الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 48

تحميل Word

048

النوع الرابع من أنواع التوابع هو التوكيد.

والمراد من التوابع كما ذكرنا مراراً وتكراراً، المراد من التابع كل لفظ يوافق متبوعه في أثره الإعرابي، أي كل ما يأخذ علامة ما قبله أخذاً بالتبعية: إن رفعاً فرفع، أو نصباً فنصب، أو جراً فكذلك.

والتوكيد في اللغة بمعنى التقوية، وهو أن تذكر في كلامك ما يقوي المعنى الذي أحدثته في ذهن المخاطب، بحيث لا يبقى مجال لأي شك أو وهم لأن يزعزع هذا المعنى الذي زرعته أنت بكلامك في ذهن المخاطب. والحاصل أن المتكلم عندما يلقي كلامه على مسمع المخاطب، فإن المخاطب تارةً يتلقى هذا المعنى فيسلم به، وتارةً ثانية يصل هذا المعنى إلى ذهنه ولكنه يبقى شاكاً في أن ما أحضرته هل هو ما أراده فعلاً، أو أنه بالغ قليلاً، أو سها قليلاً، أو تجاوز قليلاً. فهذا الوهم أو هذا الشك يزعزع هذا المعنى الذي أحدثه المتكلم، فيؤتى في الكلام بما يقوي المعنى ويثبته في الذهن، فلا يتزعزع هذا المعنى ولا يهتز بأي وهم أو شك قد يطرأ عليه.

كما لو كان أخو المخاطب مسافراً غائباً ولا يحتمل بحسب العادة أن يأتي فجأة، فجاء المتكلم وقال للمخاطب: جاء أخوك. فإن هذا المعنى وإن كان ظاهراً في مجيء أخيه وواضحاً، لا يحتمل معنى آخر، ولكن هذا المعنى لاستبعاده عن ذهن المخاطب فإنه قد لا يحصل عند المخاطب تصديق بمفاده، فيتوهم ولو بدواً وباللحظة الأولى أن أخاه لم يأت حقيقةً وإنما جاء خبر عنه. ولذلك تقول: جاء أخوك نفسه، أي لا خبره، أي لم يأت خبر عنه بل جاء أخوك نفسه. فهذا نحو وهم يرفع بمثل هذا المقوي: جاء أخوك نفسه، أي لا خبره ولا رسله ولا رسائله، بل الذي جاء هو نفس زيد.

وإذا أردنا أن نأخذ مثالاً آخر فنقول: كما لو أخبر المتكلم عن مجيء زيد أو أخبر المتكلم كما لو فرضنا أن هناك أخوين اثنين، أحدهما زيد والآخر عمرو، وكان زيد مؤمناً متديناً ليس من شأنها أن يرتكب الجرم، وكان عمرو على خلافه فاسقاً متجرئاً على الكبائر من شأنه أن يرتكب كل جرم، تمام؟ فجاء المتكلم وأخبر عن أن زيدا قد سرق، فتقول: سرق زيد. فإن علم المخاطب بإيمان زيد وتدينه وبفسق أخيه عمرو وجرأته يوجد مانعاً وحائلاً عن التصديق بمثل هذا الكلام من مجرد صدوره من المتكلم، حتى إن المخاطب يستسهل أن يحمل ما ذكره المتكلم على أنه سهو، ولذلك نحن بلغتنا العامية: قصدك فلان؟ تمام؟ فعندما تقول: سرق زيد، تحتمل أنت لغرابة هذا الخبر أن المتكلم أراد أن يخبر عن سرقة عامر ولكنه خانه التعبير وسهى لسانه فاستعمل زيدا مكان عامر لمكان قرابتهما. ولذلك لا يصح أن تدفع له هذا الوهم إلا بأن تقوي هذا المعنى في الذهن لتدله على أنك لم تسهو، وأنك قاصد لكل حرف ذكرته وملتفت إلى معناه، فتقول: سرق زيد زيد، أي لا زيد عمرو. تمام؟

