دروس مقررة — النصوص المتاحة
7 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 2
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم وافتح علينا خزائن العلم وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين.
بعد أن اتضح لنا من خلال الكلمات التي مررنا بها أن الإجماع عند أعلام الإمامية على وجوب الخمس في أرباح المكاسب، مما استفاض نقله في كلماتهم. وقد استفاد بعضهم من هذه الكلمات وجود التسالم عند أعلام الإمامية على وجوب الخمس. وكيف كان؟ فالمهم ها هنا هو النظر في أدلة وجوب الخمس في أرباح المكاسب.
أدلة وجوب الخمس في أرباح المكاسب
وقد اختلف سيدنا الخوئي قدس سره عن سيدنا الحكيم في عرض هذه الأدلة؛ فإن سيد المستمسك قدس سره لجأ إلى الروايات بشكل مباشر، بينما السيد الخوئي أعلى الله مقامه توقف عند الاستدلال بالكتاب على وجوب الخمس في أرباح المكاسب وحاول أن يدفع بعض الإشكالات المرتبطة بذلك. وبما أن البحث حول الآية المباركة -آية الخمس- والاستدلال بها على أرباح المكاسب أصبح من المهمات في زماننا، لذلك نحن نتوقف -تبعاً لما أفاده سيدنا الخوئي- عند هذه الآية، ثم بعد ذلك نعود إن شاء الله تعالى إلى الروايات الشريفة.
وقبل الدخول في بيان ما أفاده المحقق الخوئي قدس سره، فيجدر التنبّه ها هنا إلى نقطة.
موقف الأعلام من شمول آية الغنائم لأرباح المكاسب
وهي: قد صار من المتعارف والمتسالم عليه تقريباً عند جمهور المتشرعة في الأزمنة الأخيرة أن آية الغنائم: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ (الانفال: 41)، مما استدل به الشيعة الإامامية على وجوب الخمس في أرباح المكاسب، والمخالف لهم في ذلك هو المخالف؛ فهم قد خصصوا الآية بغنائم الحرب، بينما بنى الشيعة الإمامية على عموم الآية حتى لمثل أرباح المكاسب.
ولكن الأمر ليس كذلك؛ فإن كلمات المخالفين وإن اتفقت على أن آية الخمس مختصة بغنائم الحرب، إلا أن أعلام الإمامية لم تتفق كلمتهم على الشمول حتى لأرباح المكاسب، بل نحى غير واحد منهم إلى اختصاصها بغنائم الحرب كما عليه المخالفون. فلأجل ذلك لا بأس أولاً أن نعرض بعض الكلمات، ثم بعد ذلك أن شاء الله تعالى
نصل إلى إفادات سيدنا الخوئي. أولاً: نعرض كلمات بعض المستدلين بالآية المباركة على العموم، وأولهم هو الشيخ المفيد أعلى الله مقامه، فانه قال في المقنعات: «والخمس واجب في كل مغنم، قال الله عز وجل: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾». والغنائم -يعني لو توهم شخص بأن مقصوده من كل مغنم مغانم الحرب- قال: «والغنائم كل ما استفيد بالحرب من الأموال والسلاح والثياب»، إلى أن قال: «وما استفيد من المعادن والغوص والكنوز والعنبر، وكل ما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات عن المؤنة والكفاية في طول السنة على الاقتصاد».
الثاني ممن ذهب إلى عموم الآية: السيد المرتضى أعلى الله مقامه، فإنه قال في الانتصار: «ومما انفردت به الإمامية القول بأن الخمس واجب في جميع المغانم والمكاسب» إلى آخر كلامه، ثم قال: «دليلنا الإجماع وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾». طبعا هذه العبارة المنقولة عن السيد المرتضى رحمه الله بحسب فحصي لم أجدها في نسخ الانتصار؛ هذه «دليلنا الإجماع وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾» راجعت أكثر من نسخة للانتصار فلم أجد هذه ضمن كتاب الانتصار، فلعلها في نسخة غير هذه النسخ المتاحه بين أيدينا، الله العالم، لأنه تكررت النسبة إليه.
الثالث: شيخنا الطوسي أعلى الله مقامه في كتاب الخلاف، فإنه قال: «المعادن كلها يجب فيها الخمس من الذهب والفضة والحديد» إلى أن قال: «دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾». فهو قد عمم الغنيمة للمعادن ولم يخص الغنيمة بغنيمة الحرب.
