الاجرومية – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 5

تحميل Word

005

قد عرفنا في الدرس السابق أن الكلام في اصطلاح أهل النحو يتقوم بمجموعة قيود لا يتحقق الكلام من دون أن تتحقق جميعها؛ فمنها أن يكون لفظاً، ومنها أن يكون مركباً، وأن يكون مفيداً، وأن تكون الفائدة مسببة عن الوضع، وأن يكون الوضع عربياً؛ فهذه قيود خمسة، وكل قيد من هذه القيود يكون أوسع من لاحقه، فالقيد الأول دائرة واسعة جداً، فتتضيق هذه الدائرة بانضمام القيد الثاني إليها، ثم تزيد ضيقاً بانضمام القيد الثالث، وهكذا حتى تتضيق الدائرة إلى درجة لا تتسع إلا للكلام النحوي، أي للكلام في الاصطلاح.

فاللفظ دائرة واسعة يشمل ما كان مفردأً من الألفاظ وما كان مركباً؛ فزيد لفظ، وزيد قائم هذا أيضاً لفظ؛ لأنه صوت خارج من الرئتين أو لأنه هواء خارج من الرئتين محتك بالأوتار الصوتية، فلا فرق بين زيد وبين زيد قائم في أن كليهما لفظ؛ فجيء بقيد ثانٍ ليحدث ضيقاً في دائرة اللفظ فقال: هو اللفظ المركب، فخرج بذلك ما كان لفظاً مفردأً، لم يعد مشمولاً لدائرة الكلام.

ولكن اللفظ المركب أيضاً دائرة واسعة تشمل ما كان مفيداً -أي مفيداً بحيث يصح السكوت عليه- وما لم يكن كذلك؛ فزيد قائم لفظ مركب، وغلام زيد أيضاً لفظ مركب؛ فجيء بقيد ثالث وهو قيد الإفادة. وعرفنا الفائدة هناك بأنها ما يصح السكوت عليه بحيث لا يبقى السامع منتظراً لسماع شيء، وأنت عندما تقول: (غلام زيد) يبقى السامع منتظراً لسماع شيء: ما حاله؟ ما به؟ تمام؟ وهذا بخلاف ما إذا قلت: (زيد قائم)، فإن السامع لا ينتظر شيئاً جديداً؛ لأنك أخبرت عن زيد بأنه قائم.

فصار الكلام هو اللفظ المركب المفيد، إلا أن هذه الفائدة يجب أن تكون مسببة عن الوضع لا عن أي شيء آخر، ومثلنا لذلك بأمثلة كان منها طرق الباب وبسط، تمام، جيد، ويفيد فائدة، ولكن هذه الفائدة ليست فائدة ناشئة من الوضع. وأضفنا قيداً أخيراً هو الوضع العربي؛ ليش؟ لأن الكلام الأجنبي أو الكلام الفارسي أو غير ذلك من اللغات يصدق عليها أنها لفظ مركب مفيد، وهذه الفائدة أيضاً مسببة عن الواضع؛ لأن كل لغة فلها واضع مخصوص قد وضع هذه اللغة لمعناها، مع أن هذا الكلام الأجنبي -التفتْ- لا يقع مورداً للإعراب والبناء، ولذلك يكون خارجاً عن غرض نحوي؛ لأن الإعراب والبناء من خصائص اللغة العربية، ونحن إنما أتينا باصطلاح الكلام لنحصر ما يكون داخلاً في غرضنا فنبحث عنه، وما يكون خارجاً عنه فنخرجه عن هذا الاصطلاح لأنه لا شغل لنا به، ولذلك الكلام الفارسي كلام، ولكن باصطلاح أهل النحو العربي ليس بكلام، فالكلام عند النحاة هو ما كان مورداً للإعراب والبناء، واللغة الأجنبية ليست مورداً للإعراب والبناء، فلذلك أُخرجت عن حيز الكلام وعن مصطلح الكلام.

