الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 49

تحميل Word

049

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين، سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الطيبين الطاهرين.

من المرفوعات في حالة الرفع البدل؛ وذلك لأن البدل واحد من التوابع، والتابع كما عرفنا هو الذي يأخذ حركة متبوعه رفعاً ونصباً وجراً. والبدل هو النوع الخامس والأخير من التوابع؛ لأن التوابع كما ذكرنا خمسة، هي: النعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والتوكيد، والبدل.

يقع الكلام في شرح المراد من البدل، وثانياً في التفرقة بين البدل وبين سائر التوابع الأخرى، بل في التفرقة بين كل واحد من التوابع وغيره. والتفرقة بين التوابع إنما تكون عن طريق قسمة يتضح من خلالها الفارق بين كل واحد من الأقسام.

كيف كان؟ أما البدل فقد عرفوه بأنه تابع مقصود بالحكم من دون واسطة. توضيح ذلك: أنك إذا قلت: «أكلت الرغيف نصفه»؛ ففي مقام الإعراب أنت تعرب الرغيف على أنه هو المفعول به، «أكلت الرغيف نصفه»، ماذا أكلت؟ الرغيف. فالرغيف من الناحية الإعرابية هو مفعول «أكلت»؛ لأن حدث الأكل إنما أوقع على الرغيف في قولك: «أكلت الرغيف». ولكن من ناحية المعنى، ما أكله الآكل من الرغيف حقيقة هو النصف لا الرغيف كله. أو كما إذا قلت: «قمت الليل ثلثه»؛ فإن ظاهر العبارة من حيث اللفظ أن القيام قد علق على عنوان الليل المستوعب لكل أوقاته من أوله إلى آخره، وإن كنت ما قمته أنت حقيقة من الوقت هو الثلث. وكذا إذا قلت: «أعجبني زيد علمه»؛ فالذي أعجبك حقيقة هو علم زيد لا زيد نفسه. أعجبك زيد من ناحية علمه، فما أعجبك حقيقة هو العلم. وهذا بخلاف ما إذا كان الذي يعجبك هو زيد؛ لأن قولك: «أعجبني زيد» يعني أعجبني في كل صفة من أوصافي. أما قولك: «أعجبني زيد علمه» فهذا يعني أن الذي أعجبك حقيقة هو علم زيد.

إذا اتضح ذلك، فإن قولنا: «أكلت الرغيف نصفه»، ما هو المقصود الحقيقي للمتكلم؟ هو أن يبين أنه أكل النصف. فما ذكر ثانياً وتابعاً كان هو المقصود بالحكم دون ما ذكر أولاً وقبل ذكر التابع. لأنك في قولك: «أكلت الرغيف نصفه» فأنت قد علقت مفهوم الأكل وعنوانه على شيئين اثنين، على الرغيف وعلى النصف، وقد ذكرت أولاً الرغيف فجعلته الأول والمتبوع، وذكرت ثانياً النصف فجعلته الثاني والتابع. وما هو مقصود بالحكم حقيقة هو الثاني لا الأول.

وبهذا يفترق البدل عن النعت؛ لأنك عندما تقول: «جاء زيد الطويل»، فما هو مقصود لك حقيقة هو أن تخبر عن مجيء من؟ زيد. زيد غاية ما في الأمر أنك استعنت على توضيح زيد بذكر شيء من أوصافه فذكرها، له وصف الطول، وليس المراد أن تخبر عن مجيء طويل ما أو عن مجيء الطويل، وإنما أردت أن تخبر عن من؟ عن زيد. فما يكون مقصوداً بالحكم في النعت هو التابع أو المتبوع؟ هو المتبوع الأول، والتابع لا يكون مقصوداً بالحكم. وهذا بخلاف البدل، فإنه تابع ولكنه هو المقصود بالحكم؛ لأن الآكل قد أكل نصف الرغيف حقيقة لا كله. فقولنا «تابع مقصود بالحكم» يخرج ما ليس مقصوداً بالحكم من التوابع، فيخرج النعت؛ لأن المقصود بالحكم هو المنعوت.

ويخرج عطف البيان أيضاً، ليش؟ لأن عطف البيان لا فرق بينه وبين النعت سوى أن النعت يكون مشتقاً وعطف البيان يكون... فلو قلت مثلاً: «جاء زيد أبوك» وأنت تريد حقيقة أن تخبر عن مجيء زيد ولكن خفت أن يلتبس الأمر على السامع فلا يعلم أي زيد منهما، فجئت بذكر وصف من أوصافه فقلت له: «جاء زيد الذي هو أبوك» يعني أبوك. فهنا ما كان يريده المتكلم هو الإخبار عن مجيء زيد ولكنه استعان على توضيح هذه الذات بذكر شيء من أوصافه فذكر أن الجائي هو أبوك. إذن قولنا «تابع مقصود بالحكم» ماذا يخرج؟ يخرج النعت لأنه ليس مقصوداً بالحكم بل المقصود هو المنعوت، ويخرج عطف البيان لأنه كالنعت فيكون خارجاً.

