مستمسك العروة الوثقى — كتاب الخمس — السيد ضياء الخباز

دروس مقررة — النصوص المتاحة

7 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 8

تحميل Word

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.

مناقشة إشكال إطلاق آية الخمس والتدريجية

تقدم ما أفاده سيدنا الخوئي (قدس سره) في دفع الإشكال عن إطلاق الآية المباركة وشمولها لأرباح المكاسب. ولكن ما أفاده (أعلى الله مقامه) وقع محلاً للنظر عند غير واحد من الأعلام، ومن أكثر النقاط التي تأملوا فيها وتوقفوا عندها؛ ما أفاده (رضوان الله تعالى عليه) من معالجة الإشكال على ضوء القول بتدريجية الأحكام.

وقبل أن نبين ما أفادوه في وجه الإشكال على كلامه (قدس سره)، فإننا نستحسن هاهنا أن نبين ثلاثة من المطالب التأسيسية، وعلى ضوء هذه المطالب يتضح أين هو كلام السيد الخوئي (قدس سره) وأين كلام الأعلام (أعلى الله كلمتهم)، وهل يرد عليه إشكالهم أم لا يرد؟

المطلب الأول: عدم التنافي بين تدريجية الأحكام وتبليغ الحكم

وبيان ذلك هو أن تبليغ الحكم إذا كان بمعنى بيان جعل الحكم الكلي، فهو على نحوين:

النحو الأول: أن يتم بيان الحكم الكلي للجاعل ولكن مع تأخير المجعول. وتوضيح ذلك هو أنه لو كان للحكم الكلي متعلق وكان هذا المتعلق ذا حصص، فإنه من الممكن أن يتعلق الجعل بالحكم الكلي لجميع هذه الحصص، ولكن بعض الحصص من هذه الحصص يتأخر فيها المجعول زماناً. فمثلاً من أجل تقريب الفكرة؛ عندما شرع المشرع الصلاة وقال: أقيموا الصلاة، فهذا جعل للحكم الكلي. والصلاة بحسب الفرض ذات حصص؛ منها الفرائض اليومية، ومنها صلاة الآيات، ومنها صلاة العيدين، ومنها صلاة الجمعة، إلى غير ذلك. وبحسب جعل الحكم الكلي فإنه يتناول هذه الحصص جميعاً، ولكن تناول الحكم الكلي للحصص جميعاً لا يمنع من تأخير المجعول في بعض الحصص، كما هو الحال مثلاً بالنسبة إلى صلاة الجنائز بناءً على أنها من أفراد الصلاة، فإن صلاة الجنائز تأخر

فيها المجعول إلى سنوات بعد تشريع الصلاة، ولذلك مثلاً من ماتوا في العصر الأول من تاريخ الإسلام لم يُعرف أن صلاة الجنائز قد صليت عليهم، وأنهم قد صلوا عليهم صلاة الجنائز؛ نظير مولاتنا خديجة عليها السلام، ونظير مولانا أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه. وبهذا يندفع ما يثار من الإشكال حول إيمان أبي طالب عليه السلام من عدم صلاة النبي عليه وآله؛ صلاة الجنائز لم تصل إلى مرحلة المجعول.

فإذاً، من الممكن أن يُبيّن الحكم بنحو جعل الحكم الكلي الذي يتناول جميع الحصص، ولكن المجعول يتأخر بالنسبة إلى بعض الحصص؛ هذا لا مانع منه ثبوتاً. ولك أن تقول لأجل تقريب الفكرة: المجعول أمره بيد الشارع، فله أن يضع وله أن يرفع، يعني بعبارة أخرى: له أن يُحديد المجعول في فترة معينة، كانت هذه الفترة متقدمة أو متأخرة، هذا بيد الشارع، كما هو الحال مثلاً الآن في مسألة النسخ؛ الشارع هو الذي يحدد المجعول أن المجعول مع أن الجعل قد يكون مطلقاً، لكن الشارع يحدد المجعول بفترة معينة، فيقول: بعد انتهاء هذه الفترة فإن الحكم ليس بمجعول، وإن كان الجعل مطلقاً من البداية. هذا يعني أن المجعول بيد الشرع يضعه ويرفعه في ظل ضوابط معينة وفي ظل موضوع معين. وإذا كان كذلك، فلا مانع حينئذٍ أن يُبيّن الحكم بنحو الجعل الكلي الذي يتناول جميع الحصص، ولكن المجعول في بعض الحصص يتأخر إلى مرحلة مقبلة زمانية؛ هذا لا مانع منه غاية ما هنالك من إشكال هو أن هذا تقييد للإطلاق الأزماني للجعل، فنحتاج فقط إلى دليل على التقييد، يدل على أن هذه الحصة لا يوجد بالنسبة لها إطلاق أزماني، وإنما فعليتها في هذا المقدار من الزمان؛ هذا كل ما هنالك.

