عن عدم الحركة، أي عن السكون.

وإن كان مضارعه من الأفعال الخمسة فهو يجزم بحذف النون، فالأمر منه يبنى على حذف النون، نحو: (اكتبا) و(اكتبوا)، ولكن لا نقول: مبني على حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، بل لأن مضارعه من الأفعال الخمسة؛ لأن الأفعال الخمسة هي كل فعل مضارع اتصلت به الألف أو الواو أو الياء. طيب، هذا تمام الكلام في فعل الأمر.

الفعل المضارع

بقي عندنا الفعل المضارع. التفت! الفعل المضارع خرج عن أصله لأنه شابه الاسم، وما يشبه شيئاً يأخذ حكمه، اللهم إلا أن يقترن بالمضارع ما يضعف مشابهته بالاسم فيرده إلى أصله. والاصل في الفعل أن يبنى، وحينئذ فحق المضارع إذا ضعف شبهه بالاسم أن يبنى على أي شيء؟ أن يبنى على السكون؛ لأن هذا هو الأصل، وقد يمنع من البناء على السكون مانع فيبنى على الفتح.

المضارع إما معرب وإما مبني، وإنما يبنى إذا دخل عليه ما هو من خواص الفعل، وما هو من خواص الفعل أمران: إما نون النسوة، وإما نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة.

طيب. أما نون النسوة فلأنها ضمير رفع متحرك دائماً، وضمائر الرفع من خواص الفعل؛ لأن هذه لا تكون إلا في محل فاعل، وكل فاعل إنما يكون للفعل. تقولي: وين الألف والواو والياء؟ يأتي، احفظوا إشكالات كثيرة.

جيد، ولكن نون النسوة من خواص الفعل فترده إلى أصله، والأصل في الفعل حينئذ أن يبنى، والأصل في البناء أن يكون على السكون، ولا مانع يمنع من السكون فيبنى المضارع على السكون إذا اتصلت به نون النسوة.

ولكن إذا اتصلت به نون التوكيد وهي من خواص الفعل، ونون التوكيد ساكنة، فلا يمكن بناء المضارع حينئذ على السكون، فوجب أن ينتقل عنه إلى غيره، فيبنى المضارع حينئذ على الفتح. تقول: (يلعبنَّ) و(يلعبنْ). ونون التوكيد إنما كانت من خواص الفعل؛ لأنها نون يؤتى بها لتوكيد صدور الحدث، لتأكيد وقوع الحدث، وما يدل على الحدث هو الفعل، فصارت النون بحيث لا تدخل إلا على الفعل.

إذاً، المضارع يبنى في موردين لا ثالث لهما: أن تدخل عليه نون النسوة فيبنى على السكون على الأصل، وأن تدخل عليه نون التوكيد فيبنى -وكان حقه أن يبنى على السكون ولكن منع من ذلك مانع- فبني على الفتح.

فالمضارع إما أن يبنى على السكون وإما أن يبنى على الفتح وإما أن يكون معرباً. وإذا كان معرباً فإما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجزوماً. ولا جر في الفعل كما أنه لا جزم في الاسم.

فييكون المضارع منصوباً عندما تدخل عليه واحد من أدوات النصب، ويكون مجزوماً عندما تدخل عليه واحد من أدوات الجزم، وعندما لا تدخل عليه أدوات النصب ولا الجزم فانه يبقى على أصله مرفوعاً، فلا يحتاج المضارع لكي يرفع إلا إلى رافع؛ لأن الأصل فيه أن يرفع، وذلك لأن المضارع إنما أعرب حملاً له على الاسم، والاسم أول حالاته أن يكون مرفوعاً فأعطي الرفع مباشرة. نعم، لكي ينتصب أو ينجزم لابد دائماً أن يحتاج إلى ناصب وإلى جازم.

قواعد في العمل والإعراب

وهنا لابد أن نتحدث عن ما هي علامات النصب وعن علامات الجزم ومعرفة هذه الأدوات ومعانيها وما تصنع في الفعل بعدها. ولكن يحسن أن نبين لكم واحدة من أمهات القواعد النحوية التي ستحتاجونها كثيراً أثناء دراسة النحو.

