دروس مقررة — النصوص المتاحة
19 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 29
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم وافتح علينا خزائن العلم وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
قال الفقيه اليزدي أعلى الله مقامه في عروته الوثقى: «المسألة الثانية: الأقوى استحباب الغفيلة، وهي ركعتان بين المغرب والعشاء، ولكنها ليست من الرواتب» إلى آخر كلامه. وقد تعرض قدس سره في هذه المسألة لفرعين؛ الفرع الأول: هو استحباب الغفيلة، والفرع الثاني: استقلالها، فهي صلاة مستقلة وليست من الرواتب اليومية.
تحقيق الكلام في رواية الغفيلة
والسيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف اكتفى بالإشارة للفرع الأول وركز كلامه على الفرع الثاني، وخلاصة الإشارة التي ذكرها بالنسبة للفرع الأول هي أن ما دل على استحباب الغفيلة عبارة عن رواية هشام بن سالم المروية في المصباح، وكذلك أيضاً في فلاح السائل للسيد ابن طاووس أعلى الله مقامه، وبهذا المقدار اكتفى، وستاتِي منه في ضمن كلامه حول الفرع الثاني إشارة ترتبط بهذا الفرع أيضاً.
من هنا نحن نريد أن نتكلم حول هذه الرواية لأن ما سيأتي يبتني عليها؛ الرواية لها طريقان: الطريق الأول هو طريق المصباح -مصباح المتهجد لشيخنا الطوسي أعلى الله مقامه الشريف- قال: «ويستحب التنفل بين المغرب والعشاء الآخرة بما يتمكن من الصلاة»، وهي التي تسمى ساعة الغفلة -والذي يظهر بأن التسمية بالغفيلة متأخرة، ما كانت في كلمات المتقدمين، نعم الغفلة موجودة، أما الغفيلة فلعلها من زمن ابن فهد رضوان الله تعالى عليه في عدة الداعي فمن بعد، عموماً هذا ليس بمهم- وهي التي تسمى ساعة الغفلة، فمما روي من الصلوات في هذا الوقت ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من صلى بين العشاءين ركعتين، قرأ في الأولى الحمد وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: 87] إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88]، وفي الثانية الحمد وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59] إلى آخر الآية، فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا، وتقول:
اللهم أنت ولي نعمتي والقادر على طلبتي تعلم بحاجتي فأسألك بحق محمد وآل هـ -عليه وعليهم السلام- لما قضيتها لي -على نسخة أخرى: إلا قضيتها-»، وسأل الله حاجته؛ هذا جواب من صلى، في أول الرواية: «من صلى بين العشاءين وصلى وسأل الله حاجته أعطاه الله ما سأل». لذلك بعض الفقهاء يعبر عنها بصلاة الحاجة، ليست بصلاة الغفيلة، يعبر عنها بصلاة الحاجة وتذكر ضمن صلوات الحاجة.
هذا بالنسبة إلى الطريق الأول، وكما لاحظنا فإن الشيخ الطوسي قدس سره لم يذكر سنداً إلى هشام بن سالم. الطريق الثاني ما ذكره السيد ابن طاووس -رزقنا الله تعالى شفاعته- في فلاح السائل قال: «ذكر ما يختار ذكره من الصلوات بين العشاءين بالروايات أيضاً»، ثم قال أيضاً: حدثنا علي بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان الرازي، قال: حدثنا أبو جعفر الحسني محمد بن الحسين الأشتر، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «من صلى بين العشاءين ركعتين...» إلى آخر الرواية.
فالكلام يقع فعلاً حول طريقي هذه الرواية، إذ لا طريق ثالث، الطريق منحصر بهذين الطريقين. أما بالنسبة إلى الطريق الأول وهو طريق الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه، فقد ركز مجموعة من الأعلام عليه، وأبرزهم -بحسب ما وقفت عليه- شيخنا المحقق النائيني أعلى الله مقامه وتلميذه سيد المستمسك قدس سره الشريف.
