مستمسك العروة الوثقى — كتاب الخمس — السيد ضياء الخباز

دروس مقررة — النصوص المتاحة

7 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 3

تحميل Word

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم وافتح علينا خزائن العلم وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.

الإشكال الأول: دعوى تبادر غنيمة دار الحرب

ذكرنا أن كلامنا سيكون بحول الله تعالى حول الإشكالات التي أُشكل بها على الاستدلال بآية الخمس على شمولها لأرباح المكاسب. وأول هذه الإشكالات ما أفاده سيد المدارك أعلى الله مقامه الشريف حيث قال: فلأن المتبادر من الغنيمة الواقعة فيها غنيمة دار الحرب، كما يدل عليه سوق الآيات السابقة واللاحقة، فلا يمكن التجوز بها في غيره. يعني في غير غنيمة الحرب لا يمكن استخدامها مجازًا في غير غنيمة الحرب إلا مع قيام الدلالة عليه.

وعبارته هذه -والتي شاركه فيها المحقق السبزواري أعلى الله مقامه في ذخيرة العباد- تضمنت أمرين: الأمر الأول: الاستناد إلى دعوى التبادر لإثبات أن الآية لا تشمل أرباح المكاسب، بدعوى أن لفظ الغنيمة يتبادر إلى غنيمة الحرب، والتبادر حجّة، وبمقتضى هذا التبادر فإن الآية تكون أجنبية عما نحن فيه. ولكن هذا الذي أفاده رضوان الله تعالى عليه يمكن التأمل فيه بتأملين.

التأمل الأول: ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري رضوان الله تعالى عليه في كتاب الخمس، ومنه أخذه سيدنا الخوئي أعلى الله مقامه، وهو أن الآية المباركة لم تتضمن لفظ الغنيمة، وإنما تضمنت لفظ غنمتم؛ فهب أن لفظ الغنيمة يتبادر إلى ماذا؟ إلى غنيمة الحرب، سلمنا معك بذلك، إلا أن لفظ غنمتم ليس كلفظ الغنيمة في هذا التبادر، إن لم يُدَّعَ بأنه متبادر إلى مطلق الفائدة ومطلق الكسب، فهو مرادف لـ: استفدتم وكسبتم وما شاكل ذلك. فإذن أول تأمل: سلمنا بأن لفظ الغنيمة يتبادر إلى غنيمة الحرب، إلا أن الآية المباركة لم تشتمل على هذا اللفظ، وبالتالي فدعوى التبادر لا يُصغى إليها.

التأمل الثاني: ذكر الأصوليون في مبحث التبادر من علم الأصول أن التبادر على ثلاثة أقسام، والمشهور بينهم أن التبادر على قسمين:

أقسام التبادر

القسم الأول: هو ما يعبرون عنه بالتبادر الحاقي، وقد يعبرون عنه أيضًا بالتبادر الابتدائي، ومرادهم من هذا التبادر انسباق المعنى إلى الذهن من حاق اللفظ، ولذا يُعبر عنه بالتبادر الحاقي. وفي مقابله القسم الآخر: هو ما يعبرون عنه بالتبادر الإطلاقي، ومرادهم من التبادر الإطلاقي انسباق المعنى إلى الذهن بسبب الإطلاق ومقدمات الحكمة، وليس من حاق اللفظ، وقد يمثلون لذلك مثلاً بتبادر عنوان الذهب -أو معنى الذهب المتعارف- إلى الذهن عند إطلاق لفظ الذهب، فإن -حتى يتضح ذلك جيدًا- فإن لفظ الذهب في نفسه يشمل الذهب المصاغ وغير المصاغ، وعندما يطلق مثلاً: اشتريت ذهبًا، أو مثلاً: عملت في الذهب، أو رأيت ذهبًا، أو ما شاكل، فإن الذي يتبادر إلى الذهن إنما هو خصوص الذهب المصاغ دون الذهب السائل. وانصراف الذهن هاهنا إلى خصوص هذه الحصة من الذهب ليس نتيجة حاق اللفظ، وإنما هو نتيجة الإطلاق؛ إذ أن لفظ الذهب لكثرة استعماله في هذا النحو من الذهب لو أريد به ذلك النحو لكان يحتاج إلى البيان والتقييد، فلما لم يُقيد ولم يُنبه المتكلم، انصرف الذهن وانسَبَق الذهن إلى هذا المعنى بخصوصه.