كنا كما نقول سابقاً: كل ما أشبه شيئاً أخذ حكمه، هذه من أمهات القواعد النحوية. ومن أمهات القواعد النحوية أيضاً أن يقال: كل ما يختص بالدخول على شيء ولا ينزل منزلة الجزء فإنه يعمل في ذلك الشيء، وتختصر هذه القاعدة بقولهم: (ما يختص يعمل، وما لا يختص لا يحكم).

مثال ذلك: إذا اخذنا حروفاً ثلاثة: (في)، و(هل)، و(لم). الحرف لا يدخل على الحرف، هذا واضح؛ لأن الحرف يحتاج في ظهور معناه إلى غيره، فلو كان ذلك الغير هو الحرف لاحتاج الحرف بدوره إلى غيره، وننقل الكلام إليه فيتسلسل إلى ما لا نهاية. فالحرف لا يدخل إلا على الفعل أو على الاسم.

ولو أخذنا حروفاً ثلاثة هي: (هل) و(لم) و(في)، نجد أن (في) حرف لا يدخل إلا على الأسماء، ولا يدخل حرف الجر الذي هو (في) على الأفعال. ونجد أيضاً أن (لم) من الحروف التي تختص بالأفعال فلا تدخل على الاسم. فلم و(في) حرفان مختصان، غاية ما في الأمر أن أحد الحرفين قد اختص بالاسم والآخر قد اختص بالفعل. وأما (هل) فهي حرف ليس بمعنًى مختص؛ إذ يدخل على الفعل وعلى الاسم معاً، تقول: (هل قام زيد؟) وتقول: (هل زيد قائم؟).

فلما اختصت (في) بالأسماء ناسب ذلك أن تحدث في هذه الأسماء أثراً حتى يظهر وجه الاختصاص، ولذلك عملت هذه الحروف في الاسم عملاً لا يكون في الفعل وهو الجر. ولما اختصت (لم) بالفعل المضارع ناسب أن تعمل فيه ليظهر وجه الاختصاص وأثره، ومن هنا أيضاً عملت (لم) في الفعل أثراً ليس له وجود وين؟ في الأسماء، لمكان الاختصاص. ولذلك ما هو من خواص الاسم -يعني ما من الحروف التي تختص بالاسم- تعمل فيه الجر، والحروف التي تختص بالفعل تعمل فيه جزماً أو نصباً. وأما ما لا يختص فإنه لا يعمل؛ إذ ليس هناك أثر لهذا، ليس هناك سبب لهذا العمل؛ إذ لا اختصاص في المقال.

وشرط في الحرف المختص أن ألا يكون منزلاً من الكلمة منزلة الجزء، وحتى تخرج عن هذه القاعدة: (أل) التعريف والحرف؛ و(أل) التعريف من خواص الاسم لأنها من علاماته، والعلامة يجب أن تكون مختصة بذي العلامة. فـ(أل) التعريف من خواص الاسم وهي حرف يدخل على الكلمة، فلك أن تسأل: لمَ لم يعمل هذا الحرف مع كونه مختصاً؟

قالوا: لأن الألف واللام نزلت منزلة جزء من الكلمة، ولذلك أنت في مقام الإعراب عندما تقول: (جاء الرجل) لا تعرب الألف واللام على حدة ثم (رجل) على حدة، وإنما تأخذ المجموع على أنه كلمة واحدة، فكأن الألف واللام صارت جزءاً من الكلمة. وإذا صارت منزلة جزء الكلمة فلا يمكن أن تعمل في هذه الكلمة؛ لأن الجزء لا يعمل في الكل.

الآن، لماذا لا يعمل الجزء في الكل؟ هذا فكروا فيه، أحتاج إلى جواب غدٍ، وهذا لا يحتاج إلى أكثر من التأمل: هل يمكن للجزء أو لمن امتنع أن يكون الجزء عاملاً في الكل -يعني علة للكل-؟ جيد، هذا يفكر فيه بعد الدرس أثناء الدرس. نقرا هذا المقدار.

علامات الفعل المضارع

قال: (وأنصرنا). والفعل المضارع علامته أن يكون في أوله حرف زائد -هذا شرحناه سابقاً- أن تدخل عليه في أوله إحدى حروف أربعة تجمع بقولنا (أنيت)، بشرط أن تكون الهمزة عند دخولها على المضارع دالة على المتكلم، والنون أيضاً تكون دالة على المتكلم، والياء تكون دالة على الغائب، والتاء تكون دالة على الخطاب أو الغيبة -يعني المخاطب أو الغائب-.

