الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 42

تحميل Word

042

لا زال الكلام في النواسخ، وهي أفعال أو حروف تدخل على الجملة الاسمية خاصة فتختص بها، وما يختص بشيء يعمل فيه. وحيث إن الجملة الاسمية قوامها بالمبتدأ والخبر، فمعنى أن يعمل الناسخ في الجملة الاسمية أن يعمل في ذلك المبتدأ وفي ذلك الخبر. وحيث إن المبتدأ والخبر كانا مرفوعين قبل دخول ذلك الناسخ، فلابد أن يتغير شيء في إعرابهما بعد دخول المختص، وإلا لم يظهر أثر الاختصاص ووجهه.

ويسمى ما يدخل على الجملة الاسمية ويختص بها يسمى ناسخا؛ لأنه ينسخ حكم المبتدأ والخبر، أي يزيل ما كان لهما من رفعهما، سواء أزال الرفع عن كل واحد منهما أو أزال الرفع عن أحدهما خاصة، فيصدق على كل تقدير أن هناك نسخا. فما نريد أن ننسخه هو حكم الجملة الاسمية لا حكم المبتدأ، لأن هذه الأدوات وهذه الحروف إنما دخلت على الجملة الاسمية وإنما اختصت بالجملة الاسمية، فحقها أن تعمل في الجملة الاسمية، لا اختصت بالمبتدأ لوحده ثم اختصت بالخبر لوحده. هذه الأدوات إنما اختصت بالجملة الاسمية، فحقها أن تعمل في الجملة الاسمية، غاية الأمر أن الجملة الاسمية قوامها بالمبتدأ والخبر، فالعمل بالجملة عمل بكل أطرافها، عمل بكل ما تتقوم هي به، فصار لأجل ذلك من حق هذه الأدوات أن تحدث أثرا على آخر المبتدأ وعلى آخر الخبر. وكان حكم الجملة الاسمية هو رفع الجزئين، فاختصت أداة ما بهذه الجملة فناسب أن تعمل بها عملا غير رفع الجزئين، سواء كان هذا العمل هو رفع جزء ونصب آخر أو كان نصب الجزئين. فالمراد من الناسخ ما يزيل رفع الجزئين لا ما يزيل رفع كل واحد من الجزئين. ولذلك اسم كان وإن بقي مرفوعا ولكن هذا الرفع صار رفعا بسبب كان؛ لأن حكم الجملة الاسمية وهو رفع الجزئين لم يعد موجودا.

إذا اتضح ذلك، فمن النواسخ كان وأخواتها على التفصيل الذي مر. وهي جملة أفعال لم تجري على نسق سائر الأفعال فسميت ناقصة لذلك، فدخلت على الجملة الاسمية فرفعت الأول اسما لها ونصبت الثاني خبرا لها. وإنما أعطي لها رفع الأول ونصب الثاني بسبب أن هذه الأفعال كان حقها أن ترفع فاعلا وأن تنصب مفعولا، فرفع اسم كان تشبيها له بالفعل وإلا هو في المعنى ليس فاعلا، ونصب الخبر تشبيها له بالمفعول. وهذه الأفعال ناقصة لأنها لم تجري على طريقة باب الأفعال؛ لأن الفعل حق أن يسند إلى الذات وإلى المفرد نسبة على جهة الصدور، ثم ينسب إلى مفرد وذات ثانية نسبة على جهة الوقوع. وأما هذه الأفعال فإنما نسب معناها إلى مضمون الجملة، فهي مسندة إلى الجمل لا إلى الذوات، وحق الفعل أن يسند إلى الذات، فنقصت هذه الأفعال عما هو شأنها الحقيقي فسميت أفعالا ناقصة لذلك. والفعل قد يكتفي بمرفوعه فيأخذ فاعلا ويتم الكلام، وهذه الأفعال لا تكتفي بمرفوعها بل دائما تحتاج إلى اسم وإلى خبر، فدائما مع مرفوعها تحتاج إلى منصوب، فلذلك كانت ناقصة.

