دروس مقررة — النصوص المتاحة
7 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 4
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى أبد الآبدين. اللهم أكرِمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
الإشكال الثالث: احتمال وجود قرينة حالية متصلة
لا زال الكلام حول الإشكالات التي أُوردت للمنع من التمسك بآية الخمس لإثبات تعلّق الخمس بأرباح المكاسب. والإشكال الثالث من الإشكالات ما ذكره السيد الشهيد الصدر (أعلى الله مقامه) في كتابه «الخمس» بتقرير تلميذه الأردبيلي (رحمه الله)، ونقله أيضًا السيد الهاشمي (رحمه الله تعالى) في كتابه «الخمس». ونظرًا لوجود بعض الاختلاف في الصياغتين بين صياغة تقرير الأردبيلي وصياغة السيد الهاشمي، لذلك نحاول الدمج بين الصياغتين، والروح واحدة على أي حال.
ومحصل هذا الإشكال يبتني على ذكر أمور:
الأمر الأول: أن هذا الإشكال يبتني على إبداء احتمال وجود قرينة متصلة بالآية المباركة، ونظرًا لوجود هذا الاحتمال، فإن الآية المباركة تكون حينئذٍ آية مجملة لا يمكن التمسك بها. وتفصيل ذلك أن القرينة التي تحف بالنص تارة تكون قرينة مقالية، وأخرى تكون قرينة حالية، وعلى أي تقدير، سواء كانت قرينة مقالية أم كانت قرينة حالية، فإنها تمنع من ظهور المطلق في إطلاقه. ونحن هاهنا فيما يرتبط بآية الخمس لا ندعي وجود قرينة مقالية، وإنما ندعي احتمال وجود قرينة حالية كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه قد اعتمدوا عليها في فهم المقصود من الآية المباركة، فهذا الاحتمال موجود في نفسه. هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني: تقرّر في محله من علم الأصول في بحث الظواهر أن احتمال وجود القرينة المتصلة يخل بالظهور، كما هو احتمال قرينية المتصل؛ فتارةً يكون هناك جزء متصل بالكلام وإنما نشك في أن هذا الجزء قرينة أم ليس بقرينة، فهو احتمال لقرينية المتصل. وتارةً أخرى الاحتمال ليس احتمالًا لقرينية المتصل إذ لا يوجد عندنا متصل بحسب الفرض، ولكننا نحتمل وجود القرينة المتصلة، لا أن هناك متصلًا ونشك في قرينيته، بل نحتمل وجود القرينة المتصلة. ولا فرق في كلا الاحتمالين، فكلاهما يمنعان من التمسك بالظهور؛ فإذا كان هناك متصل نشك في قرينيته لا يمكننا التمسك بما هو متصل به.
يعني لا ينعقد ظهور لما هو متصل به مع احتمال قرينيته، وكذلك أيضًا لا ينعقد ظهور للكلام إطلاقًا عمومًا إذا كان هناك احتمال لقرينة متصلة لكنها قرينة حالية لم تصلنا. هذا ثانياً.
الأمر الثالث: هل من سبيل -فيما لو كان هناك احتمال للقرينة المتصلة- لنفي هذا الاحتمال والتمسك بالظهور أم لا؟
يقول السيد الشهيد (أعلى الله مقامه): هنا لا بد من التفصيل؛ فتارةً يكون احتمال وجود القرينة المتصلة ناشئًا عن احتمال الغفلة، بأن تكون هناك قرينة متصلة حالية ولكن الناقل غفل عن نقلها، ففي مثل ذلك يمكننا أن نتمسك بأصالة عدم الغفلة، وهي أصل عقلائي، وحينئذٍ ننفي القرينة المحتملة ونبني على عدم القرينة ونتمسك بالظهور.