ويخرج التوكيد أيضاً؛ لأن التوكيد وإن كان من التوابع، كما تقول: «جاء زيد نفسه»، ولكن المقصود بالحكم هو المتبوع أي المؤكد؛ لأنك في قولك: «جاء زيد نفسه» إنما تريد أن تخبر عن مجيء زيد، وإنما جئت بالتوكيد مخافة أن يرد وهم المبالغة أو النسيان إلى ذهن المخاطب ونفسه فأردت أن تدفع عنه هذا الوهم. فالمؤكد ليس إلا لرفع وهم محتمل عند السامع، فليس هو المقصود بالحكم، بل المقصود بالحكم حقيقة هو الإخبار عن مجيء زيد. فالتوكيد ليس مقصوداً بالحكم وإن استعين به على شرح المقصود من الحكم. فالتوكيد وعطف البيان والنعت، هذه توابع ثلاثة كلها خارجة عن حقيقة البدل لأنها ليست مقصودة بالحكم، والبدل تابع مقصود بالحكم، تمام.

وأما عطف النسق كما يقال: «جاء زيد وعمرو»، فهو تابع ومقصود بالحكم بلا شك؛ لأنك إذا قلت: «جاء زيد وعمرو» فأنت تقصد إلى الإخبار عن مجيء زيد وعن مجيء عمرو كذلك. وإذا كان للمتكلم قصد إلى الإخبار عن مجيء المعطوف والمعطوف عليه، فيصدق على عطف النسق حينئذ أنه تابع مقصود بالحكم. ولذلك نحتاج إلى قيد جديد يفرق بين البدل وبين عطف النسق. وهذا القيد أحد أمرين، لابد أن نختار أحد أمرين أيهما شئنا حتى نفرق بينهما:

الامر الأول أو القيد الأول ما ذكره الماتن في هذا الكتاب، قال: تابع مقصود بالحكم بلا واسطة، فيخرج عطف النسق؛ لأنه وإن كان مقصوداً بالحكم، إلا أنه مقصود بالحكم بسبب هذه الواسطة التي هي أداة العطف، حرف العطف. وذاك بخلاف البدل، فإنه مقصود بالحكم من دون واسطة، تقول: «أكلت الرغيف نصفه»، لا تقول: «أكلت الرغيف ونصفه» أصبح آكلاً لرغيف ونصف. «أكلت الرغيف نصفه»، فكأنه من أول الأمر قال لك: «أكلت نصف الرغيف»، فهو تابع مقصود بالحكم، وهذا القصد لم يحتج إلى ذكر واسطة بين التابع والمتبوع. بخلافه في عطف النسق، فإنك حتى تقصد بالحكم شيئاً ثانيا فلا بد أن تعطفه على ما قبله عن طريق إيجاد حرف عطف بين التابع والمتبوع، فجاء زيد وعمرو، زيد أنت تقصد إلى الإخبار عن مجيئه، وعمرو أيضاً أنت تقصد إلى الإخبار عن مجيئه، ولكن هذا القصد الثاني إنما صح أن تطلبه بسبب أنك أوجدت حرفاً بين التابع والمتبوع. فهو تابع مقصود بالحكم بواسطة، والبدل تابع مقصود بالحكم بلا واسطة. هذا طريق للتفرقة بين البدل وعطف النسق.

وعندنا طريق آخر: أن نذكر قيداً ثانياً غير قوله بواسطة أو بلا واسطة في القصد، وهو أن نقول: إن البدل تابع مقصود بالحكم دون متبوعه، وهذا بخلاف عطف النسق فإنه تابع مقصود بالحكم هو ومتبوعه. الآن أنت إذا قلت: «جاء زيد وعمرو» فما تقصده أنت هو الإخبار عن مجيء كل من زيد وعمرو، فما تقصده بالحكم أنت هو التابع (يعني ما ذكر ثانيا) والمتبوع (أي ما ذكر أولا)، فلا فرق بين زيد وعمرو في أنك تقصد إلى مجيء كل واحد منهما. وهذا بخلاف ما إذا قلت: «أكلت الرغيف نصفه»؛ لأن ما تقصده أنت بالحكم هو أكل نصف الرغيف خاصة، فكلمة «الرغيف» كأنها لم تكن موجودة من أول الأمر، كأنك قلت من أول الأمر: «أكلت نصف الرغيف»، فالمقصود بالحكم هو النصف لا الرغيف، فهو تابع مقصود بالحكم ومتبوعه ليس كذلك. بخلاف عطف النسق، فهو تابع مقصود بالحكم ومتبوعه كذلك أي مقصود معه بالحكم.

ولذلك يقال إن البدل... ومن هنا يعلم لماذا كنا نصر دائماً على أن المراد من التابع ما هو؟ هو ما يأخذ حركة ما قبله رفعاً ونصباً وجراً. فالتبعية تبعية في أي شيء؟ في اللفظ ومن ناحية الأثر الإعرابي. وإلا كلمة التابع من حيث هي قد توهموا أن التبعية تكون في اللفظ وفي المعنى وفي الحكم. جيد؟ ولكن هذا المعنى لا يتحقق في البدل؛ لأن البدل ينوى معناه ويقصد بالحكم ولا ينوى معنى المتبوع ولا يقصد بالحكم، فلا تبعية بينهما من ناحية القصد ومن ناحية المعنى؛ لأن المتكلم إنما أكل نصف الرغيف لم يأكل الرغيف كله. ولذلك القدر المشترك بين البدل وبين غيره من التوابع هو أنه لفظ يوافق ما ذكر قبله من الناحية الإعرابية رفعاً ونصباً وزخرفاً (وجراً)، لا أنه لفظ يتبع ما قبله لفظاً وحكماً؛ لأن البدل يقصد بالحكم والمبدل منه لا يقصد به الحكم.