بقي عندنا في هذا المطلب أن نشير إلى أمرين:

الأمر الأول: الفرق بين المركب والمؤلف

الأمر الأول: أن التركيب تارة يكون عبارة عن مجرد ضم جزء إلى آخر، أن تأتي بأحد الجزئين وتضمه إلى الجزء الآخر كيفما كان، ومن دون أن تراعي في هذا الانضمام أي حالة أخرى، وهذا يكفي في حصول التركيب، وهو أن تضم جزءاً إلى آخر -سيتضح ذلك بالمثال-. وتارة ثانية يراعى في التركيب وجود الألفة والتناسب والانسجام بين الأجزاء، فهو ضم جزء إلى آخر مع رعاية التناسب والانسجام بين الأجزاء.

التركيب إذا كان مجرد ضم جزء إلى آخر فهذا يسمى مركباً. وأما إذا روعي الانسجام بين الأجزاء فهذا يسمى تأليفاً ويسمى مؤلفاً؛ ففرق بين المركب وبين المؤلف، وهو أن المؤلف أضيق دائرة من المركب؛ لأن المركب هو مجرد ضم جزء إلى آخر، سواء كان هناك انسجام بين الأجزاء أو لم يكن كيفما اتفق. دائرة المركب تشمل ما كان هناك انسجام بين أجزائه وما لم يكن هناك انسجام بين أجزائه، نعم.

وأما المؤلف فهو تركيب مخصوص، وهو ضم جزء إلى آخر بشرط وجود الألفة والتناسب بين الأجزاء، فهذا يقال له مؤلف؛ فالتأليف أضيق دائرة من التركيب، بعبارة ثانية: كل مؤلف فهو مركب، ولكن بعض المركب ليس بمؤلف، وهو المركب الذي لا يوجد تناسب بين أجزائه فهذا ليس بمؤلف هو مركب، وكلما صدق التأليف فلا بد أنه قد صدق التركيب؛ لأنه حتى يصدق التأليف لا بد من وجود أمرين: أن نضم جزءاً إلى آخر، وأن يكون هناك تناسب بين الأجزاء، ومعنى أن يكون هناك ضم جزء إلى آخر أنه قد صدق التركيب.

إذا اتضح ذلك، فإن بعض أهل النحو اعترض على هذا التعريف للكلام، نحن ماذا عرفنا الكلام؟ (لفظ مركب مفيد بالوضع العربي). البعض اعترض على هذا التعريف وقال: الأولى استبدال قيد التركيب بأي قيد؟ بقيد التأليف. والتأليف كما عرفنا أضيق دائرة من التركيب، فمعنى أن نستبدل أحد القيدين بالآخر هو أننا نريد أن نضيق دائرة الكلام؛ إذاً لا بد أن نخرج شيئاً؛ لأن المركب أوسع من المؤلف.

وحاصل الاعتراض هو أنه الأولى أن نختزل قيد التركيب ونضع في مكانه قيد التأليف، فهذا يعني أننا نريد أن نخرج شيئاً لم يخرج بالتعريف الأول وبالقيد الأول. وحاصل الإشكال أن الكلام الذي نريد أن نصطلح عليه يجب فيه أن يكون حاصراً لما يكون مورداً للإعراب والبناء، بحيث يدخل في تعريف الكلام كل ما يكون مورداً للإعراب والبناء من الجمل، ويخرج عنه ما لا يكون مورداً للإعراب.

ونحن إذا لاحظنا الجمل التي تقع موقعاً للإعراب مورداً للإعراب والبناء، فإننا نجد أنها دائماً تشتمل على تركيب ولكنه دائماً ما يكون هناك ألفة وتناسب بين الأجزاء؛ كما إذا قلت: (جاء زيد) أو (زيد قائم)، شوف؛ لأن القيام وصف لمن؟ لزيد، والمجيء وصف لمن؟ لزيد، فلم نكتفي بضم لفظ إلى لفظ آخر كيفما كان، بل يوجد ترابط بين اللفظين وانسجام، هو عبارة عن الترابط بين معنى كل واحد من اللفظين.

