الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 43

تحميل Word

043

من النواسخ ظن وأخواتها؛ فهي أفعال تدخل على جملة اسمية، أي إنها تدخل على المبتدأ والخبر، فتحدث فيهما نصباً لكل واحد من الجزأين. والسبب في ذلك أنها تقتضيهما على جهة المفعولية، فيصير المبتدأ مفعولاً أول، ويصير الخبر مفعولاً ثانياً.

وسوف نعرف أن كل هذه الأفعال التي لها هذا الحكم هي كـ (ظننت) في أنها تفيد معنى الظن والحسبان. فإن كان هذا الفعل -وهو ظن أو واحد من أخواته- إذا كان هذا الفعل لم يأخذ مفعوله، فسوف يكون المبتدأ هو مفعوله الأول، وسوف يصير الخبر هو مفعوله الثاني. وإن كان هذا الفعل قد استوفى مفعوله الأول مثلاً، فدخل بعد ذلك على الجملة الاسمية، فسوف يصير المبتدأ مفعوله الثاني ويصير الخبر مفعوله الثالث.

إذاً، ظن وأخواتها عندما تدخل على الجملة الاسمية فإنها تزيل حكم المبتدأ والخبر وتصير كل واحد من الجزأين مفعولاً لها. فإن كان الفعل قبل دخوله على الجملة الاسمية خالياً عن المفعول، فسوف يصير المبتدأ هو مفعوله الأول، والخبر -لوقوعه بعد المبتدأ- سوف يصير مفعوله الثاني. وإن كان هذا الفعل قبل الدخول على الجملة الاسمية قد أخذ مفعولاً، فهذا يعني أن مفعوله الأول حاضر من دون الجملة الاسمية، فعندما يدخل على الجملة الاسمية فإن الفعل سوف يقتضي المبتدأ على المفعولية فيكون مفعولاً ثانياً بعد الأول، وسوف يقتضي الخبر على المفعولية أيضاً فيكون مفعولاً ثالثاً بعد الثاني والأول.

مثال ذلك تقول: (ظننت زيداً عالماً). أصل الجملة قبل دخول ظن: (زيد عالم). فدخلت ظن. وعندما تدخل ظن على المبتدأ والخبر وتقتضيهما على المفعولية، فهذا يعني أن الفعل يحتاج إلى فاعل قبل الدخول على الجملة الاسمية، ولذلك تقول: ظننت؛ فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. الآن هذه الجملة التي دخلت عليها (ظننت) كانت مبتدأ وخبراً، فماذا ظننت؟ ظننت زيداً. ماذا؟ قائماً. فما كان مبتدأ ينقلب مفعولاً أول، وما كان خبراً ينقلب مفعولاً ثانياً.

هذا مثال لظن إذا لم يكن لها مفعول قبل دخولها على الجملة الاسمية. وعندنا مثال آخر تكون الظن مستوفية لمفعول به قبل دخولها على الجملة الاسمية، ثم تدخل على الجملة الاسمية فينقلب المبتدأ مفعولاً ثانياً والخبر مفعولاً ثالثاً، كما تقول: (أخبرت زيداً عمراً قائماً). أصل الجملة: عمر قائم، مبتدأ وخبر. وأنت تريد أن تخبر زيداً أن عمراًَ قائم، فتقول: (أخبرت زيداً)، وهذه جملة فعلية مركبة من فعل وفاعل ومفعول قبل دخولها على الجملة الاسمية، ثم تقول: أخبرت زيداً ماذا؟ أخبرته أن عمراً قائماً، يعني أخبرت زيداً عمراً قائماً؛ مفعول به ثانٍ ومفعول به ثالث.

جيد، هذا تقريباً هو كل البحث في ظن وأخواتها. طبعاًَ من أحكام ظن وأخواتها الخاصة بها ما يسمى بالتعليق وما يسمى بالإلغاء، ولكن هذا الكتاب لم يتحدث عن هذين الحكمين بشيء، ظن وأخواتها تختص بالتعليق والإلغاء على طول، وتفصيل يأتي في غير هذا الكتاب. وأما أخوات ظن فسوف نقراها تباعاً ونبين معناها.

قال: (وظننت وأخواتها تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، وهي: ظننت...). ولم يقل ظن؛ ليش؟ صار واضحاً؛ لأن ظن عندما تدخل على الجملة الاسمية فإنها تصير الجزأين مفعولين به، والفعل لا يستوفي مفعوله إلا بعد أن يستوفي فاعله في رتبة سابقة، فما يدخل على الجملة الاسمية هي ظن المستوفية لفاعلها، ولذلك قال: ظننت.

