دروس مقررة — النصوص المتاحة
4 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 2
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
لا زال كلامنا حول الرواية الشريفة: «سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أيها الناس، اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، وضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه».
وجوب طلب المال ومراتبه
بعد أن تكلمنا حول الفقرة الأولى، نتكلم حول ما بقي من الرواية الشريفة، وهنا ثلاثة أمور تعرضت لها هذه الرواية المباركة:
الأمر الأول: هو وجوب طلب المال؛ فإنه من قوله عليه السلام: «ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال» يُستفاد منه أن طلب المال واجب، ولكن طلب العلم أوجب منه. وطلب المال واجب بمقدار ما يسد الكفاف، بمقدار ما يسد الحاجة بحيث لا يكون الإنسان تبعة على غيره، هذا المقدار واجب على الإنسان أن يقوم به، وإن كان أيضًا من ذوي مَن تجب نفقتهم عليه، لعله يتسع باب وجوب طلب المال عليه في دائرة أوسع مما سبق. إذن، يُستفاد من هذه الرواية بأن طلب المال بمقدار أو في الجملة واجب لا كلام في ذلك.
والتعبير ها هنا تعبير لطيف لعله يُستفاد منه في بعض المطالب العلمية، ومن جملة هذه المطالب ما يدور بينهم حول أن الأمور الاعتبارية هل هي أمور تشكيكية قابلة للشدة والضعف أم أنها أمور بسيطة؟ فإن المحقق الأصفهاني أعلى الله مقامه، وكذلك سيدنا الخوئي رضوان الله تعالى عليه، يبنيان على أن الأمور الاعتبارية كالوجوب والندب هي أمور بسيطة لا شدة فيها ولا ضعف، بل يدور أمرها بين الوجود والعدم. ولكن سيدنا الأستاذ الروحاني أعلى الله مقامه الشريف كان يرى بأن الأمور الاعتبارية من الأمور التشكيكية القابلة للشدة والضعف، وبالتالي فيكون هنالك واجب ويكون هنالك أوجب، وإن كان للبانين على مسلك البساطة أن يوجهوا هذه الرواية بأن هذه الشدة ليست بلحاظ نفس الوجوب الذي هو أمر اعتباري، وإنما بلحاظ مبادئه.
فإن ملاكات طلب العلم أهم عند الشارع المقدس من ملاكات طلب المال، وبالتالي هو أشد. هذا ما يرتبط بالأمر الأول.
وجوه ترجيح طلب العلم على طلب المال
الأمر الثاني الذي تعرضت له هذه الرواية الشريفة: هو وجه أوجبية طلب العلم على طلب المال. طبعا نحن عندما نرجع إلى نصوص أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم التي تناولت هذه المسألة، تمر علينا مجموعة من النصوص الشريفة التي تؤكد على هذه الحقيقة. ومن هذه النصوص المباركة الرواية المشهورة بين أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وبين كميل رضوان الله تعالى عليه، والتي يقول فيها: «يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقات، والعلم يزكو ويزداد على الإنفاق».
«وصنيع المال يزول بزواله»، أي أن الأمور المادية التي تُصنع بالمال كالجاه مثلا والعقارات وما شاكل ذلك، هذه صنيعة المال تزول بزوال المال. «وصنيع المال يزول بزواله»، فهنا الإمام تعرض لأكثر من وجه في بيان ترجيح العلم على المال. ثم قال: «يا كميل، معرفة العلم دين يدان به، يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل، هلك خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة».
فالإمام صلوات الله وسلامه عليه بيّن في هذا النص المبارك وجوها متعددة لترجيح طلب العلم على طلب المال، وهذه الوجوه لو تأمل فيها العاقل البصير لبذل حياته في طلب العلوم والمعارف الإلهية الوحيانية الدينية التي هي معارف الأنبياء ومعارف الرسل ومعارف الأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم.
