دروس مقررة — النصوص المتاحة
19 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 27
اللهم صل على محمد وآل محمد. قال السيد اليزدي أعلى الله مقامه الشريف: «ويجب الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين إلا الوتر فإنها ركعة». وانتهى بنا الكلام إلى المستستنى، وأفاد السيد الشارح رضوان الله تعالى عليه بأن المقصود من كون الوتر ركعة أنها مفصولة عن الشفع بالتشهد والتسليم، وعلى ذلك الإجماع صريحه وظاهره.
أما صريحه؛ فقد جاء في كلام شيخنا الطوسي أعلى الله مقامه الشريف في كتابه الخلاف: «إجماع الفرقة عليه». وقبل الشيخ الطوسي قدس سره، قال الشيخ الصدوق في الأمالي أعلى الله مقامه الشريف: «إنه من دين الإمامية». هذه العبارة وإن لم تكن صريحة في الإجماع ولكنها لا تقل عنه. وأما ظاهر الإجماع؛ فالعلامة قدس سره في منتهى المطلب قال: «واثنتان للشفع ثم يوتر بواحدة، ذهب إليه علماؤنا». هذا ظاهر الإجماع؛ ليس عبارة صريحة في الإجماع وإنما هي ظاهرة. وقال رضوان الله تعالى عليه في التذكرة: «الوتر عندنا -عند الإامامية- واحدة لا يزاد عليها». فظاهر الإجماع صريح وكذلك الظاهر في أن الوتر ركعة واحدة مفصولة عن الشفع بالتسليم والتشهد.
أدلة المسيلة وطوائف الروايات
والكلام فعلاً في أدلة هذه المسألة، وقد أفاد سيد المستمسك رضوان الله تعالى عليه بأن النصوص تدل على ما دل عليه الإجماع، وذكر مجموعة من النصوص. هذه النصوص التي ذكرها يمكن تقسيمها، كما صنع سيدنا الأستاذ الخوئي قدس سره في المستند، إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ما دل على أن الوتر ركعة واحدة مفصولة، وهذا عبارة عن ثلاث روايات ذكرها، ويوجد غيرها أيضاً.
الرواية الأولى: صحيح معاوية بن عمار، قال: «اقرأ في الوتر في ثلاثتهن بقل هو الله أحد، وسلم في الركعتين، توقظ الراقد وتأمر بالصلاة».
فهذه الروايات صريحة في أن الوتر وإن أطلقت على الركعات الثلاث ولكن ينبغي الإتيان بها ركعة مفصولة، إذ قد أمر بالتسليم بعد الركعتين، وأمر بالتسليم بنحوٍ عبر فيه عليه السلام: «توقظ الراقد وتأمر بالصلاة»، باعتبار أن الوقت المثالي لصلاة الوتر ما يقارب صلاة الفجر، فالإمام عليه السلام يأمره عندما يسلم بعد الركعتين أن يرفع صوته حتى يوقظ أهل بيته للصلاة أو من معه للصلاة: «توقظ الراقد وتأمر بالصلاة». فهذه الصحيحة دالة على أن الوتر ركعة واحدة
مفصولة عن الركعتين.
الرواية الثانية: ما عبر عنها بمصحح سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام: «الوتر ثلاث ركعات وتفصل بينهن». وهذه أيضاً كسابقتها في الدلالة. إنما الكلام هنا في سر تعبير السيد الحكيم قدس سره عن هذه الرواية بالمصححات، بينما سيدنا الخوئي قدس سره قد عبر عنها بالصحيحات (بصحيح سليمان بن خالد).
ومن المعلوم عندنا بأن لفظ «المصحح» مشعر بوجود خلل في السند، ولكن المصحح يلتزم بتصحيحه، ولذلك يعبر عنه بمصحح، أي أنه بنظري واجتهادي مصحح، وإن كان في السند إشكال على مباني الغير. فما هو الإشكال في سند هذه الروايات حتى عبر عنها السيد المستمسك بالمصححات؟ لا بأس أن نلحظ السند أولاً.