أبدأ أولاً بكلام المحقق النائيني، ثم بعد ذلك نعقب عليه بكلام سيد المستمسك، ونرى ما يرتبط بهذين الكلامين. المحقق النائيني قدس سره في صلاة الخونساري أعلى الله مقامه قال بأن هذه الرواية -يعني رواية المصباح- معتبرة سنداً، ولم يزد على ذلك. وفي صلاة الكاظم قال: «ولكن الإنصاف» -وهنا سيذكر وجهين لبيان الاعتبار- «أن صلاة الغفيلة في غاية الاعتبار»، مو فقط معتبرة، في غاية الاعتبار، لماذا؟
أحدها: قال لأن الشيخ رحمه الله ذكرها في مصباحه، الذي هو متأخر عن التهذيب والاستبصار، وكأنه يومئ من خلال هذا الوجه إلى أن الشيخ رضوان الله تعالى عليه إنما صنف المصباح بعد تصنيفه لأهم كتابين من كتبه الحديثية، مما أكسبه خبروية بالاحاديث ومعرفة بها، وبالتالي فهو عندما أورده في كتابه أورده عن خبروية، وهذا مما يعطيها اعتباراً.
ثم قال: «وكان عليه العمل» -يعني المصباح- وكان عليه العمل كما سيتضح، يعني العمل عند الطائفة، بحيث اعتمد هذا كتاباً للعمل، وكان عليه العمل فهو في غاية القوة. إذاً هنا هو يشير إلى شيء آخر، إلى وجه آخر من وجوه الاعتبار، وهو أن هذا الكتاب الشريف قد أعد للعمل من قبل الشيخ الطوسي، وما دام قد أعد للعمل فلا بد أن يضمنه ما هو معتبر بنظره، وهذا ما يتضح في تقرير الأُمولي بشكل أكثر، في تقرير الأُمولي قال:
«ويدل على مشروعيتها ما في مصباح الشيخ، والمناقشة في سند روايتها ضعيفة بعد كون عمل الطائفة بما في المصباح، مضافاً إلى تصريح الشيخ نفسه بأنه ألف كتابه هذا للعمل بكل ما يذكر فيه، فلا وجه للمنع عن العمل بها، فعليه فلا بأس في الفتوى باستحبابها».
وحتى يتضح كلام الشيخ النائيني جيداً، لا باس أن نمر بعبارة الشيخ الطوسي قدس سره في بداية كتاب المصباح، ليعلم ما يشير إليه المحقق النائيني ها هنا، أي هو هذا -قد نجعله وجهاً ثالثاً وقد نرجعه إلى الوجه الأول- وهو عبارته في تقرير الأُمولي مضافاً تشير إلى أنه وجه ثالث نميز بين الوجهين بهذا التمييز:
شيخ أعد الكتاب للعمل هذا هو الوجه الذي ذكرناه، غير هذا، غير هذا الكلام فيما يرتبط بالعمل، عمل الطائفة، عمل الطائفة غير أعده للعمل، هذا اللي أريد أقوله، عمل الطائفة في إشارة إلى أن الطائفة بما فيها من الأعلام قد تلقته بالقبول واعتمدته، فلولا أن ما فيه من المعتبرات ما كان يحصل له هذا التلقي عند أعلام الطائفة، فتكون الوجوه للاعتبار ثلاثة في كلماته.
عبارة الشيخ في بداية المصباح هي هذه: «سألتم أيدكم الله أن أجمع عبادات السنة، ما يتكرر منها وما لا يتكرر، وأضيف إليها الأدعية المختارة عند كل عبادة على وجه
الاختصار دون التطويل والإسهاب»، هو المصباح مفصل ومن غير تطويل وإسهاب، «فإن استيفاء الأدعية يطول وربما ملّه الإنسان وتضجر منه» -هذا في ذاك الزمان الذي ما كانوا فيه مشغولين بما نحن مشغولون به الآن ومع ذلك هو يقول هذا-: «وربما ملّه الإنسان وتضجر منه، وأسوق ذلك سياقة يقتضيه العمل، وذكر ما لا بد منه من مسائل الفقه فيه دون بسط الكلام في مسائل الفقه». كتاب المصباح كما اشتمل على الأدعية والآداب الصلوات المستحبه أيضاً فيه مقدمات ترتبط بالفقه ترتبط بمقدمات الصلاة وما شاكل ذلك ولكنها بسيطة مختصرة لا تأخذ كثيراً من الكتاب، كتاب في مجموعه موضوعه الأعم الأغلب الأدعية والاعمال المستحبه.
