الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 4

تحميل Word

004

حقيقة الكلام وأقسامه في اصطلاح النحاة

أول عبارة قالها ابن آجروم في كتابه هي قوله: (الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع)، فقد عُرِّف الكلام عند أهل النحو، أي في عرف أهل النحو وبحسب اصطلاحهم الخاص، بأنه لفظ مركب مفيد بالوضع، فهذه قيود أربعة لابد أن نفهمها حتى نفهم حقيقة الكلام.

القيود الأربعة لحقيقة الكلام

القيد الأول قوله: لفظ؛ وهذا الهواء الذي يخرج من الرئتين لا يخلو إما أن يحتك أثناء خروجه بالأوتار الصوتية أو لا يحتك بالأوتار الصوتية، فإذا احتك هذا الهواء بالأوتار الصوتية فإنه يصدر أو يخرج على شكل صوت، ولذلك نقول له صوت، وإذا لم يحتك بالأوتار الصوتية فنقول له إنه نفس، فأصل القسمة نبدأ هكذا: الهواء الخارج من الرئتين لا يخلو إما أن يحتك بالأوتار الصوتية فهذا الذي نقول له صوت، أو لا يحتك بها فنقول له نفس، فالصوت هو الذي نقول له لفظ.

فاللفظ صوت، ولأنه احتك بالأوتار الصوتية فلابد أن يخرج هذا الصوت بحيث يعبر عن حرف من الحروف، كما إذا قلت: (أ)، (ب)، أي هواء تحكه بالأوتار الصوتية فلا بد أن يخرج على نحو يعبر به عن حرف من الحروف، ولذلك عرفوا اللفظ بأنه: (صوت مشتمل على بعض الحروف)، على بعض الحروف يعني ولو على حرف واحد، لأن البعض في عند أهل المنطق يصدق على الواحد، ولذلك التفتْ: كل صوت فهو مشتمل على بعض الحروف، ما عندي صوت ولا يشتمل على بعض الحروف، ولو كان على طريقة هذا يشتمل على حرف.

فالهواء عند خروجه من الرئتين محتكاً بالأوتار الصوتية يقال له لفظ، وهذا اللفظ أو الصوت عند خروجه -معنى أن يحتك بالوتر الصوتي أنه سوف يخرج حرفاً مناسباً للوتر الذي احتك به- ولذلك قالوا: اللفظ هو الصوت أو هو صوت مشتمل على بعض الحروف.

هذا الصوت عند خروجه معبراً عن بعض الحروف إما أن يكون صوتاً واحداً ممتداً لا تققطع فيه، كما إذا قلت مثلاً: (جاءَ)، تشعر بأن هذا الصوت وإن اشتمل على جملة من الحروف ولكنه صدر بنحو واحد متصل ممتد لا تشعر أنه قد حصل انقطاع في هذا الصوت لتبتدئ بعد ذلك صوتاً جديداً، بخلاف ما إذا قلت: (جَاءَ زَيْدٌ)، فإن الصوت الأول قد انقطع نحو انقطاع ليبتدئ بعده صوت آخر له امتداد آخر. فإذا كان الصوت صوتاً واحداً ممتداً فهذا نقول له مفرد، وإذا لم يكن صوتاً واحداً ممتداً بل كان هناك انقطاع واستئناف -يعني قطعت الصوت ثم استأنفت وابتدأت صوتاً جديداً- فهذا هو الذي نقول له مركب.

فاللفظ المركب أو إذا أردنا أن نعرف المركب هو ضم جزء إلى آخر، ولأن الكلام في اللفظ المركب فهو ضم لفظ إلى آخر، ضم صوت معبر عن بعض الحروف إلى صوت آخر معبر عن بعض الحروف، وعلامة كون اللفظ مركباً هو أن يكون الإنسان بحيث عندما يصدر الصوت الأول فانه يقطعه نحو قطع ليبتدئ بعده بصوت جديد، ولذلك عندما تقول: (محمد نبي)، تشعر بأنك قد قطعت الصوت الأول عند انتهاء كلمة (محمد) لتبتدئ صوتاً آخر عندما تقول (نبي).

