دروس مقررة — النصوص المتاحة
54 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 44 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 54
054
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
قد عرفنا أن الحال وصف لصاحب الحال، كما أن النعت صفة للمنعوت، إلا أن الحال صفة لصاحب الحال حال تقيده بالعامل، أي حال حصول الفعل، فيشعر ذلك بانتفاء الصفة عنه عند تقضي الفعل وتصرمه، ولذلك صارت الحال مبينة لهيئة الفعل، حتى كأن الفعل عند انتفائه تنتفي تلك الهيئة التي كان عليها صاحبه، حتى في قولنا: جاء الرجل راكباً، فالركوب ليس وصفاً للمجيء، هو وصف للرجل، إلا أنه وصف له حال حصول الفعل منه.
ويمكن أن يقال: إن الركوب يبين هيئة الفعل، وأن الفعل كان على هيئة الركوب، ولكن الركوب حقيقة ليس إلا من أوصاف نفس الرجل. على كل حال، وصلت نوبة الكلام إلى شروط الحال وإلى شروط صاحبها. قال: ولا يكون إلا نكرة، ولا يكون إلا بعد تمام الكلام، ولا يكون صاحبها إلا معرفة. هنا ذكر أحكاماً ثلاثة؛ الحكم الأول: أن الحال لا تكون إلا نكرة، والححكم الثاني: أن الحال لا يؤتى بها إلا بعد تمام الكلام، هذان شرطان للحال. وعندنا الحكم الثالث هو شرط لصاحب الحال، قال: ولا يكون صاحبها إلا معرفة.
ولكن الشارح ذكر جملة أحكام للحال وصاحبها، قال: وأقول: يجب في الحال أن يكون نكرة ولا يجوز أن يكون معرفة. هذا الشرط قد بيناه، وقد بينا ما أدركه في الدرس السابق ونعيده استذكاراً، قلنا: لأن الباعث على الإتيان بالحال هو بيان الهيئة، وأن نذكر الصفة التي يكون عليها صاحب الحال حال حصول الفعل منه، هذا هو الباعث على ذكر الحال. الغرض من المجيء بالحال هو أن نبين هيئة الفعل، وإذا كانت هيئة الفعل بحيث تتبين بالنكرة، فلا تصل النوبة إلى تبيانها بالمعرفة؛ لأن المعرفة عبارة عن النكرة وزيادة، فالنكرة أقل من المعرفة، وإذا كان الغرض يتأتى بالأقل فلا تصل النوبة إلى الأكثر؛ لأنه حينئذ من الإتيان بالزيادة من دون داع إلى ذلك. وأقول: يجب في الحال أن يكون نكرة ولا يجوز أن يكون معرفة.
ثم قال: وإذا جاء تركيب فيه الحال معرفة في الظاهر، فإنه يجب تأويل هذه المعرفة بنكرة، يجب إرجاعها إلى كونها نكرة استجابة لأصل القاعدة؛ حتى لا يشتمل الكلام على زيادة من دون داع تماماً مثل قولهم: جاء الأمير وحده. قلنا: هناك بعض الألفاظ التي تكون متوغلة في الإبهام فلا تعرف حتى عند إضافتها إلى معرفة، مثل لفظ غير، ولذلك إذا قلت: غيره أو غيرك، من يصدق عليهم أنهم غيرك؟ هم كل ما عداك أو كل من عداك، ولذلك هذا لا يحدث تعييناً حقيقياً في المعنى، ولذلك بعض الأسماء حتى لو دخل عليها الضمير أو حتى لو أضيفت في الظاهر إلا أنها تبقى على التنكير.
ومن هذه الألفاظ مثل وحده وحدك وإلى آخره، مثل قولهم: جاء الأمير وحده، فإن وحده حال من الأمير، وهو معرفة بالإضافة إلى الضمير، ولكنه في تأويل نكرة هي قولك منفرداً منفرداً، فكأنك قلت: جاء الأمير منفرداً. ومثل ذلك قولهم: أرسلها العراكَ، أي معتركةً.
الآن لماذا قال أرسل، فليقل أرسلها معتركة، لماذا قال أرسلها العراكَ تماماً؟ الجواب على ذلك -التفت- قد يبالغ في بعض الأحيان في اتصاف الموصوف بالصفة، حتى كأن الموصوف صار عين الصفة -التفت- يقال: زيد عادل، وهذا يعني أنه ذات ثبت لها العدل، ذات عرض عليها عنوان العدالة، ذات تلبست بعنوان العدالة وصفته، ولكن قد يبالغ في عدالة زيد حتى كأن العدل صار يتجسد فيه في شخصه، وحتى كأن هو مبدأ العدالة وأن العدالة تستنزل منه، فيقال: زيد عدل هو العدل تماماً، مع أن كلمة العدل مصدر، والمصدر لا يقع صفة للذات؛ لأن الصفة عين الموصوف مصداقاً، والمصدر لا دلالة له إلا على الحدث، فكيف يقع؟ فكيف يحمل على الذات؟ قالوا: يحمل على الذات بهذا التقدير وبهذا المعنى، حتى كأن العدالة صارت متجلية أو صارت من تجليات زيد، فصار هو نفس العدالة والعدالة تستنزل.
ولذلك في قول الشاعر إنما يصف فرساً أعتقد يقول: إنما هي إقبال وإدبار، يريد أن الفرس مقبلة ومدبرة، ولكنها لكثرة ما أقبلت وكثرة ما أدبرت، حتى كأن الإقبال والإدبار من ذاتياتها، فصارت هي عين الإقبال وعين الإدبار تماماً. وهنا كذلك: أرسلها العراكَ، هي أرسلها معتركة، ولكن حتى كأن الاعتراك تماماً صار من ذاتياتها، فصارت هي مصدر العراك، أي معتركةً.