«فإن كتبنا المعمولة في الفقه والأحكام تتضمن ذلك عن التفصيل على وجه لا مزيد عليه، كالمبسوط والنهاية والجمل والعقود ومسائل الخلاف وغير ذلك» -هذا مو فقط كتبه بعد التهذيبين، بل كتبه بعد أن كتب كتبه الفقهية الكثيرة رضوان الله تعالى عليه-. «والمقصود من هذا الكتاب مجرد العمل وذكر الأدعية التي لم نذكرها في كتب الفقه، فإن هذا مهم» -كلام-: «فإن كثيراً من أصحابنا -يعني الشيعة- ينشط للعمل دون التفقه وبلوغ الغاية فيه، وفيهم من يقصد التفقه وفيهم من يجمع بين الأمرين، فيكون لكل طائفة منهم شيء يعتمدونه ويرجعون إليه وينالون بغيتهم، من يحب التفقه هذا الكتاب يفيده، ومن يحب العمل أيضاً هذا الكتاب يفيده، وأنا مجيبكم إلى ذلك مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه». هذا كلام الشيخ الطوسي.
طبعا سنعود لكلام المحقق النائيني لاحقاً، الآن لن نعقب عليه فقط بيناه. وأما السيد الحكيم قدس سره -الذي قلنا أيضاً بأنه ركز على الطريق الأول- فانه قال كما سياتينا إن شاء الله، فإن طريق الشيخ إلى هشام صحيح كما يظهر من ملاحظة الفهرست. إذاً معالجه المحقق النائيني لضعف السند مختلفة تماماً عن معالجة السيد الحكيم قدس سره لضعف السند، فالسيد الحكيم قال بأن الرواية ما دام قد رواها الشيخ الطوسي في المصباح فالطريق لمعرفة طريقه إلى هشام بن سالم هو أن نلحظ أسانيده إلى هشام بن سالم في الفهرست، فإذا وجدنا بأن هذه الأسانيد صحيحة فيُعلم بأن هذه الرواية مسندة وصحيحة، وبما أن طريقه إلى هشام
بن سالم في الفهرست صحيح، إذاً فهذه الرواية ماذا؟ صحيحة. ولكن هاهنا يوجد إشكالان.
مناقشة إشكالات سند المصباح
الإشكال الأول: يرتبط بصحة طريق الشيخ الطوسي إلى هشام بن سالم، فإن الشيخ رضوان الله تعالى عليه في الفهرست ذكر ثلاثة أسانيد إلى كتاب هشام بن سالم، قال: هشام بن سالم له أصل -مو كتاب، أصل- أخبرنا به:
1. ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى عنه، عن هشام.
2. ورواه أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عنه.
3. وأخبرنا به جماعة، عن أبي المفضل، عن حميد، عن أبي العباس عبيد الله بن أحمد بن نهيك أو ناهيك، عن ابن أبي عمير، عنه.
هذه هي الأسانيد الثلاثة للشيخ إلى كتاب هشام بن سالم. الأول مشكلته وقوع ابن أبي جيد فيه، فانه لا توثيق له. الثاني مشكلته في سند الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى، فانه يرويه بحسب الطريق الثاني بواسطة أحمد بن محمد بن عيسى، والشيخ ليس من طبقة أحمد بن محمد حتى يروي عنه بالمباشرة، فلا بد من ملاحظة أسانيد الشيخ لمن؟ لأحمد بن محمد، وأسانيد الشيخ لأحمد بن محمد لم يصح منها إلا ما كان منه لنوادره ولم يُعلم بأن هذه من جملة نوادر أحمد بن محمد بن عيسى. وأما الطريق الثالث فمشكلته أبو المفضل الشيباني، لأنه ممن لم يوثق أيضاً.