النحو الثاني: أن يكون التبليغ بنحو بيان الجعل والمجعول معاً.

ولك أن تقول بأن المجعول مقارن للجعل. فإذا جُعل حكماً كلياً، فبازاء هذا الحكم الكلي مجعول لجميع حصصه، ومع ذلك فإنه من الممكن أن يزاحم المجعول -يعني أن تزاحم الفعلية- في بعض الحصص بما هو أهم، أكان هذا الأهم مصلحة مزاحمة أم كان هذا الأهم مانعاً أقوى؛ فإنه متى ما حصل التزاحم بين حكم فعلي ذي ملاك وبين ملاك أقوى منه فإنه يعطل فعليته، بعبارة واضحة: يُعطل فعليته أو فقل يُعلّق فعليته لأجل المزاحمة، تتعطل الفعلية أو تتعلق الفعلية. فمتى ما تزحزح المزاحم فإن الفعلية حينئذٍ تعود إلى ما هي عليه.

فإذاً، لا مانع أن يبلغ الشارع الحكم الكلي ويكون ذلك الحكم الكلي فعلياً بالنسبة إلى جميع حصصه، إلا أن حصة من هذه الحصص منذ بداية الجعل والمجعول تبتلى بوجود المزاحم فتعلق فعليتها أو تتعطل فعليتها، وإلا هي فعلية ولكنها تتعطل بسبب وجود المزاحم الأقوى.

وعلى ضوء ذلك نقول: يتضح عندنا جيدا بأنه لا تنافي بين تبليغ الحكم وبين تدريجية الحكم، لا منافاة بينهما بحيث يقال: كيف يمكن الالتزام بأن الحكم قد بلغ ومع ذلك فهو تدريجي؟ كيف لنا أن نوفق بين هذين الأمرين؟ الجواب: على كلا التقديرين، على كلا البيانين، على كلا الوجهين اللذين بينا بهما كيفية تبليغ الحكم، يمكن التوفيق بين التدريجية وبين التبليغ.

أما على الوجه الأول فواضح؛ على البيان الأول نقول: الذي تم تبليغه إنما هو الحكم الكلي بنحو الجعل، جعل الحكم الكلي، هذا الذي تم تبليغه. وأما الذي تأخر تدريجاً فهو بيان المجعول، بيان المجعول. فأي منافاة بينهما؟ فالحكم بحسب الجعل الكلي قد بلغ، ولكن الحكم بحسب المجعول لهذه الحصة قد تأخر، فلا منافاة بين حصول التبليغ وبين التدريجية.

وأما على ضوء البيان الثاني؛ على تقدير البيان الثاني فنقول أيضاً هاهنا: التدريجية إنما هي بلحاظ بيان ارتفاع المزاحم وعود الحكم الفعلي إلى فعليته، فإن الشارع بحسب التبليغ بيّن بلغ الجعل والمجعول معاً، بلغ ذلك، لكن المجعول للحصة الخاصة افترضنا بأنه ابتلي بماذا؟

بالمزاحم، لما ابتلي بالمزاحم وصار معلقاً ومعطلاً، الذي يعلم بزوال المزاحم هو المشرع، فهو يبين حينئذٍ بأن الفعلية قد عادت إلى ما هي عليه. فهنا صار تدريج من الشارع، ولكن هذا التدريج بسبب العامل الخارجي، تدريج في بيان الفعلية صار بسبب العامل الخارجي.