وجاءوا الأول فالأول تماماً، هنا مسألة مختلفة، الأول فالأول؛ لأن مجموع -التفت- مجموع الكلمتين ولد معنى ثالثاً جديداً، وهو أنهم جاءوا مترتبين. وجاء ربك والملائكة صفا صفا، البعض ذكر أن صفا الثانية تكون توكيدا لصفا الأولى، والأكثر منع ذلك، قال: لأن الكلمة الثانية كانت سببا في تولد معنى جديد لم يكن مستفاداً من الكلمة الأولى، جاء ربك والملائكة صفا صفا، أي صفا بعد صف، أي مترتبين صفا صفا تماماً. وهناك ذلك الأول فالأول المراد مترتبين، شوف هي مش مؤولة بنكره، هي في الأصل تفيد هذا المعنى النكرة.
ثم قال: والأصل في الحال أن يجيء بعد استيفاء الكلمة، واضح؛ لأن الحال بحسب الفرض من الفضلات، وهي إنما جيء بها لتفيد صفة في صاحب الحال ولتبين هيئة الفعل، فلا بد حينئذ أن يتقدم ذكر الفعل حتى نبين هيئته فيما بعد، وأن يتقدم ذكر الفاعل الذي هو صاحب الحال؛ فالحال من جهة أنها تبين هيئة الفعل فلا بد أن يتقدم ذكر الفعل عليها؛ لأن المبين فرع وجود المبين، ولجهة أنها صفة لصاحب الحال فحقها أن تتأخر عن صاحب الحال؛ لأن الصفة فرع وجود الموصوف. وإذا تقدم الفعل والفاعل على الحال فقد استوفي الكلام؛ إذ لا يراد من الكلام إلا تحقق أجزائه التي هي الفعل والفاعل في الجملة الفعلية، والمبتدأ والخبر في الجملة الاسمية، ولذلك قال: والأصل في الحال أن يجيء بعد استيفاء الكلام، يعني بعد أن تتم أركان الكلام التي هي الفعل والفاعل، ليه؟ لأن الحالة تبين هيئة الفعل، جاء زيد راكباً، الركوب يبين أن المجيء قد وقع على هذه الهيئة، والمبين فرع وجود المبين، فلا بد أن يتقدم ذكر الفعل، ولأن الركوب من أوصاف زيد والصفة فرع وجود الموصوف، والصفة لا تتقدم على الموصوف.
قال: ومعنى استيفاء الكلام أن يأخذ الفعل فاعله والمبتدأ خبره. ثم قال: وربما وجب تقديم الحال على جميع أجزاء الكلام، متى؟ إذا كانت الكلمة التي تؤدي معنى الحال من الكلمات التي لها حق الصدارة. هذا البحث لم تأخذوا عنه شيئاً في هذا الكتاب، إن شاء الله في الكتاب الأول، هناك بعض الأسماء لها حق الصدارة في الكلام، فمهما كان محلها الإعرابي فإنه يجب أن يبدأ بها، فإن كانت خبراً فيجب تقديم الخبر، وإن كانت مفعولاً به فيجب تقديم المفعول به وهكذا. هذه الأسماء التي لها حق الصدارة من جملة أسماء الشرط وأسماء الاستفهام وأسماء العرض والتمني والترجي إلى آخره، هذه الأسماء لها حق الصدارة في الكلام، يعني حقها أن يؤتى بها وين؟ في صدر الكلام، ومن جملة هذه الأسماء أيضاً أسماء النفي أو أحرف النفي وأدواته.
إذاً هناك كلمات، والنظر ها هنا إلى الأسماء، الكلام عن الحال والحال لا تكون إلا اسماً. هناك أسماء لها حق الصدارة في الكلام، فإن كانت الكلمة التي تؤدي معنى الحال -أي تبين هيئة الفعل- من الأسماء التي لها حق الصدارة في الكلام، فهذا يعني أنه يجب أن تتقدم. ما معنى أن يكون له حق الصدارة؟ أي حقها أن تقع في صدر الكلام، أي في أوله، وذلك مثل لفظ كيف الاستفهامية؛ لأنه كيف إنما تكون سؤالاً عن الحال، فإذا قلت: كيف جاء زيد؟ فأنت تسأل عن الهيئة التي وقع عليها مجيء زيد، فكيف ناظرة إلى هيئة المجيء أو لا؟ إلى هيئة الفعل، ولذلك: كيف جاء زيد؟ ماذا نعربها؟ كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، وجاء زيد فعل وفاعل.
عادا، ماذا؟ خلاف ما إذا قلت: هل جاء زيد؟ هل تصبح مبتدأ تماماً؟ وهل الاسم أو حرف؟ الحرف الحرف تماماً، مش هل جاء زيد؟ كم مالك مثلاً؟ فكم ها هنا تعرب على أنها مبتدأ إلى آخره.
جيد، قال: وربما وجب تقديم الحال على جميع أجزاء الكلمة. إذاً فالأصل هو أن تتأخر الحال، ولكن قد يعرض عارض يوجب العدول عن هذا الأصل، فتقع الحال متقدمة على كل أجزاء الكلام، وهو ما إذا كان لها حق الصدارة، كما إذا كان الحال اسم استفهام نحو: كيف قدم عليّ؟ فكيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من عليّ، ولا يجوز تأخير اسم الاستفهام؛ لأنه من الأسماء التي لها حق الصدارة في الكلام.
