دروس مقررة — النصوص المتاحة
19 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 22
الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
كرامة مهدوية مرتبطة بتأليف الكتب الفقهية
بين يدي درس اليوم لا بأس بذكر كرامة مهدوية لإمام الزمان صلوات الله وسلامه عليه. فقد ذكرنا يوم أمس بأن المحقق النائيني أعلى الله مقامه قد اختلف رأیه في مسألة سقوط النوافل النهارية في المواطن الأربعة؛ فظهر من تقرير الشيخ الآملي أعلى الله مقامه لبحوثه الشريفة أنه قائل بعدم السقوط، بينما الذي ظهر من تقريرات الشيخ الخونساري أعلى الله مقامه هو قوله بالسقوط.
فأنا كنت أحتمل بأن التقريرين لدورتين مختلفتين، وهذا ما دفعني أن أتثبت من تواريخ الدورتين. فعندما رجعت إلى تقريرات الشيخ الآملي رحمة الله تعالى، وجدت بأنه في آخر المجلد الأول قد أرخ هذه التقريرات -يعني الجزء الأول- بسنة 1344 هجرية. ثم بعد ذلك، بعد أن أتم الكتاب، كتب «كلمة المؤلف»، وكانت عادة الأوائل أن يقدموا بمقدمات للكتب ويذكرون فيها أموراً، ولكن الشيخ رحمه الله ذكر هكذا في الصفحة 417 من هذه الطبعة:
قال: «وقد كنت راغباً لأن تأخذ هذه المجموعة طريقها إلى الطباعة والنشر لتكون أعم نفعاً، وأجزل ثواباً، وأعود عاقبة». وطبعاً في هذا الكلام دروس، اهتمامهم بالطباعة والنشر بعد ملاحظة هذه الأهداف. «وكان الذي يؤخر ذلك هو فقدان المال فحسب». وهذا أيضاً فيه ما فيه. «حتى انقضى لذلك ردح من الزمان، فبدأ في صباح يوم من أيام شهر شعبان 1371 -يعني بعد تقريبا 26 سنة من تأليف الكتاب- وهي السنة التي مرضت فيها، ولطيف أنه في شعبان وهي السنة التي مرضت فيها وانحرف مزاجي، وحتى الآن لم تزل آثار المرض باقية، توسلت بمولانا صاحب الأمر أرواحنا فداه».
«بعدما تلوت الدعاء المأثور: (اللهم بلغ مولاي صاحب الزمان)، راجياً منه ضالتي المنشودة، قائلاً: يا مولاي، أنت أبصر بما قاسيت في تأليف هذه المجموعة» -ونحن وصلتنا هذه المؤلفات ونظن بأنها كانت سهلة يسيرة، والحال بأنهم تكبدوا المصاعب في كتابتها وتأليفها- «أنت أبصر بما قاسيت في تأليف هذه المجموعة، وإنني اليوم لا أعلم قيمة هذا المجهود ولا قبوله لدى الباري سبحانه وتعالى، وأنت أبصر به مني وأعرف؛ فإن كان في نشره فائدة تعود إلى الدين الحنيف وعائدة للعلماء والمحصلين، فجدير بأن تهيئ لها موجبات الطبع والنشر، وإلا فاصرفه عن ذهني وأبعده عن فكري».
عجيب! هذه الملاحظات. «وما صرم عن دعائي هذا إلا أيام معدودات حتى قيض لمهمتي هذه -أو حتى قيض الإامم عليه السلام لمهمتي هذه- الأخص في زبدة الأخيار والأشراف كهف الحاج سلالة الأطهار الحاج سيد عباس الكاشاني زيد مجده العالي، فانفق من أطيب أمواله لطباعة بعضه، وقرر أن يباع ويصرف ثمنه لطبع الباقي». وهذه المؤازرة خالدة له في الحياة، وثوابها مدخر له ليوم لا ينفع مال ولا بنون، فجزاه الله خيراً، وأعطاه بكل سطر نوراً.