وفي قبال هذين القسمين هنالك قسم ثالث من أقسام التبادر يذكره بعض الأصوليين، ومنهم السيد البهبهاني أعلى الله مقامه الوارث لمدرسة الشيخ الطهراني قدس سره. سيد البهبهاني يقول: هنالك قسم من أقسام التبادر وهو ما عبر عنه بالتبادر الانصرافي، وقال بأن المراد من التبادر الانصرافي هو تبادر المعنى إلى الذهن نتيجة قرائن معينة؛ ينصرف الذهن إلى معنى معين. فمثلاً يمثل لذلك بمثال لطيف يقول: لو أن المولى قال لعبده: اشترِ لي لحمًا، فذهب العبد إلى السوق وجاء له بلحم متعارف، فقال له: أنا قلت لك اشترِ لي لحمًا وأنت جئتني بلحم وعظم؟! وأنا ما طلبت العظم منك، وإنما قلت لك: اشترِ لي لحمًا. هنا يقولون للعبد أن يحتج على مولاه بأن المنصرف من لفظ اللحم هو ماذا؟ هو اللحم الذي يعم العظم ويعم الشحم وما شاكل ذلك، فإنه في الاستعمالات يراد باللحم هذا، وإن كان اللفظ الدقيق بحسب الوضع اللغوي لفظ اللحم يقابل لفظ العظم ويقابل لفظ الشحم، ولكنه ينصرف إلى ذلك بسبب القرينة (اشترِ لي لحمًا) وهي قرينة على أن مرادي من اللحم هو اللحم الموجود في السوق، واللحم الموجود في السوق هو اللحم المتضمن للعظم وغيره.

إذا عرفنا ذلك -طبعًا هذا النحو من أنحاء التبادر حكمه حكم الانصراف، لا فرق بينه وبين الانصراف، فما يُقال في مسألة الانصراف يُقال بالنسبة إلى هذا التبادر الانصرافي- وأما بالنسبة إلى القسمين المذكورين: التبادر الحاقي والتبادر الإطلاقي، فإن المتفق عليه بين الأصوليين أن التبادر الحاقي الذي يدل على وضع اللفظ لمعنى معين -إن صح التعبير، أو بعبارة أدق يدل على أن المعنى الحقيقي للفظ هو المعنى الذي تبادر إلى الذهن وسبق إليه- هو التبادر الحقيقي، وأما التبادر الإطلاقي فانه ليس بحجة. وإذا كان الأمر كذلك، نقول بأن دعوى التبادر هاهنا لا يُصغى لها؛ لماذا؟ لأن أقصى ما يمكن تصوره أن هذا التبادر تبادر إطلاقي بسبب أن لفظ الغنيمة صار يُستخدم كثيراً في غنيمة الحرب، فحصل تبادر إطلاقي، وليس هذا التبادر من حاق اللفظ، لا سيما بعدما تقدم منا من كلمات اللغويين، فإن هذا التبادر ليس تبادراً حاقياً قطعا، وبالتالي لا يُعول عليه.

الأمر الثاني في كلام السيد المدارك: التمسك بالسياق

الأمر الثاني في كلامه قدس الله نفسه هو ما يرتبط بالعبارة الثانية. شوفوا لاحظوا قال: فلأن المتبادر من الغنيمة الواقعة فيها -في الآية- غنيمة دار الحرب، كما يدل عليه سوق الآيات السابقة واللاحقة. هذا "كما يدل عليه" هو الأمر الثاني. وهنا الكلام كل الكلام في مرجع الضمير في قوله: "كما يدل عليه"، فهل مرجع الضمير هو التبادر؟ أم أن مرجع الضمير هو ماذا؟ هو كون الغنيمة يراد بها غنيمة الحرب؟