وأما (ظننت) واضح الظن، ما هو المراد من الظن؟ الظن هو النسبة الراجحة التي لا تصل إلى حد اليقين، فهي نسبة راجحة لأحد الاحتمالين، ولكن مع احتمال الطرف الآخر ولو بنسبة قليلة. هذا هو الفرق بين الظن واليقين وبين الظن والشك؛ في الشك يتساوى الاحتمالان؛ احتمال الوجود واحتمال العدم، وفي اليقين يترجح أن يغلب أحد الطرفين أحد الاحتمالين الآخر، ولكن غلبة قاهرة بحيث لا يبقى هناك نسبة احتمالية للطرف الآخر أبداً. وأما في الظن فأحد الاحتمالين وإن كان يغلب الآخر، ولكن يبقى للآخر نسبة احتمالية ولو ضئيلة. ولذلك الشك نسبته هي 50% إلى 50%. 51% ليس شكاً؛ إذ إنه قد غلب؛ لأنه إذا كان عندي في أحد الكفتين 51% ففي الأخرى 49، فقد غلبت إحدى الكفتين على الأخرى. وفي اليقين لا يكون اليقين إلا بنسبة 100%. بين 50% و100% كله يسمى ظناً. فالظان هو أن ترجح إحدى الكفتين الأخرى، أو أن يغلب أحد الاحتمالين الآخر غلبة لا تصل إلى حد اليقين، يعني غلبة يحتمل معها الطرف الآخر.

قال: وهي ظننت. تمام. طيب، (وحسبت)، شو الفرق بين حسب بمعنى ظن؟ مش حسبت، حسبت. ومثل (خلت)، أيضاً هو بمعنى، كل هذه الأفعال إلى الآن هي بمعنى الظن. و(زعمْت)، كأن عندما يقال مثلاً هذا زعم، زعم يعني كأنه دعوة بدون دليل، تمام؟ إذاً فكأنه مجرد ظن لا دليل عليه، لأنه لو كان عليه دليل لصار يقيناً.

و(رأيت)، ولكن لا بمعنى الرؤية الحسية، بل بمعنى الاعتقاد. تقول: أنا أرى أن نذهب إلى فلان. أرى يعني أعتقد تماماً أن من الواجب أن نذهب إلى فلان. فالرؤية وإن كانت تطلق على البصر، ولكن قد يطلق على الاعتقاد أنه رؤيا؛ لأن الاعتقاد يفيد العلم، كما أن إعمال النظر وإعمال البصر يفيد العلم بوجود المحسوس، فالمراد من (رأيت): رأيت بمعنى علمت أو اعتقدت. أما الرؤية البصرية فلا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، فلا تدخل على الجملة الاسمية.

قال: و(علمت)، و(وجدت)، والمراد من (وجدت) هنا: وجدت بمعنى حصلت على هذا المعلوم. كلها أفعال النظر فيها إلى العلم والظن والرجحان. تقول مثلاً: وجدت زيداً بخيلاً. لا بمعنى أنك كنت تبحث عن البخل فوجدته، أو كنت تبحث عن زيد فاكتشفت أنه بخيل. المراد من (وجدتُه) يعني عرفته بخيلاً، تمام. واتخذتُ، وجعلتُ، وسمعتُ، كلها إذا كانت بمعنى علمت واعتقدت وظننت. تقول: ظننت زيداً قائماً، ورأيت عمراً شاخصاً، وما أشبه ذلك.

وأقول: القسم الثالث من نواسخ المبتدأ والخبر (ظننت وأخواتها) أي نظائرها في العمل، وهي تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما جميعاً، يعني تنصب الطرفين، ويقال للمبتدأ مفعول أول وللخبر مفعول ثانٍ. متى يقال ذلك؟ إذا كان الفعل لم يأخذ مفعوله. أما إذا كان قد أخذ مفعولاً ولو قبل الجملة الاسمية فيقال للمبتدأ مفعول ثانٍ وللخبر مفعول ثالث. وهذا القسم عشرة أفعال:

الأول: ظننت؛ نحو: (ظننت محمدًا صديقًا)، أصله: محمد صديق.

والثاني: حسبت؛ نحو: (حسبت المال نافعًا)، يعني ظننت المال نافعًا.