والحق والانصاف أن هذه الكرامة ليست كرامة تختص بالشيخ الآملي أعلى الله مقامه الشريف -وإن كان هو أهلاً للكرامة، فقد كان من عباد الله الصالحين رضوان الله تعالى عليه، وقد سمعت من سيدي الأستاذ قدس الله نفسه سيد الشمس يقول: إن كان هنالك شخص لم تخالطه ذرة هوى فهو الشيخ الآملي الشيخ محمد، فهو من عباد الله الصالحين، فهو أهل للكرامة بلا ريب، أهل للعناية المهدوية بلا ريب- ولكن فيها أيضاً كرامة لهذا الكتاب الشريف، وكرامة أيضاً للفقه الشيعي الذي عليه نحن الآن؛ فهذا النحو من الصناعة الفقهية التي جرى عليها ديدن فقهائنا المتأخرين هو محل عناية إمام الزمان صلوات الله وسلامه عليه، فهي كرامة لها حيثيات متعددة، والحمد لله الذي وفقنا وإياكم للاشتغال بما فيه عناية إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه، نسأل الله أن لا يحرمنا وإياكم من هذه النعمة دائماً وأبداً، بحق النبي وآله عليهم السلام.
توجيهات القول بالسقوط وما يلحظ عليها
بعد ذلك، نعود إلى ما كنا فيه، في نهاية الكلام حول الدليل الأول الذي استدل به القائلون بالثبوت وعدم السقوط، فرعنا على ذلك نتائج. ولكن عن لي أن أنتقل من النتيجة الثالثة إلى ما يرتبط بها، وأعنون الجميع بعنوان: «توجيهات القول بالسقوط وما يلحظ عليها». وطبعاً ربما يقال: لماذا لم نؤخر هذا إلى ما بعد الفراغ من أدلة القول بالثبوت؟ والجواب بأننا لم نؤخره لأن هذه التوجيهات مرتبطة بالدليل الأول، فحتى لا نبتعد عن الدليل الأول الذي قررناه يوم أمس، لذلك نبين هذه التوجيهات وما لها وما عليها ثم نكمل الكلام حول أدلة القول بالثبوت.
هنا عندنا ثلاثة توجيهات:
#
التوجيه الأول: اختصاص أدلة النوافل بصورة تعين التمام
التوجيه الأول هو التوجيه الذي أفاده الشيخ المؤسس الحائري أعلى الله مقامه الشريف في كتاب الصلاة. والتوجيه هو هذا: أن أدلة النوافل مختصة بصورة تعين التمام، وصورة تعين التمام هي حال الحضور. فإذاً، الشيخ الحائري قدس سره ينكر وجود إطلاق في أدلة استحباب النافلة، ويقول: هي ناظرة إلى صورة تعين التمام، ثم يعقب على ذلك يقول: فلا تفي -يعني هذه الأدلة- بمشروعية النوافل بعنوان الرواتب في حال عدم تعين التمام؛ إذ أن موضوعها إذا كان هو تعين التمام وهو الحضور، ففي حال عدم تعين التمام -وهذا يشمل حتى مواطن التخيير- لا تفي بإثبات المشروعية. فإذا كانت لا تفي، فحينئذ نحن ومقتضى الأصل وعدم المشروعية؛ إذ أن الصلاة إنما هي عبادة توقيفية، وما دام دليل النوافل قد دل على استحبابها بعنوان الرواتب في صورة تعين التمام، ففي غير تلك نحتاج إلى دليل، والفرض عدم وجود الدليل، فنتمسك بمقتضى الأصل.
وكلامه قدس سره لو كان بهذا المقدار فقط لأمكن أن يستشكل فيه بما ذكرناه يوم أمس من أن أدلة النوافل أدلة مطلقة، وقد قرأنا رواية أبي بصير يوم أمس وأوضحنا بأن هذه الطائفة من الروايات هي روايات مطلقة تعم حال السفر وحال الحضر، ولا تختص بصورة تعين التمام. ولكن هذا المقدار من كلامه الذي بدا غامضاً في كتاب الصلاة -أو فقل بعبارة أخرى: لم يبرز المقصود منه بنحو واضح- بدا الإشكال عليه سهلاً. هذا الذي ذكره قرره تلميذه
السيد أحمد الزنجاني أعلى الله مقامه، وهو والد السيد الشبيري الزنجاني السيد موسى. السيد أحمد الزنجاني في (أفواه الرجال) قرر مقصود أستاذه الحائري بنحو آخر، أو فقل أوضح مقصوده، وهذا الإيضاح غير موجود حتى في تقريرات الشيخ الاشتياني عليه الرحمة.