ولكن هذه الإشكالية -الانصاف- يمكن تجاوزها، فإن ابن أبي جيد من مشايخ الإجازة، وتقدم الكلام غير مرة بأن مشايخ الإجازة إنما دورهم دور تشريفي أو تشرفي ليس إلا، وكذلك هو الكلام بالنسبة إلى أبي المفضل الشيباني في الطريق الثالث، فإن أبا المفضل من أشهر مشايخ الإجازة، والكلام فيه هو الكلام في سابقه، فعلى ذلك لا مشكلة من ناحية هذين، ويمكن تصحيح سند الشيخ لمن؟ لهشام بن سالم لأصل هشام بن سالم، فهذه المشكلة منحلة ولا مشكل ولا كلام فيها.
المشكلة الثانية: هي ما أشار إليها سيدنا الخوئي رضوان الله تعالى عليه وهي مشكلة الإرسال. خلاصة ما أفاده سيدنا الخوئي قدس سره: صححنا سند الشيخ الطوسي إلى أصل هشام بن سالم، ولكن ما الذي يثبت أن هذه الرواية من كتب هشام بن سالم؟ ما الذي يثبت أن هذه الرواية التي نقلها الشيخ الطوسي في كتابه المصباح قد أخذها من أصل هشام بن سالم؟ فلعلها من الروايات التي حدث بها هشام مشافهة ونقلت عنه ولم يثبتها في كتابه، وبالتالي فحتى لو صححنا سند الشيخ إلى أصل هشام بن سالم إلا أن هاهنا شبهة مصداقية في كون هذه الرواية من جملة روايات أصل هشام بن سالم، وبالتالي لا نحرز سند الشيخ إليها.
إن قلت: أليس دأب الشيخ قدس سره على أنه متى ما بدأ بذكر الراوي -بذكر اسم الراوي في السند- فإنه ينقل الرواية عن أصله؟ قلنا: نعم، هذا من دأبه في كتاب التهذيب، وأما هذا من دأبه حتى في غير كتاب التهذيب كالاستبصار فضلاً عن غيره فهذا غير محرز، وعلى ذلك فالرواية باقية على ما هي عليه من شبهة الإرسال. إذاً محاولة السيد الحكيم قدس سره لم تجدِ، محاولة السيد الحكيم أعلى الله مقامه لم تجدِ.
بعد ذلك نرجع لما ذكره المحقق النائيني. ما ذكره المحقق النائيني قدس سره له مقربات وله مبعدات. أما المقربات لكلامه: فظاهر عبارة الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه التي نقلناها في بداية الكلام ظاهرها أنه جازم بأن هشام بن سالم يروي ذلك عن الصادق عليه السلام، فانه لم يقل مثلاً «ما روي عن هشام»، لو قال «ما روي عن هشام» لأمكن أن يقال بأن هذه الرواية قد وصلته بطريق أو بآخر، ولكن قوله «ما رواه هشام بن سالم» ظاهر في الجزم بأن هذه الرواية من مرويات هشام بن سالم، وبما أنه لا يبعد أن يكون كتاب هشام بن سالم موجوداً عند الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه، فهذا يقرب أنه قد نقلها من الكتاب مباشرة، وإذا كان قد نقلها من الكتاب مباشرة فسواء صح سنده إلى الكتاب أم لم يصح لا حاجة إلى ذلك.
ولكن في قبال هذا المقرب توجد مبعدات؛ المبعد الأول: هو أن الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه في كتابيه معاً الاستبصار والتهذيب لم ينقل رواية واحدة عن هشام بن سالم بشكل مباشر، مما يعني أن كتاب هشام لم يكن بين يديه، ولو كان كتاب هشام بين يديه لنقل عنه بشكل مباشر، هذا أولاً.
المبعد الثاني: هو أن هذه الرواية لم ينقلها الشيخ في غير كتاب المصباح مع أنه كتب في الفقه كثيراً وكتب في الحديث كتابيه المعروفين، إلا أن هذه الرواية تفرد بنقلها في المصباح، ولو كانت هذه الرواية كما يتصور في حقها من قبل المحقق النائيني عند الشيخ الطوسي، لكان الشيخ الطوسي قد ذكرها في غير كتاب المصباح.