والثالث: خلت؛ نحو: (خلت الحديقة مثمرة).

والرابع: زعمت؛ نحو: (زعمت بكرًا جريئا).

والخامس: رايت؛ نحو: (رايت ابراهيم مفلحا).

واضح، كلها أصلها مبتدأ وخبر: الحديقة مثمرة، بكر جريء، إراهيم مفلح، وهكذا.

والسادس: علمت؛ نحو: (علمت الصدق منجيا). أصله: الصدق منجي، منجن ولا منجي؟ منجن تمام، لأنه الاسم المنقوص في حالة الرفع تحذف ياءه. تقول: هذا قاضٍ، وتقول: مررت بقاضٍ. وفي قوله تعالى: ﴿اقض ما أنت قاض﴾، تمام، إلا في حالة النصب فتقول: رأيت قاضيًا. الاسم المنقوص والذي آخره ياء لازمة تمام مكسور ما قبلها، ولذلك هنا في حالة النصب قال: (منجيًا). وفي حالة الرفع كان أصله: الصدق منجي، لا تقل منجي.

والسابع: وجدت؛ نحو: (وجدت الصلاح باب الخير)، أصله: الصلاح باب الخير.

والثامن: اتخذت؛ نحو: (اتخذت محمدا صديقا).

والتاسع: جعلت؛ نحو: (جعلت الذهب خاتما).

والعاشر: سمعت؛ نحو: (سمعت خليلا يقرا).

أرجع إلى هذا المثال التاسع: (جعلت)، نحو: (جعلت الذهب خاتما). شو أصل الجملة؟ شو كان لازم يكون أصل الجمله؟ الذهب خاتم. الذهب خاتم، هل تصح هذه الجملة؟ هل تصح؟ لا، تمام. لذلك هذا الفعل هنا لم يدخل على مبتدأ وخبر في الأصل، دخل على مفعول أول ثم دخل على مفعول [غير مفهوم] كما تقول مثلاً: (علم زيد أخاه الرياضيات). شو المفعول الأول هنا؟ أخاه. علم زيد ماذا؟ علم أخاه، ماذا علمه؟ الرياضيات. علم زيد أخاه النحو. فعندي مفعول أول ومفعول ثاني. ليس كلما وجد عندي مفعول أول ومفعول ثان فهما مبتدأ وخبر في الأصل؛ لأنه في هذه الجملة لو كان المفعول الأول والثاني خبر مبتدأ وخبراً في الأصل، شو كانت تكون الجملة؟ أخوه الرياضيات أو أخوه النحو! وهذا ليس كلاماً تاماً يصح السكوت عليه، أصلاً ليس كلاماً مفيداًَ.

وهنا هكذا عندما تقول: (الذهب خاتم)، ولا تخبر عن الذهب بأنه خاتم، قد تخبر عن الخاتم بأنه ذهب. هذا في المنطق يقال له حمل طبعي، تمام؟ يقال: الإنسان حيوان، ولا يقال: الحيوان إنسان. نعم، يقال: هذا الحيوان إنسان، هذا شيء آخر، ولكن لا تخبر عن الحيوان بأنه إنسان؛ لأن الحيوان قد لا يكون إنساناً، ولا تخبر عن الذهب بأنه خاتم؛ قد يكون الذهب غير خاتم. نعم تخبر عن الخاتم بأنه ذهب. يعني مثلاً لا تقول مثلاً: الإنسان رجل. الإنسان قد لا يكون رجلاً. نعم تخبر عن الرجل بأنه إنسان. والقاعدة في ذلك أنه يصح أن تحمل الأعم على الأخص، وأن تحمل المساوى على المساوى، لكن لا يصح أن تحمل الأخص على الأعم، لا تخبر عن العام بالخاص. تقول: الله إله، ولا تقول: إله الله. واضح المطلب هؤلاء؟

طيب، هنا ماذا قال؟ الذهب خاتم، إذاً هذا وإن أخذ مفعولاً أول وثانياً، ولكنهما ليسا مبتدأ وخبراًَ في الأصل. حتى نجعلهما مبتدأ وخبراً في الأصل ماذا تقول؟ الخاتم... جعلت زيداً مريضاً، شو أصله؟ زيد مولد... على كل حال، المهم الفائدة أنه ليس كلما وجد مفعول أول وثانٍ فهما مبتدأ وخبر في الأصل. نعم، كلما داخلت هذه الأفعال على مبتدأ وخبر في الأصل فإنها تصيرهما مفعولاً أول وثانياً، أو ثانياً وثالثاً.