المطلب الثاني: تأخير البيان عن وقت الحاجة

اشتهر في كلمات الأصوليين بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح، فإنه إذا تحقق موضوع الحكم بحسب الفرض وتحققت جميع شرائطه وارتفعت جميع موانعه، ولم يكن هنالك بين المأمور والمأمور به وبين تحقيق المأمور به سوى أن يأتي بيان من الشارع، ومع ذلك فإن الشارع قد أخر البيان بحيث لم يتمكن المأمور المكلف أن يأتي بالمأمور به مع شدة حاجته إليه أو مع حاجته إليه، هنا قالوا بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح.

ولكن المحقق النائيني (رضوان الله تعالى عليه)، وتبعه في ذلك سيدنا الخوئي (قدس سره)، قالوا بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس قبيحاً بالمطلق. وبعبارة أخرى: تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس على غرار الظلم في أن القبح لا ينفك عنه، بل تأخير البيان عن وقت الحاجة على غرار الكذب؛ ربما يكون قبيحاً وربما ينفك القبح عنه فيما لو اقتضت المصلحة ذلك، المصلحة الأقوى.

كذلك أيضاً تأخير البيان عن وقت الحاجة هكذا؛ ليس قبيحاً بالمطلق، وذلك لأن من شأنه البيان؛ مَن يُطلب منه البيان؟ تارة تكون طريقته على بيان الأمر دفعة، وبالتالي فإذا كان في مقام البيان لشيء وكان الوصول إلى مقصوده يتوقف على أن يُبيّن أموراً متعددة ولكنه بين بعضاً وترك بعضاً مع أنه في مقام البيان -مع أنه في مقام البيان- يقبح ذلك منه؛ كونه في مقام البيان وكانت هنالك حاجة لإتمام مقصوده إلا أنه لم يتم، يقبح ذلك منه.

ولكن لو كان من شأنه البيان، مَن إليه البيان تارة يُبيّن الأحكام أو المطالب بنحو دفعي، وتارة يُبيّنها بنحو تدريجي. لماذا يُبيّنها بنحو تدريجي؟ يبينها بنحو تدريجي باعتبار كونه حكيماً يراعي المصلحة في بيانه، فمتى ما اقتضت المصلحة أن يبين شيئاً بيّن، وإذا تجددت المصلحة بيّن شيئاً آخر، وهكذا. هنا لا يمكن أن يقبح عدم بيانه لو تأخر فيه، هنا لو

تأخر في بيانه لا يكون ذلك من القبح بمكان، لأن من شأنه أن يتدرج في البيان، باعتبار كونه حكيماً يراعي المصالح. وبالتالي فلو بيّن أولاً -حتى لو كان في مقام البيان- إلا أنه كان في مقام البيان بمقدار ما كانت تقتضيه المصلحة فقط، لا أنه كان في مقام البيان مطلقاً بحيث لو بين بعد ذلك إتماماً لبيانه الأول يقال تأخر بيانه عن وقت الحاجة؛ لم يتأخر بيانه عن وقت الحاجة، بل جاء في وقت الحاجة. فهنا لا يُقال بقبح تأخير البيان.

وهذا الذي أفاده سيدنا الخوئي (قدس سره) تبعاً للمحقق النائيني (أعلى الله مقامه)، لعله يستانس له ببعض الروايات الشريفة، ببعض النصوص الشريفة؛ ومن هذه النصوص الشريفة: خبر الوشّاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: قلت: حقّ علينا أن نسألكم؟ قال: نعم. قلت: حقّ عليكم أن تجيبونا؟ قال: لا، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل. رغم أن السائل في مقام الاحتياج عندما سأل، ومع ذلك فإن الإمام أخّر البيان مراعاة منه للمصلحة، مما يعني أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس قبيحاً بالمطلق.

صاحب الوسائل (أعلى الله مقامه الشريف) يعلق على هذه الرواية يقول: الأحاديث في ذلك كثيرة، وفيها رد على القائلين بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب أو وقت الحاجة، ويؤيد ما هو ضروري من جواز التقية على الإمام بل وجوبها، وما تواتر من أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يؤخر الجواب انتظاراً للوحي أربعين يوماً وأقل وأكثر. كل هذا يؤكد بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز لا قبح فيه.