طيب هذه شروط الحال، الآن قال: ويشترط في صاحب الحال أن يكون معرفة، فلا يجوز أن يكون نكرة بغير مسوغ -التفت- الحال كما عرفنا صفة لمن؟ لصاحب الحال، والصفة دائماً حكم على الموصوف، لأنك إذا قلت: جاء زيد راكباً، فأنت في الحقيقة تحكم على زيد بالركوب، تحكم عليه بصفة الركوب، فالحال صفة لصاحب الحال والصفة حكم على الموصوف، والحكم على شيء فرع تصوره، ومعنى أن يكون الشيء متصوراً في رتبة سابقة أي أن يكون معلوماً وأن تكون الصفة صورته في الذهن واضحة، فحق صاحب الحال أن يكون معلوماً ومتصوراً، ومعنى أن يكون معلوماً هو أن يؤتى به بلفظ المعرفة؛ لأن لفظ المعرفة يدل على معلوم ويدل على معين، ولذلك صار الأصل في صاحب الحال أو صار حق صاحب الحال أن يكون معرفة.
قال: ويشترط في صاحب الحال أن يكون معرفة؛ لأن صاحب الحال محكوم عليه، والحكم على شيء فرع تصوره. الآن إذا قلت لك مثلاً: زيد قائم وأنت لا تعرف زيداً، مثل هذا التركيب لا يفيدك معه، سوف تقول لي: من هو زيد؟ تصور القيام لابد أن تصور زيداً في رتبة سابقة، ولذلك يؤتى بصاحب الحال بلفظ المعرفة؛ لأن لفظ المعرفة بحسب الفرض يدل على معين أي يدل على معلوم ومتصور في الذهن. طيب هذا هو الأصل وهذا هو حق صاحب الحال، ولكن قد يخرج عن هذا الأصل ولكن بشرط أن يكون هناك ما ينوب عن التعريف، أي ما يحدث معلومية ولو بغير طريق التعريف، فمن ذلك الإضافة، ومن ذلك النعت، وذلك لأن الإضافة توجب تضييق دائرة المعنى، والنعت أيضاً توجب تضييق دائرة المعنى؛ لأنك إذا قلت: جاء غلام زيد، فقد خصصت الغلام بكونه غلاماً منسوباً إلى من؟ إلى زيد، فقد خرجت عن دائرة الإبهام، وهي مطلق كون الشيء غلاماً، وضيقت دائرة الغلام إلى كونها خصوص الغلامية المنسوبة إلى من؟ إلى زيد.
أو كما إذا -طبعا هذا معرفة، غلام مضاف إلى معرفة منه معرفة- نريد الإضافة ولو إلى نكرة، كما إذا قلت: جاء غلام رجل. فإن غلام رجل وإن لم يكن موجبا لتعيين ذلك الجائي في فرد محدد، ولكنه قد خرج عن دائرة الإبهام الواسعة إلى دائرة أضيق منه؛ إذ إن الغلام قد يكون غلاماً لامرأة وقد يكون غلاماً لرجل، فلما أضفت الغلام إلى الرجل علم أن الجائي غلام رجل، وهذا الخروج من السعة والإبهام إلى الضيق، وإن لم يوجب تعييناً، ولكنه يحدث فائدة في الذهن، وهو أن تعرف أن الجائي لم يكن غلام امرأة، وهذا القدر كافٍ لأن يصح أن نحكم على ذلك الرجل.
وإذاً فصاحب الحال قد لا يكون معلوماً ومتعيناً، ولكن يكفي أن يخرج صاحب الحال عن الإبهام بأن تتضيق دائرة معناه نحو تضيق، فيصبح متصوراً ولو من جهة ولو بوجه، وهذا التصور الإجمالي يكفي لكي يصح أن نحكم عليه فيما بعد بالحال والجمل، فنحن إنما اشترطنا في صاحب الحال أن يكون معرفة؛ لأن صاحب الحال محكوم عليه، والحكم على شيء تصوره، فوجب أن يكون صاحب الحال معلوماً ومتصوراً ليصح الحكم عليه بالحال.
وسيأتي معكم في المنطق أن تصور الشيء قد يكون تصوراً تفصيلياً موجباً للتعيين، وقد يكون تصوراً إجمالياً، وما هو شرط لصحة الحكم على الشيء هو التصور الإجمالي فقط، فيكفي تصور الشيء ولو إجمالاً ليصح أن تحكم عليه، وإذا كان التصور الإجمالي كافياً لصحة الحكم على الشيء، فيكفي أن نتصور صاحب الحال ولو تصوراً إجمالياً بأن نخرج عن هذا الإبهام الواسع إلى دائرة أضيق منه، فهذا وإن لم يكن تصوراً تفصيلياً تعيينياً ولكنه تصور إجمالي كاف لصحة الحكم على الشيء.
ولذلك قالوا: إن صاحب الحال يمكن أن يكون نكرة، ولكن بشرط أن يكون هناك ما يسوغ، أي ما يجيز وقوعه صاحب حال، وما يسوغ وقوعه صاحب حال هو أن يكون متصوراً ولو من وجه، أي متصوراً ولو تصوراً إجمالياً، ومن طرق التصور الإجمالي الإضافة؛ وذلك لأن الإضافة إن لم توجب تعييناً كما في الإضافة إلى المعرفة، فهي على الأقل توجب تخصيصاً، ومعنى التخصيص هو الخروج من الدائرة الواسعة إلى دائرة ضيقة، فيرتفع الإبهام ولو ارتفاعاً إجمالياً.