وعلى كلا التقديرين فإن ما ذكره محل التأمل أيضًا. أما على التقدير الأول وهو أن مرجع الضمير هو التبادر -المتبادر من الغنيمة غنيمة الحرب، ويدل على ذلك ماذا؟-

السياق، سياق الآيات السابقة واللاحقة- وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً عن مقصوده ولكنه يبقى محتملاً. نقول: لو كان هذا هو المقصود، فانه على خلاف مطلوبه أدلُّ؛ لماذا على خلاف مطلوبه أدلُّ؟ لانهم في بحث التبادر قد ذكروا كيف يكون التبادر علامة على الحقيقة، ما هو وجه علامية التبادر؟ فذكروا هناك -كما في كلمات السيد الخوئي أعلى الله مقامه الشريف وغيره- بأن المعنى عندما ينسَبِق إلى الذهن عند سماع لفظ معين، فإن هذا الانسباق لابد أن تكون له علة، وهذه العلة لا يخلو أمرها من أربعة احتمالات على نحو مانع الخلو:

الاحتمال الأول: أن يكون هذا الانسباق ناشئاً عن طبع اللفظ ودلالته الذاتية؛ فاللفظ من طبعه ودلالته الذاتية أنه يدل على هذا المعنى، فمتى ما ذكر اللفظ دل عليه دلالة ذاتية.

الاحتمال الثاني: أن يكون ذلك ناشئاً عن وضع اللفظ للمعنى، لا عن دلالته الذاتية.

الاحتمال الثالث: أن يكون الانسباق ناشئاً عن ماذا؟ عن القرائن، لا عن وضع اللفظ للمعنى، وإنما عن القرائن حالية خارجية داخلية إلى غير ذلك.

الاحتمال الرابع: أن يكون الانسباق ناشئاً عن العلم بوضع اللفظ للمعنى.

فما هو المنشأ من هذه المناشئ الأربعة؟ قالوا: لا شك بأنه ليس الأول، لو كانت دلالة اللفظ دلالة ذاتية لانسَبَق المعنى إلى ذهن كل من يسمع بذلك اللفظ. وكذلك أيضًا ليس الانسباق ناشئاً عن ماذا؟ عن وضع اللفظ للمعنى؛ لماذا؟ لأنه لو كان ناشئاً عن الوضع المفروض أن الوضع متحقق، فإذا كان متحققاً فالمفروض أنه كلما استعمل اللفظ دل على ذلك المعنى، كان الذي سمعه من أهل اللغة أم لم يكن من أهل اللغة، كان الذي سمعه عارفا بالوضع أم لم يكن عارفا بالوضع؛ لأن الفرض أن العلة هي الوضع، والوضع ماذا؟ متحقق، فلا بد أن يتحقق المعلول، وهذا مقطوع العدم أيضًا. واما أن يكون الانسباق ناشئا عن القرائن، وإذا كان ناشئا عن القرائن فحينئذ لا يكون مستندا إلى اللفظ وإنما يكون مستندا إلى القرائن،

فكيف يكون علامة على أن اللفظ موضوع لأي معنى؟ بل حتى تكون العبارة أدق وأحكم، نقول: الفرض عدم القرائن، لابد أن نفترِض عدم القرائن في مسألة علامية التبادر. نقول: أما أن يكون -كخيار ثالث- ناشئاً عن القرائن، والفرض عدم القرائن، فيتعين حينئذ الخيار الرابع وهو أن الانسباق ناشئ عن وضع اللفظ -عن العلم بوضع اللفظ للمعنى- وبذلك يثبت أن اللفظ موضوع لهذا المعنى دون غيره.

إذن علامية التبادر متقومة بنفي الاحتمالات الثلاثة ليتعين الاحتمال الرابع، فيكون التبادر حجة حينئذ، يكون علامة حينئذ. وإذا جعلنا سياق الآيات هو المنشأ للتبادر -كما هو مقتضى الاحتمال الأول- فهذا يعني أن التبادر ليس ناشئاً عن ماذا؟ ليس ناشئاً عن اللفظ، وإنما هو ناشئ عن القرائن، والتبادر الناشئ عن القرائن ليس بحجة، فيكون على خلاف مطلوبه، هذا على الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني: أن نقول بأن المرجع في عبارته هو كون لفظ الغنيمة يراد به غنيمة الحرب، لا أن التبادر يدل عليه السياق، وإنما السياق يدل على أن لفظ الغنيمة يراد بها غنيمة الحرب، أو لك أن تقول بعبارة أخرى: السياق يدل على المعنى المستعمل فيه اللفظ، السياق يدل على أن لفظ الغنيمة استعمل في غنيمة الحرب.