طبعاً هذا التعريف تعريف عرفي، وأما التعريف الدقيق للمفرد والمركب فهذا يأتي معكم إن شاء الله عندما تدرسون المنطق، المهم نحن في هذا الكتاب يكفي أن نميز المفرد عن المركب بهذه الطريقة، ولأننا من أهل هذه اللغة ولأن لساننا عربي فيسهل ذلك علينا أن نميز ما يكون كلمة واحدة عما يكون مركباً من أكثر من كلمة.

شروط تحقق الكلام وقاعدة توقف المركب على أجزائه

إذا التفتَّ إلى الآن صار عندنا معرفة بمعنى اللفظ وصار عندنا معرفة بمعنى المركب، وشرط الكلام في الاصطلاح أن يكون لفظاً مركباً مفيداً بالوضع، فلا يتحقق الكلام إلا إذا تحققت هذه الأمور الأربعة، فلو انتفى واحد من هذه الأربعة سوف ينتفي الكلام، لأن الكلام إذا أخذ في تعريفه أربعة قيود فهذا يعني أن حقيقة الكلام تتوقف على تحقق هذه القيود الأربعة، وعندنا قاعدة عقليّة تقول: المركب يتوقف وجوده على وجود جميع أجزائه، فإذا فرضنا أن الماء مركب من الهيدروجين والأكسجين فلا يمكن أن يتحقق الماء إلا عندما يتحقق كلا هذين الجزئين، وتقول القاعدة أيضاً: ويكفي في انعدام المركب انعدام واحد من أجزائه.

فالكلام قد عرف بقيود أربعة فسوف لا يتحقق هذا الكلام إلا إذا تحققت القيود الأربعة جميعها، ويكفي لانعدام الكلام ونفيه أن ينتفي واحد من هذه القيود الأربعة، لأن الكل لا ينوجد إلا عندما تنوجد جميع أجزائه.

وعلى هذا؛ فإذا كان الكلام عبارة عن اللفظ المركب المفيد بالوضع، فما لا يكون لفظاً لا يكون كلاماً، وما يكون لفظاً ولكنه لا يكون مركباً بأن كان لفظاً مفرداً فهذا أيضاً ليس بكلام، وما يكون لفظاً مركباً ولكنه ليس بمفيد فهذا لا يعد كلاماً أيضاً.

الفائدة التامة والفائدة الناقصة

طيب، نحن ماذا قلنا في قسمة الهواء؟ قلنا: إما نفس، وإما صوت ولفظ، واللفظ إما مفرد وإما مركب. وكلما ركبنا كلمة مع كلمة فلا بد أن يكون هناك فائدة لمثل هذا التركيب، ولكن هذه الفائدة -طبعاً ليش يكون لها فائدة؟ لأن كل كلمة لها معنى، وأنت عندما تضم كلمة إلى كلمة أخرى هذا له فائدة ولو بنفس النظر إلى الكلمة- ولكن هذه الفائدة تارة تكون فائدة تامة وأخرى تكون فائدة ناقصة.

وذلك لأن الفائدة التي يستفيدها السامع تارة تكون بحيث يصح السكوت عليها فلا يبقى السامع منتظراً لسماع شيء جديد، فيقال إنه قد حصل على فائدة تامة. وتارة أخرى يستفيد السامع فائدة لأن الكلمة لها معنى فهذه فائدة، ولكن هذه الفائدة تبقى ناقصة لأن السامع لا زال ينتظر سماع شيء حتى يحصل على مطلوبه.