ومن النواسخ أيضاً إن وأخواتها، وهي جملة حروف -شوف كان وأخواتها كلها كانت أفعالا، الآن إن وأخواتها هي جملة حروف- تختص بالدخول على الجملة الاسمية، وما يختص بالدخول على شيء لابد أن يعمل فيه، فعملت فيه عملا هو نصب الأول ورفع الثاني. فتقول: زيد قائم، وتقول: إن زيدا قائم بالعكس.

والسبب في ذلك أن الجملة الاسمية قبل دخول إن عليها كانت مرفوعة الجزئين، فعندما دخلت إن واختصت بهذه الجملة وما يختص يعمل، وجب أن تحدث فيها أثرا، ولا يمكن أن يكون هذا الأثر هو رفع الأول والثاني؛ لأن هذا الأثر كان موجودا قبل دخول إن، فلا يعلم حينئذ هذا الأثر هل هو بسبب دخول إن أو أنه أثر حاصل لها قبل إن، فلا يظهر وجه العمل حينئذ. ما معنى أن يكون هناك شيء عاملا في شيء وأن يحدث فيه أثرا؟ فلو كان الأثر الذي تحدثه إن هو رفع الأول ورفع الثاني، فهذا الأثر موجود قبل دخول إن، فلا يظهر وجه الاختصاص ولا يظهر الأثر حينئذ الذي يحدثه هذا العامل، فلا يكون عاملا، لا يعلم أنه عامل أو ليس بعامل. طيب، ولا يمكن أن يكون هذا الأثر أيضا هو رفع الأول ونصب الثاني؛ لأن هذا الأثر قد أعطي لـكان، وكان وإن كانت تشارك إن في أن كلتيهما مختص بالجملة الاسمية فحقه أن يعمل فيها، ولكن فرق بين كان وبين إن لأن كان من الأفعال وإن من الحروف. فلم يبق إلا أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنصب الأول وترفع الثاني، أو أن تنصبهما معاً. ولكن نصبهما معاً هو من حق ظن وأخواتها كما سوف نعرف؛ لأن ظن تطلب ما بعدها على جهة المفعولية، تطلبه مفعولاً به، والمفعول به حق أن يكون منصوباً. ظن عندما تدخل على الجملة الاسمية تصير المبتدأ مفعولاً أول وتصير الخبر مفعولاً ثانياً، والمفاعيل كلها حق أن تكون منصوبة، فنصب جزئين هو من شؤون ظن، فلم يبق لـإن إلا أن تنصب الأول وترفع الثاني، ويسمى المنصوب اسم إن ويسمى المرفوع خبر إن.

الحروف المشبهة بالفعل ومعانيها

هذه الأدوات ستة، هي: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل، وكلها تسمى أحرفا مشبهة بالفعل. قالوا: لأن الفعل حقه أن يكون ثلاثيا -والغالب في الفعل، شو الغالب؟ يعني حق الفعل أن يكون ثلاثيا وكثيرا ما يكون الفعل ساكن الوسط- وهذه الأحرف كذلك في بعضها طبعا، كما إذا أخذت إن بكم حرف؟ ثلاثة، لأنها عبارة عن الهمزة والنون المشددة التي هي عبارة عن نونين ساكنة ومتحركة، وأن مثلها، وليت، فهذه الأحرف سميت مشبهة بالفعل لأنها تشبه الفعل في سكون الوسط وفي كونها ثلاثية غالبا نعم بمعزل عن هذا يناقش فيه كثيرا هذا الذي ذكر.

طيب، والفرق بين هذه الحروف -طبعا كلها حروف كما قلنا- وبين غيرها من الحروف، التفت، كحروف الجر مثلا، أن حرف الجر يتوسط بين طرفين فيصيرهما جملة. وأما هذه الحروف فإنها تدخل على الجملة بعد أن تصير جملة. وتارة يكون الحرف متأخرا عن كون الجملة جملة، يعني تتم الجملة، تصير الجملة جملة أي كلاما تاما يصح السكوت عليه ثم ندخل عليه الحرف. وتارة ثانية قبل دخول الحرف لا يكون التركيب جملة، بل يصير جملة يصح السكوت عليها بسبب الحرف. الآن إذا أخذت زيدا والغرفة لا تقل زيد الغرفة، هذا ليس كلاما، ليس جملة. عندما تدخل في في وسط التركيب، فإن في هذه هي التي تسيّر التركيب كلاما تاما يحصل السكوت عليه، فهذه حروف بسببها يصير الكلام كلاما. وهذا بخلاف إن وأخواتها، فإنها حروف تدخل على الجملة بعد تمامها. ففي البداية لابد أن نفرض أن هناك كلاما ثم بعد ذلك تدخل هذه الحروف لتحدث فيه تغييرا في المعنى. فحروف الجر تدخل على التركيب لتوجد أصل المعنى، وإن وأخواتها تدخل على الجملة بعد تمام معناها لتحدث تغييرا في معنى الجملة.