أخطى رواية رواها الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه في التهذيب فقال: وروى الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام. لا بأس أن أقرأ الرواية تيمناً لأن السيد قدس سره ذكرها مختصرة، قال: «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، وست ركعات بعد الظهر، وركعتان قبل العصر، وأربع ركعات بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء الآخرة تقرأ فيهما مائة آية قائماً أو قاعداً والصيام أفضل ولا تعدلهما من الخمسين». اقتربنا من محل الشاهد: «وثمان ركعات من آخر الليل، تقرأ في صلاة الليل بقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون في الركعتين الأوليتين وتقرأ في سائرها ما أحببت من القرآن، ثم الوتر ثلاث ركعات تقرأ فيها جميعاً قل هو الله أحد وتفصل بينهن بتسليم، ثم الركعتان اللتان قبل الفجر تقرأ في الأولى منهما قل يا أيها الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد».
وهنا ينبغي أولاً أن يلحظ سند الشيخ قدس سره إلى الحسين بن سعيد وهو من الأجلاء، والشيخ رضوان الله تعالى عليه في التهذيب أشار إلى وجود ثلاثة أسانيد، فقال: «وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد،
فقد أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، شيخ المفيد، والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون، كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أخيه محمد بن الحسن بن الوليد». هذا السند مشكلته أحمد بن محمد بن الحسن فإنه لا توثيق له.
السند الثاني قال: «وأخبرني به أيضاً أبو الحسين بن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد». هذا السند مشكلته ابن أبي جيد على الخلاف فيه، وكذلك أيضاً من ناحية الحسين بن الحسن بن أبان فإنه أيضاً لم يوثق.
السند الثالث قال: «ورواه أيضاً محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد». من قوله «ورواه» يعلم بأن هذا السند يرجع إلى السند السابق في أوله، والسند السابق أوله ابن أبي جيد فهذا أيضاً يرجع إلى ابن أبي جيد والكلام فيه هو الكلام.
فأسانيد الشيخ الثلاثة المذكورة في مشيخة التهذيب ليست بنقية عن الإشكال على جميع المباني، بل يمكن تصحيح بعضها على بعض المباني ويمكن التوقف في جميعها. فماذا نصنع إذا وقفنا على سند للشيخ بهذا النحو في المشيخة؟ نأخذ، كما هو المتعارف، ننتقل حينئذ من المشيخة إلى البحث عن أسانيده في الفهرست إلى نفس الراوي، فنجد هل له أسانيد مختلفة إلى جميع كتبه ورواياته وعلى ضوئها يمكن تصحيح السند أم لا؟ وإذا رجعنا إلى كتاب الفهرست لشيخنا الطوسي قدس سره نجد بأنه قد ذكر سندين آخرين للحسين بن سعيد:
السند الأول، قال: «أخبرنا بكتبه ورواياته ابن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران». الكلام فيه هو نفسه.
ثم قال السند الثاني: «وقال وأخبرنا بها عدة من أصحابنا عن محمد بن علي بن الحسين -الشيخ الصدوق قدس سره- عن أبيه ومحمد بن الحسن ومحمد بن الحسن بن المتوكل عن سعد بن عبد الله الحميري عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد». السند لا غبار عليه.
توثيق سليمان بن خالد
فسند الشيخ الطوسي قدس سره إلى الحسين بن سعيد بناءً على الطريق الأآخر المذكور في الفهرست لا نزاع فيه، لا نزاع في اعتباره. إذاً فأين هي المشكلة التي على ضوئها قال سيدنا الحكيم بأن الخبر ماذا؟ مصحح! الظاهر أن المشكلة هي في سليمان بن خالد نفسه، فإن صاحب المدارك أعلى الله مقامه الشريف توقف فيه وتوقف في سليمان بن خالد، بل إن ابن داوود أعلى الله مقامه الشريف في رجاله قد ذكره في القسم الثاني في المذمومين وعلى في قسم الضعفاء، وعلى ذلك فإن الرواية من هذه الناحية تكون مشكلة.