بعد، من طرق التصور الإجمالي النعت، كما إذا قلت: جاء رجل طويل، فتعلم أن الجائي ليس رجلًا قصيراً، وهذا وإن لم يوجب تعييناً بخصوص الرجل الجائي من هو، ولكنه يرفع المجهولية ولو من جهة، وهو أن الجائي لم يكن قصيراً تماماً. طيب، بعد، من المسوغات التي توجب تصوراً إجمالياً لصاحب الحال، قالوا: أن تتقدم الحال عليه. ليش؟ لان الحال ما دامت صفة لصاحب الحال، فعندما تقدمت هذه الحال أنبأت عن طبيعة الموصوف الآتي بعدها، فصار ذلك الموصوف متصوراً ولو بوجه.
الحال صفة لصاحب الحال، عندما تقدمت الحال أنبأت وأشعرت بطبيعة الذات التي سوف نذكرها فيما بعد، وهي أنها ذات متصفة بتلك الصفة، فصار صاحب الحال متصوراً ولو تصوراً إجمالياً، وارتفعت المجهولية عنه ولو بنحو من أنحاء الارتفاع، فصح حينئذ أن يؤتى بصاحب الحال نكرة.
جيد، نقرأ هذا المقدار، قال: ويشترط في صاحب الحال أن يكون معرفة، واضح، قلنا: لأن الحال صفة لصاحب الحال، والصفة حكم على الموصوف، والحكم على شيء فرع تصوره، وأفضل أنواع تصور الشيء هو التصور التفصيلي، وذلك إنما يكون إذا جيء بلفظه معرفة تماماً، فلا يجوز أن يكون نكرة قال: بغير مسوغ. والمراد من المسوغ -طبعا المسوغ في اللغة يعني المجيز وما يجوز وقوعه نكرة- هو أن يكون له نحو من أنحاء التصور بحيث ترتفع المجهولية المطلقة عنه فيصح أن يحكم عليه. ومما يسوغ مجيء الحال من النكرة أن تتقدم الحال عليه؛ لأن الحال إذا تقدمت فبمجرد تقدمها أنبأت عن طبيعة الذات التي سوف تذكر بعدها، وهي أنها ذات لها تلك الصفة، فصار صاحب الحال متصوراً تصوراً ولو من هذه الجهة كقول الشاعر: لميت موحشاً طلل، شوف أصلها أصلها طلل لميت، امرأة اسمها مية تماماً، طلل مبتدأ لمن؟ لميت جار ومجرور في محل رفع خبر تماماً. هذا الطلل ما هي صفته؟ أنه طلل موحش، ثم قال: لميت طلل، كما تقول في الدار زيد، زيد لميت طلل جيد. هذا الطلل حال كونه موحشاً لمية هو لمية، فلميت طلل موحشاً أو لهكذا، ثم قدمت الحال، قال: لمية موحشاً طلل يلوح كأنه خلال، فموحشا -طبعا لا يوجد معنى لا يوجد معنى وقت لنشرح الأبيات وإلى هذه الأبيات فيها شواهد بليغة- فموحشاً حال من طلل، وطلل نكرة، وسوغ مجيء الحال منه تقدمها عليه، شوف سوغ مجيئه افعل به مقدم، من الذي سوغ المجيء؟ تقدمها عليه.
ومما يسوغ مجيء الحال من النكرة أن تخصص هذه النكرة بإضافة أو وصف. شوف هي شعر تخصص يعني أن تتضيق دائرتها لتخرج من الإبهام إلى الضيق، وهذا القدر كاف في رفع المجهولية المطلقة. فمثال الأول قوله تعالى -شوف- ﴿في أربعة أيام سواء﴾ (فصلت: 10) في أربعة، لفظ الأربعة لفظ مبهم، فلما أضيف إلى الأيام علم أن الأربعة أربعة أيام وليست أربعة شهور، وهذا القدر كاف ليصح بعد ذلك أن تأتي بالحال وأن تحكم بالحال على صاحبها، فصاحب الحال ها هنا ما هي؟ هي لفظ أربعة في أربعة أيام، هذه الأربعة حال كونها متساوية، فسواء حال من أربعة وهو نكرة، وساغ مجيء الحال منها لكونها مضافة.
ومثال الثاني قول الشاعر -مثال الثاني يعني صفة تخصيص بالوصف- قال: نجيت يا رب نوحاً واستجبت له في فلك ماخر في اليم مشحونا، يعني في فلك حال كون هذا الفلك مشحوناً، واضح أن الحال هي مشحوناً، ولكنه ولكن فلك نكرة، فخصصها بأن نعتها بكونه ماخراً، فعلم أن الصفة إنما هي للفلك الماخرة لا للفلك غير الماخرة.
هذا تمام الكلام في شروط الحال.
باب التمييز
يقع الكلام في مطلب جديد في التمييز، والتمييز يشترك مع الحال في أحكام ويفترق عنها في أحكام وصفات. فالحال كما عرفنا اسم ومنصوبة وفضلة ونكرة، والتمييز كذلك يكون اسماً ويكون منصوباً ويكون فضلة ويكون نكرة كذلك، فهذه الأحكام هي من موارد اشتراك الحال والتمييز، وبينهما فوارق متعددة أساسها في المعنى وبقية الفوارق كلها تنسحب على هذا الفارق.