لأن أصل الكلام كان زيد قائم، وهو إخبار بحصول القيام لمن؟ لزيد. عندما دخلت إن لم يعد المراد الإخبار عن أصل ثبوت القيام لزيد، بل صار المراد توكيد هذا القيام، حتى كأنك تعلم بصدور القيام ولكنك تشك وتتردد في حصوله وعدمه فتريد أن تؤكد هذا المعنى. ففرق بين أن تقول زيد قائم إنما تقال لمن لا يعلم صدور القيام من زيد، لمن لم يخطر على باله أن القيام قد صدر من زيد، فعندما تقول إن زيدا قائم فهذا يعني أنك تقولها لمن خطر في ذهنه أن القيام صادر من زيد ولكنه تردد في صحة هذه النسبة فتريد أن تؤكد له ذلك، أو لمن أنكر قيام زيد فتريد أن تزيل هذا الإنكار من ذهنه، فقد أحدثت تغييرا في المعنى أولا. كان المعنى هو الإخبار قبل دخول إن كنت تقول زيد قائم، صار المعنى هو التوكيد، أو كما تقول ليت زيدا قائم، فرق بين أن تخبر عن ثبوت القيام لزيد، وبين أن تتمنى صدور القيام منه؛ لأن معنى أنك تتمنى صدور القيام منه أنه لم يقم بعد. ولذلك هذه الحروف تدخل على الجملة بعد تمامها، ولكنها عندما تدخل على الجملة تحدث فيها تغييرا فتصرفها عن الإخبار عن كونها لمجرد الإخبار إلى كونها للتوكيد أو للتمني أو للترجي أو لغير ذلك من المعاني التي سوف نذكرها لهذه الألفاظ.

تفصيل معاني الحروف الستة

إذا اتضح ذلك، فإن الحروف المشبهة بالفعل ستة كما ذكرنا، ولكل واحد من هذه الحروف معنى خاص يحدث تغييرا في الجملة التي يدخل عليها:

أما إن قالوا هي لإفادة التوكيد، أي تأكيد حصول الخبر، هي تدخل على الجملة الاسمية، والجملة الاسمية ماذا تفيد؟ تفيد ثبوت خبر للمبتدأ، اتصاف شيء بشيء، فهي تدخل لتؤكد هذا الاتصاف. زيد قائم يعني زيد متصف بالقيام والقيام صادر عن زيد، فهي عندما تدخل على الجملة تدخل لتبين أن الغرض من الكلام حينئذ هو التوكيد، أي تقوية احتمال حصول هذا الاتصاف؛ لأن الذي خطر على باله أن القيام قد صدر من زيد، فما معنى أن يشك في هذا القيام؟ أو أن ينكره؟ هو أن تكون النسبة الاحتمالية لصدور القيام عن زيد نسبة ضئيلة، والتوكيد يراد منه إزالة هذا الشك، وإزالة هذا الشك إنما تكون بتقوية النسبة الاحتمالية. ولذلك قالوا: التوكيد هو التقوية؛ لأنك عندما تقوي احتمال صدور الخبر عن المبتدأ فقد أكدت وقوعه، لأن تقوية الاحتمال هي التي تزيل الشك وهي التي تزيل التردد، وعندما يقوى الاحتمال فقد تأكد القيام. هذه إن إذا كانت أي إن مكسورة الهمزة فهي تفيد التوكيد فقط، وإن هذه لا تقع إلا في صدر الكلام، فإذا أردت أن تبتدئ بالكلام فلم تسبق الجملة الاسمية بكلام قبلها فتقول إن ولا تقول أن.