قال: وهذه الأفعال العشرة تنقسم إلى أربعة أقسام. هذه الأقسام باعتبار المعنى:

القسم الأول: يفيد ترجيح وقوع الخبر، يعني الظن، قال: وهي أربعة أفعال، وهي: ظننت، وحسبت، وخلت، وزعمت.

والقسم الثاني: يفيد اليقين وتحقيق وقوع الخبر، وهو ثلاثة أفعال وهي: رأيت -ولذلك قلنا: رأيت لا بمعنى أبصرت، رأيت بمعنى تيقنت وعلمت، شوف- ووجدت -لا بمعنى بحثت، وجدت بل بمعنى علمت-.

والقسم الثالث: يفيد التسيير والانتقال، أي تحويل صاحبه إليه، قال: وهو فعلان، وهما: اتخذت، وجعلت.

والقسم الرابع: يفيد النسبة في السمع، وهو فعل واحد، وهو: سمعت.

على كل حال هذا تمام الكلام في ظن وأخواتها. التمرينات تحل كلها إلى يوم الاثنين إن شاء الله.

النعت

وصلنا الآن بعد أن تم الكلام في النواسخ، يقع الكلام في مطلب جديد وهو النعت، ولكن ماتن ها هنا كأنه تعرض إلى النعت فقط في حالة الرفع؛ لأن حديثه كان عن المرفوعات، صحيح؟ تمام.

على كل حال، النعت له معنيان أيضاً؛ معنى في اللغة وآخر في الاصطلاح. أما في اللغة فالمراد من النعت هو الوصف، أن تصف الذات بشيء من أوصافها، هذا هو المراد من النعت معناه اللغوي في الحقيقة هو معناه الاصطلاحي. لا يراد من النعت إلا الصفة، ولكن في النحو يشترط في هذه الصفة من الناحية اللفظية جملة صفات من دونها لا تسمى النعت نعتاً.

فلو أنك قلت: (جاء رجل طويل)، فما هو مقصود المتكلم؟ هو أن يخبر بمجيء من؟ بمجيء رجل. جاء رجل طويل؛ لأن الفاعل هاهنا ما هو؟ هو رجل. فما يقصد المتكلم أن يخبر به هو الإخبار عن مجيء رجل، لا الإخبار عن مجيء طويل، غاية ما في الأمر أنه استعان على توضيح ذلك الجاء بذكر وصف من أوصافه، ومن أوصافه أنه طويل، فيقول لك: جاء رجل طويل. فما يكون مقصوداً بالحكم هو الفاعل في الجملة الفعلية، وهو الخبر في الجملة الاسمية. ولكن قد يستعين المتكلم على توضيح مقصوده بذكر شيء من أوصافه، فيقال للصفة أنها نعت، وللموصوف أنه منعوت، والمنعوت هو المقصود الأساسي بالحكم، وأما النعت فإنما جيء بها لمجرد التوضيح وإزالة الإبهام.

فلو قيل: (جاء زيد)، لكان هذا الكلام تاماً يحصل السكوت عليه، ولا حكم بأن المقصود الأساسي للمتكلم هو أن يخبر بمجيء زيد. غاية ما في الأمر أن المتكلم قد يستعين على توضيح كلامه ورفع الإبهام عنه بذكر شيء من أوصاف ما هو مقصود بالحكم، فذكر من أوصاف زيد وصفاً وهو أنه طويل، فتقول: جاء زيد الطويل. وكأنما التفت... وكأن المتكلم لاحظ أن هناك شخصين كل واحد منهما اسمه زيد، فخاف وخشي أن يقع المخاطب في الاشتباه، فلا يعرف أن زيداً الجائي هل هو الأول أو الثاني؟ فجاء بذكر وصف من أوصاف زيد ليعلم أن الجائي كان زيداً الطويل لا القصير. ولذلك يمكننا أن نعرف النعت بأنه تابع. شو يعني تابع؟ أي إنه إنما يؤتى به تابعاً لشيء آخر. هذا التابع مقصود بالحكم أو غير مقصود بالحكم؟ غير مقصود بالحكم؛ لأن المقصود بالحكم دائماً هو المتبوع لا التابع. تابع غير مقصود بالحكم يؤتى به لأجل التوضيح ورفع الإبهام.