وهذا بخلاف ما إذا قلت لك مثلاً -شوف- (محمد، زيد)، (زيد، علي)، هذا تركيب أو ليس بتركيب؟ تركيب بلا شك؛ لأن محمد لفظ لوحده وزيد لفظ لوحده، فقد ضممت لفظاً إلى آخر فيصدق التركيب، ولكن هذا التركيب ليس مورداً للإعراب والبناء؛ إذا قلت لك: (محمد، علي، حسن، حسين)، وين؟ وين الإعراب في ذلك؟ تمام؟ مع أن هذا تركيب، تركيب ولكنه تركيب لا يوجد ألفة وتناسب فيه بين الأجزاء، ولذلك ذهب البعض إلى أن الأولى في تعريف الكلام هو أن نختزل قيد التركيب ونبدله بما هو أضيق منه وهو قيد التأليف، فنقول في تعريف الكلام هو: (لفظ مؤلف مفيد بالوضع...) إلى آخره، وعلل ذلك بأنه لا بد من إخراج مثل هذه الكلمات عند تعدادها عن تعريف الكلام، الآن أنت تريد أن تعدد الأفعال فتقول: (جاء، قام، أكل، شرب)، شوف؛ هذا إذا اخذت كل هذه الأفعال المتعددة من حيث المجموع فهي الفاظ وهي مركبة، ولكن لا تأليف فيها، ولذلك لا تعرف منها شيئاً: فاعلاً ومفعولاً إلى آخره.

إلا أن هذا الاعتراض في غير محله؛ وذلك لأننا نسلم أنه لا بد من إخراج مثل هذه المركبات، ولكنها عندنا خارجة بأي قيد؟ بقيد المفيد؛ فقولنا: (زيد، عمر، بكر) إلى آخره، هذه الألفاظ وإن كان فيها تركيب إلا أن هذا التركيب ليس بمفيد؛ لأنه لا يحصل السكوت عليه، فما دامت هذه التراكيب خارجة عن تعريف الكلام بقيد الإفادة، فلا نحتاج إلى إخراجها مرة ثانية بقيد التأليف.

وبالجملة: فنحن نسلم أن كل كلام فإنه يجب أن يكون مؤلفاً، ولكن ما يخرج بقيد التأليف وجدنا أنه دائماً يكون خارجاً بأي قيد؟ بقيد الإفادة؛ فأغناَنَا ذلك عن اشتراط التأليف، واكتفينا باشتراط التركيب. هذا تمام الكلام في الأمر الأول.

الأمر الثاني: التركيب من الصريح والمقدر

الأمر الثاني: قد عرفنا فيما سبق أن أقل ما يحصل منه التركيب هو جزءان؛ لأن التركيب ما معناه؟ هو ضم جزء إلى آخر، فلا يحصل التركيب من جزء واحد؛ إذ لا يصدق معنى الانضمام؛ لأن الانضمام يحتاج إلى طرفين ينضم أحدهما إلى الآخر، فأقل ما به يقع التركيب هو جزآن، ويمكن أن يقع من أجزاء أكثر. وإذا كان التركيب تركيباً في اللفظ، فيجب أن يكون هناك لفظان على الأقل ينضم أحدهما إلى الآخر، وإلا لم يحسن السكوت على هذا اللفظ.

إذا اتضح ذلك، فنحن عندما نقول: إن الكلام لفظ مركب، أو إن الكلام لابد أن يكون مركباً من لفظين على الأقل، فلا نريد من ذلك أنه لابد أن يكون اللفظان صريحين، بل يكفي أن يكون أحدهما صريحاً والآخر في قوة الصريح. ولنستعن على بيان ذلك بالمثال: الآن إذا قلت لك: (كيف حالك؟)، فأجبت: (جيد)، تمام؟ التفتْ؛ إذا أخذت (كيف حالك) لوحدها، فإننا نجد أن هذا اللفظ المركب مفيد يصح السكوت عليه، بمعنى أنني عندما قلت لك: (كيف حالك) لم تبق منتظراً لتسمع مني شيئاً جديداً، ولذلك انتقلت إلى الجواب؛ لأن السؤال كان كاملاً وتاماً بالنسبة إليك، إذاً فهذا تركيب يصح السكوت عليه، انتهى، انتهينا منه.