وماذا احتمل المخاطب؟ أنه قد سها لسانك، تمام؟ فخانك التعبير، ولذلك إذا أردت أن تصلح هذا الخطأ فلا بد أن تعدل عن لفظ زيد فتأتي بالسارق الحقيقي فتقول: عامر. فعندما قلت: جاء زيد زيد، بتكرار لفظ زيد علم أنه لا سهو في المقام بل أنت متعمد. ولذلك عندما -طبعاً في لغتنا العامية- تقول: جاء فلان، فلان فلان، تمام؟ مثلاً تقول: التقيت بسماحة السيد، تقول: السيد شخصيا، أو مثلاً بنايبه، أو تمام؟ فهذه التأكيدات أو هذه الطرق التي نستعملها للتوكيد إنما هي لتقوية هذا المعنى الذي زرعناه في ذهن المخاطب، حتى نرفع أي احتمال للوهم أو الخطأ أو السهو أو المجاز أو المبالغة.

من أمثلة المبالغة أيضاً أو من أمثلة التوكيد ما إذا تلفظ المتكلم بكلام فاحتمل المخاطب أن يكون المتكلم في مقام المبالغة، فيرفع له هذا الوهم عن طريق تقوية كلامه. كما إذا قلت لك: زارني وجهاء البلد. فإن هذا التركيب واضح في أنه يفيد أن الزيارة قد حصلت لي من قبل وجهاء البلد، كل وجهاء البلد. فاحتملت أنت أن الذي زارني حقيقةً وجيه أو وجيهان من وجهاء البلد وأنني أردت المبالغة، فإذا أردت أن أرفع لك هذا الوهم أقول لك: زارني وجهاء البلد كلهم. فما كان يحتمل أن تحمل كلامي عليه، وهو أن الجائية كان بعضهم وأنني بالغت، هذا الاحتمال قد ارتفع بأي شيء؟ بهذا المقوي الذي أتيت أنا به، وهو قولي: كله.

فنجد أن التوكيد إنما يكون من أجل التقوية، والمراد من التقوية تثبيت المعنى الذي يدل عليه الكلام، تثبيته في ذهن المخاطب حتى لا يتزعزع بأي وهم أو شك يوجب زواله. فالتوكيد من جهة يقوي هذا المعنى في الذهن، ومن جهة يرفع احتمال التجوز، ويرفع احتمال السهو، ويرفع احتمال الغلط، تمام، ويرفع احتمال المبالغة إلى غير ذلك.

رفع احتمال الغلط: كما إذا قلت لك: جاء زيد زيد.

رفع احتمال المبالغة: كقولنا: جاء القوم كلهم.

رفع احتمال التجوز: كقولنا: جاء زيد نفسه. عندما قلت لك: جاء زيد، فأنت لاستغرابك ولاستبعادك مجيء زيد الآن فتظن أن الجائية هو رسول خبر عن زيد، ولكنني تجوزت في مقام التعبير فجعلت المجيء لنفس زيد، لأن الخبر الذي وصل عنه كأنما جعل زيدا حاضراً امامي فقد عرفت تفاصيله فأسندت المجيء إلى نفس زيد، فتررفع هذا الاحتمال واحتمال التجوز بمثل هذا التوكيد.

صار واضحاً ما هو المراد من التوكيد وما هو الغرض من التوكيد؟ تقوية المعنى في ذهن المخاطب حتى لا يتزعزع بأي احتمال للخطأ والغلط والسهو والنسيان والتجوز والمبالغة، كل ما يمكن أن يحتمله المخاطب فيؤثر على التصديق بهذا المعنى فإننا نرفعه عن طريق تقوية الكلام أو عن طريق تقوية هذا المعنى. وهذه التقوية وهذا التأكيد في علم النحو على نحوين: إما تأكيد بتكرار عن طريق تكرار نفس اللفظ مرة ثانية؛ أقول: جاء زيد زيد، رأيت زيدا زيدا، زيد ضرب ضرب.