إذا اتضح ذلك فهناك جملة أحكام للنعت:

الحكم الأول: أن النعت يتم... وذلك لأن النعت إنما يؤتى به لأجل أي شيء؟ لأجل أن يوضح متبوعه ومنعوته، فهو إنما جيء به في الكلام لأجل رفع إبهام أو إحداث توضيح فيما قبله، فهو تابع له في المعنى. وإذا كان تابعاً له في المعنى، ناسب ذلك أن يكون تابعاً له في اللفظ وفي الحركة الإعرابية، لتنبئ هذه التبعية في الإعراب عن التبعية في المعنى، والإعراب إنما جيء به ليحكي عن المعاني. فهذه التبعية بين النعت والمنعوت في الحركة الإعرابية هي التي تشعر وتنبئ وتحكي عن وجود التبعية بينهما في المعنى. ولذلك صار النعت من أقسام المرفوعات؛ لأن المنعوت إذا كان مرفوعاً فسوف يكون النعت مرفوعاً، وإذا كان المنعوت منصوباً فالنعت منصوباً. تقول: جاء رجل طويل، ورأيت رجلاً طويلاً، ومررت برجل طويل. وتقول: جاء زيد الطويل، ورأيت زيداً الطويل، ومررت بزيد الطويل. هذا هو الحكم الأول.

الحكم الثاني: أن النعت -طبعا عندما نقول... فإذا ورس شو صار المراد من التابع؟ التابع هو ما يتبع ما قبله في حركته الإعرابية. في النعت لماذا يتبعه في الحركة الإعرابية؟ قالوا: لأنه يتبعه في المعنى، فناسب أن تكون هناك تبعية بينهما في اللفظ لتنبئ عن التبعية في المعنى.

الحكم الثالث: أن النعت تابع، ولكنه ليس هو المقصود بالحكم. شو يعني ليس هو المقصود بالحكم؟ يعني ليس هو الغرض الأساسي الذي لأجله يأتي المتكلم بالكلام. المتكلم إنما جاء بالكلام ليدلني على مجيء زيد أو على مجيء رجل، لا ليدلني على مجيء طويل. الغرض الذي لأجله ساق المتكلم كلامه هو أن يخبر عن المنعوت لا عن النعت. ولكن قد يبدو للمتكلم أن هذا المنعوت لم يتوجه إليه المخاطب بالنحو الأتم، فيأتي على ذكر وصف من أوصافه ليحدث توضيحاً وليزيل إبهاماً عن ذلك المنعوت. فما هو مقصود في الحكم في باب النعت ما هو؟ هو المنعوت لا النعت، والنعت إنما يؤتى به لإزالة إبهام أو إحداث توضيح في المنعوت. فالنعت ليس مقصوداً أساسياً بالحكم، أي إنه ليس الغرض الذي لأجله ساق المتكلم كلامه. هذا هو الحكم الثاني [كذا].

الحكم الرابع: أن النعت كما يتبع منعوته في الحركة الإعرابية، كذلك يتبعه في التعريف والتنكير. فإذا كان المنعوت نكرة -يعني غير مقترن بالألف واللام- فالنعت يكون كذلك، أي يكون مجرداً عن الألف واللام، ولذلك تقول: جاء رجل طويل، ولا تقول: جاء رجل الطويل. وعندما يكون المنعوت معرفاً بالألف واللام تقول: جاء الرجل الطويل، ولا تقول: جاء الرجل طويل. والسبب في ذلك أن النعت عين المنعوت في الخارج، لا أنه يوجد شيئان ووجودان في الخارج أحدهما الرجل والآخر الطويل، فأحدهما عين الآخر. عندما تقول: جاء الرجل الطويل، هذا الرجل هو هذا الطويل، وهذا الطويل هو هذا الرجل، لا أنه في الخارج يوجد رجل ويوجد طويل، في الخارج لا وجود إلا لشيء واحد، هي الذات المتصفة بالصفة. غاية ما في الأمر أن الذهن قد ينظر إلى هذه الذات فيقرأها من زاوية فينتزع مفهوم رجل، ثم ينظر إلى نفس هذه الذات مرة ثانية ويقرأها من زاوية ثانية فينتزع عنها مفهوم طويل. فلما كان النعت عين المنعوت في الخارج، ناسب أن يكون لفظ النعت مناسباً وملائماً للفظ المنعوت لتنبئ هذه الملائمة في اللفظ عن الملائمة والانسجام بينهما في المعنى، ولذلك إذا كان المنعوت معرفة -معرفة يعني معرفاً بالألف واللام- فالنعت يجب أن يكون كذلك، أو كان نكرة فالنعت يجب أن يكون كذلك؛ لأنه يقال إن النعت عين المنعوت مصداقاً في عالم التحقق، هما شيء واحد، فناسب أن يتحد لفظهما تعريفاًَ وتنكيراً ليحكي هذا الاتحاد في اللفظ عن ذلك الاتحاد في الخارج والمصداق. هذا أي حكم كان؟ الثالث نعم.