فقال بأن لسان الأدلة المثبته لأصل النوافل -يعني أدلة النوافل- لسان إثبات الرواتب على من كانت فريضته اليومية سبعة عشر ركعة، فهذا هو لسانها، فلا تشمل المسافر الذي فريضته اليومية أحد عشر ركعة. يقول: نحن نستفيد من لسان الأدلة التي تثبت محبوبية الرواتب واستحباب النوافل بعنوان الرواتب أنها مشرعة في صورة ما لو كانت النوافل 17 ركعة، وأما فيما لو كانت النوافل 11 ركعة فلا يوجد عندنا في أدلة النوافل ما يفيد إثبات استحبابها حتى في هذه الصورة. وطبعاً هو لم يبين ما هو مقصوده من أدلة النوافل التي أناطت النوافل بالسبعة عشر ركعة، ولكن يظهر أن مقصوده معتبرة فضيل وما شاكلها.
معتبرة فضيل مرت علينا سابقاً، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الناصر: (إن الله عز وجل أدب نبيه صلى الله عليه وآله فأحسن أدبه...) -المهم إلى أن قال:- (فتأدب بآداب الله، ثم إن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديلة الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عز وجل له ذلك كله، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله صلى الله عليه وآله النوافل أربعة وثلاثين ركعة، لما سنها لما صارت الفرائض 17 ركعة بزيادة النبي سن النبي صلى الله عليه وآله النوافل 34 ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك، والفريضة والنافلة 51 ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعد بركعة مكان الوتر).
فيستفاد من هذه الرواية اللسان الذي أشار إليه المقرر الزنجاني رحمه الله تعالى تقريراً لكلام الشيخ الحائري.
إذاً، نستفيد من هذه الرواية ملخصاً بأن تشريع النوافل -بأن أدلة تشريع النوافل- إنما شرعتها في صورة ما لو كانت الفرائض 17 ركعة، فلا يوجد فيها إطلاق حتى نتمسك به في مواطن التخيير التي فيها الفرائض أقل من 17 ركعة. وهذا الوجه الذي ذكره الشيخ المؤسس أعلى الله مقامه لعله يستظهر من كلمات المحقق النائيني قدس سره في تقريرات الشيخ الخونساري؛ فإن له هذه العبارة، قال: «والأقوى السقوط مطلقاً» -قلنا بأن رأيه على السقوط في هذه التقريرات- «لأن استحبابها نوافل إنما ثبت في المورد الذي قد فرض الله سبحانه بالركعتين الأخيرتين اللتين هما فرض النبي صلى الله عليه وآله، فإذا انتفت القيدية -يعني التقييد بما زاده النبي صلى الله عليه وآله كما هو في السفر- فيشك في ثبوت النافلة، وليس هناك إطلاق يتمسك به». تقريباً كلامه يرجع إلى كلام الشيخ الحائري قدس سره.
هذا هو الوجه الأول من الوجوه التي قرر بها القول بالسقوط. ولكن ها هنا يوجد تأمل يمكن أن نثيره في المقام، وهو: نحن نسلم بأن مفاد هذه الروايات الشريفة هو أن تشريع النوافل كان في صورة ما لو كانت الفرائض 17 ركعة، نسلم بذلك، إنما الكلام: هل أن هذه الحيثيات حيثية تعليلية أم هي حيثية تقييدية؟
تشريع النوافل في صورة ما لو كانت الفرائض سبع عشرة ركعة، حيثية تعليلية بمعنى أن علة تشريع النوافل كون الفرائض سبعة عشرة ركعة، أم هي حيثية تقييدية؟ وإذا قلنا بأنها حيثية تقييدية، فهذا يعني أن الحكم يدور مدارها، فمتى ما كانت النوافل 17 ركعة -عفواً الفرائض 17 ركعة- فالنوافل مشرعة تبعاً لها، ومتى ما كانت أقل من ذلك فالنوافل غير مشرعة، هذا إذا احتملنا بأن الحيثية تقييدية. وكلام العلمين الحائري والنائيني رضوان الله تعالى عليهما إنما يتجه لو كانت الحيثية حيثية تقييدية.