ولكن الصحيح وثاقته، إنما هذا لشهادة أيوب بن نوح الذي هو شيخ الكشي ولو بالواسطة، فإن الكشي رضوان الله تعالى عليه في رجاله نقل عن حمدويه -الذي هو شيخه المباشر- قال: سألت أبا الحسن أيوب بن نوح بن دراج النخعي -وهو على تمام الوثاقة- عن سليمان بن خالد النخعي: أثقة هو؟ فقال: «كما يكون الثقة ثقة». السيد الخوئي على الله مقامه الشريف لعله في المعجم قال بأنه ثقة كما يكون الثقة للإشارة إلى أنه مقارب من الثقة، ولكن هذا لا يخلو عن بُعد عن الظاهر، فإن الظاهر من أن الكاف ها هنا للتشبيه: «ثقة كما يكون» يعني كما تقول: رجل كما يكون الرجال مثلاً، بطل كما يكون الأبطال أيضاً. فهذا تمصيص على وثاقته.
فأولاً: شهادة أيوب بن نوح قدس سره. وثانياً: شهادة الشيخ المفيد أعلى الله مقامه، فإن الشيخ المفيد قدس سره ذكر سليمان بن خالد في كتابه الإرشاد ضمن رواة النص على إمامة إمامنا الكاظم صلوات الله وسلامه عليه، وعبر بهذه العبارة: «ممن روى صريح النص بالإمامة من أبي عبد الله عليه السلام على ابنه أبي الحسن موسى عليه السلام من شيوخ أصحاب أبي عبد الله عليه السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين»، إلى أن قال: «وسليمان بن خالد وصفوان الجمال وغيرهم». فهذا توثيق من الشيخ المفيد له، فلا وجه للتوقف في وثاقته.
إذاً؛ فالتعبير عنه بالمصحح من ناحية سليمان بن خالد، فإنه قد توقف فيه قوم ولكن الصحيح البناء على وثاقته، فالرواية من ناحيته مصححة.
الرواية الثالثة: ما عبر عنها أيضاً السيد المستمسك بمصحح أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «الوتر ثلاث ركعات، اثنتان مفصولة وواحدة» (في بعض النقاط ضبطت هكذا: «اثنتان... اثنتين مفصولة»، وكلها صحيحة والدلالة هي هي: «اثنتان مفصولة وواحدة»). الكلام أيضاً يبقى من ناحية السند فإنه قد عبر عنها بالمصححة، بينما سيدنا الخوئي قدس سره قد عبر عنها بالرواية حتى لم يعبر عنها بالصحيحة، فلماذا عبر عنها السيد الحكيم بالمصححة؟
طبعاً نرجع إلى سندها، نقلها الشيخ الطوسي قدس سره في التهذيب وقال: «وعنه» (الضمير يرجع إلى الحسين بن سعيد باعتباره عطف هذه الرواية على سابقتها) عن حماد بن شعيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام. الرواية هي نفسها لا زيادة فيها. والظاهر أن مشكلة هذه الرواية من ناحية حماد بن شعيب فإنه من المجاهيل.
وإذا كان من المجاهيل فكيف لنا حينئذ أن نصحح السند مع وقوع هذا المجهول؟ نصحح السند بالقول بوقوع تصحيف في السند! فالسند عن حماد عن شعيب لا عن حماد بن شعيب. فهنا (عن) تغيرت إلى صارت (حماد بن شعيب)، وحماد بن شعيب لا وجود له. والمنبه على أن السند قد وقع فيه تصحيف هو أن هذه الرواية أولاً قد رواها الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه الشريف في الاستبصار بالنحو الذي صححنا: عن حماد عن شعيب، هذا أولاً. وثانياً: من خلال الأشباه والنظائر فإن الرواية من الحسين بن سعيد إلى أبي بصير قد تكررت في موارد عديدة جداً، وكلها عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن شعيب بن يعقوب العقرقوفي عن أبي بصير. فمن خلال الأشباه والنظائر يعلم وقوع التصحيف في هذا السند.