الرابع: العلّامة أعلى الله مقامه في منتهى المطلب قال: «الصنف الخامس: أرباح التجارات والزراعات» إلى أن قال: «وهو قول علمائنا أجمع، وقد خالف فيه الجمهور كافة، لنا قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾».
وأخيراً -يعني ممن ساقتصر على كلماتهم وإلا الكلمات كثيرة- المحقق النراقي رضوان الله تعالى عليه في المستند قال: «اعلم أن الأصل وجوب الخمس في جميع ما يستفيده الإنسان ويكتسبه ويغنمه، للأية الشريفة والأخبار، أما الآية فقوله سبحانه: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾». فهذا قسم من الفقهاء وهم كثر يرون عموم الآية لجميع ما يغنمه الإنسان ويستفيده.
القسم الثاني: المانعون من الفقهاء. وأولهم بحسب ما أطلعت عليه -طبعاً- المحقق الأردبيلي أعلى الله مقامه الشريف في زبدة البيان الذي هو تفسير لآيات الأحكام، قال: والذي ينبغي أن يذكر هنا مضمون الآية -آية الخمس- فهي تدل على وجوبه في غنائم دار الحرب، مما يصدق عليه شيء، وأي شيء كان منقولاً وغير منقول، قال في الكشاف: «حتى الخيط والمخياط»؛ فإن المتبادر من الغنيمة هنا هي ذلك، ويؤيده تفسير المفسرين به، وهو كون ما قبل الآية وما بعدها في الحرب، مثل يوم الفرقان أي يوم حصل الحق والباطل فيه بأن غلب الحق عليه، ويوم التقى الجمعان المسلمون والكفار، فالآية واردة في سياق آيات الحرب.
ثم له عبارة ثانية جاءت بعد العبارة السابقة بمطلب، قال: «فالقول بأنها تدل على وجوب الخمس في كل فائدة كما مر علينا، ويخرج ما لا يجب فيه بالإجماع، ويبقى الباقي» -يعني خرج ما لا يجب فيه بالإجماع من غير العناوين التي تعلق بها الخمس والباقي يبقى تحت العموم، فيكون الخمس واجباً في كل فائدة إلا ما علم من الدليل عدمه فيه فتخصص الآية به- ويعرض كلامه ثم يقول: «لا يخلو عن بُعد، وإن كان صحيحاً على قوانين الاستدلال». لماذا لا يخلو عن بُعد؟ لعدم ظهور الآية ووجود الإجمال والعموم وإرادة الخاص في القرآن كثير، أن المراد من هذا العام خصوص غنائم الحرب، هذا لا محذور فيه، إذ كثيراً ما يطلق العام في القرآن ويراد به الخاص.
طبعاً تبعه في ذلك من ألف من أعلام الإمامية في هذا الفن، نظير السيد الكاظمي في مسالك الأفهام، وكذلك الشيخ الجزائري رحمه الله في قلائد الدرر، أيضاً انتهيا إلى نفس النتيجة.
الثاني من الأعلام: صاحب المدارك أعلى الله مقامه، فإنه بعد أن عرض الاستدلال بالآية وغيرها قال: «وفي جميع هذه الأدلة نظر، أما الآية الشريفة فلأن المتبادر من الغنيمة الواقعة فيها غنيمة دار الحرب، كما يدل عليه سوق الآيات السابقة واللاحقة، فلا يمكن التجوز بها في غيره إلا مع قيام الدلالة عليه».
الرأي الثالث: المحقق السبزواري أعلى الله مقامه في ذخيرة المعاد قال: «احتج الموجبون بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾، وفيه نظر؛ لأن الغنيمة لا تشمل الأرباح لغةً وعرفاً، على أن المتبادر» -وهذا تطور في الدعوة، تطور في الدعوة- «على أن المتبادر من الغنيمة الواقعة في الآية غنيمة دار الحرب، كما يدل عليه سوق الآيات السابقة واللاحقة».