مش ضروري يكون بين الأسماء، كما إذا قلت لك: زيد ضرب، وأنت شككت في أن زيدا هل ضرب فعلا أو أنه أهان صاحبه، ولأن الإهانة تؤذي فقد عبر عن الإهانة بالضرب تجوزاً ومسامحةً، تمام؟ ولذلك في لغتنا العامية تقول: ضربها، يعني ضاربوا، تضاربوا، أولاً تضاربوا، تدافشوا، تمام؟ تدافعوا يعني صحيح هكذا. هذه لغتنا العرفية المسألة تخضع للمحاورة العرفية، هكذا نحن نفكر، هذه طريقة البشر في التفكير عندما يستبعدون المعنى أو يتفاجؤون به فإنهم يحملون كلام الغير على التجوز والمسامحة، رفضا للمعنى الذي يؤتى به إليهم. مات مات، شو مات نص موتة؟ مات يعني مات، تمام؟ ولكن نستعمل مثل هذه التعبيرات، أو لا، مات مات، وكأن العقل يصعب عليه أن يصدق بالمعنى فتحتاج إلى أن توجده عنده بنحو تدريجي.

ولذلك فعندما يقال: زيد ضرب، وأنت لا ترضى بأن يصدر الضرب عن مثل زيد فتحتمل أن يكون المتكلم قد استعمل الضرب بمعنى الإهانة لجهة أن الإهانة كالضرب في أنها تحدث أذية في النفس، فإذا أردت أن تدفع هذا الوهم وهذا الاحتمال وجب عليك أن نكرر هذا اللفظ مرة ثانية ليعلم أن التعبير بالضرب لم يكن سبق لسان، وإنما كان تعبيراً مقصوداً للمتكلم فهو يريد معناه الحقيقي: زيد ضرب ضرب. هذا هو نحو من أنحاء التأكيد، وهو التوكيد عن طريق تكرار اللفظ الذي يراد تقوية معناه. ويعبر عن هذا التأكيد بأنه التأكيد اللفظي، وهو عبارة عن إعادة اللفظ بعينه أو بمرادفه، كما سوف يأتي.

التوكيد اللفظي والمعنوي

النحو الثاني من التوكيد قال هو التوكيد بذكر ألفاظ مخصوصة، ويسمى التوكيد حينئذ تأكيداً معنوياً -طبعاً لأنه في مقابل التوكيد اللفظي- قالوا: التوكيد اللفظي هو طبعا كل تأكيد فهو تقوية للمعنى، فكل توكيد هو تأكيد للمعنى حقيقةً، تمام، ولكن التسمية لأن التأكيد تارة يتأتى عن طريق تكرار اللفظ مرة ثانية فصار لذلك يسمى تأكيداً لفظياً، فهو تأكيد للمعنى عن طريق تكرار اللفظ. وتارة ثانية يكون التوكيد للمعنى وتقوية المعنى لا عن طريق تكرار اللفظ، بل عن طريق ذكر ألفاظ مخصوصة محددة، هي: نفسه أو عينه هذا في المفرد، أو كلاهما وكلتاهما هذا في المثنى، أو أنفسهم وكلهم وجميعهم هذا في الجمع.

﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾

فسجد الملائكة، قد يحتمل أن بعضهم لم يسجد وإنما استعمل هذا التعبير مبالغة، لأنه إذا الآن مثلاً قام كل من في الصف وبقي واحد وتقول: قام الصف، من باب المبالغة أو من باب التغليب، قال: لا ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ توكيد أول وتوكيد ثاني، هذه ألفاظ مخصوصة. فتقول: جاء زيد نفسه، وجاء زيد عينه، وتقول: جاء الزيدان تستطيع أن تقول نفسهما وتستطيع أن تقول كلاهما، وجاءت الهندان كلتاهما، وجاء الرجال كلهم، ورأيت الرجال كلهم، ومررت بالرجال كلهم. كلهم ليه؟ لأن هذه الألفاظ إنما جيء بها حقيقة لتقوية معنى ما، فحق هذه الألفاظ أن توافق في حركتها الإعرابية الحركة الإعرابية التي تتأدى بها تلك المعاني التي تحتاج إلى تقوية، لينبئ هذا الاتحاد في الأثر الإعرابي عن هذا الارتباط بين المؤكد والمؤكد، لأن المؤكد إنما جيء به لأجل أن يعالج وهماً قد يطرأ على الذهن من سماع لفظ المؤكد، ولذلك صار التوكيد من التوابع.