وتارةً أخرى لا يكون الاحتمال ناشئًا عن احتمال الغفلة، وإنما هو ناشئ عن سبب عقلائي آخر، نظير عدم معايشة زمن النص؛ فالنص الذي وصلنا صادر في زمن لم نعشه -كما لو هو نص القرآن صادر في زمن لم نعشه وكان يعيش فيه آخرون- فنحتمل أن هناك قرينة متصلة، لكنها ليست قرينة مقالية حتى نقول إنها لم تُنقل إلينا، وإنما هي قرينة حالية، وهذه القرينة الحالية لم تصلنا لكننا نحتمل وجودها؛ كما لو احتملنا مثلاً أن النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة كانوا يفهمون من لفظ «غَنِمْتُم» غنيمة الحرب، وعندهم قرينة حالية على ذلك، كما لو افترضنا أن استخدام هذه الكلمة في موارد الحرب والقتال كان يشكل قرينة عندهم على إرادة خصوص غنيمة الحرب، فهذه قرينة حالية، لكنهم لم ينقلوا هذه القرينة الحالية بطبيعة الحال، وإنما نقلوا لنا النص ليس إلا. فهنا احتمال وجود القرينة المتصلة لا يعود إلى احتمال الغفلة، وإنما يعود إلى سبب آخر، وهنا لا يمكننا إجراء أصالة عدم الغفلة كما هو في الصورة الأولى. وحينئذٍ نقول: إذا كان لا يمكن إجراء أصالة عدم الغفلة، أفلا يمكن إجراء أصل آخر نستفيد منه في هذا المورد وفيما شاكله من الموارد؟
يأتي السؤال: ما هو الأصل الآخر؟ ويأتي الجواب بأن الأصل الآخر المحتمل هو «أصالة عدم القرينة»؛ فعندما نشك في وجود القرينة، لنا أن نتمسك بأصالة عدم القرينة. ولكن هل يمكن التمسك بأصالة عدم القرينة أم لا؟ هذا يحتاج إلى تحقيق؛ لأن أصل عدم القرينة ليس أصلًا تعبديًا صرفًا، بمعنى أننا لسنا كلما شككنا في وجود القرينة يكون الأصل هو عدم القرينة كأصل تعبدي صرف يجري في كل مورد، إذن ما هو؟ أصل عدم القرينة إنما هو من صغريات أصالة الظهور؛ بمعنى أنه إذا تحقق الظهور نحكم بعدم القرينة ونبني على عدم القرينة، فأصالة عدم القرينة ليست أصلًا تعبديًا صرفًا محضًا، وإنما هي من صغريات أصالة الظهور، فإن تحقق ظهور في موردها بنينا على أصالة عدم القرينة، وإن لم يتحقق ظهور فلا وجه للبناء على ذلك.
لذا يُفصَّل بين القرينة المنفصلة والقرينة المتصلة؛ ببيان أن القرينة إذا كانت قرينة منفصلة فإنها لا تؤثر على ظهور النص، إذ الفرض أن النص قد صدر من غير أن يكون محفوفًا بقرينة، فانعقد له ظهور، وإنما جاءت القرينة المنفصلة متأخرة، فمن الطبيعي أنها لا تؤثر على الظهور الذي حصل، أي لا تهدم الظهور. إذن ماذا تصنع القرينة المنفصلة؟ تمنع من حجيته، لا أنها تهدمه من أساسه، تمنع من حجيته فيبقى الظهور على ما هو عليه، غاية الأمر أن هذا الظهور ليس بحجة، وإنما الحجة ظهور القرينة حينئذٍ، فما رفعنا اليد عن الظهور إلا بظهور أقوى منه، بظهور معارض له أقوى من هذا الظهور يقول: أنا الحجة وليس ذاك الظهور هو الحجة.
وأما إذا كانت القرينة متصلة، فإن القرينة المتصلة تمنع من انعقاد أصل الظهور، بخلاف القرينة المنفصلة؛ القرينة المتصلة تمنع من انعقاد أصل الظهور. وعلى ذلك، لو شككنا في وجود قرينة منفصلة فلنا نفيها بأصالة عدم القرينة؛ لأن الظهور متحقق والظهور المتحقق لا يوجد ما يقاومه أو يعارضه، فننفي القرينة المحتملة المنفصلة بأصالة الظهور، أو فقل بأصالة عدم القرينة التي هي من صغريات أصالة الظهور.
بينما إذا كانت القرينة متصلة ونحتمل وجود قرينة متصلة، فهنا لم ينعقد ظهور بحسب الفرض، فلا يمكننا نفي القرينة المحتملة بأصالة الظهور (بأصالة عدم القرينة التي هي من صغريات أصالة الظهور)، إلا في موارد الروايات والأخبار والأحاديث الشريفة؛ وذلك لأنه في موارد الأخبار والروايات الشريفة هناك ظهوران: ظهور لفظي يرتبط بألفاظ المنقول، وظهور حالي يرتبط بحال الراوي الثقة، وهذا الظهور الحالي يقرر أن الراوي الثقة الضابط ينقل مراد المعصوم بكل دقة، فلو كانت هناك قرينة حالية لكان الراوي قد أوردها، فإذا لم يوردها فمعنى ذلك أنه لا قرينة في البين. فهنا تمسكنا بأصالة الظهور أيضًا لنفي القرينة المتصلة المحتملة، ولكن ليس هو الظهور المقالي، وإنما هو الظهور الحالي، ظهور حال الراوي الثقة في أنه قد نقل كل مراد المعصوم واستوفاه شهادةً على أنه لا توجد هناك قرينة حالية، فتحقق ظهور، ولكن الظهور الذي تمسكنا به هاهنا لنفي القرينة المحتملة المتصلة ليس هو نفسه الظهور الذي تمسكنا به في مورد القرينة المحتملة المنفصلة؛ فهناك ظهور مقالي، بينما هاهنا ظهور حالي.