وبما أن حماد بن عيسى وشعيب بن يعقوب كلاهما ثقة فالرواية معتبرة سنداً.
إذاً التعبير عنها بالمصححة لأجل التنبيه على هذه المشكلة الواقعة في سندها. هذا بالنسبة إلى الطائفة الأولى.
الآن نحن نريد وجه كلام السيد الحكيم وهو تام لا كلام فيه. فما أفاده سيدنا الخوئي قدس سره أنا أتصور بأنه من باب الاكتفاء بوجود رواية في البين دالة على المطلوب فلا حاجة بعد ذلك للنظر إلى أسانيد بقية الروايات، لعله من هذا الباب يعني لم ينظر -وأنا هم للاسف ما وفقت أن أطالع التنقيح في هذا المورد لعله قال شيئاً في البين فيما ارتبط بالرواية-.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على الوصل
الطائفة الثانية من الروايات: ما دل على أن الوتر ثلاث ركعات موصولات بتسليمة واحدة، ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة. ومن هذه الروايات خبر كردويه الهمداني، قال: «سألت العبد الصالح صلوات الله وسلامه عليه عن الوتر فقال: صلة» (وعلى ضبط آخر فقال: «صله»، وكلاهما يؤديان نفس النتيجة؛ أما «صلة» أي صل الوتر فلا تفصل، وأما «صله» أي يأتي بها موصولعة غير مفصولة، النتيجة واحدة).
هنالك بعض الكلام حول سند هذه الرواية وهو ليس بكلام قوي، من ناحية وقوع كردويه فإن السيد الخوئي أعلى الله مقامه بنى على أنه مجهول ولذلك تنكر في اعتبار هذه الرواية، والذي يظهر من السيد الحكيم أيضاً قدس سره إذن عبر عن الرواية بالخبر أن الرواية أيضاً ليست معتبرة عنده من ناحية السند، والحال أنها على مبانيه ينبغي أن تكون معتبرة، إذ لا إشكال فيها إلا من ناحية كردويه إذ لم يرد فيه توثيق صريح، لم يرد فيه توثيق، ولكنه ممن روى عنه ابن أبي عمير في موارد عدة بأسانيد صحيحة، والسيد الحكيم قدس سره يلتزم بأن ابن أبي عمير لا يروي إلا عن ثقة، يلتزم بهذه الكبرى فيفترض أن تكون هذه الرواية طبقاً لمبانيه معتبرة السند.
الطائفة الثالثة: روايات التخيير
الطائفة الثالثة من الروايات: ما دل على جواز كل من الفصل والوصل، ما دلت على التخيير. منها صحيح يعقوب بن شعيب -هو نفس اللي لا عفواً ذاك شعيب بن يعقوب- قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسليم في ركعتي الوتر فقال عليه السلام: إن شئت سلمت وإن شئت لم تسلم». ونحوه يقول صحيح معاوية بن عمار، وفعلاً نحوه لا يزيد عليه بشيء، يعني الجواب في صحيح معاوية نفسه هو الجواب أن
شئت سلمت وإن شئت لم تسلم. فيستفاد من ذلك بأن المكلف بعد الإتيان بالركعتين مخير بين أن يفصل بينهما وبين الركعات بالتسليم وبين أن لا يفصل بينهما بتسليم فيأتي بثلاث موصولات.