المبعد الثالث: يرتبط بالنكتة التي ركز عليها المحقق النائيني وهي أن كتابه قد أعده للعمل وأن الطائفة قد اهتمت بهذا الكتاب وتلقته بموقع تلقي القبول واعتمدته أيضاً في مقام العمل. خب هذا إنما يفيدنا لو لم تكن قاعدة التسامح موجودة في البين، وهذا العمل من الأعمال المستحبة، أما مع وجود قاعدة التسامح في البين، أو فقل مع وجود أخبار من بلغ في البين والتي يعولون عليها في إيراد الأخبار الضعيفة المرتبطة بالمستحبات في مقام العمل، فإن هذا المقرب لا يبقى على ما هو عليه بل يضعف ويتهاوى.
إذاً فما أفاده المحقق النائيني أيضاً من أجل تقوية الرواية لا يظهر كونه تاماً. هذا بالنسبة إلى الطريق الأول.
مناقشة طريق السيد ابن طاووس
الطريق الثاني: هو طريق السيد ابن طاووس أعلى الله مقامه، هذا الطريق لم يتعرض له من الأعلام سوى السيد الخوئي أعلى الله مقامه والبقيه مروا عليه مرور الكرام، والسيد الخوئي جاء بزبدة المخض فيه فلم يبقي ولم يذر رضوان الله تعالى عليه، لذلك أنا أقرأ كلامه وأضيف عليه بعض الإضافات ثم ساعقب بتعقيب.
سيد الخوئي قال: ثم إن ابن طاووس روى هذه الرواية في كتاب فلاح السائل بطريقه عن هشام بن سالم.
الطريق الذي ذكرناه في بداية البحث، إلا أن السند أيضاً ضعيف، لماذا؟ لثلاثة أمور أو لثلاث مشاكل:
المشكلة الأولى: قال لأجل محمد بن الحسين الأشتر فإنه مجهول.
المشكلة الثانية: وأما عباد بن يعقوب فلا نناقش من جهته لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات -وطبعا هو رجع عن هذا المبنى- إذاً فهذه المشكلة على ما هي عليه، ما انحلت.
المشكلة الثالثة: أضف إلى ذلك أن ابن طاووس رواها عن علي بن محمد بن يوسف، هذا علي بن محمد بن يوسف حتى يتضح كلام السيد الخوئي أين، من هو علي بن محمد بن يوسف؟ معبر عنه بالقاضي، معبر عنه بابن مهجور، ويُعرف بابن خالويه -طبعاً هذا أستاذ الشيخ النجاشي قدس سره، والشيخ النجاشي عرفه بأنه له كتب في الأدعية: عمل شهر رجب، عمل شهر شعبان، عمل شهر رمضان، ووثقه وصرح في ترجمته بأنه ابتاع كل كتبه أو أغلب كتبه كيفما كان- فإذاً علي بن محمد بن يوسف الواقع في أول السند هو أستاذ الشيخ النجاشي أعلى الله مقامه. زين هذا علي بن محمد -عفوًا- يرويـها عن من؟ عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري، هذا أستاذ الشيخ المفيد أعلى الله مقامه، طبعاً سيد الخوئي هنا ينبه تنبيهاً لا بأس به يقول: «وما في فلاح السائل من ذكر الرازي غلط، والزراري ليس الرازي، إذ لا وجود له في رواة، شخص باسم الرازي لا يوجد، وصحيح ما عرفت يعني زراري المطابق للبحار»، هنا يبين المشكلة يقول: والفصل بينه -يعني بين السيد ابن طاووس عليه الرحمن وبين علي بن محمد- أكثر من 300 سنة -لا أتصور تصل إلى 300 سنة، 200 سنة يمكن، 200 سنة بين، لأنهم مشايخ النجاشي بينهم وبين السيد ابن طاووس الحدود تقريباً حدود 200 سنة، كيف كان؟ المهم فاصلة موجودة، فاصلة وليست بالقليلة-. والفصل بينه وبين علي بن محمد أكثر من 300 سنة فبينهما واسطة لا محالة، مو واسطة وسائط، وعلى ذلك فالرواية مرسله لأنه لا تعلم الوسائط بين السيد ابن طاووس وبين علي بن محمد بن يوسف.