وأما أن فهي كـإن في أنها تفيد التقوية، ولكن تفترق عنها في أنها مصدرية، يعني هي من جهة المعنى للتوكيد والتقوية ولكنها مصدرية. وما معنى أن تكون مصدرية؟ أنها تسبك وتؤول مع ما بعدها بمصدر. أن التي تنصب المضارع كانت تؤول مع فعلها وفاعلها، أن لأنها تدخل على المبتدأ والخبر فهي تؤول مع اسمها وخبرها، ولأنها تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر وهذا المصدر يجب أن يكون له محل من الإعراب، فلا بد أن يكون هناك عامل قبلها هو الذي عمل في ذلك المصدر. ولذلك صارت أن هي التي تقع في منتصف الكلام، يعني تسبق بكلام قبلها، وإن هي التي تقع في ابتداء الكلام، يعني لا تأتي وتقول لي أن زيدا قائم، ولكن تأتي وتقول لي إن زيدا قائم. وإذا قلت علمت لا تقول علمت أن زيدا قائم [كذا]، تقول علمت أن زيدا قائم. والسبب في ذلك أن المصدر دائما يحتاج إلى محل من الإعراب، وكلما فرضنا أن له محلا من الإعراب هذا يعني أنه معمول لعامل ما، فيجب أن يكون العامل مذكورا في رتبة سابقة.

التفت: إن زيدا قائم، إن حرف شبيه بالفعل، زيدا اسمها، قائم خبرها، انتهينا. والمصدر المؤول ما هو؟ قيام زيد. طيب، هذا قيام زيد يحتاج إلى محل من الإعراب، يعني يجب أن يكون مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، وعلى كل واحد من هذه التقديرات فيجب أن يكون هناك عامل عمل فيه الرفع أو عامل عمل فيه النصب أو عامل عمل في الجر، ولا محل لهذا العامل لأنك قلت إن زيدا قائم. وأين العامل؟ لا يوجد عامل! ولذلك قالوا في مثل هذه الحالة يجب كسر إن، تقول: إن زيدا قائم، حتى لا يكون هناك مصدر مؤول. واضح المطلب أو لا؟ جيد.

قلنا: إن إن إذا كانت مفتوحة فهي مصدرية، تمام؟ وكلما كانت مصدرية فيجب أن تؤول مع ما بعدها بمصدر، وكلما كان هناك مصدر فهذا المصدر يجب أن يكون له محل من الإعراب. معنى أن يكون له محل من الإعراب أن يكون هذا المصدر في محل نصب أو في محل جر أو في محل رفع. وحتى يكون في محل رفع فلا بد أن يكون هناك عامل هو الذي اقتضى رفعه، وحتى يكون منصوبا لابد أن يكون هناك عامل هو الذي اقتضى نصبه، وهكذا.

طيب، لو أنك قلت ابتداء: أن زيدا قائم، أعربنا أن على أنها حرف مشبه بالفعل، وزيدا اسمها، وقائم خبرها، والمصدر المؤول من كل هذه الجملة ما هو؟ قيام زيد. هذا القيام ما هو محله من الإعراب؟ مصدر، ما هو محله من الإعراب؟ إن قلت مبتدأ يحتاج إلى خبر، وأين الخبر؟ لا يوجد خبر. إن قلت خبر تحتاج إلى مبتدأ، لا يوجد مبتدأ. إن قلت فاعل، أين الفاعل؟ إن قلت مفعول، أين الفعل الذي نصبه؟ واضح؟ إن قلت هو في محل جر بالإضافة فأين المضاف؟ أو في محل جر بحرف الجر فأين حرف الجر؟ فلا يوجد عامل. ولذلك قالوا: إن إذا جيء بها في ابتداء الكلام فيجب كسر همزتها؛ لأنك إذا كسرت همزتها لم تكن مصدرية فلا يكون هناك مصدر.