وجه الجمع بين الروايات
هذه طوائف الروايات، والكلام في وجه الجمع بين هذه الطوائف الثلاث. طبعاً تعرض قدس سره إلى وجهين من وجوه الجمع:
الوجه الأول: ما بنى عليه سيد المدارك أعلى الله مقامه الشريف ومن قبله المقدس الأردبيلي أعلى الله مقامه، وهو أن الجمع بين هذه الطوائف بالحمل على التخيير، فالطائفة الأولى تشير إلى الفاصل، الطائفة الثانية تشير إلى الواصل، الطائفة الثالثة تفيدك التخيير بينهما فهي شاهد جمع على الطائفتين الأوليين. فالمحصل بأن المكلف مخير بين أن يأتي بالوتر منفصلة وبين أن يأتي بها تابعة للركعتين. عبارة سيد المدارك هكذا قال -أولاً عبارة صاحب المجمل لأننا سنحتاجها قال: الجمع بالتخيير حسن كما هو مذهب العامة-. سيد المدارك قال: «لو قيل بالتخيير بين الفصل والواصل واستحباب الفصل كان وجهاً قويا».
ولكن هذا الذي أفاده هذان العلمان وتبعهما فيه سيدنا الخوئي قدس سره -إذ انتهى إلى هذه النتيجة أيضاً وصرح بأنه لا مانع من الالتزام بالتخيير وإن كان ذلك على خلاف المشهور، صرح بذلك: لا مانع من الالتزام بالتخيير وإن كان ذلك على خلاف المشهور- هذا الذي ذهب إليه تأمل فيه سيدنا الحكيم قدس سره. وجه تأمله ما هو؟
سيد الحكيم يقول: عندنا طائفة من الروايات موافقة للإجماع وهي الطائفة الأولى، وعندنا طائفة يفترض أنها ساقطة عن الحجية لأنه لم يبن على اعتبار السند فيها وهي الطائفة الثانية، فتبقى عندنا الطائفة الثالثة وهي الطائفة القائلة بالتخيير. يقول هذه الطائفة بالتخيير ليست بحجة في نفسها حتى نحتاج إلى الجمع بينها وبين الطائفة الأولى، لماذا؟ يقول لأنها على خلاف الإجماع، وإذا كانت على خلاف الإجماع فماذا يعني؟ إذا كانت على خلاف الإجماع فهذا يعني أن الأصحاب قد أعرضوا عنها، وبالتالي فلا بد من توجيهها بما لا يتنافى مع الإجماع المحقق عند علماء الطائفة.
تقول له بأي وجه توجهها؟ يقول: بحملها على التقية. ولعل وهذا الذي قلت لكم نحن نحتاج إلى كلام صاحب المقدس الأردبيلي لما فيه من الإشارة إلى أن هذا هو مذهب العامة وبالتالي فهذه الطائفة موافقة لهم إذاً هي صادرة على نحو التقية. ثم أشار إلى وجوه أخر فقال: فيتعين حملها على التقية أو غيرها.
ولطيف أن الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه الشريف في التهذيب هو أول من تصدى تقريباً لتوجيه هذه الروايات وذكر وجوهاً لتوجيهها، وأحد هذه الوجوه التقية. فهذه الطائفة من الروايات من زمن الشيخ الطوسي قدس سره معرض عما هي ظاهرة فيه وموجهة بأحد الوجوه التي لا تتنافى مع دلالة الطائفة الأولى. لا بأس أن أقرأ كلام الشيخ الطوسي قدس سره ثم بعد ذلك أشير إلى شيء.