وأما لو قلنا بأن الحيثية تعليلية فقط، الروايات تبين لما شرعت النوافل وما هو موطن تشريع النوافل، فتبين أن علة تشريع النوافل هي هذه؛ هي أن الفرائض 17 ركعة فجعلت الفرائض النوافل 34 ركعة، حيثية تعليل لا بمعنى أن الحكم يدور مدارها؛ في الموارد، الحيثيات التعليلية تكون العلة علة حدوث لا علة بقاء، فلا يدور الحكم مدارها. فإذاً، استظهار الشيخ الحائري واستظهار المحقق
النائيني يبتني على استفادة أن الحيثية حيثية تقييدية وليست حيثية تعليلية. ولكن نحن نقول بأن الظاهر أن هذه الحيثية حيثية تعليلية وليست تقييدية، والمنبه على ذلك هو عدم سقوط النوافل الليلية في السفر؛ فلو كانت الحيثية حيثية تقييدية لكان مقتضاها سقوط النوافل الليلية أيضاً لا سقوط النوافل النهارية فقط، فلما لم تسقط النوافل الليلية علمنا بأن الحيثية تعليلية وليست حيثية تقييدية، فلا يتم هذا الوجه.
#
التوجيه الثاني: ما أفاده المحقق النائيني في تقريرات الآملي والكاظمي والخونساري
ما أفاده المحقق النائيني أعلى الله مقامه بكلمات مختلفة، جاء بعضها في تقريرات الشيخ الآملي قدس سره، وجاء بعضها في تقريرات الشيخ الكاظمي أعلى الله مقامه الشريف، ولكنه بالنتيجة تأمل فيها في تقريرات الشيخ الآملي وإن لم يبد تأملاً فيها بحسب تقريرات الخونساري وتقريرات الكاظمي. في تقريرات الآملي تأمل، فنحن نبين الوجه أولاً بحسب ما جاء في تقريرات الآملي، ثم نبين هو كيف تنظر فيه ومنعه، وإذا اتضح وجه منعه يتضح حينئذ وجه التامل في كلماته في تقريريه الآخرين.
قال قدس سره -طبعاً أنا لا أنقل العبارات بحذافيرها، وقد انقلها متصرفاً في صياغتها بزيادة بعض الكلمات إنقاص بعض الكلمات بحيث أن العبارة تكون أوضح-: استدل هو الشيخ النائيني يقول استدل لعدم السقوط -فهو في مقام مناقشة القول بالثبوت- استدل لعدم السقوط بعموم الأخبار الدالة على تابعية -ظاهر التبعية- تبعية النافلة للفريضة ثبوتاً وسقوطاً، كخبر أبي يحيى الحناط وفيه: (يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة)، فإنه الآن بصدد عرض دليل الثبوت، فإنه يدل على أن سقوط النافلة يدور مدار عدم قابلية الفريضة للاتمام، يدور مدار عدم قابلية الفريضة للاتمام، ففي كل مورد تكون الفريضة قابلة للاتمام لا دليل على سقوط النافلة، ومنها مواطن التخيير، ومع عدم الدليل على سقوطها في الموارد القابلة للاتمام تبقى على حالها من المشروعية، تبقى على حالها من المشروعية.