ولكن الرواية الشريفة التي نحن بصددها -وهو حديث السبيعي عن الأمير عليه السلام- أشارت إلى وجه آخر لأوجبية طلب العلم على طلب المال، وهو أن المال مقسوم مضمون، بينما العلم لابد من طلبه من أهله. وبعبارة أخرى: المال يمكن أن يصل إليك إذا كان مقسوما مضمونا، بينما العلم لا يمكن أن يصل إليك، بل لابد لك ماذا؟ من طلبه. وإذا كان لابد لك من طلبه، فلا شك أن طلبه يكون أوجب من طلب المال الذي هو مضمون مقسوم، مضافا إلى الوجوه الاعتبارية الأخرى التي ترتبط بحياة الإنسان الحقيقية.
فإن طلب المال إنما ثمرته ثمرة دنيوية في أغلب الأحيان ما لم يستثمره الإنسان فيما يرتبط بدينه، وأما ثمرة العلم فهي ثمرة أخروية خالدة، ولا شك أنه إذا دائر الأمر بين طلب غير الخالد وطلب الخالد الذي يلازم الإنسان مدى الأبد، فإن طلب الخالد يكون أولى من طلب غير الخالد. والوجوه على أي حال كثيرة ولا نحتاج للبيان بأكثر من ذلك.
تعليل كون المال مقسوما ومضمونا
الأمر الثالث الذي تعرضت له الرواية: هو أن المال مقسوم مضمون. هذا وإن كان واضحا، ولكن لا بأس بإيضاحه بما أنه قد جُعل تعليلا في الرواية الشريفة لأوجبية طلب العلم؛ إذ أنه صلوات الله وسلامه عليه بعد أن قال ما قال، قال: «إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، وضمنه وسيفي لكم». وهذا منه في مقام التعليل للأوجبية، فلا بأس بإيضاح هذا التعليل إيضاحا سريعا.
قوله عليه السلام: «إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم»، أشار إليه قوله تبارك وتعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32]، فالمال مقسوم من قِبله تعالى. وأما كونه مضمونا فقد أشار إليه القرآن الكريم في غير آية منها قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وهذا ضمان في غاية القوة. ومنها قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 22-23].
ثم يقول عليه السلام: «وسيفي لكم»، وهذا واضح لأنه وعد، والوعد الإلهي لا يتخلف. إنما العجيب ما أشارت إليه الروايات الشريفة؛ مثلا وَرَدَ في الرواية عن الصادق عليه السلام: «لو كان العبد في جحر لأتاه الله رزقا»، وسُئل أمير المؤمنين عليه السلام: لو سُدَّ على رجل باب بيته وترك فيه فمن أين كان يأتيه رزقه؟ فقال عليه السلام: «من حيث يأتيه أجله»، هذا شغل الله سبحانه وتعالى ما دام قد وعد فإنه يفي بوعده، أما كيف يفي بوعده فهذا شغله.
ثم يقول عليه السلام: «والعلم مخزون عند أهله»، وأهله صلوات الله وسلامه عليهم هم أهل بيت العصمة والطهارة ولا منازع لهم في ذلك.
طلب العلم من أهله والانتفاع به
ومن حَمَل علومهم أهلُه، هم هؤلاء ومَن صار امتدادا لهم من العلماء والفقهاء -لطيف هذا التعبير- وقد أمرتم بطلبه من أهله؛ لم تؤمروا بطلبه مطلقا وكيف يتفق؟! وإنما أمرتم بطلبه من أهله {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43، الأنبياء: 7]، وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه، هذا تأكيد للطلب.
وفقنا الله تعالى وإياكم لطلب علومهم صلوات الله وسلامه عليهم والاستغناء بها عن علوم غيرهم، كما ونسأله تعالى أن يوفقنا للعمل بها والاستفادة منها بحقهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والحمد لله رب العالمين، صلى الله على النبي وآل محمد.