وعلى هذا فالالتوكيد إما لفظياً وهو عن طريق إعادة اللفظ بعينه، إن أردت أن تؤكد فعلاً فتعيد الفعل، وإن أردت أن تؤكد حرفاً فتعيد الحرف، وإن أردت أن تؤكد اسماً فتعيد الاسم، وإن أردت أن تؤكد جملة فتعيد الجملة. ولذلك التأكيد اللفظي لا شبهة فيه، كل لفظ يعاد ذكره بعد آخر فانه يكون لمجرد التقوية فيكون مؤكداً. وأما التوكيد المعنوي فأيضاً لا شبهة فيه، هو توكيد بألفاظ مخصوصة: نفسه، كله، جميعه، معينه، إلى آخره. طبعاً يوجد بعض يعني في أبصع وأكتع إلى آخره، ولكن نكتفي بهذا المقدار على مستوى هذا الكتاب.

طيب. أما التوكيد إذا كان لفظياً فإن المؤكد لا يزاد عليه شيء، لأنه لو زيد عليه شيء لم يعد عين الأول. جاء زيد زيد، فلو زدت على زيد شيئاً لم يعد الثاني عين الأول فلم يعد مؤكداً له، وألفاظ أن التوكيد لفظي حاصل بإعادة اللفظ مرة ثانية وتكراره كما هو، ولذلك لا يزاد عليه شيء. وأما التوكيد إذا كان معنوياً فيجب أن يرتبط بضمير يعود على المؤكد. فتقول: جاء زيد نفسه، نفسه لفظ النفس يجب أن يتصل بضمير، هذا الضمير يعود على زيد ليعلم أن هذا اللفظ إنما جيء به لتوكيد زيد لا لتوكيد شيء آخر، فالضمير إنما يؤتى به ليربط بين المؤكد والمؤكد، وليعلم أن هذا التوكيد إنما كان لأجل ذلك المؤكد.

وهذا لا نحتاج إليه في المؤكد اللفظي، لأن نفس اللفظ قد أعيد مرة ثانية، ولأنه لو زيد على المؤكد شيء لما كان الثاني عين الأول حينئذ، لأن الثاني سوف يكون مع زيادة والأول من دون زيادة، فلا يصدق أنه قد كرر اللفظ كما هو. ومن هنا يتضح لكم أن كل مؤكد فالغرض منه مختلف عن المؤكد الآخر: جاء زيد زيد لرفع احتمال الغلط والسهو في اللسان، جاء القوم كلهم لرفع احتمال المبالغة، جاء زيد نفسه لرفع احتمال التجوز. على كل حال أغراض التوكيد مفصلة إن شاء الله تأتي في غير هذا الكتاب، هذا تقريباً تمام الكلام في التوكيد وفي أنواعه وقد عرفنا أنه على نحوين.

طبعاً الغرض من التوكيد واحد هو التقوية، تمام؟ وكل تقوية فهي تقوية للمعنى لا للفظ، ولكن تقوية المعنى قد تكون عن طريق تكرار نفس اللفظ، فيسمى التوكيد لذلك لفظياً، لا أن المراد من التوكيد اللفظي هو تأكيد اللفظ، هو تأكيد المعنى عن طريق تكرار اللفظ. وأما التوكيد المعنوي فهو تأكيد المعنى لا عن طريق تكرار اللفظ، ولذلك ليس التأكيد بذكر اللفظ مرة ثانية، فليس لفظياً إذاً هو معنوي. واضح؟ التسمية يكفي فيها أدنى مناسبة حتى لا نقع في الالتباس. لا نريد أن التوكيد تارة يكون توكيداً لللفظ وأخرى توكيداً للمعنى، كل تأكيد فهو لتقوية المعنى وتأكيده، تقوية المعنى قد تحصل عن طريق تكرار اللفظ مرة ثانية، فلذلك سمي التوكيد حينئذ لفظياً، لأنه توكيد للمعنى بتكرار اللفظ. وتارة ثانية لا تحصل بتكرار اللفظ، فهو تقوية للمعنى لا بتكرار اللفظ، إذاً فسموه توكيداً معنوياً لأنه يقابل التوكيد اللفظي حينئذ.