ثم يفرع على هذا تفريعاً لطيفاً يقول: ومن ذلك يعلم عدم سقوطها عمن يجب عليه الاتتمام في السفر كالعاصي بسفره وككثير السفار. وجه عدم السقوط عنهما هو ما ذكرنا من أن النافلة تدور مدار القابلية، تدور مدار القابلية للإتمام، فإذا لم تكن هنالك قابلية للإتمام تسقط النافلة، ففي كل مورد تكون الفريضة قابلة للإتمام لا دليل على سقوط النافلة، ومع عدم الدليل على سقوطها تبقى
على حالها من المشروعية. ففي موارد وجوب الإتمام، الفريضة قابلة للإتمام، مورد كثير السفر وكذلك العاصي بسفره، فإن الفريضة قابلة للإتمام، بل الوظيفة هي الإتمام، لذلك يقال بعدم سقوط النوافل استحباب النوافل بالنسبة له، هذا وجه القول بالثبوت.
ثم هو قدس سره تأمل فيه فقال: إن غاية ما -وهذا هو وجه التأمل الذي يدور مداره كلامه قدس سره- إن غاية ما تدل عليه هذه الأخبار هو أن كل مورد جعلت الركعتان الأخيرتان من قبل النبي صلى الله عليه وآله قيدا للواجب الأولي -الواجب الأولي الذي يكون في حال الحضر لا في حال طرو العناوين الأخرى كالسفر- هو أن كل مورد جعلت الركعتان الأخيرتان من قبل النبي صلى الله عليه وآله قيداً للواجب الأولي المجعول في أصل الشرع عن الله لا تسقط نوافله، وكل مورد سقط القيد سقطت النافلة.
فروايات: (لو صلحت النافلة تمت الفريضة) هذه الروايات ناظرة إلى صورة ماذا؟ ما لو كان إتمام الفريضة بالركعتين اللتين جعلهما النبي صلى الله عليه وآله قيداً للركعتين المشرعتين بأصل الشرع. في موارد ما لو تقيدت الركعتان بالركعتين وهي حال الحضور فإن النافلة لا تسقط، وفي الموارد التي لا تتقيد الركعتان من أصل الشرع بالركعتين اللتين أضافهما النبي صلى الله عليه وآله فالنافلة ماذا؟ فالنافلة تسقط. وعلى ذلك فلا فرق بين مواضع التخيير وبين غيرها. لم؟ لأنه في مواضع التخيير لم تتقيد الركعتان بالركعتين، فللمسافر أن يأتي بهما وللمسافر أن لا يأتي بهما، فما دامت لم تتقيد الركعتان بالركعتين فالنافلة ساقطة.
هذا وجه تنظره، ولكنه تنظر في تنظره، وهذا ما جعله يبني على عدم السقوط -على القول بالثبوت- فماذا قال؟ قال: ولكن يجب النظر في المراد من سقوط الركعتين -يعني عدم تقيد الركعتين بالركعتين- ما هو المقصود من سقوط الركعتين؟ قال: هنا احتمالان وليس احتمال واحد: فإن كان المراد من سقوطهما هو عدم الوجوب ورفع الإلزام -وإن لم يكن منافياً مع الجواز، يريد يجيب يجيب فقط هو سقوط بمعنى أنه غير ملزم- فيدل على السقوط في الأماكن الأربعة دون كثير السفر والعاصي به
هنا يظهر الفرق بينهما. فإذا بنينا على أن المراد من سقوط الركعتين هو سقوط العزيمة هذا هو، فحينئذ في المواطن الأربعة سقطت الركعتان بنحو العزيمة فتسقط النوافل تبعاً لذلك، بينما بالنسبة إلى العاصي وكثير السفر لم تسقط الركعتان بنحو العزيمة بل هو ملزم بهما ولذلك لا تسقط عنه النوافل. أما الاحتمال الثاني: وإن كان المراد به عدم المشروعية لا عدم العزيمة، عدم المشروعية وعدم الجواز رأساً فلا يدل على عدم السقوط لا في الأماكن الأربعة ولا في كثير السفر والعاصي به، لماذا؟ لأنه في موارد السقوط -لأن في مواطن التخيير- لم تسقط الركعتان بنحو عدم الجواز، والنوافل إنما تسقط فيما لو سقطت الركعتان بنحو عدم الجواز، وفي المواطن الأربعة لم تسقط الركعتان بنحو عدم الجواز حتى تسقط النوافل، وكذلك أيضاً في موارد كثير السفار، في موارد العاصي لم تسقط الركعتان بنحو عدم الجواز بل هما ملزمتان للعاصي ولكثير السفار فالنوافل ثابتة بالنسبة لهم.