وإذا أخذنا الجواب الذي هو عبارة عن كلمة واحدة بحسب الظاهر، فإنك قلت: (جيد)، هذا التعبير ألم يكن بحيث يصح السكوت عليه أيضاً؟ بلا شك، الآن قلت لك: (كيف حالك)، ماذا قلت لي؟ (جيد)، انتهى، أنت اكتفيت بما ذكرته لك من السؤال، وأنا اكتفيت بما ذكرته أنت لي من الإجابة من الجواب، مع أننا إذا نظرنا إلى الجواب لوجدناه عبارة عن لفظ واحد، إذاً ليس بمركب؛ لأن أقل ما به يقع التركيب هو وجود لفظين ووجود جزئين، ولا يمكن أن نقول: إن الجواب جزء من السؤال، فهناك كلامان؛ ليش؟ لأن أحدهما قد صدر من السائل، والآخر قد صدر من المجيب.

فما ذكرته لك من قول (كيف حالك) هذا لا يمكن أن يدخل وأن يتداخل مع ما ذكرته أنت لي من الجمل، فنحن إذا نظرنا إلى اللفظ وجدنا أن هناك لفظاً واحداً وهو كلمة (جيد)، وإذا نظرنا إلى المعنى لوجدنا أن هذا المعنى مفيد يحسن السكوت عليها، فيقع الإشكال من جهة أننا قلنا: إن الفائدة فرع التأليف والتركيب، وهنا لا يوجد تركيب مع أنه يوجد فائدة.

أجابوا على ذلك بأن هذا الجواب وإن كان بحسب الظاهر لفظاً واحداً، ولكنه بحسب التقدير عبارة عن لفظين اثنين، أحدهما موجود محقق، والآخر مقدر منوي؛ وذلك لأن الجواب لاقترانه بالسؤال مباشرة، وقد سألتك عن أي شيء؟ عن حالك، فكأنك اعتمدت على ذكري لهذه الكلمة فأجبت: (حالي).

ولذلك نحن كيف نعرب؟ نعرب (جيد) مثلاً خبر لمبتدا محذوف تقديره (حالي)، كيف حالك؟ أنت قلت (جيد)، أي (حالي جيد). قالوا: هذا اللفظ محذوف دلت عليه قرينة، ما هي القرينة؟ وهي أن الجواب حقه دائماً أن يكون مطابقاً للسؤال؛ أنت سألتني عن حالي فيجب في الجواب أن يكون جواباً عن حالي، إذا سألتني عن مالي فيجب في الجواب أن يكون جواباً عن مالي. فنفس كون المجيب في مقام الجواب، وحق الجواب أن يطابق السؤال؛ فهذه قرينة تدل على أن قوله (جيد) كان وصفاً لما اعتمد عليه في السؤال.

فيقال لمثل هذا اللفظ إنه لفظ مقدر. جيد، واضح إلى الآن؟ فهذا لفظ مقدر، فصار عندنا في المقام لفظان؛ أحدهما محقق أي مذكور باللفظ بالصراحة، تمام؟ له ظهور على اللسان، والآخر محقق -عفوًا- والآخر مقدر، أي أنه محذوف لا بمعنى أنه معدوم، محذوف ولكن مدلول عليه بالقرينة، تمام؟ وعندنا قاعدة تقول: لا يجوز الحذف إلا إذا كان هناك قرينة تدل على المحذوف، والقرينة التي تدل على المحذوف فإنها تصيره في قوة الموجود. ولذلك إذا سألتك: (كم مالك؟)، فقلت: (كثير)، التقدير ما هو؟ (مالي كثير)، جيد. ولذلك صح السكوت على مثل هذا اللفظ؛ لأنه مركب من لفظين؛ أحدهما محقق والآخر مقدر، تمام.

ولذلك مثلاً -التفتْ من أمثله المقدر- ما إذا ذهبت أنت وصديقك مثلاً إلى الصيد، فطار العصفور فجأة من أمامك فتقول: (عصفور)، ومرادك (هذا عصفور)، الآن لماذا نقول مثل هذا؟ لماذا (عصفور)؟ لأننا نخشى فوات فرصة اصطياده ريثما نقول مثل هذه الفتوى، ولذلك تباشر باللفظ الأهم (عصفور) حتى إذا ما سمع هذه الكلمة التفت إليه فلم يفوت فرصة اصطياده.