من جهة، من جهة ثانية: كل تأكيد يجب أن يوافق مؤكده في الحركة الإعرابية، لينبئ هذا التوافق في الأثر الإعرابي عن الارتباط بينهما وعن أن أحدهما عين الآخر. ولذلك التفت ما معنى أن يكون مؤكداً؟ هو أن يكون مفيداً لمعنى مستفاد في رتبة سابقة، فيحصل من تكرار المعنى ارتفاع ذلك الوهم فيحصل التقوي في قبال ما يكون معناه تأسيسياً. التفت، اللفظ عندما يحدث معنى في الذهن فإما أن يكون هذا المعنى تأسيسياً أو تأكيدياً. قالوا: المعنى ينقسم إلى كونه تأسيسياً وتأكيدياً، والمراد من المعنى التأسيسي هو المعنى الذي يحدث في الذهن أول مرة فلا يوجد حضور سابق له من قبل، والمعنى التوكيدي هو المعنى الذي يكون مسبوقاً بحضوره في رتبة سابقة.

الآن إذا قلت لك: جاء زيد، هذا المعنى تأسيسي بالنسبة إليك لأنه قبل الكلام لم يكن في ذهنك صورة لمجيء زيد. فإذا قلت لك: جاء زيد جاء زيد، المعنى الثاني الذي تستفيده أنت من الجملة الثانية صار معنى تأكيدياً لحضوره في رتبة سابقة بالجملة الأولى. التوكيد لا يفيد معنى تأسيسياً وإنما يفيد معنى تأكيدياً، فكلما كان اللفظ بحيث يفيد معنى تأسيسياً امتنع أن يكون شو؟ امتنع أن يكون توكيداً، وإنما يصير شيئاً آخر.

﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: 22)

﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ (الفجر: 22) صفا صفا. هذه من المسائل التي وقع النزاع فيها بين النحاة، وظاهر الآية يوجب أن تكون صفا الثانية توكيداً لصف النور -لصف النور، لأنه قد أعيد اللفظ بعينه- ولكن ذهب كثير من النحاة إلى أن صفا الثانية لا يمكن أن تكون توكيداً للأولى. قال: لأنها تفيد فائدة تأسيسية لم تكن موجودة لو قيل: جاء ربك والملائكة صفا. لأنك عندما تقول: جاء ربك والملائكة صفا، إذا أردنا أن نأخذ هذه الآية على ظاهرها من دون احتمال للمبالغة ولا للتجوز ولا للغلط ولا للنسيان، تمام؟ فهذا يعني أنهما جاءا في صف واحد. عندما قيل صفا صفا علم أن المجيء كان في صف بعد صف، وهذا معنى زائد لم يكن مستفاداً من الآية الأولى قبل ذكر صفا الثانية. فلما صار معنى صفا الثانية تأسيسياً أي أن صفا الثانية أوضحت معنى لم يكن حاضراً من قبل، علم أن هذا اللفظ لم يعد لأجل التوكيد وإنما صار لأجل إحداث معنى جديد: صفا صفا أي صفا بعد صف، لا أنه صفا فتوهمنا المجاز في الآية أو توهمنا المبالغة فأريد رفع المبالغة والتجوز فجيء بصف مرة ثانية. واضح؟ تمام.

على كل حال، بعد بقي عندنا من أحكام التوكيد قلنا إنه إذا كان لفظياً فانه لا يرتبط بشيء ولا يزاد عليه شيء، وإذا كان معنوياً فإنه يجب أن يرتبط بضمير يعود على المؤكد ليكون هذا الضمير رابطاً بين التوكيد والمؤكد، ليعلم أن هذا التوكيد إنما هو لتقوية هذا المعنى.