المطلب الثالث: الفرق بين تأخير البيان عن وقت الحاجة ووقت الخطاب

هذان لابد أن يُفرزا ولا يُخلط بينهما، فحتى لو بنينا على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح، إلا أن تأخير البيان عن وقت الخطاب ليس بقبيح. ما هو المقصود من تأخير البيان عن وقت الخطاب؟

المقصود من تأخير البيان عن وقت الخطاب هو أن المتكلم يتكلم بكلام تشوبه بعض شائبة الإجمال، فالخطاب يتحقق منه، غير أن بيان هذا الخطاب الذي صدر عنه يتأخر إلى وقت لاحق؛ هذا لا قبح فيه، فإن المطلوب أحياناً من المقنن، من المشرع، المطلوب أحياناً هو أن يمهد لأحكامه، لذلك يبين أولاً ببيان مجمل أو غير تفصيلي بعبارة أخرى، ثم بعد ذلك في وقت لاحق يبين ذلك تفصيلاً، فيكون قد مهد لما أراد أن يبينه لاحقاً، ولو لأجل أن المصلحة لم تحن بعد فاكتفى بالخطاب فقط، ثم بعد ذلك الحقه وأردفه بالبيان في وقت لاحق. هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب، وتأخير البيان عن وقت الخطاب لا ربط له بمسألة الحاجة وعدم الحاجة، وهذا مما لا قبح فيه عند محققي الأصوليين.

تطبيق المطالب الثلاثة على مبنى السيد الخوئي

هذه مطالب ثلاثة لابد أن تكون باليد. على ضوء هذه المطالب الثلاثة نحن نعمق ما أفاده سيدنا الخوئي (قدس سره) في النقطة الأولى من كلامه، فنقول بأنه عندما التزم بإطلاق آية الخمس وشمولها لأرباح المكاسب، وفي الوقت نفسه التزم ماذا؟ التزم بالتدريجية، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) ما مارس أخذ الخمس المكاسب من الناس وما كان له جباة يجبون ذلك، بل إن هذا الحكم لم يتضح إلا في عصر الصادقين (صلوات الله وسلامه عليهما)، نقول بأن هذا لا تدافع فيه.

أما على البيان الأول؛ وهو أن الشارع يبين جعل الحكم الكلي ويتاخر المجعول، فالأمر واضح؛ بين الحكم الكلي في الآية، وهذا الحكم الكلي يتناول غنيمة الحرب، يتناول المعدن، يتناول الكنز، يتناول المعادن، يتناول الركاز، يتناول غير ذلك. ولكن هذه الحصة الخاصة وهي ماذا؟ أرباح المكاسب تأخر المجعول فيها، فالتدريجية إنما هي بلحاظ الحصة الخاصة، فلا منافاة بين حصول أصل التبليغ للجعل الكلي لجعل الحكم الكلي وبين التدريجية في المجعول بالنسبة للحصة الخاصة.

خاصة ولو افترضنا ونحن هنا قلنا بأن عمدة الاشكال على هذا هو أنه يتنافى مع الإطلاق الأزماني للجاعل فيحتاج إلى المقيد، ونقول بأن نفس فعل النبي صار مقيداً.

نفس فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وهو عدم تفعيله لقبض خمس أرباح المكاسب وسكوت مَن بعده من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) هذا هو مقيد فعلي للإطلاق. وأما على ضوء البيان الثاني فايضاً يتضح مطلوبه (قدس سره) من غير إشكال، فيقال: سلمنا بأن الآية المباركة قد بينت الجعل والمجعول معاً لجميع الحصص بما في ذلك أرباح المكاسب، ولكن ابتلي هذا المجعول في هذه الحصة بالمزاحم الأهم الأقوى، وهو أن لا يتسلط الظالمون على سهم على هذه الحصة -ولو هو هذا، هذا سياتي إن شاء الله الإشارة إليه، ولو أن المزاحم هو هذا- فعُعلقت الفعلية، علقت الفعلية إلى أن ارتفع هذا المزاحم، فبدأ بيان الحكم مجدداً في عصر الصادقين (صلوات الله وسلامه عليهما).