الشيخ رضوان الله تعالى عليه قال في التهذيب: «فإن هذه الروايات ليست منافية لما ذكرنا، لأنها تضمنت التخيير في التسليم، ومن يقول بصلتها فإنه لا يجوز التسليم فيها بوجههن» -يعني من يقول بثلاث موصولة فلا يجوز التسليم بوجههن- «وإذا كان فيها الاختيار بمقتضى هذه الطائفة من الروايات فنحن نحمله هذا الوجه الأول على التسليم المخصوص». ما هو التسليم المخصوص؟ يقول: «نحن في التسليم نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التسليم المخصوص المخرج عن الصلاة العبارة الأولى، وأما العبارة الثانية فإن شئت أن تأتي بها وإن شئت أن لا تأتي بها»، يقول: «فهذه الرواية (إن شئت أن تسلم وإن شئت أن لا تسلم) ناظرة إلى العبارة الثانية من التسليم، ناظرة إلى العبارة الثانية من التسليم». هذا أقرأ الكلام:
«فنحن نحمله على التسليم المخصوص، وهو أن عندنا أن من قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين في التشهد فقد انقطعت صلاته، فإن قال بعد ذلك السلام عليكم ورحمة الله جاز وإن لم يقل جاز أيضاً، فكان التخيير إنما تناول هذا الضرب من التسليم، يعني التخيير في هذه الروايات، ولو كان فيها صريح بالنهي عن التسليم لم يجب العمل بها، لأن ما أثبتناه من وجوب التسليم من الأخبار أكثر، ولا يجوز العدول عن الأكثر إلى الأقل إلا لدليل يمنع منه».
ثم قال -التوجيه الثاني-: «ويجوز أن تكون هذه الأخبار خرجت على طريق التقية، لأنها موافقة لمذاهب العامة، وما يخرج على هذا الوجه لا يجب العمل به». ثم ذكر وجهاً ثالثاً، قال: «ويحتمل أن يكون أراد بالتسليم ما يستباح بالتسليم من الكلام وغيره»، يعني مراده من التسليم هو جواز الإتيان بمنافيات الصلاة من أجل قطعها، فلا يجب الإتيان بها موصولة بل يجوز القطع بالإتيان بالمنافي. تقول: ولم عبر عنه بالتسليم؟ يقول: هذا من باب إطلاق السبب على المسبب. قال: «ويحتمل أن يكون أراد بالتسليم ما يستباح بالتسليم من الكلام وغيره وأجرى عليه هذه التسمية لأنه سبب في إباحته»، فعبّر عن المنافي بالتسليم باعتبار أن التسليم هو السبب، فمن باب تسمية المسبب باسم سببه. وهذا الكلام مما الإنسان مخير فيه إن شاء تكلم -الكلام المنافي- وإن شاء ابتدأ في الوتر من غير كلام.
إذا اتضح عندنا إلى هنا بأن أعلام الطائفة رضوان الله تعالى عليهم من القدم انعقد إجماعهم على أن الوتر يؤتى بها مفصولة ركعة واحدة ركعة واحدة، والروايات التي أفادت التخيير توقفوا فيها من البداية وحاولوا أن يوجهوها بما لا يتنافى مع تلك الطائفة.
من هنا تظهر ثمرة البناء على أن الشهرة جابرة وكاسرة أم لا، فمن بنى على أن الشهرة جابرة وكاسرة -كالسيد المستمسك- يظهر الأثر عنده في المقام، إذ أن الشهرة على خلاف هذه الروايات فهي كاسرة لها، أعرض عنها لا يمكن التعويل عليها ويؤخذ بتلك. وأما من بنى على أن الشهرة ليست بكاسرة -كسيدنا الخوئي- فإن ذلك لا يضره شيئاً بل يمكنه الأخذ بهذه الطائفة وعلى ضوئها ينتهي إلى النتيجة التي انتهى إليها وهي الجمع، وهي القول بالتخيير. عفواً، القول بالتخيير.
إذاً؛ ما انتهى إليه السيد الحكيم إنما هو على طبق مبانيه قدس سره: تحقق الإعراض، ومع الإعراض يتعين عندنا العمل بالطائفة الأولى فقط، فتكون الوتر كما أفاد السيد اليزدي ركعة واحدة مفصولة.
والحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وآل محمد.