الرابع -وأختم به- السيد صاحب الرياض سيد علي الطباطبائي قدس الله نفسه، فإنه قال: «وأما الإجماع فمن المسلمين كافة، وإن اختلفوا فيما يجب فيه» -يجب فيه الخمس- «بعد اتفاقهم على أنه يجب في غنائم دار الحرب والكنز لصريح الآية والسنة المتواترة في الأول» -يعني غنائم دار الحرب- «بناء على أن الغنيمة فيهما في السنة والكتاب حقيقة في مفروض المسألة قطعاً التي هي غنيمة دار الحرب عرفاً ولغةً، وبمقتضى إرادة سوق الآية جداً» -يعني سوق الآية سياقها هو ظاهر في اقتضاء إرادة غنيمة الحرب من الآية- «وزاد أصحابنا كما في مجمع البيان والبحرين وكنز العرفان: المعادن» أقحموها أيضاً معربين عن دعوى الإجماع عليه منا، كما في صريح الانتصار والغنية والخلاف وغيرها. شوفوا هذه معربين عن دعوى الإجماع منا كما في صريح الانتصار، منبّه على أن العبارة التي كانت محل كلام قلنا لم نعثر عليها، ممن عثر عليها السيد صاحب الرياض؟ كيف ما كان.
«وظاهر المنتهى لعموم الغنيمة هنا» -يعني في الآية لها، كما يظهر من جماعة، ومنهم الطبرسي في الكتاب وصاحب الكنز- «ويظهر منه عمومها لجميع ما في العبارة عند أصحابنا، وإثباته حقيقة لغةً أو عرفاً مشكل، بل ظاهر الأصحاب وجمله من الروايات العِدد حيث قوبل فيها» -يعني في الروايات وفي كلامهم المعادن- «حيث قوبل فيها وفي كلامهم المعادن ونحوها بالغنيمة، بحيث يظهر المغايرة بحسب الحقيقة الوضعية، كما هي ظاهر جماعة من أهل اللغة بل عامتهم، والعرف أيضاً كما صرح به بعض الأجلاء».
وأما المعاصرون فقد اختلفوا؛ منهم كسيدنا الخوئي قدس سره من ذهب إلى دلالة الآية وشمولها لأرباح المكاسب، ومنهم من أنكر هذه الدلالة.
ومنهم سيدنا الأستاذ الشمس قدس الله نفسه، وبإذن الله تعالى نقف على بيانات الأعلام فيما يرتبط بالآية.
بيان المحقق الخوئي في دلالة آية الخمس
بعد بيان هذه المقدمة، نصل بحول الله تعالى إلى إفادات سيدنا الخوئي قدس سره، ويمكن تلخيص ما أفاده المحقق الخوئي أعلى الله مقامه في نقاط:
#
النقطة الأولى: عدم اشتمل الآية على لفظ الغنيمة
أفاد رضوان الله تعالى عليه بأن الآية المباركة لم تشتمل على لفظ الغنيمة، وإنما اشتملت على لفظ غنّمتم، وفرق بين الغنيمة وغنّمتم من أي ناحية؟ يقول: لو كانت الآية قد تضمنت لفظ الغنيمة فللقول باختصاصها بغنيمة الحرب مجال، باعتبار أن الغنيمة يمكن أن يقال بأنها قد وضعت لغة أو اصطلاحاً من قبل الشارع المقدس في غنيمة الحرب، يمكن أن يقال ذلك في حقها، ولكن هذا لا يقال بالنسبة إلى لفظ ماذا؟ غنّمتم. ومع ذلك فإنه قدس الله نفسه قد أفاد بأن هذا لم يتم -أو لم يصح دعوى أن لفظ الغنيمة موضوع في اللغة العربية لغنيمة الحرب، أو أنه بحسب اصطلاح الشارع يراد به غنيمة الحرب- هذا لم يتم بحسب تعبيره في بعض تقريراته، والظاهر أن مراده من ذلك قدس سره هو البناء على أصالة عدم النقل؛ إذ أننا نحرز بأن لفظ الغنيمة في أصله موضوع لمطلق ما يغنم ولا يختص ذلك بخصوص ما يغنم في الحرب، ثم نشك في أن هذا اللفظ هل نقل نقلاً لغوياً أو نقلاً شرعياً إلى معنى آخر خاص وهي غنيمة الحرب؟ فالاصل العقلاء المعول عليه في مثل هذه الموارد هي أصالة عدم النقل، وبالتالي فنحن -فالآية لو كانت قد اشتملت على لفظ الغنيمة لأمكن تصور أن المراد بها غنيمة الحرب لأمكن ذلك- ولكنها لم تشتمل أساساً على هذا، ولو اشتملت فإن لفظ الغنيمة لم يتم أنه يراد به غنيمة الحرب. هذه أول نقطة تعرض لها.