نص المتن الدراسي

قال الماتن: باب التوكيد.

التوكيد تابع -واضح ليش تابع؟ المراد من التابع ما يأخذ حركة ما قبله هذا هو المراد من التابع فقط، وليس المراد من التابع أنه يتبعه في المعنى، المراد أنه يتبعه في اللفظ، لأنه بعض التوابع كما سياتي لا يوجد تبعية بينها في المعنى- قال: تابع للمؤكد في رفعه ونصبه وخفضه وتعريفه.

أقول: التأكيد، ويقال: التوكيد، معناه في اللغة التقوية، تقول: أكدت الشيء، وتقول: وكدته أيضاً، إذا قويته. وهو في اصطلاح النحويين نوعان: الأول: التوكيد اللفظي، والثاني: التوكيد المعنوي.

أما التوكيد اللفظي فيكون -طبعاً مش يعني توكيد للفظ وتوكيد تقوية للمعنى، ولكن عن طريق ذكر اللفظ مرة ثانية- قال: فيكون بتكرير اللفظ وإعادته بعينه أو بمعينه، سواء كان اسماً نحو: جاء محمد محمد، أم كان فعلاً نحو: جاء جاء محمد -شوف مرة جاء محمد محمد هذا يعني أن الوهم عندك وقع بأن الجاء هو من؟ إذا ما عندك شك في أن المجيء قد وقع، ولكن تشك في أن الجاء محمدا كان أو أخاه، أن الجاء محمد كان أو أخوه فيؤتى بالجواب: جاء محمد محمد لا أخوه. مرة لا، لا تشك في أن الحديث عن محمد، ولكن تشك أن محمدا قد صدر منه المجيء أو صدر منه فعل آخر يشبه المجيء، ولذلك تقول: جاء جاء محمد- جيد. قال: فإنك لو قلت -عفواً قال- أم كان فعلاً نحو: جاء جاء محمد، أم كان حرفاً نحو: نعم نعم جاء محمد، ونحو: جاء حضر محمد.

وأما التوكيد المعنوي فهو التابع الذي يرفع -طبعاً التوكيد اللفظي ماذا يرفع؟ يرفع احتمال الغلط والنسيان وسبق اللسان- قال: وأما التوكيد المعنوي فهو التابع الذي يرفع احتمال السهو أو التجوز في المتبوع، التجوز يعني وما يشمل المبالغة، فإنك لو قلت: جاء الأمير، احتمل أن الأمير بعث جنده إليه، بعث وزيره إليه، لأنه هو بنفسه قد جاء، قال: احتمل أنك سهوت -مش سهوت لا، احتمال السهو في التوكيد اللفظي لا في التوكيد المعنوي- احتمل أنك سهوت أو توسعت في الكلام، نعم بالغت، وأن غرضك مجيء رسول الأمير. فإذا قلت: جاء الأمير نفسه، أو قلت: جاء الأمير عينه، ارتفع الاحتمال وتقرر عند السامع أنك لم ترد إلا مجيء الأمير نفسه.

وحكم هذا التابع أنه يوافق متبوعه في إعرابه، على معنى أنه إن كان المتبوع مرفوعاً كان التابع مرفوعاً أيضاً، نحو: حضر خالد نفسه. وإن كان المتبوع منصوباً كان التابع منصوباً مثله، نحو: حفظت القرآن كله. وإن كان المتبوع مخفوضاً كان التابع مخفوضاً كذلك، نحو: تدبرت في الكتاب كله. ويتبعه أيضاً في تعريفه كما ترى في الأمثلة كلها -شوف الأمثلة كلها قال ترى في الأمثلة احتملنا أن بعض الأمثلة أرى فيها، لا قال كلها، واضح صار-.