الحكم الخامس [كذا]: أن النعت قلنا إنها تتبع المنعوت تعريفاًَ وتنكيراً، وهذا يعني أن النعت تقع نعتاً لمعرفة وتقع نعتاً لنكرة. تقع نعتاً لمعرفة في قولنا: جاء زيد الطويل أو جاء الرجل الطويل. وتقع نعتاً لنكرة كما في قولنا: جاء رجل طويل. وهكذا قد عرفنا أن النعت تقع نعتاً لمعرفة وتقع نعتاً لنكرة. وهي ولكنها عندما تقع نعتاً لمعرفة تفيد شيئاً، وعندما تقع نعتاً لنكرة فإنها تفيد شيئاً آخر. وذلك أن النعت إذا كانت نعتاً لمعرفة فهي لمجرد التوضيح، وإذا كانت لنكرة فهي للتخصيص، ويلزم من التخصيص التوضيح.

بيان ذلك بما سيأتي معنا، أن الفارق بين... هو أن المعرفة تدل على معين، والنكرة تدل على أمر شائع يمكن أن يحمل على أفراد متعددة. ففرق بين قولك زيد وبين قولك إنسان؛ لأن لفظ إنسان يمكن أن يحمل على زيد وعلى عامر وعلى... [غير مفهوم] فهذا لفظ شائع في أفراده. فعندما تقول: جاء إنسان، يحتمل أن يكون الجائي زيداً، ويحتمل أن يكون الجائي عمراً، ويحتمل أن يكون الجائي ثالثاً غير زيد وغير غيره؛ لأن هذا اللفظ شائع في أفراد جنسه، ويكفي لكي يصدق هذا التركيب أن يجيء أحد ما من أفراد الإنسان. وأما لفظ زيد فهو لا يدل إلا على هذا الشخص معيناً.

فالمعرفة لكونها معينة فلا يمكن أن تحدث تضييقاً في دائرتها؛ لأنه هي الدائرة الأضيق. شوف بعد هذا الزين... شوف أنت تأخذ... خذ هكذا إنسان يوجد دائرة أضيق، دعك من الإنسان، جسم يوجد دائرة أضيق من الجسم، ما هي؟ إنسان. دائرة أضيق من الإنسان، رجل؛ لأن الإنسان رجل وامرأة، رجل. عندنا دائرة أضيق من الرجل، زيد؛ لا يوجد دائرة أضيق من زيد. فلأن المعرفة تدل على معين، فهذا يعني -التفت- فهذا يعني أن هذا اللفظ يدل على معنى لا يمكن أن يتضيق هذا المعنى، ولذلك عندما يؤتى بالنعت بعده فلا تكون هذه النعت لأجل التضييق في دائرته، بل لمجرد التوضيح.

وهذا بخلاف ما إذا كان المنعوت نكرة؛ لأنه يكون دالاً على دائرة يمكن إحداث تضييق فيها، فالنعت عندما تدخل على المنعوت تحدث هذا التضييق في الدائرة؛ لأنك عندما تقول: جاء رجل، يحتمل أن يكون الرجل طويلاً وقصيراً، يحتمل أن يكون زيداً وعمراً وبكراً وخالداً إلى آخره. فإذا ما قلت: جاء رجل طويل، فكأنك خصصت دائرة المجيء بخصوص الرجال الطوال، فالرجل القصير خرج عن هذه الدائرة، فالنعت ضيق دائرة المنعوت. عندما تقول: جاء إنسان طويل، كل أفراد الإنسان -مثلي أنا وعلي- يخرجون عن هذه الدائرة، تمام؟ فقد أحدثنا تضييقاً في الدائرة أو لا؟ أحدثنا تضييقاً في الدائرة.