#
النقطة الثانية: المراد من لفظة (غنّمتم)
النقطة الثانية التي تعرض لها قدس الله نفسه هي أن اللفظة التي اشتملت عليها الآية هي لفظة غنّمتم، وغنِم في اللغة العربية إنما يراد بها ربح؛ غنم الشيء ربحه واستفاده، فلفظة غنّمتم بهذه الهيئة يراد بها ربح واستفاد، فحتى لو قلنا كما ذكرنا قبل قليل بأن الغنيمة يراد بها غنيمة الحرب، فإنها لا تؤثر على هذه الآية المباركة لأن الآية لم تستخدم كلمة غنيمة وإنما استخدمت كلمة غنّمتم، وكلمة غنّمتم بحسب المراد منها
ربحتم واستفدتم. ولتعميق كلامه قدس الله نفسه الزكية، لا بأس بإلقاء النظر على كلمات بعض اللغويين الذين تناولوا هذه المفردة.
وأول اللغويين الذين يهمنا كلامهم هو الخليل الفراهيدي، فإنه قال في كتابه العين: «الغنم هو الفوز بالشيء من غير مشقة». غنم غنماً. المراد من الغنم ما هو الذي يغنمه الغانم؟ قال: الفوز بالشيء من غير مشقة، هذه «من غير مشقة» هم خلوها في بالكم لأننا نحتاج أن نقف عندها فيما يأتي من الأبحاث. فإذن، من اللغة العربية يعلم بأن المراد من غنمتم: فزتم استفدتم.
وقال ابن فارس في المقاييس: «غ ن م أصل صحيح واحد» أو هي مو غنمه هي غين نون ميم عادة هو لا يجمع الحروف أصلاً «أصل صحيح واحد يدل على إفادة شيء لم يملك من قبل». المراد بحسب الوضع اللغوي المستفاد: الذي لم يملك من قبل لم يدخل في الملك سابقاً، ثم يختص بما أخذ من مال المشركين فهو أدعى النقل إلى هذا المعنى الخاص بعد تسليمه بأن المعنى اللغوي هو ذاك.
وقال الراغب في المفردات: «والغنم إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدا وغيرهن» كل مظفور به، كل ما يستفاد، كل ما يربح.
الرابع: الفيروزبادي في قاموسه قال: «والغنم بالضم الفوز بالشيء لا مشقة، وأغنمه كذا وأغنمه كذا تغنيماً، نفله إياه» ما علينا شغل بهذه، المهم ذيك الفوز بالشيء لا مشقة.
قال الأزهري في التهذيب -هذا الخامس ونكتفي به- قال الليث: «الغنم الفوز بالشيء فاز به، والاغتنام انتهاز الغنم». فإذا اتضح عندنا من كلمات اللغويين بأن كلمة الغنم التي يتعلق بها الفعل غنم وغنّمتم، كلمة الغنم بحسب الأصل اللغوي مراد منها ما يستفاد وما يربح وما شاكل ذلك، فمعنى ذلك أن غنّمتم استفدتم ربحتم فزتم وما شاكل ذلك.
هذه نقطة ثانية.
#
النقطة الثالثة: عموم معنى الغنيمة تتبعاً لعموم الغنم
النقطة الثالثة -وهذه نقطة طريفة- يقول السيد الخوئي قدس سره: بعد أن اتضح عندنا من خلال ما ذكرناه بأن كلمة غنِم بمعنى ربح واستفاد، فهذا يقتضي قهراً أن يكون معنى غنيمة ماذا؟
عاماً، لماذا؟ لأن الغنيمة هي متعلق غنم؛ غنم غنيمة، أو غنم يغنم غنماً، والغنم والغنيمة بمعنى واحد، الغنم والغنيمة بمعنى واحد، فإما أن يقال غنم غنماً، وإما أن يقال غنم غنيمة. فإذا تنقح عندنا بأن غنم بمعنى ربح مطلقاً استفاد مطلقاً، إذاً فالغنيمة ماذا؟ إذاً فالغنيمة بمعنى مطلق الربح، مطلق الربح الذي يربحه الرابح، مطلق الاستفادة التي يستفيدها المستفيد. نعم، لو كانت مثلاً صيغة فعيلة التي وردت بها كلمة غنيمة لها دلالة على الاختصاص لأمكن استفادة الاختصاص من الصيغة، من صيغة فعيلة، ولكن لا يوجد عندنا بحسب قوانين الصرف أن صيغة فعيلة تدل على ماذا؟ تدل على الاختصاص، وما دام لا يوجد ما يقتضي تخصيصها فبمقتضى أنها متعلقة بالفعل غنم، إذاً هي عامة كما أن الفعل عام.