فالمضارع إذا أردنا أن نجعل له علامة خاصة فنقول: المضارع هو الذي تكون في أوله أو الذي تزاد في أوله واحدة، تزاد واحدة من هذه الحروف بشرط أن تكون هذه الحروف دالة على هذه المعاني التي ذكرناها.

فيشترط لكي يتحقق المضارع أمور ثلاثة:

الأول: أن يوجد في أوله ألف أو نون أو ياء أو تاء.

ثانياً: أن تكون هذه الحروف زائدة، فلو كانت أصلية لم يكن المضارع مضارعاً.

وثالثاً: أن تكون تلك الحروف الزائدة دالة على طبيعة الفاعل من كونه متكلماً أو مخاطباً أو غائباً إلى آخره.

فلو انتقضت واحدة من هذه الشروط -واحد لو انتقض واحد من هذه الشروط- لا يحكم على الفعل بكونه مضارعاً، ولا يكون الفعل مضارعاً إلا إذا وجدت هذه الشروط الثلاثة معاً: وجود هذه الحروف، وكونها زائدة، وكونها دالة على طبيعة الفاعل.

فلو اختل الشرط الأول: بأن لم يكن في أول الفعل لا ألف ولا نون ولا ياء ولا تاء، إذن فالفعل ليس مضارعاً، كما تقول: (كرم) و(ضرب) و(لعب).

ولو وجد الشرط الأول والشرط الثالث واختل الشرط الثاني: بأن وجدت هذه الحروف وكانت دالة على طبيعة الفاعل ولكنها لم تكن زائدة، كما تقول مثلاً (ينع)، (ينع هو) تماماً، إذاً فهذا الفعل الإلغاء وفي أوله ياء، ولكن هذه الياء ليست زائدة وإنما هي أصلية.

طيب، ولو وجد الشرطان الأولان ولم يوجد الشرط الثالث: بأن وجدت هذه الحروف وكانت زائدة ولكن لم تكن دالة على طبيعة الفاعل بحيث تكون الألف للمتكلم والنون للمتكلم والياء للغائب والتاء للمخاطب وهكذا، والغائب طبعا المؤنث، فحينئذ لا يكون الفعل مضارعاً، كما تقول: (أكرم). أكرم ما هو أصل الفعل؟ دائماً الفعل أصله أن يكون ثلاثياً، أصلها (كرم). أنت أدخلت عليها الهمزة، إذاً فهذه ألف في أول الفعل وهي ألف زائدة، ولكن هذه الألف لا دلالة لها على طبيعة الفاعل؛ لأن الهمزة حقها أن تدل على المتكلم (ألعب أنا)، أما (أكرم هو) ولذلك أكرم يكون فعلاً ماضياً.

قال: (والفعل المضارع علامته أن يكون في أوله حرف زائد من حروف أربعة يجمعها قولك: أنيت). والبعض يقول: (نأيت) أو قولك: (أتينا) أو قولك: (ناتي) أو (نأيت)، كله يصح.

فالهمزة للمتكلم مذكراً كان أو مؤنثاً، الرجل يقول: (ألعب)، والمرأة تقول: (ألعب)، ولا يوجد التباس؛ لأن الفاعل ما دام هو المتكلم وأنت تنظر إليه وتشاهد صدور الكلام منه فلا بد أن تعرف طبيعته إن كان مذكراً أو نحو (أفهم).

والنون إما للمتكلم الجامع -يعني للمتكلمين- وإما لمتكلم واحد أراد أن يفخم نفسه فنزل نفسه منزلة المتعدد؛ قال: والنون للمتكلم الذي يعظم نفسه كقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: 9)، أو للمتكلم الذي يكون معه غيره نحو: (نفهم).

والياء للغائب نحو: (يقوم).

والتاء للمخاطب -للمخاطبة عفواً- أو الغائبة، يعني إما للمخاطب المذكر أو الغائبة المؤنث نحو: (أنت تفهم يا محمد واجبك) ونحو: (تفهم زينب واجبها).