فالتدريجية هاهنا لم تكن من قِبل المشرع نفسه، وإنما التدريجية صارت لأجل المزاحم الخارجي، لأجل المزاحم الخارجي، وإلا فالالحكم فعلي من بداية الأمر، لكنه أيضاً من بداية الأمر عُلقت فعليته فصارت التدريجية في بيان أن الحكم قد عُلق ثم رُفع، قد عُلق ثم رُفع.

وعلى ذلك يتضح عدم التنافي بين الأمرين. وإن قيل: إذا بنينا على أن الآية مطلقة كما التزم بذلك سيدنا الخوئي (قدس سره)، ومع ذلك فإن البيان فيما يرتبط بهذه الحصة قد تأخر إلى زمن الصادقين، ألا يلزم من ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة؟

نقول: كلا، ما صار فعلياً يعني لابد هنا أن نفصل فنقول: إذا لاحظنا البيان الأول -يعني بأن الآية بينت الحكم بنحو الجعل الكلي، جعل الحكم الكلي، ولكن تأخر المجعول- فهنا لم يصر تأخير للبيان عن وقت الحاجة، بل صار تقديم للبيان على وقت الحاجة، يكون تقديماً للبيان على وقت الحاجة، إذ أن وقت الحاجة إنما هي في ظل الفعلية والمجعول لا قبل الفعلية والمجعول، فيكون قد تقدم البيان عن وقت الحاجة ولا إشكال في ذلك. وإن قلنا بالبيان الثاني؛ أي أن الذي تمامه بيان الجعل والمجعول معاً، فأيضاً هنا لا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لماذا؟

لأن المراد من البيان هنا ما هو؟ المراد من البيان هو حكم المجعول أو المراد من البيان هو حكم الجاعل؟ سواء كان هذا أم كان هذا، فانه قد بين من بداية الأمر هم حكم الجعل هم حكم المجعول. على أن الفعلية ما دامت معلقة فلا حاجة هنالك، لا حاجة هنالك، وبالتالي فبيان الصادقين بيان في وقت الحاجة لا أنه سابق على وقت الحاجة. فعلى ذلك ما أفاده سيدنا الخوئي (قدس سره) على ما بيناه وأوضحناه يكون سليماً عن الإشكال.

استعراض إشكالات الأعلام على السيد الخوئي والجواب عنها

من هنا نلتفت إلى الخلل الواقع في إشكالات الأعلام على السيد الخوئي.

أولاً: أبدا بالسيد الخلخالي (أعلى الله مقامه)، المقرر لفقه الشيعة. طبعا السيد الخلخالي (أعلى الله مقامه) -تشرفنا بمعية الشيخ العزيز بزيارته في مشهد- طرح علي سؤالاً في هذا المطلب، طرح علينا سؤالاً في هذا المطلب، وأنا أجَبته بجواب السيد الخوئي ولكنه لم يقبل ذلك، لم يقبل جواب السيد الخوئي، فالآن نحن نذكر كلامه ونعلق عليه. قال:

ولكن يمكن المناقشة في هذا الجواب -يعني جواب السيد الخوئي- بأن الكلام في دعوى إطلاق الآية المباركة، آية الخمس، شمولها لأرباح المكاسب، ورد المناقشة عن الاستدلال بها لقضية سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) كما هو المبحوث عنه. ومعه -يعني مع وجود الإطلاق- لا معنى لدعوى تأخير الإبلاغ حينئذٍ، فإن ظواهر الآيات الكريمة من أظهر أنحاء التبليغ. وهذا الجواب -يعني اللي أجابه السيد الخوئي- إنما يتم في تأخير أصل الحكم تدريجياً، وإنما تتم في تأخير أصل الحكم والفرض بأن أصل الحكم ماذا؟ لم يؤخر بل قد بلغ ضمن الآية، فكيف تتصور التدريجية؟ وهذا الجواب إنما يتم في تأخير أصل الحكم من دون دعوى تبليغه في الكتاب العزيز كما هو محل البحث فعلاً.