والحاصل أن الحال كما عرفناه -طبعا بعد من موارد الاشتراك بين الحال والتمييز أن كليهما يرفع الإبهام، لأن كل واحد منهوا يأتي مبيناً لما قبله- وإنما الفرق أن الحال تبين الهيئة والتمييز يبين الذات. توضيح ذلك أنك إذا قلت: جاء زيد راكباً، فلا يوجد إبهام في معنى المجيء، معنى المجيء واضح، ولا يوجد إبهام في حقيقة الجائي؛ لأن الجائي هو زيد بعينه. غاية ما في الأمر أن المجيء معنى واحد واضح معين، ولكنه يمكن أن يقع بطرق شتى وبهيئات متعددة، فيمكن أن يقع المجيء على هيئة المشي ويمكن أن يقع على هيئة الركوب، يمكن أن يكون المجيء على هيئة الزحف ويمكن أن يكون على هيئة الركض، فلا يوجد إبهام في نفس معنى المجيء، المجيء معناه واضح، غاية ما في الأمر أن الطرق التي بها يقع هذا المعنى الواضح هي طرق متعددة، فيؤتى بالحال فتبينت تلك الطرق، وهذا معنى قولنا: إن الحال يبين الهيئة، فلا يوجد إبهام في الذات، بل ولا يوجد إبهام في معنى الفعل، وإنما الإبهام في الطريقة التي بها وقع ذلك الفعل: الركوب أم كانت هي المشي إلى غير ذلك.
وهذا بخلاف التمييز في مثل قولنا: اشتريت عشرين كتاباً، لأن في العبارة إبهاماً في نفس الذات التي وقع عليها الشراء. أو عندما تقول: جاء عشرون رجلاً. الجائي هم العشرون، ولكن هذه الذات التي صدر منها المجيء فيها إبهام؛ إذ لا يعلم أن الجائي هل كان عشرين رجلاً أم كانت عشرين امرأة؟ فيوجد إبهام في الذات التي وقع عليها الفعل أو في الذات التي صدر منها الفعل.
شوف اشتريت، دعك، ضربت عشرين، الذات التي وقع عليها الضرب مبهمة؛ إذ يحتمل أن تكون ضربت عشرين امرأة، وأن تكون ضربت عشرين رجلاً وهكذا. وكذلك عندما تقول: اشتريت عشرين قلماً أو كتاباً أو غير ذلك، فالذات التي وقع عليها الفعل في نفسها مبهمة، أو الذات التي صدر منها الفعل في ذاتها مبهمة، كما تقول: جاء عشرون، وقد يكون الجائي عشرين بطاً لا رجلاً ولا امرأة، فيؤتى بالتمييز حينئذ لرفع ذلك الإبهام الموجود وين؟ في الذات.
إذا اتضح ذلك، فإن التمييز -التفت- لما كان مفسراً للذات فيجب أن يكون التمييز حقيقة عين تلك الذات، وإلا لم يصلح لتفسيرها، والمفسر إنما يحتاج إليه عند وجود إبهام في رتبة سابقة، ولذلك لا يصح أن يتقدم التمييز على المميز؛ لأنه لو تقدم التمييز على المميز لصار ذلك التمييز مكان المميز؛ لأنه عينه بحسب الفرض، فلا يعود في المقام تمييز ومميز. فإذا أردت أن تقدم وتؤخر في قولنا: جاء عشرون رجلاً، تقول: جاء رجال بطريقة النعت والمنعوت، وتقول: اشتريت أقلاماً عشرين، أي متصفة بكونها عشرين، ليش؟ لأن التمييز إنما سمي تمييزاً لكونه رافعاً للإبهام، فلا بد أن نفترض وجود ذلك المعنى في رتبة سابقة ولكن مبهمً، ثم يؤتى به بعد ذلك مفسراً.
شوف، فالتمييز من جهة أنه تمييز فلا بد أن يكون رافعاً للإبهام، فلا بد أن يكون هناك إبهام سابق وإلا لم يحتج إلى التمييز، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فهذا التمييز لما كان رافعاً لذلك الإبهام ومفسراً له فلا بد أن يكون عينه؛ لأن المفسرات عين المفسر وإنما يفترقان إجمالاً وتفصيلاً.
وعلى هذا، فلو قدم التمييز على المميز لم يعد التمييز تمييزاً؛ لأن التمييز متى تحتاجه؟ عند وجود إبهام سابق، والفرض أنك قد قدمت التمييز فلم يعد هناك إبهام سابق. ومن جهة أن التمييز عين المميز فهو صالح لأن يقع في نفس الموقع الذي وقع فيه المميز مقتضى العينية بينهما، فإذا كان المميز هو الفاعل فإذا قدمت التمييز على المميز صار التمييز هو الفاعل. شوف: جاء عشرون رجلاً، عشرون هي الفاعل، عندما تقدم الرجل وهو بحسب الفرض عين العشرين؛ لأن هؤلاء العشرين هم الرجال ليسوا إلا الرجال، فعندما تقدم التمييز فإنه يقع موقع المميز، فينقلب هو الفاعل أو ينقلب هو المفعول به، فلا يعود في المقام تمييز، ولذلك ذكروا أن التمييز من أحكامه أنه لا يتقدم على المميز، بخلاف الحال، فإنها تتقدم على صاحب الحال.
لان ليش؟ التفت، لأن الحال هي عين صاحب الحال مصداقاً ولكنها ليست عينه مفهوماً -شوف- الراكب شيء، مفهوم ما تفهمه أنت من لفظ الراكب شيء وما تفهمه من لفظ زيد شيء، غاية ما في الأمر أن الركوب وزيد في الخارج هما مصداق، فالحال وصاحب الحال يوجد تغاير بينهما في المفهوم وإن كانا مصداقاً شيئاً واحداً.