إذاً، المحقق النائيني رضوان الله تعالى عليه يقول: نحن سلمنا بأن الذي نستفيده من روايات (لو صلحت النافلة تمت الفريضة) أن المراد بالاتمام تقيد الركعتين بالركعتين، (لو صلحت النافلة تمت الفريضة) أي تقيدت الركعتان بالركعتين، فلما لم تتقيد لا تصلح النافلة. سؤال هنا: عدم التقيد ما هو المقصود به؟ عدم التقيد بنحو العزيمة أم عدم التقيد بنحو عدم الجواز؟ فإن كان التقيد بنحو عدم العزيمة فنعم، تسقط النوافل حتى في المواطن الأربعة، وإن كان التقيد بنحو عدم الجواز لم تسقط النوافل؛ لأنه في المواطن الأربعة لم تسقط الركعتان عن الركعتين بنحو عدم الجواز. وعلى ذلك فما هو مختارك يا شيخنا النائيني بأن عدم التقيد في المواطن الأربعة بأي النحوين؟
له عبارة لطيفة أقرؤها، قال: (والأخبار وإن لم تكن ظاهرة في الثاني -الذي هو عدم المشروعية عدم الجواز- لكنها ليست ظاهرة في الأول أيضاً). إذاً، لا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر. النتيجة: فلا تكون دليلا على السقوط في الأماكن الأربعة، فيبقى عموم أخبار جواز النافلة بحالها.
يبقى عموم جواز أخبار النافلة بحالها؛ إذ لا يوجد ما يمنع من التمسك بإطلاقها في الأماكن الأربعة، هذا المقيد لا يصلح للتقييد. من هنا، لو قرأنا عبارته في تقريرات الكاظمي قدس سره يكون وجه التنظر واضحاً. أنا ليش ذكرت عبارته في تقريرات الكاظمي؟ لأنها تختلف في الصياغة عما جاء في التقريرين الآخرين، تختلف، صاغها بعبارة لطيفة جميلة اصطلاحية نقرأها للاستفادة، قال:
(أما وجه السقوط مطلقاً فلأن الصلاة في السفر بحسب الجعل الأولي مقصورة -هذا واضح- وأن الإتمام في المواطن الأربعة رخصة -أيضاً هذا مسلّم- فإذا كانت بحسب الجعل مقصورة فلا بد من أن تسقط نافلتها لما عرفت من الأخبار من أن كل صلاة مقصورة تسقط نافلتها. وبعبارة أخرى: أنه لا إشكال في أن الصلاة في الحضر قد أخذت بالنسبة إلى الركعتين الأخريين بشرط الانضمام، وفي السفر في غير المواطن الأربعة بشرط لا، وفي المواطن الأربعة لا بشرط، ومعنى كونها لا بشرط أنه للمكلف إيقاعها تاماً، وحينئذ يقع الكلام في أن الأخبار الدالة على الملازمة بين القصر في الفريضة وسقوط نافلتها هل تدل على الملازمة فيما يجب التقصير ويتحتم كما هو في غير المواطن الأربعة، أو في الأعم من ذلك ومما يجوز التقصير كما هو في المواطن الأربعة؟ فإن قلنا بالأول فلا تكون دالة على سقوط النافلة في مواطن التخيير، أنها دلت على الملازمة بين ماذا؟ بين السقوط الذي عبرنا عنه -بين السقوط بنحو العزيمة- فإن قلنا بالأول، عفواً بلي نعم، يعني الأول هو عبارة عن تعين القصر بحيث لا يجوز الإتمام، تعين القصر على نحو الحتم اللي قاله: فيما يجب التقصير ويتحتم، أو الأعم، أعم الثاني يصير- فإن قلنا بالأول إن القصر على نحو الحتم فلا تكون دالة على سقوط النافلة في مواطن التخيير ملازمة، بينما لو كان القصر بنحو الحتم وبين سقوط النافلة والقصر في مواطن التخيير ليس بنحو
الحتم فلا ملازمة هناك لعدم تحتم القصر فيها، فلا بد من الرجوع إلى عمومات مشروعية النافلة. وإن قلنا -يعني في مواطن التخيير نرجع إلى عمومات النافلة- وإن قلنا بالثاني فلا بد من السقوط لجواز التقصير في المواطن الأربعة، ولا يبعد استفادة هذا المعنى من الأخبار).