إذاً، السيد الخلخالي إشكاله على السيد الخوئي والتدافع: أن تلتزم في الوقت نفسه بأن الآية مطلقة، وفي الوقت نفسه تلتزم بالتدريجية، لا يجتمعان؛ إذ كونها مطلقة يعني أن الآية بلغت، وإذا بلغت، إذا التبليغ إذا لم يكن تدريج في البيان بل تحقق البيان من البداية، فالتزامك بالتدريجية بعد ذلك لا يجتمع مع التزامك بالإطلاق.

واتضح ما فيه مما ذكرنا، فإن التدريجية لا تتنافى مع أصل الإبلاغ، مع أصل الإبلاغ.

ثانياً: الكلمة الثانية -طبعا هي الكلمات متقاربة وإنما نقرأها من أجل يعني التعامل مع كلمات الأعلام- الشيخ اللنكراني في تفصيل الشريعة قال: ويرد على هذا الوجه -سيد الخوئي- أن تدريجية الأحكام وتشريعها كذلك في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان مما لا ينبغي الإشكال فيه، ضرورة عدم صدور جميع الأحكام دفعة واحدة واحداً بعد آخر متصلاً، هذا نقطع به.

وكذا لا ينبغي الارتياب بملاحظة بعض الروايات أن جملة من الأحكام مودعة عند بقية الله (عجل الله تعالى فرجه)، إلا أن الحكم المشروع الثابت في القرآن وظهوره فيه، كيف أودع؟ أودع بيانه من النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الإام (عليه السلام) حتى تصير تدريجية؟ ما دام هو في القرآن بويّان، كيف في نفس الوقت نلتزم بأنه أودع عند الإمام (عليه السلام) مع أنه لا شاهد في الآية الشريفة على تأخير إجرائه وعدم كون المقصود عدم إجرائه في مدة من الزمان؟ فأي فرق بين هذه الآية والآية الواردة في الحج ومثله؟ فهذا الوجه لا يمكن التخلص عن الإشكال به.

والجواب عنه هو الجواب؛ فالتدريجية بلحاظ المجعول وليس بلحاظ الجاعل، الجعل متحقق والتدريجية بالنسبة للمجعول. وأما قوله: لا شاهد في الآية على تأخير إجرائه؛ نحن لا نقول بأن الشاهد من الآية وحتى السيرة القوية لا يقول ذلك، وإنما يقول الشاهد على عدم الاجراء السيرة الخارجية لا هي نفس الآية.

ثالثاً: المشكل الثالث الشيخ هادي آل راضي (حفظه الله) قال: والظاهر أن هذا الجواب من السيد الخوئي ليس جواباً عن الاعتراض، يعني أصلاً أجنبي جواب السيد الخوئي عن الاشكال وهو عدم التناسب مع السيرة، وإنما يصلح جواب السيد الخوئي أن يكون جواباً عن الاعتراض على افتراض أصل تشريع الخمس في غير غنائم الحرب بدعوى أنه لو كان هناك تشريع للخمس في مطلق الفائدة لتم تبليغه من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ولظهر وانعكس علينا، لو كان اكو تشريع لظهر في سيرة النبي، فيقال في جواب ما تقدم أنه لا مانع من افتراض أصل التشريع من دون تبليغه للناس لو هالشكل يمشي الجواب، يعني شرع الحكم لكن لم يبلغ

له الشكل. نعم، جواب السيد الخوئي تمام لا إشكال فيه، فإن الحكم شرع ولكن حفظ عنده وأودعه عند الإمام، أما أن يلتزم بأنه بينه ضمن القرآن ومع ذلك يلتزم بالتدريجية فلا ينسجم. قال: فيقال في جواب ما تقدم أنه لا مانع من افتراض أصل التشريع من دون تبليغه للناس، ثم يوكل تبليغه للإمام المتاخر حسب الظروف المناسبة والمصالح الخاصة. ومن الواضح أن هذا غير الخمس محل الكلام، فإن الكلام في عموم الآية وعدمه حيث يفترض التبليغ بنفس الآية وانه مع عموم الآية لماذا تأخر العمل بهذا الحكم بالنحو المناسب له؟ وهذا لا ربط له بمسألة تدريجية الأحكام.

الجواب هو نفسه الجواب.