إذا متى تفتح همزة إن؟ إذا وقعت ملحوقة في كلام، يعني بتقدر تجيب كلام كما تقول: علمت أن زيدا... ماذا علمت؟ أن زيدا قائم، إذا علمت قيام زيد، فالمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـعلمت، ولا تقول علمت إن زيدا قائم؛ لأنك إذا قلت علمت إن زيدا قائم، علمت تحتاج إلى مفعول به وما يمكن أن يكون مفعولا به هو المصدر، ولكن إن إذا كسرت همزتها لا تكون مصدرية، يعني لا يوجد مصدر. واضح صار المطلب أو لا؟ ولذلك قالوا: كل موضع هو للجملة تكسر فيه همزة إن، وكل موضع هو للمفرد تفتح فيه همزة أن. ما معنى أن يكون الموضع للمفرد؟ مثل علمت أن زيدا قائم، علمت تحتاج إلى مفعول به أو لا؟ والمفعول به حق أن يكون مفردا، إذا فهذا الموضع موضع مفرد، فنفتح همزة أن حتى نؤولها مع اسمها وخبرها بمصدر مفرد هو المفعول. على كل حال، ما يهمنا فيه على مستوى هذا الكتاب أن إن المكسورة تفيد التوكيد والتقوية ولا تسبك مع ما بعدها بمصدر، وأن هي كـإن في أنها تفيد التوكيد والتقوية ولكن تسبك مع ما بعدها بمصدر، وإذا سبكت بمصدر وجب أن يكون هذا المصدر بحيث يكون له محل من الإعراب، وحتى يكون له محل من الإعراب فيحتاج إلى عامل يتقدم عليه، أن هذا المصدر إن كان في محل رفع فلا بد من عامل عمل فيه الرفع أو في محل نصب فلا بد من عامل عمل فيه النصب وهكذا.

تمام، الحرف الثالث: لكن، ويقال لها حرف استدراك. والاستدراك هو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه؛ لأن الكلام الذي يأتي به المتكلم يدل صراحة على شيء ويدل كناية على شيء آخر، فكثيرا ما يأتي المتكلم بكلام يفيد معنيين: أحدهما بالصراحة والآخر بالكناية، ولكن المتكلم لا يريد منه إلا المعنى الصريح، فياتي فيعقب -أي يأتي بكلام بعد هذا الكلام- ليرفع توهما أثبته الكلام السابق. ونعطي أمثلة الآن: عندما تقول محمد شجاع، والشجاعة عادة تستلزم بذل النفس؛ لأن الشجاع هو الذي يقدم على المخاطر من أجل دفعها، وهو يعلم أن من ضريبة رفع المخاطر هو بذل النفس. ونحن نعلم أيضا أن بذل النفس أهون من بذل المال؛ لأن من يبذل نفسه فقد بذل كل شيء؛ إذ لا معنى لوجود المال إذا لم يكن هناك نفس تتنعم بهذا المال. فبذل النفس أهون من بذل المال، قد يجود الإنسان بماله ولكن لا يجود بنفسه. نعم، من يبذل نفسه فهو أقدر على بذل ماله، لا معنى للمال مع انعدام النفس. فعندما تنعت محمدا بالشجاعة، فصراحة أنت قد حكمت عليه بالشجاعة، وكناية أنت قد حكمت عليه بالكرم؛ لأن بذل النفس المستفاد من الشجاعة لما كان أهون من بذل المال فمن يبذل نفسه يبذل ماله. فعندما تنعت محمدا بالشجاعة يشعر ذلك ويوهم بأن محمدا كريم، وأنت لا تريد هذا المعنى، فتعقب كلامك بذكر كلام جديد يرفع هذا الوهم الذي أفاده الكلام الأول، ويقال لهذا المعنى استدراك. فلما نعت محمدا بالشجاعة أوهم ذلك اتصافه بالكرم، فتقول: محمد شجاع ولكنه بخيل أو لكنه [غير مفهوم]. فهذه لكن إذا هي لرفع وهم أفاده الكلام الأول. ولا تقول مثلا محمد قائم لكنه عجول، هذا غلط من الناحية اللغة العربية؛ لأنك لا توجد إرادة ارتباط بين القيام وبين العجلة مثلا. محمد نائم لكنه ناجح، لا يوجد ارتباط بين ما قبل لكن وما بعدها؛ لأن لكن إنما يؤتى بها للاستدراك، أي لرفع توهم أفاده الكلام السابق أو نفاه، لرفع كلام يتوهم ثبوته أو نفيه في الكلام السابق.