فمثلاً إذا قيل لك: (جَاءَ زَيْدٌ)، فإن السامع قد فهم أن المتكلم يريد أن يخبره بمجيء زيد، فيحصل على فائدة تامة، ولا يبقى السامع منتظراً لسماع شيء جديد. وتارة تقول له: (إذا جاء زيد)، وتسكت، فمباشرة السامع يقول لك: ماذا أعمل إذا جاء زيد؟ لأنه استعمل لك جملة شرطية وأتى لك بالشرط ولم يحدد لك جزاء ذلك الشرط.

ومرة نقول: (زيد قائم)، فيفهم السامع أنك تريد أن تخبر عن قيام مَنْ؟ زيد، فلا يبقى منتظراً لسماع شيء جديد. وتارة ثانية تقول له: (زيد القائم)، وتسكت، فيقول لك: ما هو حكمه؟ لأنك لم تخبر ها هنا عن قيام زيد، وإنما أتيت بزيد القائم لكي تخبر عنه مثلاً بأنه طويل.

شوف، مرة نقول: (زيد قائم)، زيد ما حكمه؟ أنه قائم. ومرة ثانية نقول: (زيد القائم طويل). ولنفترض أن عندنا زيدين في الصف -يعني عندنا شخصان كل واحد منهما اسمه زيد- فأردنا أن نميز أحدهما عن الآخر فكان الأول قائماً فتقول: (زيد القائم)، فيقف السامع منتظراً لسماع الحكم الذي تريد أن تصبه على زيد القائم هذا، فيقال إن السامع لا زال ينتظر سماع شيء جديد لتتم عنده الفائدة، وهذا يعني أن هذا التركيب لم يحسن السكوت عليه، لا يفيد المخاطب فائدة تامة يصح السكوت عليها، بحيث لا.. ما معنى يصح السكوت عليه؟ بحيث لا يبقى السامع منتظراً لسماع شيء جديد.

ولذلك إذا قلت لك: (زيد في الغرفة)، هذه فائدة تامة أو ناقصة؟ تامة. وإذا قلت لك: (زيد في..) ناقصة. وإذا قلت لك: (في الغرفة زيد) فائدة تامة. وإذا قلنا: (في الغرفة..) ماذا في الغرفة؟ فهذه فائدة ناقصة.

تمييز الفائدة التامة عن الفائدة الناقصة في غاية السهولة، لأن السامع إن كان لا زال ينتظر سماع شيء جديد من المتكلم فهذا يعني أن الفائدة عنده لم تحصل، فلم تتم الفائدة، فلا يحسن أن يسكت المتكلم حينئذ على ما ذكره، بل لابد أن يتمم كلامه. وإن كان السامع بحيث يستفيد معنى لا ينتظر بعده سماع شيء جديد فيقال إن الفائدة كانت تامة.

فاللفظ المركب إما أن يكون مفيداً أو ليس بمفيد، ما معنى أنه لا يكون مفيداً؟ أي أن فائدته لا تكون تامة. التفتوا جيداً، نحن يمكن أن نقسم بتقسيمين أو نعبر بتعبيرين، مرة نعبر هكذا نقول: اللفظ المركب إما أن تكون فائدته تامة أو تكون فائدته ناقصة، وتارة ثانية نقول: اللفظ المركب إما أن يكون مفيداً أو لا يكون مفيداً من أول الأمر، كل واحد من هذين التقسيمين يرجع إلى الآخر، غاية ما في الأمر أننا عندما نقول في علم النحو -يعني في اللغة- الفائدة تتصور تامة وتتصور ناقصة، في علم النحو نحن نصطلح على الفائدة التامة بأنها هي الفائدة، وعلى الفائدة الناقصة بأنها ليست فائدة، هذا مجرد اصطلاح، وكما يقال: لا مشاحة في الاصطلاح، لا نختلف في الاصطلاح، أنت تريد أن تسمي ولدك بهذه التسمية فالأمر لك، وهم يريدون أن يسموا هذا المعنى بهذه الكلمة فالأمر لهم.