ولذلك يقال في البدل إن البدل على نية إسقاط المبدل منه، حتى كأن المبدل منه (أي ما يذكر أولاً، والثاني هو ما يذكر بدلاً عنه)، تمام، البدل يققال إنه على نية إسقاط المبدل حتى كأن المبدل منه لم يكن له وجود، وإنما علم الحكم على البدل من أول الأمر، فما يستحق أن يكون متبوعاً هو البدل نفسه، وحق المبدل منه لا يكون له وجود في الكلام. «أكلت نصف الرغيف» من أول الأمر. ولماذا نقول: «أكلت الرغيف نصفه» يا أيها المزمل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ﴾؟ قل من أول الأمر: «قم نصف الليل»، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾، تمام؟ «قم الليل»، قم كل الليل نصفه؟ طيب من أول الأمر فلنقل: قم نصف الليل. «أكلت الرغيف نصفه»، أكلت نصف الرغيف. «أعجبني زيد علمه»، حقيقة: أعجبني علم زيد. تمام؟

فدائما ترجع إلى أن البدل حقه أن يكون هو المبتل (المبدل) منه، حقه أن يكون هو المذكور أولاً، مع أنه ذكر ثانياً. ومن هنا ينبغي أن تتساءل: ما هو السر وما هو الوجه الحكمي في فلسفة البدل في اللغة العربية؟ لماذا كان من طريقة العرب أن ينطقوا بكلام يرجع إلى طريقة البدل والمبدل منه، إذا كان البدل هو المقصود بالحكم حقيقة، فلأي شيء نحتاج إلى ذكر المبدل منه وهو في نية الساقط؟ كأنك لم تأتي على ذكره. إخراج أي شيء؟ أكلت الرغيف نصفه، كل أكلت نصف الرغيف وانتهى الأمر من أول الأمر، ليش تقول أكلت الرغيف وبعدين تقول نصفه؟ مش عم نحكي عن تعريف البدل نحن نتحدث عن فلسفة البدل تمام؟

فلسفة البدل

الجواب على ذلك: أن من الطرق التي لها مدخلية في التأثير في الأنفس هي طريقة التفصيل بعد الإجمال؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يكن عنده معرفة بالرغبة وبالنعمة فسوف لا يطلبها، فإذا عُرفّت تلك النعمة ولو على نحو إجمالي، فإن هذه المعرفة الإجمالية تولد في النفس شوقاً وميلاً ورغبة إلى طلب المزيد، فتصبح نفسه طالبة لتلك النعمة وطالبة لتفصيل ذلك الإجمال. والآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب.

بعبارة ثانية: الآن أنت قد تفاجئ ولدك بإعطائه هدية، فهو قبل أن يعطى هذه الهدية، لا تصور له لوجود هدية، فليس عنده حركة نفسانية تشتهي هذه الهدية أو لا تشتهي، هو لا يعلم بوجود هدية له في هذا اليوم، فسوف تكون لحظة لذته مقتصرة على اللحظة التي يعطى فيها هذه الهدية ويستلمها، فقبل أن يعطى الهدية لا لذة له؛ لأن هذه اللذة مشروطة بالععلم وهو لا يعلم بوجود الهدية. تمام؟ وإنما تكون اللذة عنده حال حصول هذه الهدية. ثم إنه بعد أن يلتذ بهذه الهدية سوف لا تكون لذته مستدامة؛ لأنه لا يتوقع أن يكون له مثلها فيما بعد، وذلك لأنه لم يتعب في تحصيلها فجاءته بغتة وفجأة، فهو لا يعرف الثمن المبذول والضريبة المدفوعة من أجل الحصول عليها. وما يأتي من دون تعب فإن النفس لا تحرص عليه. ولذلك يقال: «الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب». أن تتعب شهراً كاملاً من أجل الحصول على راتب، سوف يوجد في نفسك قيمة لهذا الراتب فلا تصرفه إلا في مكانه الصحيح، بخلاف من تعود أن يعطى المال كيفما شاء فإنه سوف يصرفه كيفما كان.

إذاً فالذي لا يعلم بوجود الهدية، أولاً: لا تكون عنده لذة إلا حالةصولها (حصولها)، وهذه اللذة لا تكون مستدامة لمكان انقطاع هذه الهدية ولأنه لم يطلبها فلا تكون عزيزة عنده. ولذلك فإن الإنسان حتى يشعر الطرف الآخر بهذه اللذة قد يعمد إلى سياسة التفصيل بعد الإجمال، وهو أن يؤتى على ذكر الشيء إجمالاً ليحدث هذا الإجمال عنده ميلاً وشوقاً نحو التفصيل، فتصير نفسه طالبة لهذا التفصيل، حتى إذا ما حصل عليه فيما بعد كان حصوله أعز عنده؛ لأن الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب. ولذلك هذا نجده من أنفسنا إذا رجعنا إلى الطفل عندما نعده في اليوم الأول أننا سوف نجلب له في اليوم الثاني هدية ما، فسوف تبقى نفسه في حالة حراك وصراع ذهني في أن أي هدية هي التي سوف تحصل لي تمام؟ وسوف يحسب الوقت آناً آناً حتى يبلغ حين استلامها، وهذا كله شوقاً إلى تحصيل ذلك التفصيل، فهذا التدرج في انتظار الهدية يوجب لذة.