أو كما إذا قلت مثلاً: ليس محمد شجاعا -شوف نفيت الشجاعة عنه صراحة، ومن لا يبذل ماله فمن باب أولى أن لا يبذل نفسه- فيوهم ذلك نفي الشجاعة عنه، نفي الكرم -عفوا يوهم نفي الكرم، نفي الشجاعة- ليس محمد كريما يعني لا يبذل ماله، ومن لا يبذل ماله فأولى به أن لا يبذل نفسه، فنفي الكرم عنه أوهم انتفاء الشجاعة، فتقول: ما محمد شجاعا لكنه... ما محمد كريما [كذا]. إذا دائما المهم فيما بعد لكنه أنه إنما يؤتى به لرفع ما توهم ثبوته أو لرفع ما توهم نفيه. في المثال الأول توهمنا ثبوت الكرم له فنفيناه، في المثال الثاني توهمنا نفي الشجاعة عنه فأثبتناه. وهذا لا يكون إلا مع وجود ارتباط، وإلا لكانت لكن ليس لنفي شيء بل لنفي شيء توهم بسبب الكلام السابق. أو كما إذا قلت: محمد مؤمن، فإن هذا يدل صراحة على الإيمان منه ويدل كناية على أن رفاقه مؤمنون؛ لأن المؤمن ليس من شأنه وليس من عادته أن يصاحب إخوان السلطان وإخوان المكاشرة. فعندما قلت محمد مؤمن أوهم ذلك أن يكون رفيقه مؤمنا، فتقول: محمد مؤمن لكن رفيقه فاسق. واضح؟ فلا بد أن تفترض أن الكلام السابق قد أوهم شيئا فأريد نفيه بما بعد لكن، وهذا هو معنى الاستدراك: تعقيب الكلام.

واضح شو يعني تعقيب؟ أنت بتقول هلا مثلا تعقيب بتسبيحة السيدة الزهراء (عليها السلام)، مش هيك؟ هذا التعقيب شو يعني؟ يعني هو الفعل الذي يؤتى به عقب الصلاة مباشرة من دون فاصل. هذا هو التعقيب، عقب الشيء، تمام؟ يعني وراءه من دون فاصل، بعده بدون فاصل. تعقيب الكلام، يعني أن يؤتى بعد الكلام الأول بكلام ثان مباشرة من دون فاصل لرفع توهم حصل من الكلام السابق، واضح شو يعني؟ طيب. أو كما تقول مثلا: محمد شجاع يوهم ذلك أنه يصاحب الشجعان أيضا، تقول: ولكن رفيقه جبان إلى آخره.

طيب، الحرف الرابع: كأن، وكأن تستعمل في أحد وجهين: إما أنها تستعمل بمعنى التشبيه، كما تقول: كأن زيداً أسد، أو أنها تستعمل بمعنى الظن، كأن زيداً قائم يعني أظنه قائماً. وأحد هذين الاستعمالين يرجع إلى الآخر؛ لأنك عندما تشبه أحدا شيئا بشيء فقد تبالغ في هذا التشبيه حتى كأنك صار يغلب على الظن أن أحدهما هو الآخر، فصار التشبيه بمعنى أظن أو صار التشبيه موجبا للظن. وإلا فقولك: كأن زيداً قائم أنت لا تريد أن تشبه زيداً بالقيام ولا تريد أن تشبه زيداً بالقائم، وإنما هو بمعنى الظن، تريد أنه أظن زيداً قائماً. وعندما تقول: كأن زيداً أسد أنت تريد التشبيه ولكن كأنك أردت أن تشبه زيداً بالأسد تشبيها مبالغا به حتى صار يغلب على الظن أن أحدهما هو الآخر، فكأنك سلطت تقول: أظن زيداً أسداً. وهذا الظن إنما نشأ من قوة المشابهة بينهما.