واضح؟ واضح عندكم شيخنا؟ عندما يقول المتكلم غنم غنماً أو غنم غنيمة ونحن لا ندري ما هو معنى الغنيمة، فنأتي ونسأل اللغويين: ما هو المقصود من غنم؟ فإذا أجابونا قالوا: معنى غنم ربح، نفهم حينئذ بشكل على قولتنا أوتوماتيكي أن معنى الغنيمة الربح؛ غنم غنيمة يعني ربح ربحاً. فإذا كان المراد من غنم مطلق الربح، إذاً غنم غنيمة مطلق الربح، إلا أن يقوم دليل على أن الصيغة الخاصة، على أن الصيغة المعينة خاصة، والفرض أن صيغة فعيلة لم يقم عندنا دليل على أنها تفيد التخصيص، فتبقى على عمومها. هذه النقطة الثالثة التي تعرض لها قدس سره.
#
النقطة الرابعة: التعقيب بكلمة (من شيء)
النقطة الرابعة التي تعرض لها قال: الآية المباركة بعد أن قالت: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾، بعد أن قالت: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ -وقلنا بأن المراد من غنمتم ربحتم واستفدتم- قالت: ﴿من شيء﴾، عقبت على ذلك بقولها: ﴿من شيء﴾. ويقول قدس سره هذا لا يخلو عن إيعاز بأن معنى غنّمتم هو ماذا؟ بأن معنى غنّمتم هو مطلق الربح، مطلق الاستفادة، لماذا؟
لأن كلمة شيء كما هو معلوم عندنا دالة على العموم دالة على السعة، وكونها دالة على السعة، بل كما كان يقول سيدنا الأستاذ قدس سره سيد الشمس: أَدل الألفاظ على العموم، أَدل الألفاظ على العموم كلمة شيء، ومراده من أنها أَدل الألفاظ على العموم، مراده أنها تستوعب كل شيء، الكلمة التي تستوعب كل موجود حتى الله سبحانه وتعالى الله شيء
بحقيقة الشيئية هي كلمة شيء، ومراده هذا يعني أنها أوسع الكلمات وأعمها، لا أنها على تعبيري ما كان دقيق يعني شنو أنا عبرت؟ أدل الألفاظ على العموم لا مو هكذا، مقصודי من ذلك أنها أوسع الألفاظ في الشمول والاستيعاب لكل ما هنالك، حتى لا يتبادر إلى الذهن مقصود أنها أداة من أدوات العموم، ليس كذلك. فكيفما كان الآية عقبت على ذلك بقولها: ﴿من شيء﴾، وهذا يتناسب مع ماذا؟ يتناسب مع تأكيد أن غنم بمعنى مطلق الربح.
واعلموا أنما غنمتم ربحتم من شيء، من شيء بما أنها مفيدة للعموم فهي تتناسب مع ماذا؟ تتناسب مع حمل غنمتم أيضاً على العموم، بخلاف حمل غنمتم على أن غنّمتم غنيمة الحرب. ولكن الإنصاف بأن الذي أفاده في هذه النقطة قدس الله نفسه الزكية لا يخلو عن لعل -هو قال هم لعل- ولعل في التعبير لا يخلو عن لعل، إذ من الواضح بأن ﴿من شيء﴾ إنما تتسع وتضيق تبعا لما سبقها، لما تعلق بها، فإن كان المراد من الغنيمة غنيمة الحرب فحينئذ ﴿من شيء﴾ تتسع لكل ما تتناوله غنيمة الحرب، وإن كان المراد من غنمتم مطلق الربح تتسع حينئذ ﴿من شيء﴾ لكل ربح، فهي متسعة متسعة ولكن من باب ضيق تمركزي، فإذا كان هنالك تضييق من غنمتم هي اتساعها يضيق تبعا لذلك التضييق ويتسع في حدوده، فمثلا
لعله مر علينا قبل شوي في بعض الكلمات إشارة إلى ذلك في كلام الكشاف بأنه واعلموا أنما غنمتم بناء على أن المراد بالغنيمة هي غنيمة الحرب، هنالك عندهم كلام في أن غنيمة الحرب هل تختص بالأدوات الحربية أم تشمل غيرها؟ وهنالك قول بأنها تشمل حتى الخيط والمخياط، فحتى لو وقف على خيط وغنمه فإنه يدخل ويندرج ضمن غنائم الحرب، وبالتالي فإن ﴿من شيء﴾ هو الذي يفيد هذا الاتساع يفيد هذا الاتساع، فنبقى نحن وما أفاده ولعل في التعبير بالشيء لعل أي.