اللغة العربية لغة بليغه جداً تحاكي حال المخاطب، على كل حال فقد يحذف اللفظ لأسباب كثيرة جداً يأتي إحصاؤها في علم البلاغة، ولكن ما يهمنا هو أن نتتبع القرينة، ما هي القرينة؟ نفس كوننا في مقام الصيد ننتظر طريدة وعصفوراً، والذي يسوقنا أو نفس إشارة يده قرينة تدل على أنه أراد أن يقول (هذا عصفور)، فصار مقدراً، واللفظ المدلول عليه بالقرينة في قوة اللفظ الموجود. ولذلك عندما نقول: الكلام لفظ مركب، أي مركب من لفظين، سواء كان كلاهما محققين أو كان أحدهما محققاً والآخر مقدراً.

نعم، التفتْ، لا يوجد عندنا كلام مركب من لفظين ويكون كل واحد من اللفظين مقدراً، لغة الصمت حينئذ، سوف لا نتكلم أساساً. التفتْ، الكلام أقل ما به الكلام يشترط فيه دائماً أن يتركب، وأقل ما يحصل به التركيب جزآن، تمام؟ فيجب في هذين الجزئين إما أن يكونا لفظين محققين، أو أن يكون أحدهما محققاً والآخر مقدراً، ولا يوجد عندنا كلام يتركب من لفظين مقدرين تماماً؛ لأنه حينئذ سوف لا يكون هناك لفظ من أول الأمر، جيد. ونحن نحذف أحد اللفظين اعتماداً على الآخر، جيد، فالحذف يعني: لماذا لا يجوز أن يكون هناك كلام مركب من لفظين مقدرين؟ نقول: لأننا عندما نقدر أحد اللفظين -أي نحذفه- فلا بد أن ننصب قرينة تكشف عنه وتدل عليه، وفي العادة فالمحذوف يعتمد على المذكور، فلو حذفنا كليهما لم يبق لأحدهما اعتماد على الآخر، فلا يكون هناك قرينة على أي منهما، وهذا غير جائز في اللغة العربية، نعم، جيد.

نقرا هذا المقدار -طبعا من الأمثله- بعد عندما تقول مثلاً: (قم) وماذا تفعل أنت؟ فتقوم، (اجلس) فتجلس، مع أن اللفظ واحد والتقدير: (قم أنت)، (اجلس أنت)، طبعا حذف هذا اللفظ اعتماداً على القرينة، وهي نفس كوني ناظراً إليك موجهاً لخطابي إليك، يعلم من هذه القرينة المقامية -يعني نفس كوني في مقام التحدث معك إذاً فأنا أوجه الخطاب إليك فأنأ أقصدك أنت- فصار هذا اللفظ مدلولاً عليه بالقرينة، وما يدل عليه بالقرينة يصح أن يحذف فيعتمد على القرينة، يصبح هذا اللفظ المحذوف في قوة اللفظ المحقق والموجود.

أقسام الكلام والشروط المعتبرة فيه

قال: ومعنى كونه مركباً: (أن يكون مؤلفاً من كلمتين أو أكثر)، شوف كيف عرف التركيب بالتأليف، ومعنى كونه مركباً: أن يكون مؤلفاً، والتأليف أضيق دائرة كما عرفنا من التركيب، هو هذا أراد أن يشير أشار إشارة ما إلى أن الكلام دائماً يكون هناك ألفة، ولذلك سمي مؤلف من الألفة أي التناسب والانسجام بين الأجزاء، وإن لم نذكره وإن لم نحتج إلى زيادة هذا القيد في التعريف؛ لأن قيد الإفادة في التعريف يغني، يعني كل ما نريد أن ندخله بقيد التأليف هو خارج بقيد الإفادة، فلا نحتاج إلى زيادة هذا القيد.