ولذلك اشتهر عن أحد العرب عندما كان يسير إلى محبوبته وهو يسير على حمار أعرج فقالوا له: أنت تسير إلى المحبوبة وتذهب على حمار أعرج؟ قال: نعم، السير على... بئس العين! ما أجمل هذا السير ما دام إلى لقاء المحبوبة فليكن بطيئاً حتى التذ وأتمكن في من عيش حالة اللذة وصولاً إلى الحبيب (الشيخ علي انفتحت الأسارير عنده يمكن يطلع بيت جبال مشي اليوم على كل حال جيد).

إذاً، في كثير من الأحيان قد يتعلق للمتكلم غرض في أن يعتمد سياسة التفصيل بعد الإجمال، وهو أن يؤتى على ذكر الشيء مجملاً ليحدث في النفس شوقاً وميلاً إلى التفصيل، فتصير نفس السامع طالبة لذلك التفصيل حتى إذا ما تلي عليه التفصيل كان أوقع في نفسه، لأن الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تفهم.

وقد تعتمد سياسة الإجمال بعد التفصيل لبيان مكنونات النفس؛ كما إذا قلت لك: «ادرس الليل نصفه»، فأنا حقيقة وإن كنت ألزمك بدراسة نصف الليل، ولكن إن أردت أن أعبر لك عن شوقي وحبي وإرادتي إلى أن تدرس كل الليل، فمن الناحية الحقيقية لم ألزمك إلا بدراسة نصف الليل، ولكن هذا الحكم اقترن مع بيان رغبة لي لم ألزمها لك لمكان عدم وجود طاقة لك على أن تدرس الليل كله. ولو قلت لك من أول الأمر: «ادرس نصف الليل»، لفهمت أن كمال المراد وأن غاية المرام هي في أن تدرس نصف الليل. فلو قيل: «ادرس الليل نصفه»، هذا الإجمال وإن تنازل عنه فيما بعد، هذا التعميم وإن سقط فيما بعد بذكر البدل، ولكنه يشعر بأن الرغبة الحقيقية والكمال الأتم لطالب العلم هو أن يدرس الليل كله، ولكن لمكان أن لا يكلفك بغير المقدور فقد ألزمك بنصفه. فهو مع كونه قد ألزمك بالنصف تمام، فقد أشعرك بما هو غاية المراد. كما في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾، فالرغبة التامة وكمال العبودية في قيام كل الليل تمام، فمن لم يقدر على ذلك فنصفه أو أنقص منه قليلاً... إلى آخره.

وهكذا عندما يقال: «أكلت الرغيف» أو «أكل ابني الرغيف كله» أو «كل الرغيف نصفه» عفواً، «كل الرغيف نصفه» واضح أنه كل الرغيف إن استطعت، ولأنني أعلم أنك لا تستطيع فأنا ألزمك بالنصف.

«أعجبني زيد علمه»، عندما قلت: «أعجبني زيد»، أو وقع هذا المعنى في ذهن المخاطب إبهاماً لجهة أن أي صفة هي التي أعجبته في زيد؟ أأعجبه في زيد علمه أو شجاعته أو بطشه أو أو أو إلى آخره؟ فصار هناك من هذا الإجمال طلب نفساني لمعرفة التفصيل، فعندما يؤتى لك بالتفصيل وهو أن الذي أعجبك علمه، يتمكن هذا المعنى في ذهنك فيكون أوقع في النفس، فلا تنسى النفس حينئذ أن من صفات زيد العلم؛ لأنه قد طلب هذه المعلومة فأخذها، والآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعاقب.

فظهر من ذلك أن من طرق أهل البلاغة في كثير من الأحيان اعتماد سياسة التفصيل بعد الإجمال. الطريقة لا تقتصر فقط على البدل، بل سيأتي معنا في باب التمييز تطبيقها، وسياتي معنا في باب نِعْم وبئس تطبيقها، إلى غير ذلك من الموارد. إذاً فمن الطرق التي شوف بلغتنا العامية مثلاً، أنت تستطيع أن تقول لي مثلاً: «جاء فلان»، ولكنك تأتي وتقول: «احذر من جاء»، من برأيك الذي جاء؟ توجد في نفسي شعوراً عميقاً بأن أحداً ما قد جاء، ولكنك لا تأتي على ذكره مباشرة؛ لأنك عندما تزرع هذا الإجمال في نفسي تمام والنفس لا تطيق الجهل فتسعى إلى المعرفة وإلى العلم فتصبح طالبة لمعرفة هذا التفصيل، والآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعالى (تعب). ولذلك هي مش من طرق اللغة العربية، هي من طرق تعامل الإنسان ومن طرق التفكير البشري حقيقة تمام، ولكن تترجم في اللغة العربية على شاكلة البدل تارة، وعلى شاكلة نِعْم وبئس أو التمييز تارة ثانية وثالثة إلى آخره.

التقسيم العقلي للتوابع

طيب، هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الجواب عن السؤال الأول.