شوف: زيد قائم في الخارج، هذا القيام لم يصدر إلا من زيد، ولكن -التفت- معنى زيد شيء ومعنى القائم شيء آخر وإنما اتحدا مصداقاً، فهاتان صفات ومعنيان متغايران وجدا في الخارج في وجود واحد. وأما في التمييز والمميز فالتمييز عين المميز مفهوماً ومصداقاً، ولذلك لا يتقدم التمييز على المميز، وإذا لم يعد تمييزاً ولم يعد محتاجاً إلى مميز أو إلى تمييز، لم يعد المميز يحتاج إلى تمييز ويتقدم الحال على صاحب الحال. هذا من أحكام التمييز.
من أحكام التمييز أيضاً أن التمييز لا يكون إلا مفرداً، بخلاف الحال، الحال تكون مفردة وتكون جملة وتكون شبه جملة. والسبب في ذلك ظاهر مما تقدم؛ لأننا قلنا: إن التمييز مبين لأي شيء؟ للذات، والذات لا يدل عليها إلا بالاسم المفرد، ولا يدل على الذات بالجملة ولا يدل على الذات بشبه الجملة، فالتمييز -التفت- يبين الذات، والذات لا تكون إلا اسماً مفرد، والتمييز عين المميز بحسب الفرض، فما يكون عين الذات لا يكون إلا ذاتاً، والذات لا يدل عليها إلا بالاسم المفرد، وهذا بخلاف الحال، الحال تدل على الصفة، والصفة قد تستفاد من الاسم المفرد كما إذا كان مشتقاً، وقد تستفاد من الجملة، وقد تستفاد من شبه الجملة.
إذاً فالتمييز لما كان رافعاً للإبهام في الذات وكان هو عين المميز -خلينا نرتب المقدمات- التمييز عين المميز، والمميز لا يكون إلا ذاتاً؛ لأن التمييز لا يرفع إلا الإبهام في الذوات، فيجب أن يكون التمييز ذاتاً، ولا يدل على الذات إلا بالاسم المفرد، والجملة لا تدل على الذات، فالجملة لا تصلح لأن تكون تمييزاً؛ لأن ما يكون تمييزاً يجب أن يكون رافعاً للإبهام في الذوات، وما يرفع الإبهام في الذوات يجب أن يكون ذاتاً؛ لأن المميز عين المميز والمفسر عين المفسر، ولا يصلح للدلالة على الذات إلا الاسم، فالتمييز لا يكون إلا اسماً مفرداً، انتهى.
بقي عندنا في هذا المطلب أن نذكر شيئاً واحداً وهو أن التمييز عندهم ينقسم إلى قسمين: إلى تمييز رافع للإبهام في الذات، وهذا هو الذي تحدثنا عنه، كما تقول: اشتريت عشرين كتاباً، أو اشتريت فداناً أرضاً، واشتريت حديداً خاتماً، هذا الحديد فيه إبهام لا تبين هذا الإبهام في كونه خاتماً. واشتريت رطلاً موزاً، في بعض عندنا أوزان، واشتريت لتراً حليباً، وهكذا أسماء الموازين والمقادير والمكاييل إلى آخره، الدونم والفدان واللتر والمتر والمايل، كل هذه تماماً، كلها دائماً تحتاج بعدها إلى شو؟ إلى تمييز، هذا هو الذي تحدثنا عنه.
وعندهم نحو آخر من التمييز قالوا هو التمييز الذي يكون تمييزاً للنسبة، وهو تمييز محول عن فاعل أو عن مفعول أو عن مضاف إليه. كما إذا قلت: تصبب زيد عرقاً -التفت- أصل الجملة: تصبب زيد، ولا يوجد إبهام في معنى زيد، فإن زيداً لفظ معرفة يدل على معين بأصل اللفظ، يوجد أيضاً إبهام في معنى التصبب، التصبب هو أن يصب الشيء، أن يصب سائل من الأعلى إلى الأسفل، فيتصبب فلان أي ينزل عليه ذلك السائل من الأعلى إلى الأسفل، لا يوجد إبهام في معنى التصبب، إلا أن نسبة التصبب إلى زيد هل كانت من ناحية أنه قد صب عليه ماء أو من ناحية أنه قد صب عليه العرق أو من ناحية أنه قد صب عليه سائل ثالث؟ فالإبهام إنما هو في نسبة الفعل إلى الفاعل، وهذا الإبهام إنما نشأ حقيقة من تحويل الفعل عن أصله؛ لأن أصل التركيب ماذا كان؟ ما هو الذي تصبب؟ السائل، الما- السائل هو الذي يتصبب، هو الذي ما معنى تصبب؟ نزل من الأعلى إلى ال- ما الذي يتصبب؟ هو العرق، فكان أصل الجملة: التصبب عرق زيد، شوف، ولا يوجد إبهام لا في الفعل ولا في الفاعل ولا في نسبة الفعل إلى الفاعل، ولكنهم -شوف- حولوا هذا الإسناد عن الفاعل إلى ما بعده: تصبب عرق زيد، شوف، التصبب إنما أسند إلى العرق، قالوا: حولوا هذا الإسناد، أسندوا التصبب إلى ما بعد إلى ما بعد زيد، فقيل: تصبب زيد، فنشا الإبهام في نسبة التصبب، فاحتيج بعد ذلك إلى تمييز، فيقال: عرقاً أي لا ماءً.