فإن لم تكن هذه الحروف زائدة بل كانت من أصل الفعل نحو: (أكل) و(نقل) و(تفل) و(ينع)، أو كان الحرف زائداً لكنه ليس للدلالة على المعنى الذي ذكرناه نحو: (أكرم) و(تقدم)، كان الفعل ماضياً لا مضارعاً؛ لأن (تقدم) أصلها (قدم).

وحكم الفعل المضارع أنه معرب ما لم تتصل به نون التوكيد ثقيلة كانت أو خفيفة أو نون النسوة، فانهما من خواص الفعل فيردانه إلى أصله. فإن اتصلت به نون التوكيد بني معها على الفتح، نحو قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ -هذه نون توكيد ثقيلة- ﴿وَلَيَكُونًا﴾ -هذه نون توكيد خفيف صاغرين- [غير مفهوم]. وإن اتصلت به نون النسوة بني معها على السكون.

لماذا لم يقل -لماذا لم يقل في الفعل المضارع عندما تتصل به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة إنه يبنى على سكون مقدر كما فعل ذلك في فعل الأمر؟- بني معها على السكون حرفياً، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾.

وإذا كان معرباً -عفواً- إذا كان معرباً فهو مرفوع ما لم يدخل عليه ناصب أو جازم، نحو: (يفهم محمد). هذا هو الأصل، لا يحتاج إلى رافع، فيفهم فعل مضارع مرفوع بتجرده من الناصب والجازم وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ومحمد -طبعا نحن عندما نعرب المضارع ويكون مرفوعاً لا نقول: لتجردها من الناصب والجزم؛ لأن الأصل هو الرفع فلا نحتاج إلى تعليل، نعم عندما ننصب أو نجزم لابد أن نعلل- قالوا: وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ومحمد فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.

فإن دخل عليه ناصب نصبه، نحو: (لن يخيب مجتهد). فلن حرف نفي ونصب، نصب واستقبال كما سنشرح. ويخيب فعل -يعني (لن يخيب) نعرب هكذا: لن حرف نصب مبني على السكون لا محل له من الإعراب، يخيب فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، مجتهد فاعل مرفوع إلى آخره. طيب-. ومجتهد فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

وإن دخل عليه جازم جزمه، نحو: (لم يجزع إبراهيم). فلم حرف نفي وجزم وقلب -هذه أمور لابد أن نشرحها ولكن الآن سوف ندخل فيها- ويجزع فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، وإبراهيم فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة إلى آخره. طيب، يُقْرَأ.

نواصب الفعل المضارع

إذن لا نحتاج إلى أن نعرف أحوال رفع المضارع؛ لأنه يرفع ما لم يكن هناك ناصب أو جازم، فلا بد أن نتعرف على أدوات النصب، ثم على أدوات الجزم.

قال الماتن: فالنواصب عشرة أو عشرة، وهي: (أن)، و(لن)، و(إذاً)، و(كي)، ولام (كي) -يعني اللام التي تدخل على كي خاصة هذا هو مراده، أو لا ليس هذا هو المراد، لام كي أي اللام التي بمعنى كي، يعني لام التعليل- ولام الجحود، وحتى، والجواب بالفاء والواو، و(أو) -طبعاً هو جعل كل هذه الحروف أدوات للنصب-.

فإذا كان يريد أن المضارع بعد هذه الحروف دائماً يقع منصوباً، فهذا مسلَّم لا إشكال فيه. وأما إذا كان يريد أن هذه الأدوات هي التي تحدث النصب وهي التي توجده في الفعل المضارع، فهذا الكلام ليس في محله.

والحاصل أن المضارع بعد هذه الحروف دائماً يقع منصوباً، ولكن ليس كلما وقع المضارع منصوباً بعد هذه الحروف فهذا يعني أنه قد نصب بهذه الحروف، بل إنه قد ينصب ببعض هذه الحروف، وأما البعض الآخر فلا ينصب به، بل ينصب بشيء آخر موجود في البين كما سوف يأتي معنا. فمثلا (أن)، أو -دعك من (أن)- (لن) إذا دخلت على المضارع فإن المضارع ينصب بعدها وتكون هي عامل النصب فيه. وأما (حتى) فإذا وقع المضارع بعدها فإنه يقع منصوباً بعده، ولكن ليس نصبه مسبباً عن (حتى)، بل الذي نصب المضارع حينئذ هو حرف نصب مقدر توسط بين (حتى) وبين الفعل، ولذلك يقال: المضارع بعد (حتى) ينصب بـ(أن) مضمرة.