إذاً على ضوء الاحتمال الثاني سيكون هذا دليلاً مقابلاً للدليل الأول ولن يشترك معه؛ على الاحتمال الأول يكون مكملاً للدليل الأول، لكن على الاحتمال الثاني سنبدأ في دليل جديد، وهو الاستناد إلى قرينية السياق لإثبات أن الآية المباركة ماذا؟ لا تتناول إلا الغنائم، إلا غنائم الحرب فقط. على ذلك ما الذي يمكن أن يُجاب به عن هذا الاستدلال؟ تقدم في كلام سيدنا الخوئي قدس سره إرجاع قرينية السياق إلى قرينية المورد، ثم تطبيق أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، وبذلك تخلص من المشكلة. ولكن ما أفاده لا تُمكن المساعدة عليه؛ لأن قرينية السياق لا تساوق قرينية المورد، بل قرينية السياق قرينة مستقلة عن قرينة المورد.

تارة لا يوجد هنالك سياق سبق الآية ولحق الآية، وإنما عندنا أن الآية نزلت في هذا المورد، فإذا عُبِّر بالسياق هنا فالمراد من قرينية السياق قرينية المورد، نعم هذا نوافق عليه. ولكن إذا كانت هنالك آيات سبقت الآية أو آيات لحقتها أو هما معًا، وكان أيضاً للآية مورد وعُبِّر بقرينية السياق، لم يكن المقصود من قرينية السياق حينئذ قرينية المورد، بل قرينية المورد تبقى قرينة مستقلة في مقابل قرينية السياق، ولذلك فإن ما أفاده سيدنا الخوئي في المقام لا يعالج المشكلة؛ لانه أرجع قرينية السياق إلى قرينية المورد، وما أجاب به يختص بقرينية المورد والحال أن قرينية السياق باقية على ما هي عليه لا تعالج بهذه المعالجة.

فما هو وكيف نعالج إشكالية السياق؟ هنالك معالجة مذكورة في كلمات بعض الفقهاء، وهي: لنا أن نقول بأن الآية المباركة وإن وردت في سياق ماذا؟ في سياق آيات الجهاد سابقاً ولاحقاً، ولكنها -كما مر علينا- استخدمت لفظ "غنمتم"، ولفظ "غنمتم" -كما ذكرنا- يراد به: كسبتم، ربحتم، أفدتم وما شاكل ذلك، فحينئذ نقول بأن إيراد الآية ما بين آيات الجهاد إنما هو إيراد تطبيقي، بمعنى أن "غنمتم" كما يشمل أرباح المكاسب يشمل ماذا؟ غنيمة الحرب، فذكر اللفظ العام ما بين الآيات الخاصة تطبيقا للعام على المورد الخاص، فيبقى العام على عمومه ولا ينثلم عموم العام بخصوص السياق؛ لمَ؟ لأن ذكر العام إنما هو من باب التطبيق، كما لو قلنا مثلاً في سياق الحديث -مثلاً افترضوا عن إكرام الأصدقاء، مثلاً عن إكرام الأصدقاء أنه ينبغي إكرام الأصدقاء، ينبغي بذل الموائد لهم، ينبغي إطعامهم، ينبغي، ينبغي- ثم في ضمن هذا السياق قيل: "فإن من أطعم غيره له كذا" مثلاً، "فمن أطعم غيره" في نفسها عامة، ومجيئها ضمن السياق إنما هو من باب تطبيق العام على مورده، وتطبيق العام على مورده لا يوجب ثلم العام عن عمومه، بل هو باق على ما هو عليه. فالكلام هاهنا من هذا القبيل أيضًا؛ سياق خاص، نعم نلتزم هو سياق خاص، ولكن الآية عامة قد جاءت ضمن سياق خاص هذا لا يثلم عمومها، لأنه من باب تطبيق العام على الخاص ولا محذور في ذلك.