قال: (أن يكون مؤلفاً من كلمتين أو أكثر، نحو: محمد مسافر، والعلم نافع، ويبلغ المجتهد المجد، ولكل مجتهد نصيب، والعلم خير ما تسعى إليه)؛ العلم ما هو؟ هو خير ما تسعى إليه. فكل عبارة من هذه العبارات تسمى كلاماً، وكل عبارة منها مؤلفة من كلمتين أو أكثر؛ فالكلمة الواحدة لا تسمى كلاماً عند النحاة إلا إذا انضم غيرها إليها، سواء كان انضمام غيرها إليها حقيقة -يعني سواء كان لها صورة محققة في اللفظ، في الصوت، لها ظهور في الصوت كالأمثلة السابقة- أم تقديراً، والمقدر ما هو؟ هو المحذوف في قوة الموجود.

وكيف صار في قوة الموجود؟ بسبب دلالة القرينة عليه، فالقرينة هي التي في قوة الموجود. طيب، فما هو المقدر؟ هو لفظ ليس له ظهور بحسب اللفظ ولا ينطق به على اللسان، ولكن العقل يعتبره موجوداً اعتماداً على القرينة التي دلت عليه؛ كما إذا قال لك قائل: (من أخوك؟)، فتقول: (محمد)، أي (أخي محمد). القرينة ما هي؟ قالوا: لأن الجواب إنما هو جواب عن هذا السؤال، فحق الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، تمام؟ وإذا كان المسؤول عنه هو أخاك، فالجواب سوف يكون عن أخيك، فهذه الكلمة تعتبر كلاماً؛ لأن التقدير (محمد أخي)، فهي في التقدير عبارة -شوف- مؤلفة، يعني مش بس مركبة بل مؤلفة، يوجد انسجام من ثلاث كلمات، اللي هي (محمد) و(أخ) وهذه (الياء) التي هي ضمير المتكلم على ما سيأتي في محله.

ومعنى كونه مفيداً: أن يحسن سكوت المتكلم عليه. هذا خلاف طويل بين النحاة ها سياتي معكم في كتب لاحقة، إنه ما هو المراد من المفيد؟ البعض قال: المفيد هو ما يحسن سكوت عليه كما فعل الماتن ها هنا، بس نقول: عندما نقول الماتن يعني صاحب المتن الذي كتب هذا الكتاب تمام، البعض قال: المفيد هو ما يصح السكوت عليه، إذاً غير المفيد هو ما لا يصح السكوت عليه، سواء كان له معنى أو لم يكن له معنى. البعض الآخر قال: لا، المفيد هو ما له معنى، سواء كان يصح السكوت عليه أو لا يصح السكوت عليه، إذاً غير المفيد قال: الذي ليس له معنى، تمام؟ ولذلك هنا هذا التزم فيما بعد، قال: تنقسم -ينقسم المفيد إلى قسمين، إلى فائدة تامة وفائدة ناقصة، ولذلك البعض عرف الكلام بأنه: لفظ مفيد فائدة تامة، ليش؟ لأن المفيد هو ما له معنى، ولكن ليس كل ما له معنى فإنه يصح السكوت عليه، فأضاف هذا القيد حتى يصح السكوت على اللفظ.

الماتن يقول: نحن نصطلح على الفائدة بأنها خصوص الفائدة التامة، ما هو المفيد عندكم؟ هو ما كان له معنى وكان يحسن السكوت على هذا المعنى، فلذلك لا نحتاج إلى قيد، إذاً هو خلاف على اصطلاح أو على تحديد المراد من الفائدة بحسب الاصطلاح. إذا كان اصطلاحنا -يعني إذا اتفقنا على أن لفظ المفيد نحن عندما نستعمله نحن النحاة نريد منه ما يصح السكوت عليه، إذاً فالكلام لا نحتاج فيه إلا إلى هذا القيد، وهو قيد (مفيد)؛ لأنه صار يستبطن خصوصيتين: أن يكون له معنى، وأن يكون بحيث يصح السكوت على هذا المعنى، فنقول: الكلام لفظ مفيد إلى آخره.

وأما إذا اتفقنا على أن المفيد يطلق على كل ما له معنى، فـ(غلام زيد) لها معنى أو لا؟ لها معنى، إذاً (غلام زيد) صارت مفيدة وليست بكلام، فحينئذ نحتاج إلى قيد جديد نقول: (مفيد فائدة تامة)، حتى نخرج الفائدة الناقصة، الناقصة الناقصة، وهي ما له معنى ولكن لا يصح السكوت عليه.