كيف كان؟ الكلام هو ما أفاد فائدة وكانت تلك الفائدة تامة، والفائدة التامة قد يعبر عنها بأنها هي الفائدة في قبال الفائدة الناقصة فإنه يعبر عنها بأنها غير مفيدة من أول الأمر، أي غير مفيدة تلك الفائدة التي يصح السكوت عليها.

قيد الوضع وعلاقته بالكلام

هذه قيود ثلاثة، فالكلام يجب أن يكون لفظاً، ويجب أن يكون مركباً، ويجب أن يكون مفيداً أو فقل: يجب أن تكون فائدته تامة. طيب، بقي عندنا أي قيد؟ القيد الرابع، قال: هو لفظ مفيد بالوضع، أو لفظ مركب مفيد بالوضع. هذه الباء هي باء السببية، التفت: حرف الباء هذا الحرف، حرف الجر، يستعمل في معان مختلفة، فمن موارد استعمال الباء مثلاً أن تستعمل الباء بمعنى الآلة، كما يقال: (أَتَيْتُ بِالسَّيَّارَةِ)، فهذه الباء باء الآلة أي أتيت بواسطة السيارة. ومن موارد استعمال الباء أيضاً أن تستعمل الباء في السببية، أي تكون بمعنى السبب كما في موردنا ها هنا: (لفظ مركب مفيد بالوضع)، أي إن الفائدة يجب أن تكون مسببة وناشئة عن أي شيء؟ عن الوضع.

الآن ما هو المراد من الوضع؟ انتبه. الوضع كما عرف في كلماتهم هو عبارة عن تخصيص شيء بشيء، كأن يأتي الرجل عندما يرزق ولداً فيقول: أضع لمولودي هذا هذا الاسم، إذا اردتم أن تنادوه فنادوه به، فقد وضع لفظ (علي) لمولوده هذا، أو لفظ (محمد) لمولوده هذا، أو لفظ (زينب) لمولودته تلك، وهكذا فيقال: وضع لهذا المعنى هذا اللفظ، أو وضع هذا اللفظ لهذا المعنى، أي إنه انتخب شيئاً وجعله دالاً على شيء آخر.

فَهذه تسمى بعملية الوضع، وهي عملية تخصيص شيء بشيء آخر ليدل أحدهما على الآخر. ومن أمثلة الوضع أيضاً أن تأتي الدولة مثلاً وتضع الشارة الخضراء فتجعلها علامة على جواز السير والمرور، فقد خصصت هذا اللون وهذه الشارة بهذا المعنى، ثم انتخبت الشارة الحمراء فجعلتها دالاً ودليلاً وعلامة وإشارة على عدم جواز المطلوب، وهكذا.

أو من أمثلة الوضع أيضاً تلك النصب التي توضع وتلك الإشارات التي توضع على مفترقات الطرق، عندنا نحن يقال: (ابتسم أنت في حاريص) مثلاً، شايف؟ وضعت لعرف أنك الآن قد دخلت هذه القرية مثلاً، وهكذا. إذاً هذه عملية الوضع.

ونحن كلامنا أين؟ في اللفظ، فيجب أن يكون الوضع عبارة عن تخصيص اللفظ بالمعنى، لأن الوضع قد يكون بالألفاظ وقد يكون بغير الألفاظ. وضع الألفاظ كأن تقول كلمة (جدار)، أنا أضعها وأخصصها لهذا المعنى وهو معنى الحائط، فقد وضعت لفظاً لمعنى، أي إنني خصصت هذا اللفظ بهذا المعنى فصار اللفظ دالاً على المعنى، ويقال حينئذ إن هذا الوضع قد صار وضعاً لفظياً.

وقد يكون الوضع بغير اللفظ كما إذا قلت لك: عندما أرفع يدي اليمنى فأخرج من الصف مثلاً، هذه عملية وضع، فأرفع يدي اليمنى وأنا أتكلم فأنت تخرج من الصف، وقد استفدت الخروج من الصف بسبب رفع يدي اليمنى، فهذه عملية وضعية ولكنها غير لفظية. أو كإشارات المرور وغير ذلك مما ذكرناه. ونحن كلامنا في الألفاظ فلا بد أن يكون الوضع وضعاً لفظياً.