ولكن هذا الجواب المذكور في بعض الكلمات تأمل فيه السيد الهاشمي الشاهرودي رحمه الله في كتاب الخمس وقال: لو قلنا بأن لفظ الغنيمة ولفظ غنمتم، لو قلنا بأنه استخدم في لسان الشارع والمتشرعة كثيراً في المعنى الخاص -أي أننا نسلم بأنه بحسب الوضع موضوع للمعنى العام لا ننازع في ذلك، ولكن نقول: بحسب الاستعمال بعد الوضع ولو بعد مجيء الشريعة استعمل كثيراً في لسان الشارع أو في لسان المتشرعة في ماذا؟ في خصوص المعنى الخاص، وهو عبارة عن غنيمة الحرب- فحينئذ إذا جاء هذا اللفظ في آية قرآنية يدور أمره بين أن المراد الجدي منه المعنى العام اللغوي وبين أن المراد الجدي منه هو المعنى الخاص الاستعمالي، حينئذ لا يمكننا التمسك بماذا؟ بعموم العام؛ لماذا؟ لاحتمال إرادة خصوص المعنى الخاص، ولا أقل يحصل عندنا إجمال، فلا يمكن التمسك بالعام حينئذٍ. هذا ما أفاده رحمه الله في ردِّ من حاولوا الإجابة بالمحاولة التي ذكرناها.

والذي يظهر بأن هذا المطلب يحتاج إلى وقفة تحقيق فيه. وقبل أن نبدأ الكلام هاهنا لا بأس أن أذكر شيئاً يتكرر في كلمات الأصوليين؛ مثلاً من باب المثال في كلام السيد اليزدي أعلى الله مقامه في كتاب التعارض يعبر بهذا التعبير: إن الظهور السياقي لا يقاوم الظهور اللفظي. ونفس هذا التعبير أيضاً جاء في كلمات المحقق النائيني أعلى الله مقامه الشريف في الفوائد، وجاء في كلمات السيد محمود الشاهرودي أعلى الله مقامه قال: الظهور السياقي الذي يرتفع بأدنى ظهور على خلافه. وجاء في بعض الكلمات بأن الظهور السياقي هو أضعف الظهورات.

إذن نحن أمام مجموعة من كلمات الأصوليين التي تشير إلى أن الظهور السياقي ظهور ضعيف لا يقاوم الظهور اللفظي. في مقابل هذه الكلمات -طبعاً- توجد كلمات أخرى لغير هؤلاء من الأصوليين والتي يشيدون فيها بالسياق وأهميته على خلاف هؤلاء. لذلك أقول بأن هذا المطلب يحتاج إلى وقفة تأمل. والذي يمكننا أن نقوله هاهنا مختصراً هو أن السياق تارة يؤثر على الجملة التي يقترن بها أو على اللفظ الذي يقترن به بالمستوى الذي يجعل له ظهوراً في معنى معين بالمستوى الذي يجعل له ظهوراً في معنى معين،

وحينئذ لا منازعة في اعتبار الظهور السياقي؛ لأنه قد وصل إلى مستوى الظهور، والظهور حجة، بعبارة أخرى: يكون محققاً لصغرى كبرى حجية الظهور، فلا كلام في اعتباره. وتارة أخرى لا يؤثر الظهور على الجملة أو على الكلمات -لا يؤثر السياق على الكلمة أو على الجملة التي اقترن بها- بنحو يوجب لها ظهوراً في معنى معين، فهذا النحو من السياق لا قيمة له؛ لأن المدار ليس على السياق وإنما المدار على الظهور؛ هل شكل السياق قرينة على الظهور في معنى معين أم لا؟ فإن شكل القرينة وأوجب الظهور فهو، وأما إذا لم يصل إلى هذا المستوى فلا عبرة به، إذ لا عبرة به؛ إذ أن العقلاء لم تجر سيرتهم على الأخذ بالسياق كيفما اتفق، وإنما جرت سيرتهم على الأخذ بالسياق فيما لو أوجب ظهور اللفظ أو الجملة في معنى معين.