فهو في تقريرات الكاظمي رجح استظهار المعنى الثاني من الأخبار، بينما في تقريرات الآملي منع من الاستظهار، منع من الظهور مع أن الدورة واحدة! ولعله -يعني لعل هذه الزيادة من الشيخ الآملي- هو أنه كما يظهر منه قدس سره بأنه ما كان يلتزم بالتقرير بتقرير الدرس مباشرة، بل كان يلتزم بالتقرير بعد الأخذ والرد مع أستاذه، فلعله في مقام الأخذ والرد رفع النائيني يده عن دعوى الظهور، لعله لا نجزم بذلك. وحاصله أن النافلة تدور مدار تمامية الصلاة، بحيث كلما وجبت الصلاة تماماً فالنافلة تشرع أو تشرع. فاتضح ما فيه مما ذكره قدس سره.
#
التوجيه الثالث: ما أفاده السيد الأستاذ الروحاني
التوجيه الثالث -ونختم به، وإن أطلنا هذا اليوم ولكن حتى نحاول ألا نطل بما هو أكثر-: التوجيه الثالث أففاده سيدنا الأستاذ الروحاني أعلى الله مقامه الشريف في فقهه. لن أقرأ عبارة السيد قدس سره وإنما مباشرة سانتقل إلى بيانها.
ما أفاده قدس سره مبني على مقدمات:
المقدمة الأولى: هي أن لدينا طائفة من النصوص تدل على تعين القصر في السفر، وهذا واضح.
المقدمة الثانية: لدينا طائفة أيضاً من النصوص تدل على سقوط النوافل اليومية في السفر، وهذه طائفتان.
المقدمة الثالثة: الأخبار الدالة على جواز الإتمام في الأماكن الأربعة توجب تقييد إطلاق المطلقات من حيث الحكم الأول وهو تقصير، من حيث الحكم الأول وهو تعين القاصر، فما دل على جواز الإتمام في المواطن الأربعة يقيد الطائفة الأولى التي دلت على ماذا؟ على تعين القصر، فهذه الطائفة تقول: إلا في المواطن الأربعة فالقصر ليس بمتعين.
وأما من حيث الحكم الثاني وهو سقوط النوافل فلا دليل على التقييد، فإذا كان لا دليل على التقييد فنحن حينئذ وإطلاق ما دل على سقوط النوافل في السفار، هذا جاز له شيخ صادق، إذاً فالنتيجة الثانية -فالنتيجة- أن الطائفة الثانية باقية على إطلاقها لعدم كون الطائفة الثالثة -يعني طائفة التخيير في مواطن التخيير- مقيدة لإطلاق الطائفة الثانية.
ولكن ما أفاده الأستاذ رضوان الله تعالى عليه يمكن التنظر فيه مما ذكرناه يوم أمس، فإننا ذكرنا يوم أمس بأن الطائفة الثانية من رأس لا إطلاق لها أصلاً، نحن منعنا إطلاقها من رأس وقلنا بأنها ناظرة إلى ماذا؟ إلى غير مواطن التخيير. ناظرة، نعم أحسنتم، ناظرة إلى موطن ما لو تعين ما لو تعين التمام، إلى موطن تعين التمام، وذكرنا المنبهين على خصوصيتها وعدم وجود الإطلاق فيها. فكلام الأستاذ قدس سره لا يخلو عن نظر، والله العالم، والحمد لله رب العالمين.