طيب، التعريف قال: (هو اللفظ المركب المفيد بالوضع)، هذه الباء قلنا هي باء السببية، أي أن الكلام هو اللفظ الذي له فائدة تامة، ولكن التفت شريطة أن تكون تلك الفائدة التامة ناشئة من أين؟ من الوضع. وأما لو نشأت فائدة اللفظ من غير الوضع فهذه لا تسمى كلاماً.

مثال ذلك: ما إذا طرق الباب خارجاً مثلاً، فأنت تسمع صوتاً أو لا؟ لا تسمع صوتاً؟ وإذا كنت تسمع صوتاً فهذا لفظ، وهذا اللفظ الذي هو نتاج طرق الباب لا شك أنه يدلنا على وجود طارق وراء الباب، وهذه فائدة قد استفدناها وهي فائدة تامة، إلا أن هذه الفائدة التامة لم تنشأ ولم تتسبب عن الواضع، لأن الواضع لم يأتي ويقول لك: عندما تسمع هذا الصوت فهناك طارق وراء الباب، العقل هو الذي يستفيد ذلك من جهة أن كل مسبب فلابد له من سبب، وقد طرق الباب إذاً هناك أحد ما وراء الباب، قد لا يكون إنساناً، قد يكون حيواناً ولا يهم.

جيد، ناخذ مثالاً آخر في المقام: الآن إذا تعرض الإنسان للألم فإنه قد يسارع إلى قول: (آخ) أو (آي) أو مثل هذه الألفاظ، وهذه الألفاظ عندما تصدر من الإنسان تدلنا على أنه في مقام التوجع أو أنه في مقام التألم، فهذه ألفاظ دلتنا على معنى أو لا؟ بلا شك، فهو لفظ دلنا على معنى، إلا أن هذا المعنى الذي استفدناه من ذلك اللفظ لم ينشأ ولم يستند إلى الوضع، لأن واضع اللغة العربية لم يقل: أضع هذا اللفظ لهذا المعنى، وإنما هذا اللفظ يصدر بمقتضى الطبع الإنساني، الإنسان عندما يتوجع يصدر منه هذا اللفظ، لأنه لم يخصص هذا اللفظ بذلك المعنى.

الوضع العربي واشتراطه في الكلام النحوي

بقي عندنا مسألة أخيرة يجب التنبيه عليها، وهي أننا عندما نقول إن الفائدة يجب أن تستند إلى الوضع، مرادنا أنه: أنها يجب أن تستند إلى الوضع العربي، يعني إلى وضع اللغة العربية. وأما إذا استندت الفائدة إلى وضع لغة أخرى فهذا لا يسمى كلاماً في اصطلاح أهل النحو العربي، وإن كان هو كلاماً في اصطلاح أهل اللغة، ولكنه باصطلاح أهل النحو لا يعد كلاماً.

ولذلك لو أنك أتيت لي بعبارة فارسية أو إنجليزية أو فرنسية وفهمت منها معنى من المعاني، فسوف لا أعربها على أنها فعل وفاعل ومفعول، وسوف لا أرفع ولا أنصب ولا أجزم في هذه العبارة، فالكلام الذي نبحث عنه هو الكلام الذي يخولنا للبحث عن الإعراب والبناء، وعن الرفع والنصب والجر، وهذه من مختصات اللغة العربية، ولذلك الكلام الذي يحقق الإعراب والبناء هو الكلام الذي يدل على معنى مستند إلى الواضع عِندَ مَنْ؟ عند أهل العربية لا عند غيرهم.

فعندما نقول إن الكلام الفرنسي أو الفارسي ليس كلاماً عندنا، لا نريد أنه لا فائدة فيه، بل نريد أنه لا يفيد تلك الفائدة التي يترتب عليها إعراب وبناء، ونحن بحثنا في هذا العلم بحث عن الإعراب والبناء، فلا بد أن نبحث عن الكلام بالمقدار الذي يترتب عليه إعراب وبناء.