وعلى ذلك فكلمات من أشرنا إليهم من الأصوليين رضوان الله تعالى عليهم من الفحول تكون ناظرة إلى هذا النحو من السياقات أو الظهورات السياقية التي لا تصل إلى حد الظهور اللفظي في معنى معين ظهوراً راجحاً. هذا بالنسبة إلى أصل القاعدة. هذا بالنسبة إلى أصل القاعدة فيما يرتبط بقضايا السياق.

السياقات القرآنية وخصوصيتها

وكلامنا هاهنا إنما هو في السياقات القرآنية. والكلام في السياقات القرآنية ليس نفسه الكلام في تأسيس القاعدة وتأصيل القاعدة؛ لماذا؟ لأن الذي يبدو بأن السياقات القرآنية ليست على غرار غيرها من السياقات العرفية العقلائية؛ لماذا؟ لا لعدم وجود المقتضي، وإنما لوجود المانع الذي يمنع من الأخذ بالسياقات القرآنية إلا في موارد خاصة جداً. وهذه الموانع التي تمنع من الأخذ بالسياقات القرآنية عبارة عن ثلاثة موانع:

المانع الأول: هو ما نعلمه من ترتيب القرآن بنظم خاص لم يلحظ فيه الارتباط السياقي. لماذا؟ ما هي العلة؟ ما هو السبب؟ هذا له بحثه. ولكن الذي نعلمه إجمالاً -حتى بناء على ماذا؟ حتى بناء على أن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي جمع القرآن بهذا الجمع الموجود بين أيدينا، نحن نقول ذلك حتى على هذا-

حتى بناء على أنه صلى الله عليه وآله هو الذي رتب آيات القرآن بهذا الترتيب الموجود بين أيدينا، حتى بناء على ذلك نقول: بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يلحظ الترابط السياقي بين الآيات القرآنية، فربما ذكر آية بين آيتين لا ربط لها بهما، فنعلم إجمالاً بأن آيات القرآن بنيت على نظم خاص روعيت فيه مصالح خاصة ولم يرعى فيه الترابط السياقي. هذا واحد.

المانع الثاني: الروايات الشريفة التي أشارَت إلى أن الآية الواحدة ربما يكون أولها في شيء ووسطها في شيء وآخِرُها في شيء، فإن وجود هذه الطائفة من الروايات تمنع من التمسك بالسياقات القرآنية. ولا بأس أن أذكر روايتين:

الرواية الأولى: ما رواه في المحاسن البرقي رحمه الله عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من التفسير فأجابني، ثم سألته عنه ثانيا فأجابني بجواب آخر فقلت: جعلت فداك، كنت أجبتني عن هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم. قال: يا جابر، إن للقرآن بطناً وللبطن بطناً، وله ظهراً وللظهر ظهراً. ثم قال: يا جابر، ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية يكون أولها في شيء وآخِرُها في شيء، وهو كلام متصل منصرف على وجوه.

ولو نوقش في دلالة هذه الرواية فلنا أن نتمسك بالرواية الثانية عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية ينزل أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء. ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً [الأحزاب: 33]، إشارة إلى وقوع آية التطهير ضمن آيات ترتبط بنساء النبي صلى الله عليه وآله وهذا هدم للتمسك بالسياقات القرآنية.

المانع الثالث: من الموانع التي تمنع من التمسك بالسياقات القرآنية -بل يعني مطلقاً تمنع من على نحو مطلق بل لابد أن تلاحظ الموارد- من الموانع هو ما لاحظناه من دأب القرآن على تأسيس القواعد الكلية ضمن الآيات الخاصة، دأب القرآن على ذلك أصلاً؛ تأسيس القواعد الكلية ضمن السياقات الخاصة.

شواهدي على تأسيس القرآن للقواعد الكلية في السياقات الخاصة

ولأذكر على ذلك شواهد:

الشاهد الأول: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، فإن هذه الآية -رغم ورودها في سياق الحديث عن أحكام الصيام- لم يقل أحد باختصاصها بالصيام.