الجواب عن السؤال الثاني، وقد صار ممكناً ومتاحاً بالنسبة إلينا، وهو أن نفرق بين هذه التوابع الخمسة عن طريق تقسيم عقلي فنقول: التابع لا يخلو إما أن يكون... جيد، التابع لا يخلو إما أن يكون مقصوداً بالحكم أو أو شو؟ أو لا. المقصود بالحكم لا يخلو إما أن يكون بواسطة أو لا بواسطة، أو تستطيع أن تأتي بفارق ثاني تقول: أما أن يكون متبوعه مقصوداً أو لا يكون متبوعه مقصوداً. خلينا نأخذ الطريقة... المقصود بالحكم وإن كانت الطريقة الثانية أولى لأنها تشرح طريقة البدل.

مقصود بالحكم من دون متبوعه ليش؟ لأن ذكر متبوعه لم يكن إلا توطئة وتمهيداً إلى ذكر التفصيل، هو إجمال لكي تطلب أنت التفصيل فتأخذه. طيب، مقصود التابع إذاً إما أن يكون مقصوداً بالحكم أو لا؟ فإن كان مقصوداً بالحكم فإما أن يكون بواسطة ها؟ لا بواسطة، أو نقول إما أن يكون مقصوداً بالحكم هو ومتبوعه، وإما أن يكون متبوعه كذلك أو لا يكون متبوعه كذلك.

التابع الذي يكون مقصوداً بالحكم وبواسطة هو الذي نسميه ماذا؟ عطف النسق. والتابع الذي يكون مقصوداً بالحكم من دون واسطة أو فقل يكون مقصوداً بالحكم وحده دون متبوع فهذا هو البدل. أما التابع الذي لا يكون مقصوداً بالحكم فلا يخلو إما أن يكون معناه تأسيسياً (أي يحدث معنى جديداً في الذهن، لا يكون ذلك المعنى موجوداً فيما قبله من الكلام يعني في المتبوع)، وإما أن يكون معناه ماذا؟ أي يحدث معنى هو نفس المعنى الذي أحدثه المتبوع. فإن كان معناه تأكيدي فهذا هو التوكيد. وإن كان معناه تأسيسياً فلا يخلو إما أن يكون مشتقاً وإما أن يكون جامداً، فإن كان مشتقاً فهذا هو النعت، وإن كان جامداً فهذا هو عطف البيان.

ولذلك الآن تستطيع من خلال هذه القسمة أن تفرق بين أي تابع وتريد، فإن أردت مثلاً أن تفرق بين التوكيد والبدل فتقول: التوكيد وين يفترقان؟ هذا التوكيد وهذا البدل وين يفترقان؟ فاللبدل مقصود بالحكم والتوكيد ليس مقصوداً بالحكم. ولذلك البدل يفترق عن النعت وعطف البيان والتوكيد لأنه ليس مقصوداً بالحكم.

طيب، إذا أردت أن تفرق بين عطف البيان والتوكيد فتقول: عطف البيان معناه تأسيسي والتوكيد معناه تأكيدي.

إذا أردت أن تفرق بين عطف البيان والنعت تقول: النعت يكون مشتقاً وعطف البيان يكون جامداً، وإلا فهما مشتركان في أن معناهما تأسيسي وفي أنهما ليسا مقصودين بالحكم.

إذا أردت أن تفرق بين عطف النسق والنعت فعطف النسق تابع مقصود بالحكم والنعت تابع ليس مقصوداً بالحكم.

إذا أردت أن تفرق بين عطف النسق والبدل فالتفرقة صارت واضحة، واحد بواسطة وواحد من دون واسطة، أو واحد يقصد هو ومتبوعه وواحد يقصد هو من دون متبوعه.

هذه القسمة، ولذلك من المباحث التي تأخذونها في المنطق: القسمة؛ قالوا لأن القسمة من وسائل التعريف من الطرق التي من خلالها نعرف حقيقة الشيء ونفرق بينه وبين سائر الحقائق الأخرى هي القسمة.

أقسام البدل

إذا اتضح ذلك، فإن البدل أي الذي يذكر بدلاً وعوضاً عما قبله، قد قُسّم في كلماتهم إلى ستة أقسام (أربعة أقسام):

قالوا القسم الأول: بدل كل من كل، كما تقول: جاء زيد أبوك، وكنت قاصداً إلى الإخبار حقيقة عن من؟ عن مجيء أبيك، فهذا هو المقصود بالحكم أبيك، تمام. وأبوك ليس إلا زيد، نسبته إلى زيد هو زيد حقيقة. قالوا هذا بدل كل من كل. أو كما تقول: أكلت الرغيف مش نصفه، هذا بدل... أكلت الرغيف شو كله! واضح، سيأتي سيأتي السؤال: أكلت الرغيف شو كله! طيب هذه أمثلة بدل الكل من كل: «أكلت الرغيف كله»؛ لأن الكل هو نفس الرغيف، و«جاء زيد أبوك»؛ لأن الأب بل هو هو زيد، فأحدهما هو عين الآخر ولذلك قالوا له بدل كل من كل.