القيود الخمسة للكلام النحوي

فصار عندنا في تعريف الكلام قيود خمسة:

1. أن يكون لفظاً.

2. أن يكون مركباً.

3. أن يكون مفيداً -شو يعني مفيداً؟ يعني فائدة تامة-.

4. الرابع: أن تكون تلك الفائدة مستندة إلى الواضع، لا إلى الطبع ولا إلى العقل، إلى الواضع الذي خصص اللفظ بالمعنى.

5. الخامس: أن تكون تلك الفائدة المستنده إلى الوضع مستندة إلى الوضع عند مَنْ؟ عند أهل اللغة العربية.

فلا يتحقق الكلام إلا بتحقق هذه القيود الخمسة، لأن الكل يتوقف وجوده على وجود أجزائه، ويكفي في انعدام الكلام انعدام واحد من هذه القيود الخمسة، ولذلك الآن سوف نجرب أن نرفع وأن نعدم كل قيد على حدة، لننجد أنه كيف لا يكون الكلام كلاماً حينئذ.

أول قيد ماذا كان؟ لفظ؛ فلو وجد عندنا شيء ليس بلفظ وكان مفيداً ومركباً وإلى آخره، فهذا لا يسمى كلاماً، مثال ذلك ما تقرؤونه الآن على اللوحة، هذه كتابة وليست ألفاظاً، هذه إشارات وخطوط وليست ألفاظاً، مع أنها تفيد فائدة تامة، وهذه الفائدة مستنده إلى الواضع، لأن الواضع هو الذي خصص هذه النقوش -لا نقول حروف، الحروف أيضاً أصوات- هذه النقوش التي تحكي الحروف والألفاظ، فالخطوط والإشارات لها دلالة على معنى، وقد تفيد فائدة تامة، وتكون هذه الفائدة مستندة إلى الواضع، ويكون ذلك الواضع من أهل العربية العرب كما وضعت الحروف لمعانيها والالألفاظ لمعانيها، هي التي وضعت هذه النقوش وهذه الكتابات لمعانيها، لكنها ليست لفظاً، لذا فهي ليست كلاماً، لأنه قد انتفى القيد الأول وإن وجدت سائر القيود الأخرى.

وقد يتحقق القيد الأول وينتفي القيد الثاني فيخرج الكلام عن كونه كلاماً، كما إذا كان اللفظ مفرداً، كما تقول: (زيد)، شوف: (زيد) لها معنى أو لا؟ هي موضوعة لمعنى لفلان، أو كما تقول: (الجدار)، (الجدار) لفظ موضوع لمعنى، إلا أن هذا المعنى ليس بمركب ولذلك فهو ليس بكلام.

وقد يكون اللفظ مركباً ولكن لا يكون مفيداً فائدة تامة، أي لا يكون مفيداً لأن المراد من الفائدة عندنا الفائدة التامة، كما يقال مثلاً: (غلام زيد)، فتبقى تتساءل عن الحكم الذي يريد المتكلم أن يلصقه ويصبه على غلام زيد، وهذا بخلاف ما إذا قلنا: (زيد غلام)، أنت أخبرت عن زيد بأنه غلام انتهى الأمر.

وقد يكون اللفظ مركباً ومفيداً فائدة تامة، ولكن هذه الفائدة لا تستند إلى الوضع، ولنفترض لذلك مثالاً كما إذا كنت تجلس مع جملة من أصدقائك فجاء أحدهم واستعمل كلمة بنحو خاطئ فلقّب بهذه الكلمه، فلا تصبح هذه الكلمة كلما مرّت على رأسك فإنها تشير إلى تلك الواقعة التي حصلت، ولكن الواضع لم يضع هذا اللفظ لذلك المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة.