قال: (ومعنى كونه مفيداً أن يحسن سكوت المتكلم عليه، بحيث لا يبقى السامع منتظراً لشيء آخر)؛ فلو قلت: (إذا حضر الاستاد) وسكتّ؛ شوف، إذا قلت: (حضر الأستاذ) هذا كلام تام، ولكن إذا قلت: (إذا حضر الأستاذ) سوف تبقى منتظراً، إذا حضر ماذا يحصل؟ تمام، ليش؟ بسبب (إذا)؛ لأن (إذا) هذه شرطية، وعندما يكون هناك شرط فلا بد من وجود جزاء مترتب على ذلك الشرط، هو ذكر الشرط وسكت عن ذكر الجزاء فيبقى السامع منتظراً لسماع الجزاء، لا يسمى ذلك كلاماً ولو أنه لفظ مركب من ثلاث كلمات، العبرة مش بعدد الألفاظ التي يحصل فيها التركيب، هو مركب (إذا) و(حضر) و(الأستاذ)، فيه تركيب أكثر من جزئين، ومع ذلك لا يسمى كلاماً؛ لأن المخاطب ينتظر ما تقوله بعد هذا، هذا مما يترتب على حضور الأستاذ، يعني الجزاء الذي تريد أن ترتبه، فإذا قلت: (إذا حضر الأستاذ أنصت التلاميذ) صار كلاماً لحصول الفائدة.

ومعنى كونه موضوعاً بالوضع العربي: أن تكون الألفاظ المستعملة في الكلام من الألفاظ التي وضعتها العرب للدلالة على معنى من المعاني، مثلاً (حضر) كلمة وضعها العرب لمعنى وهو حصول الحضور في الزمان الماضي، وكلمة (محمد) قد وضعها العرب لمعنى وهو ذات الشخص المسمى بهذا الاسم صلى الله عليه وآله، فإذا قلت: (حضر محمد) تقول تكون قد استعملت كلمتين كل منهما مما وضعه العرب.

بخلاف ما إذا تكلمت بكلام مما وضعه العجم -المراد من العجمي مش مش من السجادة العجمية، يعني الإيراني، المراد من العجمي هو كل من لا ينطق باللغة العربية، جيد، كالفرس عفواً كالفرس والترك والبربر والفرنج، ويشعرنا بأنه كان يعيش في زمن الحملة الصليبية- فإنه لا يسمى في عرف علماء العربية كلاماً، وإن سماه أهل اللغة الأخرى كلاماً.

طبعا التفتْ هنا كأنما الماتن اشترط في الكلام أن تكون كل كلمة من كلماته عربية، ولذلك قال: (حضر) لفظ وضعه العرب لمعنى، و(محمد) لفظ وضعه العرب لـ... فكانه اشترط في كل لفظ -التفتْ في كل لفظ من ألفاظ الكلام- أن تكون عربية، وليس الأمر كذلك؛ لنفترض الآن لفظ (جاك) مثلاً، أو وضع اسماً لشخص ما وتقول: (جاء جاك)، فهذا كلام عربي وفيه فعل وفاعل مع أن بعض الألفاظ لم يكن عربياً، ولذلك نحسن أن نروي لكم هذه القصة:

يقال: كان هناك قبيلة في العرب لدى العرب لا تزوج بناتها إلا لمن يكون عربياً، وعلامة العربية في ذلك الوقت أن يكون المتكلم بحيث ينظم شعراً؛ في قبل الإسلام كل إنسان كل عربي فيولد وله مقدرة على نظم الشعر بسبب سبك اللغة في ذلك الوقت وقوتها وفصاحتها إلى آخره، فالقبيلة كانت لا تزوج بناتها إلا لمن يكون عربياً، وعلامة كونك عربياً أن تنظم شعراً.