#
النقطة الخامسة: إطلاق الخطاب في الآيات السابقة
النقطة الخامسة التي تعرض لها قدس سره تعرض لها بعنوان التعضيد، فقالوا: ويعضده إطلاق الخطاب في بعض الآيات السابقة، الآيات التي سبقت آية الغنائم -آية الحرب آية الخمس عفواً- مع أن هذه الآيات ماذا؟
تتحدث عن الحرب ولكن الخطاب فيها مطلق، فليكن الكلام في آية الخمس كذلك أيضاً. ومثل بآيتين:
الآية الأولى: قوله: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (الأنفال: 28)، فيقول قدس سره أولاً الخطاب مطلق وهذا ليس خطاباً لخصوص من كانوا في الحرب، ثانياً: أولادكم لا تختص بأولاد أولئك بل تشمل ماذا؟ تشمل جميع المخاطبين، واعلموا أن أولادكم فتنة ولو كان لهم أولاد لم يكونوا آنذاك -يعني لم يكونوا معهم لم يكونوا موجودين حال الحرب- هؤلاء لا تشملهم الآية واعلموا أن أولادكم فتنة قطعا تشملهم.
كذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ (الأنفال: 29)، هم من الواضح أن الخطاب مطلق يعم أولئك ويعم ماذا؟ ويعم غيرهم، مما يعني أن ورود هذه الآيات في سياق الحديث عن الحرب لم يوجب تخصيصها، فكذلك الكلام هو في آية الخمس أيضاً، فإنها وإن وردت في سياق الحرب إلا أن ذلك لا يوجب لا يوجب تخصيصها. وطبعا هذا ما أفاده رضوان الله تعالى عليه بمستوى المعضد تماماً، ولكنه بمستوى الاستدلال لا يتم؛ إذ أن تخصيص الآية بغنيمة الحرب لا يتنافى مع إطلاق الخطاب، نحتفظ بإطلاق الخطاب حتى مع حمل الموضوع على ماذا؟ على غنيمة الحرب، فنقول بأن كل حرب غنمتم فيها وجب الخمس وجب الخمس فيها، فلا يتنافى التخصيص مع إطلاق الخطاب، فيبقى هذا مجرد معضد.
#
النقطة السادس: قرينية السياق والمورد
النقطة الأخيرة التي ما قبل الأخيرة، قال بأن السياق ها هنا -وهو كون الآيات السابقة واللاحقة تتحدث عن الحرب- لا يؤثر على ظهور آية الخمس في تعلق الخمس بمطلق الغنائم حتى الغنائم غير الحربية، لا يؤثر على ذلك لماذا؟ قال: لأن خصوص المورد لا يخصص الوارد.
وتوضيحاً لكلامه قدس سره -وهو مطلب لا بأس به نذكره مختصراً- عندما يتعرضون لقرينية السياق فيما يرتبط بالاستدلال بالآيات المباركة، فهل مرادهم من قرينية السياق شيء يختلف عن قرينية المورد؟ أم أن المراد من قرينية السياق هي نفسها قرينية المورد؟
الذي يظهر من كلمات السيد الخوئي ها هنا وينتزع ذلك انتزاعاً من كلماته وإن لم يكن صريحاً هو أن قرينية السياق هي نفسها قرينية المورد؛ عندما نقول بأن سياق الآيات كذا أي أن المورد الذي جاءت فيه الآيات هو كذلك. نعم، يمكن التفريق بين قرينية السياق وقرينية المورد من زاوية أخرى، وهي أن قرينية المورد تعم موارد السياق وتعوم موارد مناسبات النزول حتى لو لم يكن هنالك سياق، فيما لو أحرزنا بأن الآية المباركة عن طريق أسباب النزول قد نزلت في هذا المورد، فهنا قرينية المورد متحركة لكن قرينية السياق غير متحركة، فتجتمعان وتختلفان. وهنا قرينية السياق قرينية السياق هي نفسها قرينية المورد، أي أن مورد نزول هذه الآية هي الحرب، مورد نزول الآية هي الحرب والآيات التي سبقت ولحقت تتحدث عن نفس المورد عن الحرب. وإذا كانت قرينية السياق هي قرينية المورد فالجواب هو ما اتفق عليه أعلام المسلمين جميعاً من أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، فإنه -وبحسب تعبير شيخنا الخال دامت بركاته- يقول بأن المورد إنما هو مناسبة نزول المورد مناسبة نزول ليس إلا، والمناسبة لنزول العام لا توجب تخصيص العام، هذه مناسبة نزوله مناسبة نزوله هي هذه، أما هو بعد إحراز عمومه فيبقى على عمومه، وإنما يطبق على المورد من باب تطبيق العام على الخاص، يطبق على المورد من باب تطبيق العام على الخاص فخصوص المورد لا يخصص الوارد.