هذا التضييق لا معنى له في المعرفة عندما يكون المنعوت معرفة؛ لأنه معنى أن يكون معرفة أنه يدل على معين، أي يدل على دائرة ضيقة لا دائرة أضيق منها، فكيف نقول إن النعت أوجد تضييقاً؟ تضييق الدائرة فرع أن تكون الدائرة واسعة، والمعرفة تدل على معين، والمعين... هو الدائرة الأضيق التي لا يمكن أن نضيقها أكثر. ولذلك قالوا: إذا كان النعت لنكرة فإنه يحدث فيها تخصيصاً، يحدث في المنعوت تخصيصاً، طبعاً وهذا التخصيص يكسبنا توضيحاً، عرفنا أن الجاء طويل، فهي تفيد التخصيص، وينشأ عن التخصيص وضوح.

ولكن إذا كانت النعت -عفواً- إذا كانت النعت نعتاً لمعرفة، فالمعرفة تدل على معين، والمعين بنفسه دائرة ضيقة لا يمكن تضييقها، فهذا يعني أن النعت لا يمكن أن تفيد التخصيص، إذاً فماذا تفيد؟ قال: مجرد التوضيح. فكل نعت هو موضح، ولكن قد يكون موضحاً ومخصصاً، وقد يكون موضحاً غير مخصص. (جاء رجل مسرع)، فهذا مباشرة تعرف أن الجائي لم يكن بطيئاً، كان مسرعاً، فقد خصصت الدائرة، دائرة الجائي. عندما قلت: جاء رجل، احتمل السامع كل أفراد الرجال، فعندما قلت: مسرع أو طويل، فقد خرج عن هذه الدائرة جملة أفراد، فتضيقت دائرة الجاء في نظره.

لكن عندما تقول: جاء الرجل، هذه الألف واللام -كما سوف يأتي معنا- تدل على معين، لا معنى بعد ذلك لأن تخصص دائرته. إذاً فما هو المراد من النعت؟ قالوا: النعت لمجرد التوضيح حينئذ. طبعاًَ إلا أن نفترض ولو مجازاً بأن الرجل هاهنا أو عندما تقول: (جاء زيد) ووجد زيدان في الخارج، أحدهما طويل والآخر غير طويل، تمام؟ فقد نزلت هذا اللفظ منزلة نكرة، لم يعد معرفة؛ لأنه صار شائعاً ومنطبقاً على أفراد متعددة، فتقول حينئذ: الطويل، لإخراج زيد القصير، فهذا تضييق في الدائرة حينئذ، ولكن هذا يستلزم أن لا تكون المعرفة معرفة وأن لا تكون معينة، فكأنك نزلت المعرفة منزلة النكرة. كل هذا إن شاء الله سوف يأتي بيانه مفصلاً.

طيب، هذا هو الحكم -أي حكم؟- الحكم الخامس [كذا] من أحكام النعت:

أن النعت يجب أن تكون مشتقة، والمراد من المشتق الاسم الذي يدل على الذات وعلى الحدث معاً. قدمنا سابقاً هذا التقسيم، وقلنا: الاسم إما أن يدل على الذات وحدها فلا دلالة له على الحدث، على المعنى فقط يدل على الذات، فهذا هو الجامد. وإما أن يدل على الحدث وحده فلا دلالة له على الذات، وهذا هو المصدر. وإما أن يدل على الحدث وعلى الذات، فهذا هو الاسم المشتق. مثال الجامد: زيد، يدل على هذه الذات، وندم، لا دلالة فيه على صفة. أسد، رجل، حائط، باب، كل هذه الأسماء هي جوامد. أخ، أب، أم، كل هذه جوامد تدل على الذات. مثال ما يدل على الحدث وحده: الضرب، القتل، الدرس، إلى آخره. مثال ما يدل على الحدث والذات أن تقول: دارس، قاتل، ضارب، جاء الضارب، يعني جاءت الذات التي صدر عنها حدث الضرب، فدلالته على الذات من حيث إنها تلبست بهذا الوصف.