الشاهد الثاني: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج مله أبيكم إبراهيم} [الحج: 78]، فإن هذه الآية -رغم ورودها في سياق آية تتحدث عن الجهاد- لم يُخصص ذلك بآية الجهاد.

الشاهد الثالث: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، لم يقل أحد بأن الموصول هنا يراد به ماذا؟ ما يؤتي ما آتاه النبي من الفيء، بل مطلق ما آتاه النبي صلى الله عليه وآله.

الشاهد الرابع: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها} [البقرة: 233]، لا يشك أحد في عموم هذه الفقرة: {لا تكلف نفس إلا وسعها}، ولا تختص بماذا؟ بالسياق الذي جاءت فيه.

وهكذا فدأب القرآن على تأسيس قواعد كُلّيّة عامة ضمن سياقات خاصة، وبالتالي فمتى ما جاءنا تأسيس عام ضمن سياقات خاصة لا يمكننا رفع اليد عن العموم اعتماداً على السياق الخاص.

وإن أبينا عن كل ذلك -يعني بعد ما كو إشارة، إن أبينا عن كل ذلك وقلنا بأن السياقات القرآنية حالها حال السياقات العرفية العقلائية- فحينئذ ننتهي إلى ما أفاده صاحب الحدائق أعلى الله مقامه، قال بأن هذه الآية المباركة بضميمة النصوص المفسرة لها يُعلم بأن المراد من الغنيمة فيها ماذا؟ مطلق الغنيمة، وبذلك لا عبرة بالسياق حينئذ؛ لانه إنما هو قرينة صامته، والروايات قرينة ناطقة مفسرة للنص القراني. هذا إن أغلقت علينا المنافذ في رد هذه الإشكالية.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوانصوت
الملف 001 المستمسك - كتاب الخمس (١) *كلمة حول مرجع الطائفة السيد الحكيم (قدس سره) بمناسبة ذكراه السنوية. *شروع في مبحث أرباح المكاسب. *تتبع أقوال الفقهاء الذين ادعوا الإجماع، والذين ذكرهم السيد الحكيم. *ملاحظة كلمات ابن الجنيد والعماني.

نسخة التشغيل متاحة، والأصل محفوظ للتنزيل كما ورد من القناة.

تحميل التسجيل الأصلي كما ورد من المصدر

استماع
الملف 002 المستمسك - كتاب الخمس (2) الاستدلال على وجوب الخمس في أرباح المكاسب من خلال الكتاب الكريم وبيان إفادات السيد المحقق الخوئي حول آية (واعلموا أنما غنمتم)استماع
الملف 003 المستمسك - كتاب الخمس (3) إشكال سيد المدارك على الاستدلال بآية الخمس بحث حول التبادر وأقسامه الثلاثة: الحاقي والإطلاقي والانصرافي بحث حول السياق وتأثيره على الظهوراستماع
الملف 004 المستمسك - كتاب الخمس (4) بيان ما أفاده السيد الشهيد الصدر حول الاستدلال بالآية الكريمة وبيان إشكال تلميذه السيد محمود الهاشمياستماع
الملف 005 المستمسك - كتاب الخمس (5) بيان إشكال السيد الهاشمي حول دعوى إجمال لفظ الغنيمة في الآية والتأمل فيهاستماع
الملف 006 المستمسك - كتاب الخمس (6) بيان إشكال السيد الأستاذ الشمس الخراساني في مجلس بحثه حول الاستدلال بالآية الكريمة وبيان التقريبات الثلاثة لإشكاله، ثم التأمل فيما أفاده.استماع
الملف 007 ‎⁨خمس المستمسك 7⁩استماع
الملف 008 المستمسك - كتاب الخمس (8) تعميق إجابة السيد الخوئي ببيان مطالب: -عدم التنافي بين تدريجية الأحكام وتبليغها -تأخير البيان عن وقت الحاجة -الفرق بين تأخير البيان عن وقت الحاجة وتأخير البيان عن وقت الخطاب -ردّ إشكالات جماعة من الفقهاء والعلماء ومنهم الفقيه الخلخالي والفاضل اللنكرانياستماع