بعد شو عندنا؟ ليت ولعل، ليت للتمني ولعل للترجي، ويشتركان في أنهما يفيدان طلب وقوع الشيء، ولكن التمني هو طلب محبوب الحصول مع استبعاد حصوله، فهو طلب المحال أو ما يقرب منه، كما في قول الشاعر:

يا ليت الشباب يعود يوماً

لن يعود الشباب. وأما لعل فهي طلب محبوب الحصول المطموع في وقوعه، يعني المضمون وقوعه، ولذلك تقول: أدرس لعلك تنجح؛ لأنه بعد الدراسة النجاح مضمون الوقوع. على كل حال، سؤالنا: صعب الحصول، كيف؟ هلا قبل شوي قلنا إنه صعب الحصول، تمني أو الترجي؟ تمني. جيد.

إعراب الأمثلة ونماذج من الأخبار

هذا تمام الكلام، خلاصة ما نريده: كيف نعرب الآن؟ لعل زيداً قائم، لعل حرف مشبه بالفعل مبني على الفتح، يدخل على المبتدأ والخبر، ينصب الأول اسما له ويرفع الثاني خبرا له. زيداً اسم لعل منصوب وعلامة نصبه الفتح الظاهر على آخره والثاني للتنوين. قائم خبر لعل مرفوع وعلامة رفعه الضم الظاهر على آخره والثاني للتنوين. انتهى.

شوف، كما كنا نقول إن خبر المبتدأ قد يكون مفردا وقد يكون جملة وقد يكون شبه جملة، خبر إن وخبر كان يكونان مفردين وجملة وشبه جملة. فتقول مثلا: إن زيداً في الدار، كما تقول زيد في الدار. وإذا كنا نعرب زيد في الدار؛ زيد مبتدأ، في حرف جر، الدار اسم مجرور، والجار والمجرور متعلق بخبر محذوف تقديره مستقر، مستقر يعني زيد مستقر في الدار. ألم تقل إن زيداً في الدار؟ إن حرف شبيه بالفعل تنصب الأول وترفع الثاني، زيداً اسم إن، في الدار جار ومجرور والجار والمجرور متعلقان بخبر إن تقديره مستقر، إن زيداً مستقر في الدار، لا فرق.

وكما أن خبر المبتدأ يكون جملة إسمية وجملة فعلية، يكون خبر إن وخبر كان جملة إسمية وجملة فعلية. تقول: زيد أبوه قائم؛ زيد مبتدأ، أبوه مبتدأ ثان، قائم خبر للمبتدأ الثاني، والجملة الاسمية خبر للمبتدأ الأول، تمام. تقول: إن زيداً أبوه قائم؛ زيداً اسم إن، أبوه قائم مبتدأ وخبر والجملة الاسمية خبر لـإن، هذا هو ذاك لا فرق، واضح صح؟ وتقول: كان زيد أبوه قائم [كذا]، واضح؛ لأنه الخبر هو الذي يكون منصوبا في كان، والخبر ليس هنا جملة اسمية وليس مفردا.

نقرأ هذا المقدار، قال: (وأما إن وأخواتها فإنها تنصب الاسم وترفع الخبر وهي: إن وأن ولكن وكأن وليت ولعل، وتقول: إن زيدا قائم، وليت عمرا شاخص وما أشبه ذلك، ومعنى إن وأن التوكيد، ولكن للاستدراك، وكأن للتشبيه، وليت للتمني، ولعل للترجي والتوقع). الترجي هو طلب ما يتوقع وقوعه، ولذلك قالوا: التوقع.

وأقول: القسم الثاني من نواسخ المبتدأ والخبر إن وأخواتها. عندما نقول نواسخ المبتدأ والخبر يعني مش أنها تنسخ المبتدأ وتنسخ الخبر، تنسخ الجملة الاسمية، وحكم الجملة الاسمية رفع جزأيها فهي تنسخ الجملة، يعني تزيل رفع الجزئين. هلا كيف تزيل؟ قد تزيله بنصب الجزئين، وقد تزيل برفع أحدهما ونصب الآخر، وهكذا.