النعت واضح -التفت- واضح أنها لا تكون نعتاً، النعت واضح أنها لا تكون مصدراً حدثاً. النعت تكون مشتقة ولا تكون جامدة. فإذا قلت مثلاً: (جاء زيد أخوك). شوف: جاء فعل ماضي، زيد هو الفاعل، وأنت استعنت على توضيح زيد الجاء بذكر شيء من أوصافه وهو أنه أخوك، إلا أنه مع ذلك لا نعرب أخوك هاهنا... لا نعرب هناك؛ لأن أخوك من المأخوذ من أخ، وأخ ليس مشتقاً فهو جامد. تمام، واضح شو يعني جامد وشو يعني مشتق؟ لا دلالة له على الوصف، يدل على الذات، فأخوك لا نعربها نعتاً، وإنما نعربها عطف بيان، مع أن أخوك في هذا المثال كلمة ليست مقصودة بالحكم، إنما جيء بها لإزالة إبهام أو لإحداث توضيح في الاسم الذي قبله، مثلها مثل النعت تماماً، من غير فرق سوى أنها ليست مشتقة. وهذا بخلاف ما إذا قلت: (جاء زيد الطويل)، يعني ما معنى الطويل؟ الذات التي ثبت لها الطول، إذاً فهي تدل على الذات وتدل على الحدث.

والحاصل -التفت- أن كل كلمة يؤتى بها لتخصيص شيء سابق أو لتوضيحه ورفع الإبهام عنه، فإن كانت هذه الكلمة مشتقة فهي نعت، وإن لم تكن مشتقة بأن كانت جامدة فهي عطف بيان. فعطف البيان مثله مثل النعت، سوى أن النعت يكون مشتقاً وعطف البيان يكون جامداً. تقول: (مررت بزيد أبيك)، أنت وضحت أن... أوضحت لي أن زيداً الذي مررت به كان أبي، ولكن أبوك... أبيك هنا ليست... ليست نعتاً؛ لأنها ليست مشتقة، بل جامدة، فالجامد إذا كان موضحاً أو مخصصاً -واضح كيف نقول موضح أو موضح؟ لأنه قد يكون بعد معرفة، ومخصصاً لأنه قد يكون بعد نكرة- فالجامد إذا كان موضحاً أو مخصصاً فهو عطف بيان، والمشتق إذا كان موضحاً أو مخصصاً فهو نعت.

عند النحاة قالوا: لا فرق بين النعت وعطف البيان إلا من هذه الخصوصية فقط، إلا لماذا النعت يجب أن يكون مشتقاً وعطف البيان يجب أن يكون جامداً، ولماذا لم يجعلاباباً واحداً؟ كل هذا إن شاء الله في كتاب آخر في مستوى هذا الكتاب، يكفي هذا المقدار نقرأه.

قال: (باب النعت). النعت -شوف- قال: (تابع)، عندما نقول: تابع، مش يعني أنه ليس مقصوداً بالحكم، التابع قد يكون مقصوداً بالحكم كما سوف يأتي. المراد من التابع: ما يتبع ما قبله في الحركة الإعرابية. طيب، قال: (تابع للمنعوت في رفعه ونصبه وخفضه)، يعني في الحركة الإعرابية. قال: (وفي تعريفه وتنكيره أيضا). تقول: (قام زيد العاقل)، ورأيت (زيداً العاقلَ)، ومررت (بزيد العاقلِ). مش كلما قلت: مررت بزيد العاقلِ هذا يعني أن هناك زيدين، واحد عاقل وواحد غير عاقل. ليس كل... ليس كلما نعتنا المعرفة فهذا يعني أن المعرفة صارت نكرة، تمام؟ قد يكون زيد واحداً، لا يوجد إلا زيد واحد وهو العاقل، إذاً فلماذا جئت بالنعت؟ قال: لمجرد التوضيح، زيادة توضيح.

أما في النكرة لا، عندما تقول: جاء رجل عاقل، فبلا شك لفظ الرجل ينطبق على العاقل وغيره، وأنت خصصت الدائرة بخصوص العاقل دون سواه. ورأيت زيداً العاقل، ومررت بزيد العاقل. وأقول: النعت في اللغة هو الوصف، وفي اصطلاح النحويين هو التابع... صح. واضح المشتق، أيضاً واضح، قال: (أو المؤول بالمشتق)، مشتق، هذا سوف يأتي بيانه، هناك بعض التراكيب وجب أن تكون الكلمة فيه نعتاً مع أن الكلمة ليست مشتقة، قالوا: يجب أن نؤولها حينئذ بالمشتق.

الموضح لمتبوعه في المعارف، يعني إذا كان نعتاً لمعرفة. المخصص له في النكرات، يعني إذا كان نعتاً لنكرة. والنعت ينقسم إلى قسمين: الأول نعت حقيقي، والثاني نعت سببي، بيان ذلك يأتي إن شاء الله والحمد لله تعالى.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.