إذاً كان ينصب بـ(أن) مضمرة، فالذي نصبه ما هو؟ (أن) لا (حتى)؛ ولذلك لا يقال إن (حتى) هي من النواصب؛ لأنها ليست أداة نصب، نعم في مورد (حتى) دائماً لابد من تقدير (أن)، و(أن) بطبيعتها تكون ناصبة فينتصب المضارع بـ(أن). ولذلك عندما قال: نواصب عشرة، نقول: إذا أراد أن المضارع بعد هذه الأحرف يقع منصوباً دائماً فهذا مسلَّم، ولكن ليس كلما وقع المضارع منصوباً بعد هذه الحروف فهذا يعني أن هذه الحروف هي التي نصبته، قد يكون الذي نصبه حرفاً مقدراً.

ولذلك شوف سيأتي معكم أن لام التعليل مثلاً، أي لام التعليل ماذا نعربها؟ يا حرف جر، (أدرس لنجاحك) تماماً، فلام التعليل حرف جر، وإذا كانت حرف جر فكيف تكون حرف نصب؟ وقد قلنا لكم قبل قليل إن ما يختص يعمل وما لا يختص لا يعمل إذا أردنا طيب. فلام التعليل من جهة أنها حرف جر فهي من مختصات الاسم، فلو جعلناها من أدوات النصب لكان معنى ذلك أنها تدخل على الفعل وتختص به، وهذا خلاف دخولها على الاسم واختصاصها به، ولذلك لا يمكن لهذه اللام أن تكون ناصبة تارة للفعل وجارة تارة أخرى للاسم، لأن هذا يعني أنها تدخل على الاسم وعلى الفعل، وهذا يعني أنها غير مختصة، وما لا يختص لا يعمل. ولذلك المضارع بعد لام (كي) -يعني بعد لام التعليل- عندما يقع منصوباً لا يمكن أن يكون منصوباً بهذه اللام؛ لأنها من خواص الاسم، إذن فلا بد أن يكون منصوباً بشيء آخر ولو كان ذلك الشيء مقدراً.

ولذلك الصحيح أن يقال: إن أدوات النصب هي (أن) و(لن) و(إذاً) و(كي) فقط هذه الأربعة. وأما انتصاب المضارع في سائر الموارد الأخرى التي ذكرها فهو انتصاب للمضارع بـ(أن)، ولكن (أن) تكون مقدرة، وهذا التقدير قد يكون جائزاً -يعني يجوز إظهاره- وقد يكون واجباً -يعني يجب أن تكون مقدرة ولا يجوز إظهارها-. ولذلك قال: (وأقول: الأدوات التي ينصب بعدها الفعل المضارع عشرة أحرف) -شوف، ينصب بعدها، جيد ما عندنا مشكلة، أما أن تكون هذه الأدوات هي التي أحدثت النصب فهذا فيه مشكلة-.

قال: (عشرة أحرف، وهي على ثلاثة أقسام: قسم ينصب بنفسه، وقسم ينصب بـ(أن) مضمرة بعده جوازاً -يعني يكون هناك (أن) مقدرة وهذه (أن) المقدرة يجوز لك أن تظهرها، ماذا معنى أنها مقدرة جوازاً؟- وقسم ينصب بـ(أن) مضمرة بعده وجوباً فلا بد من تقدير (أن) ويمتنع إظهار (أن)).

واضح إذاً كلام الشارح واضح وصريح في أن مثل لام الجحود وحتى وهذه المسائل ليست هي التي تنصب المضارع، بل الذي ينصب المضارع هي (أن)، ولكن (أن) يجب أن تقدر بعد هذه الحروف.

قال: (أما القسم الأول وهو الذي ينصب الفعل المضارع بنفسه فأربعة أحرف، وهي: أن، ولن، وإذاً، وكي). وسيأتي معنى هذه الحروف في الدرس الآتي إن شاء الله والحمد لله رب العالمين.

يعني حاسس حالي بتفق وأنا أفضل.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.