وقد يكون اللفظ مركباً مفيداً فائدة تامة مستندة إلى الوضع ولكن لا إلى الوضع العربي، كسائر كلام اللغات الأخرى، فانه كلام يحصل السكوت عليه، كلام يعني بالمعنى اللغوي، ولكنه لا يعد كلاماً في عرف أهل النحو لأنه لا يترتب عليه إعراب وبناء.

اختلاف الاصطلاحات باختلاف الأغراض

وقد عرفنا أننا يجب أن نحدد موضوع العلم بالنحو الذي يتناسب مع الغرض الذي لأجله نبحث في هذا العلم، ونحن نبحث في هذا العلم عن الإعراب والبناء، فالكلام عندنا هو ما كان بحيث يترتب عليه إعراب وبناء.

ولذلك التفتوا إلى هذه القاعدة، هناك قاعدة تقول: كل مصطلح فإنه يجعل اصطلاحه أو يؤسس اصطلاحه على حسب ما يوافق غرضه الأصلي. ولذلك أنا غرضي من هذا العلم هو الإعراب والبناء، فالكلام عندي ما كان بحيث يترتب عليه إعراب وبناء.

عند أهل المنطق: المنطقي دائماً يبحث عن البراهين والحجج، ولذلك الكلام عنده ما كان يفيد يقيناً وما كان يفيد دليلاً، وما لا يفيد ذلك لا يعد كلاماً ولو كان كلاماً باصطلاح أهل النحو.

في علم الكلام -في علم العقيدة-: الكلام عندهم هو خصوص كلام الله، ليش؟ لانه وقع عندهم النزاع في كلامه تعالى أنه هل هو خالق أو مخلوق، حادث أو قديم، فاختاروا.. ولذلك سمي العلم بعلم الكلام، قالوا: لأن أول مسألة وقع النزاع عليها بين المسلمين هي مسألة كلام الله: أهو خالق أو مخلوق، حادث أو قديم؟ والنزاع لا زَالَ إلى زماننا بين الإامامية وبين الأشاعرة مثلاً. فلذلك الكلام عندهم هو ما تنوزع عليه وهو خصوص كلام الله، فزيد قائم مثلاً ليست كلاماً باصطلاح أهل العقيدة، باصطلاح أهل النحو هي كلام، وهكذا لأن كلٌّ يصطلح بما يوافق غرضه الأصلي.

هذه الاصطلاحات ناتي بها لتحدد أو لنحصر مرادنا وأغراضنا فيها فيسهل علينا التعرض إلى العلم الذي ندرسه، وإلا فلفظ الكلام قبل الاصطلاح -قبل ولادة علم النحو واللغة العربية، ولدت منذ أو قبل الإسلام، علم النحو أسسه أبو الأسود الدؤلي إذاً هو بعد الإسلام- إذاً كلمة الكلام قبل ولادة علم النحو لم يكن لها اصطلاح هذا الاصطلاح المخصوص، كان لها مجرد المعنى اللغوي وهو كل شيء مفيد، سواء كان لفظاً أو غير لفظ، مفيداً فائدة تامة أو مفيد فائدة ناقصة، مفرداً أو مركباً، هذا كله كلام. ولذلك الآن مثلاً تقول: (تكلم) وأنت تأتي بكلمة واحدة، هذا ليس كلاماً.

ونفس الأمر بالنسبة إلى الكلمة، ألا نحن نعرف الكلام؟ نفس الأمر بالنسبة إلى الكلمة، الآن الكلمة في الاصطلاح عند أهل النحو هي خصوص اللفظ الواحد المفرد، (زيد) كلمة، (في) كلمة، (الغرفة) كلمة، مع أنه في استعمالنا العرفي -يعني بحسب أهل اللغة- نحن نستعمل الكلمة في الموعظة الكاملة، تقول: (يلقي علينا كلمة)، ولا يأتي يلقي عليك كلمة واحدة، هو يلقي ها.. تمام! هذا كان بيحكي كثير مثل حكايتي، جيد، هذه لا تسمى..