والباعث على هذا التحويل في الإسناد اتباع سياسة التفصيل بعد الإجمال، وقد ذكرنا لكم أن هذه السياسة أو هذا الأسلوب من الأساليب الكلامية التي توجد تشويقاً عند السامع؛ لأنك إذا أتيت بالمعنى مجملاً فإن النفس تتوق لمعرفة التفصيل، فإن المعنى إذا أتي به مجملاً أحدث تشويقاً في النفس لمعرفة التفصيل ولمعرفة المزيد، فتصبح النفس طالبة لمعرفة هذا التفصيل، حتى إذا جيء لها بالتفصيل فيما بعد تمكن هذا المعنى في الذهن؛ لأن الآتي بعد الطلب أعز من الملصاق بلا تعب.
فكان أصل التركيب: تصبب، تعب، مش النعس، كان أصل التركيب: تصبب عرق زيد تماماً، فحول الإسناد عن الفاعل، هذا التصبب إنما أسند إلى الفاعل وهو العرق، حول الإسناد عن الفاعل إلى ما بعده فصار ما بعده هو الفاعل، فنشأ الإبهام في هذه النسبة وفي هذا الإسناد، فيؤتى بعد ذلك بما كان فاعلاً فيجعل تمييزاً.
أو كما تقول مثلاً: اشتعل الرأس، والذي اشتعل هو شيب الرأس، نفس الشيب تماماً هو الذي اشتعل، وما المراد من الاشتعال؟ هو ما يبين ويظهر فجأة من دون توقع كالنار في الهشيم، فإن تسمى اشتعالا؛ لأن هذا اللهب يظهر يظهر فجأة، فما ظهر فجأة هو الشيب لا الرأس تماماً، فالرأس لا يشتعل ولا يظهر له وصف بشكل تقني فجائي، وإنما الشيب هو الذي يظهر فجأة، فكان القياس أن يقال: اشتعل شيب الرأس، من الذي اشتعل؟ شيب الرأس.
فحول الإسناد عن هذا الفاعل إلى ما بعده، فيقال: اشتعل الرأس، فنشأ من تحويل هذا الإسناد عن الفاعل إلى ما بعده إبهام في أن هذا الاشتعال للرأس أكان اشتعالاً بسبب النار؟ أي بسبب مباغتة النار أو كان بسبب مباغتة الشيء؟ فيؤتى بعد ذلك بالتمييز؛ لأنه حينئذ من التفصيل بعد الإجمال. ولذلك هذه التمييز أيضاً لا يمكن أن تتقدم على المميز.
شوف، التمييز عن الذات شيء آخر، قلنا: لأن التمييز عين المميز، هنا التمييز ليس عين المميز، ولكن لماذا لا يتقدم على المميز؟ قلنا: لأن الغرض من التمييز ما هو؟ اتباع سياسة التفصيل بعد الإجمال، فلو قدم التمييز لصار التفصيل مقدماً على الإجمال فتفوت فائدة التمييز، ويسمى التمييز حينئذ بتمييز النسبة؛ لأنه لا يرفع إبهاماً في الذات، وإنما يرفع إبهاماً في نسبة العامل إلى معموله، في نسبة الفعل إلى فاعله، أو في نسبة الفعل إلى مفعوله وهكذا.
أو كما تقول: طاب زيد نفساً. ما هو الذي طاب؟ نفس زيد، كان أصل التركيب أن يقال: طابت نفس زيد. فحول الإسناد عن الفاعل إلى ما بعده، وعندما يحول إلى ما بعد الفاعل فسوف ينوب ذلك الذي بعد الفاعل عن الفاعل فينقلب هو الفاعل، يدخل طاب زيد ولكن نسبة الطيب إلى زيد مبهمة؛ إذ قد يكون طاب من جهة أخلاقه، وقد يكون قد طاب من جهة رائحته، وقد يكون قد طاب من جهة ثالثة وهكذا، فجيء بالمميز، أي: طاب زيد نفساً. كمان طيب ونفس شو يعني طاب نفس؟ أن نفس زيد طيبة. نعم، كل هذه من مظاهر الطيب نعم.
قال: باب التمييز، التمييز هو الاسم المنصوب المفسر لمن بهم من الذوات نحو قولك: تصبب زيد عرقاً -عجيب هذا هذا إبهام في الذوات، ليس إبهاماً في الذوات، هذا إبهام في النسبة- وتفقأ بكر شحماً من كثرة الأكل، وطاب محمد نفساً، وتفقأ بكر شحماً، قد يتفقع بسبب انفجار، قد يتفقع شحماً، تكبس عليه بيطلع شحم يعني. جيد، وطاب محمد نفساً، واشتريت عشرين غلاماً، وملكَت تسعين نعجةً، وزيد أكرم منك أباً، أبا، وخاطب هو الاب- لا، وزيد أكرم منك أباً إيه، يعني الولد يخاطب أبوه وزيد أكرم منك أبا أبا، مين الأب بيكون هون؟ المخاطب زيد، زيد تلميذ عين المميز، قلنا: زيد أكرم منك أبا وأجمل منك وجهاً، سيأتي سيأتي سيأتي سيأتي فنصل إلى هذه الشواهد ونشرحها.
قال: وأقول للتمييز في اللغة معنيان. طبعا في اللغة قال: التفسير مطلقاً. ومعنى تمييزه: تميز الشيء أن تفسره، أن تفعل بها معا، تقول: ميزت كذا، أي فسرت هذا المعنى الأول في اللغة. قال: والثاني فصل بعض الأمور عن بعض، ميزت هذا عن ذاك يعني فرقت بينهما، تقول: ميزت القوم، أي فصلت بعضهم عن بعض. ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ (آل عمران: 179) مش حتى يفسرهم، حتى يفرق الخبيث عن الطيب.