فتقدم واحد من أهل الفرس إلى ابنة من بنات هذه القبيلة، فأرادوا أن يمتحنوه بنظم البيت، فنظم لهم بيتاً من الشعر. إذا لاحظت هذا البيت من حيث الهيئة والسبك لوجدته عربياً، وإذا نظرت إلى كل مفردة من المفردات التي استعملها هذا المتكلم لوجدت أنها ليست كلمة عربية، ماذا قال لهم؟ قالوا -امتحنوه بأن ينظم بيتاً من الشعر- فقال لهم هذا، فذكر لهم هذا البيت قال:

⟦إن الأناجير قد ساهت بعد أن سبزت وشروررت بعد أن كانت طراشيشا⟧

الآن لا يوجد لفظ من ألفاظ هذا البيت بحيث يكون لفظاً عربياً، كلها ألفاظ فارسية ولها معانٍ -يعني وضعت الألفاظ لها في اللغة الفارسية- مع أن نظم البيت عربي، ولذلك قالوا: يكفي في الكلام العربي أن يكون عربياً من حيث السبك والهيئة والصورة، ولو لم يكن عربياً من حيث كل مفردة من مفرداته.

الآن حتى لا يبقى هذا البيت، حتى يبقى هذا البيت في أذهانكم فلا بد أن نشرحه لكم: (الأناجيل) -شوف، لا يوجد كلمة أناجير حتى في اللغة الفارسية، في الفارسية يوجد (انجور)، تمام، والأنجور هو العنب- (إن الأناجير) جمعها جمعاً عربياً مع أن الكلمة فارسية. (قد ساهت بعد أن سبزت)، (ساهت) أيضاً كل هذا -كل هذه التصاريف أيضاً ليست موجودة في اللغة الفارسية- يعني هو أخذ الكلمة من اللغة الفارسية وصرفها تصريفاً عربياً؛ (إن الأناجير) الأناجير تغيير جمع (انجور)، ولا يوجد لكلمة (انجور) في اللغة الفارسية جمع، وإذا اردت أن تجمعها تقول: (انجوراه)، جيد، فهو جمعها جمعاً عربياً. (قد ساهت) مأخوذة من (صياغ) (صياغ) يعني الأسود، (قد ساهت) يعني قد اسودت، (بعد أن سبزت) مأخوذة من (سبزي) والسبزي هو الأخضر، (يعني أن العنب قد اسود بعد أن كان أخضراً). والعنب في بدايته يكون أخضراً، إذا تعرض إلى الاستواء فانه يصير اسوداً. (وشروررت بعد أن كانت طراشيشا)، (شروررت) مأخوذ من (شيرين) وهو الحلو، (يعني حلوت بعد أن كانت طراشيشا) مأخوذ من (تورشيه) وهو الحامض، وهو الحصرم يكون حامضاً.

ومحصل البيت أن العنب قد اسود بعد أن كان أخضراً، وقد احلوّ أو قد صار حلواً بعد أن كان حامضاً.

أمثلة وتطبيقات

قال: (أمثلة للكلام المستوفى الشروط) -شو يعني مستوفى الشروط؟ الشروط يعني التي تحققت جميع الشروط المأخوذة في تعريفه-:

الجو صحو.

البستان مثمر.

الهلال ساطع.

السماء صافيه.

يضيء القمر ليلاً.

ينجح المجتهد.

لا يفلح الكسول.

لا إله إلا الله محمد صفوة المرسلين صلى الله عليه وآله.

الله ربنا محمد نبينا.

أمثلة للفظ المفرد -يعني ما ليس بمركب-:

محمد، علي، إبراهيم، قام، من، إلى، كل واحدة، كل واحدة، كل واحد من هذه الألفاظ إذا أخذته لوحده.

قال: (أمثلة للمركب غير المفيد) -يعني يوجد تركيب ولكن الفائدة ناقصة-:

مدينة الإسكندرية.

ما بها عبد الله.

حضرموت.

لو أنصف الناس... -ماذا ماذا يحصل إذا كان الناس منصفين؟-.

إذا جاء الشتاء...

مهما أخفى المرء...

أن طلعت الشمس...

أنواع الكلام وأقسامه:

قال: (وأقسامه ثلاثة)؛ الكلام ينقسم بحسب ما يتركب منه إلى ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى، بيان ذلك يأتي إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.