وهنا لك أن تتساءل: ما هو الفرق بين... بين جاء وجاء... أكلت جاء... أبين «أكلت الرغيف كله»، ما هو الفرق بين البدل وبين التوكيد حينئذ؟ ألم تقولوا إن التوكيد يكون التأكيد يكون معنوياً وإذا كان معنوياً يكون بلفظ «كل» (جاء القوم كلهم، أكلت الرغيف كله)؟ فهذا يعني أن «كله» هنا وقع توكيداً أو بدلاً؟ هذا يحتاج إلى بحث سوف نبحثه وسوف نجيب عليه، متى تكون «كل» بعد الرغيف بدلاً ومتى تكون توكيداً؟ تمام، هذا سوف نجيب عليه.

وثانيا: عندما تقول: «جاء زيد أبوك»، كيف أفرق بين عطف البيان وبين البدل؟ تقول: «جاء زيد أبوك» يصلح أن يكون بدلاً ويصلح أن يكون عطف بيان؛ لأنه ما ذكر مثال عطف البيان: «جاء زيد أخوك» وأنت تريد أن تخبر عن مجيء زيد واستعنت على توضيحه بأي شيء؟ بذكر شيء من أوصافه وهو أنه أبوك. فهذا المثال إذا كان يصلح لأن يكون بدلاً ولا يصلح لأن يكون عطف بيان (يصلح لأن يكون بدلاً ويصلح أن يكون عطف بيان)، فستفسد هذه القسمة فلا يتضح المراد. ولذلك لابد أن نبحث أولاً عن الضابطة التي نميز من خلالها بين النعت (بين التوكيد وبين البدل)، وثانياً عن الضابطة التي نميز من خلالها بين عطف البيان والبدل. كل المشكلة في هذا البدل في هذا النوع بدل الكل من الكل، بقية الأنواع كلها سهلة لا يوجد فيها لا يوجد فيها مسألة، ولذلك نذكرها تباعاً ثم نرجع إلى هذا القسم الأول ونجيب على السؤال.

النوع الثاني للبدل: قالوا بدل بعض من كل، وهو إذا كان التابع المذكور ثانياً، تمام، هو إذا كان جزءاً من أجزاء المذكور أولاً، كما تقول: أكلت الرغيف شو؟ ثلثه، نصفه، ثمنه، ربعه، ما شئت، المهم أن ما ذكر ثانياً هو جزء مما ذكر أولاً، طيب هذا يسمى بدل بعض من كل.

القسم الثالث: قالوا هو بدل الاشتمال، كما تقول: أعجبني زيد شو معنى... علمه. التفت! ما ذكر ثانياً هو علم زيد، وما ذكر أولاً هو زيد. العلم ليس جزءاً من زيد؛ زيد أجزاؤه هي هذه اليدان والرجلان والقلب وإلى آخره، العلم ليس من أجزاء زيد، تمام؟ ولكنه من الصفات التي يستلزمها وجود من؟ زيد. فكان وجود زيد صار يشتمل على هذه الصفة فسمي اشتمالاً، كأنه بدل الاستلزام، مش بدل البعض؛ ما ذكر ثانياً لم يكن جزءاً مما ذكر أولاً، نعم هو من لوازم وجود الشيء الأول، زيد إذا وجد فإنه يستلزم جملة صفات من جملتها العلم، فالعلم ليس من صفات من أجزاء زيد ولكنه من لوازمه، فهذا يقال له بدل الاشتمال.

النوع الرابع: قالوا بدل الغلط، وجعلها هنا أربعة، قال بدل الغلط. شو يعني بدل الغلط؟ أكثر النحاة لم يعتد بهذا بهدا النحو من البدل، قال لأنه لا يكون في الكلام الفصيح. بدل الغلط مثلاً، التفت، كما إذا أردت أن تخبرني عن مجيء زيد فسبق لسانك إلى عمرو فأردت أن تصلح ما سبق إليه لسانك فتقول: «جاء زيد عمرو». هو من الذي جاء حقيقة؟ عمرو، وقد سبق لسانك غلطاً وسهواً إلى من؟ إلى ذلك. هذا وإن كان يمكن تصوره، ولكن عندما نبحث عن الإعراب والبناء نبحث عن الإعراب والبناء في الكلام الفصيح، وكلام أهل الفصاحة وكلام أهل البلاغة لا يشتمل على غلط وعلى سهو ولا على نسيان، واضح؟

إذاً بدل الغلط قال: أن لا تكون قاصداً لا إلى المعنى ولا إلى اللفظ ولكن يسبق اللسان إليه، أو لا، قد يسبق اللسان، قد تكون قاصداً إليه ولكن يزول القصد سريعاً، كما إذا أردت مثلاً أن تنتخب شخصاً تمام لترسله إلى مكان ما فتقول: اصطحب فلاناً، ثم بدا لك لا لا يوجد فلان أفضل منه، لا لا اصطحب فلاناً... فلاناً، قم إلى... قم أنت. فهنا مش أنا من، يعني الفرق بين الغلط وبين هذه الحالة الثانية التي نسميها البداء، أننا في الغلط من أول الأمر كنت قاصداً إلى الإخبار عن مجيء عمرو ولكن سبق اللسان لساني خذلني ولم يطاوعني، فمن أول الأمر كنت أقصد مجيء عمرو ولكن سبق اللسان فقلت: جاء زيد عمرو. أما في البداء لا، أنا عندما كنت أقول لك: اصطحب زيداً، كنت أريد ذلك فعلاً، ولكن بمجرد أن أنهيت كلامي بدا لي أن هناك أحداً ما قد ينفع لهذه المهمة أكثر من زيد وهو عمر، فاصطحب زيداً... هذا يقال له بدل البدل، وكله من أنواع الغلط، ولكن مرة الغلط يكون لساني فقط، ومرة يكون الغلط فكرياً، تمام، جيد.