والتمييز في اصطلاح النحاة عبارة عن الاسم الصريح، أي لا يكون جملة ولا شبه جملة ولا مؤولاً، المنصوب المفسر لمن بهم من الذوات أو النسب. هذا إصلاح من الشارح للخطأ الذي ارتكبه الماتن؛ لأن الماتن جعل كل تمييز مفسراً للذات، فقولنا: الاسم، معناه أن التمييز لا يكون فعلاً ولا حرفاً، وقولنا: الصريح، لإخراج الاسم المؤول، فإن التمييز لا يكون جملة ولا ظرفاً بخلاف الحال، كل ذلك صار واضحاً. وقولنا: المفسر لمن بهم من الذوات أو النسب، يشير إلى أن التمييز على نوعين: الأول تمييز الذات، والثاني تمييز النسبة.
أما تمييز الذات ويسمى أيضاً بتمييز المفرد، فهو ما رفع إبهام اسم مذكور قبله مجمل الحقيقة، ويكون بعد العدد نحو قوله تعالى: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا﴾ (يوسف: 4)، كوكباً، أو ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ (التوبة: 36)، أو بعد المقادير من الموزونات نحو: اشتريت رطلاً زيتاً، أو المكيلات نحو: اشتريت اردباً قمحاً -تمام، ليش؟ الكيل كان في كيلهم محددة، كانت تسمى الأردب، مثل هلاء عندنا كيف الذات بيقولوا آءة آءة ذات، تمام، هذا ليس موجوداً في التعبير الفصيح نص مال، لكنه من الكيل، أي أخرج على حساب الكيل، اردباً قمحاً- أو مثلاً نستعمل في بعض التعبيرات الدبة، ما بعرفش إذا هذا الاستعمال موجود عندنا، لكن حتى بالعراقي أي هو استعمال عراقي وإيراني، أو المساحات نحو: اشتريت فداناً أرضاً.
وأما تمييز النسبة ويسمى أيضاً تمييز الجملة، فهو ما رفع إبهام نسبة في جملة سابقة عليه، وهو ضربان: الأول محول، والثاني غير محول. فأما المحول فهو على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: المحول عن الفاعل، وهذا الذي شرحناه، وذلك نحو: تفقأ زيد شحماً، هو الأصل: تفقأ، من الذي الذي تفقأ هو الذي فقأ، يعني خرج من بين شحم زيد متينين وهو الشحم، تفقأ شحم زيد الأصل فيه: تفقأ شحم زيد، فحذف المضاف وهو شحم، وحول الإسناد -يعني وأقيم المضاف إليه وهو زيد مقامه ومشي وبالدقة حول الإسناد، يعني هذا التفقق لم يسند إلى شق، حول عنه إلى ما بعده، فناب ما بعده عنه فارتفاع ارتفاعه، ثم أتى بالمضاف المحذوف فانتصب على التمييز.
النوع الثاني: المحول عن مفعول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾ هي الأصل: وفجرنا عيون الأرض، أصله: وفجرنا عيون الأرض، ففعل فيه مثل ما سبق.
النوع الثالث: المحول عن المبتدأ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أنا أكثر منك مالا﴾ (الكهف: 34) شوف هي أصلها: مالي أكثر من مالك تماماً، مالي أكثر من مالك، حذف مال في المبتدأ، بقيت الياء، مالي، والياء ضمير متصل لا يبتدأ به، فلما حذفت مال وأخرت تماماً وجب أن تبرز كضمير منفصل فصارت أنا؛ لأنها ضمير لأن الياء ضمير المتكلم، وإذ صارت ضميراً منفصلاً مبتدأ به فصارت هي المبتدأ، فصارت أنا أكثر منك، وجيء بالتمييز بعد ذلك، فحذف المضاف وهو مال، وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الذي هو الياء المتكلم فارتفع ارتفاعه وانفصل. ليش؟ لأن الضمير المتصل لا يقع في ابتداء الكلام، لأن معنى أن يكون متصلاً هو أن يكون متصلاً بما قبله؛ لأن ياء المتكلم ضمير متصل كما عرفت، وهو لا يبتدأ به، ثم جيء بالمضاف المحذوف فجعل تمييزاً، فصار كما ترى.
وأما غير المحول فنحو: امتلا الإناء ماء؛ لأنه هل الأصل: امتلا ماء الإناء؟ قالوا: لا، الامتلاء من أوصاف الإناء ليس من أوصاف الماء تماماً، الذي يمتلئ هو الإناء، إذاً فهو على أصله، فلا يوجد تحويل في المقام، ومع ذلك يوجد إبهام في النسبة.
قال: شروط التمييز، ولا يكون إلا نكرة، ولا يكون إلا بعد تمام التما- أما أنه لا يكون إلا نكرة؛ فلأن الغرض منه رفع الإبهام، وإذا كان الإبهام مرتفعاً بالتنكير، فلا تصل النوبة إلى التعريف، ولا يكون إلا بعد تمام الكلام؛ واضح؛ لأنه فضلة ولأنه يرفع الإبهام، فلا بد من وجود المبهم في رتبة أحسن.
وأقول: يشترط في التمييز أن يكون نكرة فلا يجوز أن يكون معرفة، وأما قول الشاعر: رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددتَ النفس يا قيس عن عمرو فإن قوله النفس تمييز إلى آخره يأتي بيان ذلك إن شاء الله.