رابعاً: سيد علي السبزواري (حفظه الله تعالى وأدام تأييده) قال: إن القول بتدريجية الأحكام على فرض قبوله في بعض الأحكام -نفس الكلام نفس المصاب- في بعض الأحكام التي لم ينزل فيها تشريع في عصر الرسول، هنا هنا التدريجية كما يقال الآن مثلاً بالنسبة للأحكام التي يبلغها صاحب الزمان صلوات الله وسلام عليه، خوب لم تشرع في زمن النبي وإنما أودعت عنده، هنا التدريجية نعم، ولكنه لا يجري في الأحكام التي شرعها صاحب الشرع كالخمس، لأنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو قبيح. ثم قال: فضلاً عن كونه لم يحسم مادة الإشكال، فإن الخمس قد ورد في آية الغنيمة الشاملة لمطلق الغنائم بالمعنى العام لغة، فيدخل فيها مطلق الفوائد والأرباح وما يفوز به الإنسان ولها من الإطلاق والعموم ما يشمل كل الأشياء وجميع الأزمان، فلا إجمال فيها وقد تم البيان والحجة في خمس الأرباح، فلا وجه للقول بتاخير التبليغ من عصر التشريع وإداع بيانه إلى غيره ليظهره في ظرفه المناسب.

خوب، أولاً: الجواب عن مسألة تصوير التدريجية هو نفسه الجواب المتقدم. وأما القول بأن هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فأولاً: هذا أول الكلام، من قال بأن ذلك الوقت هو وقت حاجة بناء على التفكيك بين الجعل والمجعول؟ ثانياً: على فرض كونه وقتاً للحاجة، من قال بقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة مطلقاً؟ ثالثاً: لو كان تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحاً، فإن هذا أصلاً إنما هو من تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وفرق بينهما.

هذا تمام الكلام حول الإشكال الأول، طولنا اليوم، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوانصوت
الملف 001 المستمسك - كتاب الخمس (١) *كلمة حول مرجع الطائفة السيد الحكيم (قدس سره) بمناسبة ذكراه السنوية. *شروع في مبحث أرباح المكاسب. *تتبع أقوال الفقهاء الذين ادعوا الإجماع، والذين ذكرهم السيد الحكيم. *ملاحظة كلمات ابن الجنيد والعماني.

نسخة التشغيل متاحة، والأصل محفوظ للتنزيل كما ورد من القناة.

تحميل التسجيل الأصلي كما ورد من المصدر

استماع
الملف 002 المستمسك - كتاب الخمس (2) الاستدلال على وجوب الخمس في أرباح المكاسب من خلال الكتاب الكريم وبيان إفادات السيد المحقق الخوئي حول آية (واعلموا أنما غنمتم)استماع
الملف 003 المستمسك - كتاب الخمس (3) إشكال سيد المدارك على الاستدلال بآية الخمس بحث حول التبادر وأقسامه الثلاثة: الحاقي والإطلاقي والانصرافي بحث حول السياق وتأثيره على الظهوراستماع
الملف 004 المستمسك - كتاب الخمس (4) بيان ما أفاده السيد الشهيد الصدر حول الاستدلال بالآية الكريمة وبيان إشكال تلميذه السيد محمود الهاشمياستماع
الملف 005 المستمسك - كتاب الخمس (5) بيان إشكال السيد الهاشمي حول دعوى إجمال لفظ الغنيمة في الآية والتأمل فيهاستماع
الملف 006 المستمسك - كتاب الخمس (6) بيان إشكال السيد الأستاذ الشمس الخراساني في مجلس بحثه حول الاستدلال بالآية الكريمة وبيان التقريبات الثلاثة لإشكاله، ثم التأمل فيما أفاده.استماع
الملف 007 ‎⁨خمس المستمسك 7⁩استماع
الملف 008 المستمسك - كتاب الخمس (8) تعميق إجابة السيد الخوئي ببيان مطالب: -عدم التنافي بين تدريجية الأحكام وتبليغها -تأخير البيان عن وقت الحاجة -الفرق بين تأخير البيان عن وقت الحاجة وتأخير البيان عن وقت الخطاب -ردّ إشكالات جماعة من الفقهاء والعلماء ومنهم الفقيه الخلخالي والفاضل اللنكرانياستماع