ثم السيد الخوئي يستمر في كلامه يقول: وأما بناءً على نسخة البحار من أن ابن طاووس رواها عن علي بن يوسف لا عن علي بن محمد بن يوسف -طبعاً بحسب الطبعة الموجودة في البحار هي عن علي بن محمد بن يوسف، ولعل النسخة التي اعتمد عليها سيدنا الخوئي قدس سره مختلفة عن هذه الطبعة الموجودة- كيف كان؟ لا عن علي بن محمد بن يوسف، فإن أُريد به من هو؟ هذا علي بن يوسف من مشايخ ابن طاووس قدس سره، لأنه يرويها مباشرة عنه، فهو مجهول.
على أن الفصل بينه -يعني لو قلنا هو من مشايخ ابن طاووس وأغمضنا النظر عن جهالته علي بن يوسف، خو شلون يروي عن الزراري والزراري من مشايخ المفيد؟- فعادت مشكلة الوسائط بين علي بن يوسف وبين الزراري، على أن الفصل بينه وبين الزراري المزبور طويل أيضاً ولم يكونا في طبقة واحدة ليروي عنه بلا واسطة، وإن أُريد به -يعني بعلي بن يوسف- واحد أردنا به مو واحد من مشايخ ابن طاووس، مو من مشايخ ابن طاووس، بل شخص يروي مباشرة عن الزراري، رجعت المشكلة السابقة، فعلى كل حال لا مخرج لنا من هذه المشكلة.
وإن أريد به من يروي عن الزراري، فالفصل بينه وبين ابن طاووس كثير، فعلى جميع التقادير تصبح الرواية مرسلة، إذاً فالسند لا مخرج من مشكلته، من مشكلة الإرسال فيه.
لذلك من العجيب جداً ما جاء في تقريرات شيخنا المروجي أدام الله تعالى تأييده، وإني أتصور بأن هذا لعله من اللبس الذي التبس فيه المقرر، فإنه جاء في مستمسك المسائل المنتخبة هكذا -أقرأ العبارة ويتضح لكم ما فيها- قال: «إن قلت: يمكن تصحيح الرواية بطريق آخر لا تكون فيه مرسلة، وهو طريق ابن طاووس إلى هشام بن سالم. قلت: سلمنا أن هذا طريق آخر، إلا أن في هذا السند محمد بن الحسين الأشتر وهو غير معنون في كلمات القوم» نفس اللي قاله السيد الخوئي.
وأيضاً عباد بن يعقوب موجود في السند وهو لم يوثق أيضاً، ولاستاذنا الأعظم -هو يعبر عن السيد الخوئي دائماً بهذا التعبير- ولاستاذنا الأعظم مناقشة أخرى في السند، وقال بعدها هذا هو العجيب: «أنها صحيحة السند من جهة وقوعها في أسانيد كامل الزيارات»، لكنه قد رجع في أواخر عمره الشريف عن تصحيح أسانيد كامل الزيارات، فلذا لا يمكن اعتماد هذه الرواية على أساس مشروعية صلاة الغفيلة بالنص الخاص، فإن الرواية ضعيفة بجميع الطرق.
وهنا: «إلا أن توثيق كامل الزيارات تام عندنا، فيكون السند تاما، فبعدما قلنا بصحة سندها فلنا أن نبحث في جهة الدلالة»، كيف هذا الكلام يكون مع أنه رضوان حفظه الله تعالى وأدام تأييده قد اعترف من البداية بوقوع الأشتر فيها وهو لم يعنون في كلمات القوم ثم أشار إلى مشكلة يعقوب بن عباد أو عباد بن يعقوب عفوًا، فالمعالجة بتصحيحه لاعتماد التوثيق العام لكامل الزيارات خب يعالج جزء المشكلة وتبقى المشاكل الأخرى على ما هي عليه، فكيف انتهى إلى صحة السند بمعالجة مشكلة من ثلاث مشاكل؟ لذلك أقول هذا قطعا هو مطلب ملتبس، مطلب ملتبس ولا يتصور صدوره من مثله دام تأييده.
فإلى هنا انتهينا بأن رواية هشام بن سالم لا يمكن تصحيحها من ناحية سندية، لا يمكن تصحيحها من ناحية سندية، والله العالم، ويأتي الكلام.
والحمد لله رب العالمين.