وطبعاً هذه لا يخصص الوارد لابد أن يكون على ذكر منكم؛ لأن هذا ما يشتبه على الكثيرين يطبقون مسألة خصوص المورد لا يخصص الموارد على جميع الآيات القرآنية وليس كذلك، بل لابد من إحراز العموم في الوارد أولاً، إذا وجد عموم في الوارد فإن خصوص المورد لا يخصصه، أما مع عدم إحراز العموم في الوارد لا يصح أصلاً تطبيق أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، وهنا الوارد خاص أو غير واضح العموم مو لازم خاص غير واضح العموم، لا يمكن أن نطبق خصوص المورد لا يخصص الوارد.
وأيضاً هنا نقطة لا بأس بذكرها، هذه أيضاً تعين على الاستيضاح استيضاح هذا المطلب أكثر، هو أن مرادهم هنا من العموم ما يعم الإطلاق، لا يلزم أن يكون عاماً بالعموم الوضعي الوارد، بل يكفي أن يكون مطلقاً، فإذا أحرز
إطلاقه فإن خصوص المورد لا يخصصه.
وإذا كان الأمر كذلك فالأمر في الآية واضح؛ إذ أن الآية بحسب ما أوضحناه في معنى غنّمتم وحاولنا أن نؤكده ﴿من شيء﴾، بعد أن كانت الآية عامة تشمل كل ربح وكل فائدة، فإن نزولها في مورد الحرب لا يخصص عمومها؛ إذ أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، ويبقى تطبيقها على المورد من باب تطبيق العام على الخاص وما المورد إلا مناسبة نزول فقط.
#
النقطة السابعة: اعتراف أعلام المخالفين بالمعنى اللغوي العام
هذه نقطة سادسة، قلنا سادسة النقطة السابعة التي تعرض لها قدس سره هي أن ما أفدناه قد اعترف به أعلام المخالفين، ومن هؤلاء الذين احتج بكلماتهم ولم يتعرض طبعاً لغيره هو القرطبي في تفسيره. وبما أنه لم ينقل ما كلام القرطبي فأنا أنقل كلامه وأعقب عليه، قال: «الغنيمة في اللغة -هذا كلام القرطبي- ما بذله ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي». ومن ذلك قول الشاعر:
وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
فعبر عن الإياب بعد التعب والترحالة عبر عنه بأنه غنيمة. وقال آخر:
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه
أنّى توجه والمحروم محروم
«والمغنم والغنيمة بمعنى» يقال غنم القوم غنماً.
إذاً هو يعترف بأن الغنيمة بحسب المعنى اللغوي لا تختص بغنيمة الحرب، واعلم كلامه أن الاتفاق حاصل، اتفاق على أن المراد بقوله تعالى ﴿غنّمتم من شيء﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه القهر والغلبة، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولا تقتضي اللغة هذا كلش يعني كلام دقيق ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع. فهو يدعي أن الشرع قد اصطلح اصطلاحاً خاصاً وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئاً، فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً. فإذاً هو يقر ويذعن بأن المعنى اللغوي عام ويدعي بأنه نقل من قبل الشارع، والأصل هو عدم النقل حتى يثبت وهو ما لا يستطيع إثباته.
وعلى ذلك فإن الآية المباركة -كما يفيد سيدنا الخوئي قدس سره- لا إشكال في إطلاقها وشمولها حتى لأرباح المكاسب بل لكل فائدة إلا ما أخرجه الدليل.
هذا تمام الكلام حول إفاداته، وللكلام تتمة تأتي إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.