إذا اتضح ذلك نقول: هل يمكن تطبيق ذلك على القرآن الكريم؟
التفرقة بين نص القرآن والأحاديث في التمسك بأصالة عدم القرينة
الأمر الرابع: هل يمكن تطبيق ذلك على نصوص القرآن الكريم أم لا؟
يقول السيد الشهيد: كلا. لماذا؟ لوجود الفرق الواضح بين نقل الأحاديث ونقل القرآن؛ فإنه في مورد نقل الأحاديث الراوي وظيفته أن ينقل مراد المعصوم (عليه السلام) بكل ما يوصل هذا المراد، ولكن في مورد النص القرآني ليس لناقل النص إلا أن ينقل النص فقط، ولا يستطيع أن يزيد عليه حرفًا واحدًا فضلاً عن كلمة واحدة فضلاً عما هو أكثر، فهو ملزم في مورد نص القرآن أن ينقل النص بحذافيره، وبالتالي لو كانت هناك قرينة حالية في مورد النص القرآني لم يستطع ناقل النص القرآني أن ينقل هذه القرينة الحالية، بخلافه في مورد الروايات والأحاديث؛ ولذلك هناك أمكننا التمسك بأصالة عدم القرينة من خلال الظهور الحالي للراوي، بينما في مورد النص القرآني لا يمكننا ذلك، وعليه يبقى النص القرآني
مُجْمَلًا ما دام هناك احتمال لقرينة حالية متصلة.
ويقول السيد الشهيد (أعلى الله مقامه) إن هذا الإشكال سيّال لا يختص بآية الخمس، بل كل آية في القرآن الكريم نحتمل وجود قرينة حالية متصلة بها لا يمكن التمسك بإطلاقها، وعليه ففي مثل آية الخمس ما دمنا نحتمل وجود قرينة حالية بأن المقصود من «غَنِمْتُم» غنيمة الحرب، فلا يمكننا التمسك بإطلاقها لإثبات أن الآية شاملة حتى لأرباح المكاسب. هذا هو إشكاله (قدس الله سره).
مناقشة الإشكال والجواب عنه
وهذا الإشكال قد أجاب عنه تلميذه السيد الهاشمي (رحمه الله) بأجوبة ثلاثة نختار منها جوابين:
الجواب الأول: قال السيد (رحمه الله) إن القرآن الكريم إنما أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هدىً للعالمين وليكون هدىً للمتقين، وما دام الغرض من القرآن هو أن يكون مصدر هداية، فلا يناسب ذلك بناؤه على قرائن حالية متصلة لم تصل إلى المخاطبين به، بل ينبغي أن يكون النص القرآني مجردًا عن الاعتماد على القرائن الحالية ليتحقق الغرض منه. وهنا يُنظّر السيد (رحمه الله) بمثال لطيف، فيقول: الإنسان في مقام مخاطباته الشفاهية مع الآخرين من الممكن أن يعتمد على القرائن الحالية، ولكن لو كان لديه غرض مهم وهذا الغرض المهم لا يتحقق إلا بكتابة مكتوب، فهل يمكن أن يعتمد في كتابه المكتوب على القرائن الحالية، أو أنه سيضمّن المكتوب جميع القرائن التي توصل المعنى إلى المخاطَب؟ لا شك أن مقتضى العقلائية هو أن يعتمد الأسلوب الثاني، لا أن يكتب كتابًا يعتمد على قرائن حالية وهو يعلم بأن هذه القرائن الحالية لن تصل إلى المخاطَب؛ فإن ذلك فيه إخلال بغرضه. وما دام القرآن الكريم والهدف من القرآن الكريم هو ما ذكرناه، فلا بد أن يكون مبنيًا على التجرد عن القرائن الحالية.
الجواب الثاني: قال (رحمه الله): نحن عندما نرجع إلى نصوص أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) نجد أن أهل البيت (صلوات الله عليهم): أولًا: قد اعتمدوا على هذا القرآن الكريم ليكون مصدرًا من مصادر الاستنباط، وعلموا أصحابهم كيف يستنبطون من الآيات القرآنية، وهذا له شواهد كثيرة جداً. وثانيًا: جعلوه فرقانًا بين الأحاديث الصادرة عنهم والأحاديث المكذوبة عليهم.
وثالثًا: جعلوا موافقته من المرجحات عند تعارض الحديثين. وجميع ذلك لا ينسجم مع كونه مبنيًا على قرائن حالية لا يُفهم المقصود منه إلا من خلال الاطلاع عليها، والفرض أنها مما يصعب الاطلاع عليها. فهذه التعاليم منهم (عليهم السلام) منبّهة على أن القرآن لم يعتمد على القرائن الحالية، وعلى ذلك نقول إن هذا الاحتمال لا يؤثر على الظهور ولا يمنع من التمسك بالإطلاق.
هذا محصل الكلام حول الإشكال الثالث، ويأتي الكلام حول البقية، والحمد لله رب العالمين.