وعندنا بدل النسيان؛ كيف بدل النسيان؟ جاء فنسيت، جاء رجل نسيت من هو ثم تذكرت زليداً (ززيداً)... جاءني زوار فلان تمام، فتكون يعني تريد حقيقة تريد المعنى ولكن غاب عنك ولذلك بدلته بلفظ ثم بعد أن ذكرت اللفظ العام فهمت اللفظ تذكرت المعنى الخاص فذكرته بلفظ، ولذلك قالوا بدل الغلط ينقسم إلى ثلاثة أقسام: بدل البداء، وهو أن تقصد إلى المتبوع ولكن بمجرد أن نطقت به بدا لك أن تقصد إلى غيره. بدل الغلط، وهو أن تقصد من أول الأمر إلى التابع ولكن سبق اللسان إليه. بدل النسيان، وهو أن تقصد إلى المتبوع بسبب غياب معنى التابع فلما ذكرت المتبوع تذكرت التابع فذكرته. تصور تفرقة بين هذه الثلاثة صار واضحاً.

التفرقة عندنا أن نبحث... جاء محمد بن عمر. عربناها بدل، أي نوع؟ بدل كل من كل؟ تمام! هو ابن عمر، من هو ابن عمر؟ هو فلان إلى آخره، شايف مثلاً؟ رفضت... جاء محمد بن أبي بكر رضوان الله عليه، من هو؟ محمد بلا شك، تمام؟ فمن هو ابن أبي بكر؟ محمد محمد. إذاً من القرائن التي لا تلتبس عليك، على كل حال جيد.

إذاً بقي عندنا مسألة نقرا هذا المقدار ثم نرجئ الجواب عن هذين السؤالين إلى الدرس القادم إن شاء الله.

قال: إذا أُبدل اسم من اسم أو فعل من فعل، تبعه في جميع إعرابه.

وأقول: البدل معناه في اللغة العوض، تقول: استبدلت كذا بكذا، وأبدلت كذا من كذا، أي استعضت أو استعضت به، يعني جعلته عوضاً منه. وهو في اصطلاح النحويين... صار واضحاً كيف التعريف كيف يحصل النحوي على التعريف من خلال هذه القسمة المنطقية؛ شوف التابع أخرج كل ما ليس بتابع أو أدخل كل هذه الخمسة التوابع لأن الجنس كما سياتي معكم من شأنه الإدخال لا الإخراج، هذه قاعدة منطقية. التابع، شوف، المقصود بالحكم بلا واسطة؛ المقصود بالحكم أخرج النعت والتوكيد وعطف البيان، بقي عندنا؟ بقي عندنا عطف النسق، قال بلا واسطة فأخرج عطف النسق لأنه يكون بواسطة.

قال: وحكمه أن يتبع المبدل منه في إعرابه، على معنى أنه إن كان المبدل منه مرفوعاً كان البدل مرفوعاً، ليش قال «على معنى»؟ يعني يريد يعني يريد أن ينبهك على أن التبعية ها هنا تبعية في أي شيء؟ في اللحظة (اللحظة) ليست طبيعية (تبعية) في المعنى، وإلا فإن المبدل منه ليس مقصوداً بالحكم أساساً. نحو: حضر إبراهيم أبوك.

التفت! المهم أن يتبعه في الرفع مش أن يتبعه في الضمة ولا أن يتبعه في الواو، كل رفع كل كلمة ترفع بحسبها؛ إذا كانت من الأسماء الخمسة بماذا ترفع؟ بالواو. إذا كانت اسماً ظاهراً مفرداً ترفع بالضمة. فعندما نقول إنه من التوابع أي أنه يلحق ما قبله مش في الحركة الإعرابية وإنما يلحق رفعاً ونصباً وجراً بحسب ما يقتضيه الرفع والنصب والجر في كل كلمة. ولذلك قال: «على معنى أنه إن كان المبدل منه مرفوعاً كان البدل مرفوعاً»، مش يعني على معنى أنه إن كان هناك ضمة ظاهرة على المبدل فيجب أن يكون هناك ضمة ظاهرة على البدل، قال: نحو «حضر إبراهيم» شوف بضمة، «أبوك» بواو، وكلاهما مرفوعان فتتابعا رفعاً.

وإن كان المبدل منه منصوباً كان البدل منصوباً نحو: قابلت إبراهيم أخاك.

وإن كان المبدل منه مخفوظاً كان البدل مخفوظاً نحو: أعجبتني أخلاق محمد خالك. هنا حصل تتابع بالحركة. طيب يعني كأنه من أول الأمر قال: أعجبتني أخلاق خالك، شايف؟ طيب كيف نعرف أن هذا المورد هل هو بدل؟ والله يصلح بدل، طبعا وينصب يصلح عطف بيان أيضاً، أردت أن تقصد إلى أنه أعجبتك أخلاق محمد واستعنت على توضيح محمد هذا بذكر شيء من أوصافه فقلت خالك. يصلح بدل ويصلح عطف بيان، إذاً كيف نميز بينهما؟ وهل هناك مورد يصح أن نعرب الكلمة الواحدة فيها بإعرابين مختلفين؟ لا لا يمكن. نحن جعلنا قسمة قبل قليل بين هذه الخمسة، تمام! إذا كان البدل يصح أن يكون عطفا بيان لماذا هذه القسمة من أول العمر؟ والقسمة تقتضي تباين الأقسام، ولذلك غدا سوف إن شاء الله سوف نشرح الضابطة في ذلك.