أو كقوله (صلى الله عليه وآله): (أفضل كلمة قول لبيد)، ما هي الكلمة التي قالها لبيد؟

أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا محَالَةَ زَائِلُ

إذاً هو بيت.. أطلقت الكلمة على بيت كامل من الشعر، هذا بحسب الاستعمال اللغوي.

ولكن عندما أسس العلم أراد أن يصطلح بجملة اصطلاحات تؤدي إلى تسهيل البحث عن الغرض الذي لأجله دُوِّن ذلك العلم، ولذلك تأتي الاصطلاحات متأخرة دائماً عن الاستعمالات اللغوية، فتستعار كلمة من اللغة وتنقل من هذا المعنى إلى معنى جديد، يقال لهذا المعنى الجديد أنه المعنى الاصطلاحي. ولذلك دائماً المعاني الاصطلاحية متأخرة عن المعاني اللغوية، فتستعار الكلمة من الاستعمال اللغوي وتنقل إلى معنى جديد أضيق أو أوسع، لا يهم، بحسب ما يتوافق مع الغرض الذي لأجله نبحث في هذا العلم.

نص المتن النحوي في تعريف الكلام

نقرأ هذا المقدار، قال:

(الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع)، وأقول: للفظ الكلام معنيان، شوف أحدهما لغوي وهذا هو الأسبق، والثاني نحوي. أما الكلام اللغوي فهو عبارة عما تحصل بسببه فائدة، سواء أكان لفظاً أم لم يكن كالخط والكتابة والإشارة، أو سواء كان مفرداً أو مركباً إلى غير ذلك.

وأما الكلام النحوي فلا بد من أن يجتمع فيه أربعة أمور:

1. أن يكون لفظاً.

2. أن يكون مركباً.

3. أن يكون مفيداً.

4. أن يكون موضوعاً بالواضع، والخامس أن يكون الوضع عربياً -فقد دمج القيدين الأخيرين بقيد واحد-.

ومعنى كونه لفظاً: أن يكون صوتاً مشتملاً على بعض الحروف الهجائية التي تبتدئ بالألف وتنتهي بالياء، يعني الحروف الهجائية، ومثاله: (أحمد)، و(يكتب)، و(سعيد)، فإن كل واحدة من هذه الكلمات الثلاث عند النطق بها تكون صوتاً مشتملاً على أربعة أحرف، فالإشارة مثلاً لا تسمى كلاماً عند النحويين مع أنه قد يكون لها معنى، الآن إذا قلت لك مثلاً: أعطني هذا الكتاب، وهكذا.. لعدم كونها صوتاً مشتملاً على بعض الحروف، وإن كانت تسمى عند اللغويين كلاماً، الآن إذا أشرت أو أومأت إليك إلى هذا الكتاب فأعطيتني إياه مثلاً، ثم قلت لك: لما أعطيتني الكتاب؟ تقول: أنت قلت لي، وأنا مع أنني لم أصدر لفظاً، وإنما أشرت إليك، أنت قلت لي، يعني أنت تكلمت معي وأصدرت كلاماً لحصول الفائدة بهذا.

ومعنى كونه مركباً: أن يكون مؤلفاً من كلمتين أو أكثر، نحو: (محمد مسافر)، و(العلم نافع)، و(يبلغ المجتهد المجد)، و(لكل مجتهد نصيب)، و(العلم خير ما تسعى إليه)، فكل عبارة من هذه العبارات تسمى كلاماً، وكل عبارة منها مؤلفة من كلمتين أو أكثر، فالكلمة الواحدة لا تسمى كلاماً عند النحاة إلا إذا انضم غيرها إليها، لا بد من التركيب، فكل عبارة من هذه.. عفواً، إلا إذا انضم غيرها إليها، سواء أكان انضمام غيرها إليها حقيقةً كالامثلة السابقة، أم تقديراً كما إذا قال لك قائل.. يأتي بيان ذلك إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.