قال: (أي نظائرها في العمل)، شو يعني أخوات إن؟ يعني نظائرها في العمل، يعني تشاركها في الخصوصية في أنها تعمل عملا وهي تدخل على المبتدأ والخبر. شو يعني تدخل؟ تدخل دخولا مختصا وما يختص بشيء يعمل فيه، فتنصب المبتدأ ويسمى اسمها وترفع الخبر -شوف قال بمعنى أنها تجدد له رفعا غير الذي كان له قبل دخولها- ويسمى خبرا. ليش يقول هذا؟ لأنه يريد أن يدفع الإشكال من الجهة التي لا يمكن دفعها فيه، كأنه يريد أن يقول إن كأنه طرح إشكالا حاصلا، إن الناسخ هو الذي يزيل الحكم، وإن إن إذا كانت تزيل حكم المبتدأ وحكم الخبر فيجب أن تزيل الرفع عن المبتدأ وأن تزيل الرفع عن الخبر، وهي وإن أزالت الرفع عن المبتدأ ولكنها لم تزل الرفع عن الخبر، فلا تسمى ناسخا! كيف أجاب؟ قال: هي أحدثت له رفعا غير ذلك الرفع. من أين نعرف أن هذا الرفع غير ذلك الرفع؟ الجواب الدقيق أن نقول: إن وأخواتها تدخل على الجمل، فحقها أن تزيل حكم الجمل، وحكم الجمل لا حكم المفردات، وحكم الجمل هو رفع الجزئين، وهي قد أزالت رفع الجزئين حقيقة وإن بقي أحدهما مرفوعا، ولكن لا يصدق أن الجزئين مرفوعان، فقد أزالت الرفع. وأما ما أجاب به فليس في محله.

قال: (وهذه الأدوات كلها حروف وهي ستة: الأول إن بكسر الهمزة، والثاني أن بفتح الهمزة، وهما يدلان على التوكيد ومعناه تقوية نسبة الخبر للمبتدأ؛ لأنه عندما تقوى النسبة الاحتمالية يحصل التأكد فيزال الشك ويزال التردد. نحو: إن أباك حاضر، ونحو -شوف علمت عندما جاء بـأن وجب أن يوجدها في درج الكلام في وسط الكلام- قال: علمت أن أباك مسافر). ولذلك كلما وجدت أن المفتوحة فاعلم أنه لابد من وجود مصدر مؤول يجب أن يكون له محل من الإعراب.

قال: (والثالث لكن ومعناه الاستدراك، وهو تعقيب الكلام بنفي ما يتوهم ثبوته أو إثبات ما يتوهم نفيه)، حسب، إذا كان الكلام منفيا فما بعد لكن يأتي موجبا؛ إذا قلت: ليس محمد كريما فتنفي، فما بعد لكن يجب أن يكون موجبا مثبتا لكنه شجاع. إذا قلت: محمد شجاع -لا تقل محمد شجاع لكنه كريم- لكنه ليس كريما، أو تقول: لكنه بخيل يصح؛ لأن البخل هو عدم الكرم، بهذا المعنى يصدق النفي.

(والرابع كأن وهو يدل على تشبيه المبتدأ بالخبر، نحو: كأن الجارية بدر) -إذا الجارية عنده بدر، شو خلى لغير الجارية!-.

(والخامس ليت ومعناه التمني -اللهم أدنى نفسه [كذا]- ومعناه التمني وهو طلب قل مستحيل أو ما فيه عسر، نحو: ليت الشباب عائد، ونحو: ليت البليد ينجح).

(والسادس لعل وهو يدل على الترجي أو التوقع. ومعنى الترجي طلب الأمر المحبوب المتوقع الحصول ولا يكون إلا في الممكن، نحو: لعل الله يرحمني. ومعنى التوقع انتظار الأمر المكروه في ذاته نحو: لعل العدو قريب منا) يدل على قرب وقوع ذلك لا على أنه محبوب. يعني جعل فارقا بين الترجي وبين التوقع، التوقع كأن الشيء صار واقعا تمام، والترجي هو طلب شيء محبوب ممكن الحصول.

جيد، قال: (ظن وأخواتها) أوف! جيد، ظن وأخواتها وهي آخر ما ذكره ها هنا من النواسخ يأتي بيانها إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.