طيب، قال: وإن كان المبدل منه مجزوماً كان البدل مجزوماً، نحو: ⟦مَنْ يَشْكُرْ رَبَّهُ يَسْجُدْ لَهُ يَفُزْ⟧، يعني من يشكر ربه بأي نحو من أنحاء الشكر؟ بالسجود بالسجود، من يشكر ربه يسجد له، يعني من يسجد له شكراً. تمام؟

قال: وهو على أربعة أقسام: بدل الشيء من الشيء (يعني بدل كل من كل يسمى)، وبدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط. نحو قولك: «قام زيد أخوك» هذا بدل الكل أو بدل الشيء، و«أكلت الرغيف ثلثه»، و«نفعني زيد علمه»، و«رأيت زيداً الفرس» مش يعني زيد هو فرس، رأيت زيداً أقصد رأيت الفرس، يعني سبق لساني إلى إلى زيد، لأن فكرة زيد متغلغلة في ذهني فيسبق اللسان كثيراً ما يسبق اللسان إلى شيء أنت لا تريده، أردت أن تقول الفرس فغلظت فغلظت فأبدلت زيداً منه، يعني صححت هذا الغلط.

وأقول: البدل على أربعة أنواع:

النوع الأول: بدل الكل من الكل ويسمى البدل المطابق، واضح؛ إذا كان عينه فهو مطابق له، وضابطه أن يكون البدل عين المبدل منه نفسه. نحو: زارني محمد عمك، جاء زيد أخوك، أكلت خليفة (خليلاً) كله. نعم.

النوع الثاني: بدل البعض من الكل، وضابطه أن يكون البدل جزءاً من المبدل منه، سواء أكان أقل من الباقي أم مساوياً له أم أكثر، المهم أن يكون جزءاً، الثلث الربع الثمن لا يهم. نحو: حفظت القرآن ثلثه أو نصفه أو ثلثيه، ويجب في هذا النوع أن يضاف إلى ضمير عائد إلى المبدل منه كما رأيت.

النوع الثالث: بدل الاشتمال، وضابطه أن يكون البدل والمبدل منه أن يكون بينهما ارتباط بغير الكلية والجزئية، يعني أن يكون البدل من لوازم المبدل، ويجب فيه إضافة البدل إلى ضمير عائد إلى المبدل منه أيضاً. نحو: أعجبتني الجارية حديثها، مش الجارية يعني أعجبني منظرها، أعجبتني الجارية حديثها لرفع توهم أن يكون الذي أعجبك منظرها، ونفعني الأستاذ حسن أخلاقه، شوف هذه تكون... شوف هي عبارة ظاهرها المدح، «نفعني الأستاذ حسن أخلاقه»، ظاهرها المدح وباطنها شو؟ الذم؛ لأن الأستاذ أفضل ما ينفع فيه هو أن يبين المطلب وأن يشرح الفكرة تمام، وكأنه «أعجبني حسن أخلاقي» (أخلاقه) يعني كأنني بحثت فلم أرى شيئاً يستحق النفع سوى حسن أخلاقه، طبعا ليس بالضرورة أن تكون هذه العبارة هكذا، ولكن في كثير من الأحيان عندما نسأل عن فلان ونحن لا نريد أن نذمه تمام، فنذكر بعض صفاته التي ظاهرها المدح ولكنها تشعر بأنك بحثت وتحريت وأتعبت نفسك فلم تجد له تلك غير تلك الصفة الحميدة، فيشعر ذلك بأن كل ما عدا هذه الصفة سيئة. على كل حال، النوع المهم... أن لا ينفعكم حسن أخلاقي.

النوع الرابع: بدل الغلط، وهذا النوع على ثلاثة أضرب:

1. بدل البداء: أخذتم في العقائد معنى البداء وظاهره أن تقصد شيئاً تقصد أنت قصدت إليه ولكن بدا لك بعد ذلك غيره فتقوله، ثم يظهر لك أن غيره أفضل منه فتبدو إليه، وذلك كما لو قلت: «هذه الجارية بدر» ثم قلت بعد ذلك: «شمس»، مش بس بدر شمس هذا عينه في الجارية.

2. بدل النسيان: وضابطه أن تبني كلامك في الأول على ظن ثم تعلم خطأه فتعدل عنه، كما لو رأيت شبحاً من بعيد فظننته إنساناً فقلت قلت: «رأيت إنساناً»، ثم قرب منك فوجدته فرساً فقلت قلت: «فرساً»، تمام.

3. الثالث: بدل الغلط (طبعا بدل الاشتباه (الاشتمال) ليس نسياناً هذا اشتباه)، يصح. بدل الغلط وضابطه أن تريد كلاماً فيسبق لسانك إلى غيره وبعد النطق تعدل إلى ما أردت أولاً، نحو: «رأيت محمداً... الفرس».

هذا تمام الكلام في البدل. بقي عندنا سؤالان وجوابان يأتي إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.