قال: ويكون التوكيد المعنوي -قال: ويكون بألفاظ معلومة، يعني مخصوصة محدده- وهي: النفس، والعين، وكل، وأجمع. تقول: أكلت الرغيف، فيحتمل فيحتمل أنك بالغت وأنك لم تأكل كل الرغيف أكلت أغلب أجزائه، لا تقول: أكلت الرغيف كله لترفع هذا الوهم. وكل، وأجمع وتوابع أجمع ذكرها، وهي: اكتع، وأبتع، و -شو مكتوب عنكم؟- أبصع، نعم، اللي يكتب أنصع وأبصع. تقول: قام زيد نفسه، ورأيت القوم كلهم كلهم -شوف المنصوب توكيده منصوب- ومررت بالقوم أجمعين كلهم أنفسهم، يصح.

وأقول: للتوكيد المعنوي ألفاظ معينة عرفها النحاة من تتبع كلام العرب، ومن هذه الألفاظ: النفس والعين، ويجب أن يضاف فكل واحد من هذين إلى ضمير عائد على المؤكد -بفتح الكاف، يعني المؤكد مش المؤكد- فإن كان المؤكد مفردآ كان الضمير مفرداً ولفظ التوكيد مفرداً أيضاً، تقول: جاء علي نفسه، وحضر بكر عينه. وإن كان المؤكد جمعاً كان الضمير ضمير الجمع ولفظ التوكيد مجموعاً أيضاً، تقول: جاء الرجال -مش نفسهم- أنفسهم، يعني نفس التوكيد تجمعه ثم تضيفه إلى ضمير جمع، وحضر الكتاب -مش عينهم- أعينهم.

وإن كان المؤكد مثنىً -طبعاً هذه فيها قراءات أو فيها احتمالات- قال: فالأفصح أن يكون الضمير مثنىً ولفظ التوكيد مجموعاً. تقول: حضر الرجلان أنفسهما، ويصح أن تقول: حضر الرجلان نفساهما، ويصح أن تقول: حضر الرجلان نفسهما. يعني شوف الضمير دائماً يجب أن يكون موافقاً للمؤكد. المشكلة وين؟ في نفس المؤكد، في حالة التثنية يصح أن تفرد وأن تثني وأن تجمع. تقول: جاء زيد -عفواً- جاء الرجلان عينهما، وجاء الرجلان عيناهما، وجاء الرجلان أعينهما، ولكن الأفصح قال: أن يكون المؤكد جمعاً، قال: وجاء الكاتبان أعينهما.

ومن ألفاظ التوكيد: كل ومثله جميع، ويشترط فيهما إضافة كل منهما إلى ضمير مطابق للمؤكد، نحو: جاء الجيش كله، وحضر الرجال جميعهم.

قال: ومن الألفاظ أجمع -طبعاً أجمع غير جميع- ولا يؤكد بها هذا اللفظ غالباً إلا بعد كل. ومن الغالب قوله تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾. ومن غير الغالب: إذا ضللت الدهر أبكي أجمعا، يعني أبكي الدهر أجمعا، تمام، الدهر مش جمع، ليس جمعاً، وقد أكد بلفظ هو للجمع، قال: هذا من غير الغالب يعني لا يقاس عليه.

طبعاً من ألفاظ التوكيد ماذا؟ كلاهما وكلتاهما أيضاً في التثنية. قال: وربما احتيج إلى زيادة التقوية فجيء بعد أجمع بألفاظ أخرى، يعني قد تؤكد مؤكداً واحداً بأكثر من مؤكدات، وهي: اكتع، وأبتع، وأقصع. وهذه الألفاظ لا يؤكد بها استقلالاً، يعني لا تقل: جاء القوم اكتعون ابتداءً، تقول: جاء القوم أجمعون، يصح بعد ذلك أن تزيد التقوية فماذا تقول؟ أكتعون، أبتعون، أقصعون. وهذه الألفاظ لا يؤكد بها استقلالاً، نحن: جاء القوم أجمعون أكتعون أبتعون أقصعون. والله أعلم.

هذا تمام الكلام في التوكيد عندنا تمرينات. التابع الأخير النوع الأخير من أنواع التوابع وهو البدل يأتي بيانه إن شاء الله والحمد لله رب العالمين، على محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.