دروس مقررة — النصوص المتاحة
4 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 3
الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
قبيل الشروع، لا بد بكلمة ترتبط بفقيد الحوزات العلمية المرجع الديني السيد الزنجاني أعلى الله مقامه الشريف. السيد الزنجاني رحمه الله عندما شرع في بحث الصوم قبيل سنوات ليست بالبعيدة، تشرفت بالحضور في درسه أيامًا لم تطل لأسباب، ولكن بالرغم من أني لم أقترب منه، الا أنني بعد تجوال الذهن واستعادة الأيام السالفة في قم المشرفة، وجدت بأن هنالك مزايا كان يتميز بها رحمه الله ويلمسها المتنبه والقارئ لحياته وإن كان بعيدًا.
الميزة الأولى: الارتباط بمشاهد المعصومين عليهم السلام
وأول هذه المزايا: ارتباطه وتعلقه بحرم السيدة المعصومة صلوات الله وسلامه عليها، فإني أتذكر بأننا حين وردنا إلى قم وإلى سنوات بعد ذلك، هو كان يقيم صلاة الجماعة في حرم السيدة الطاهرة، وكان من الوجوه التي تألف رؤيتها في الحرم المبارك. وطبعا هو بهذه المناسبة، السيد رحمه الله له رأي في صلاة الجماعة لعله يعني لم يقل به المشهور، ورأيه في صلاة الجماعة بأنه لا يجوز تركها إذا كان عدم الاعتناء بصلاة الجماعة وبفضلها هو الناشئ عن الترك، وهذا الرأي تقريبا لم يقل به أحد من المعاصرين فيما نعلم.
وعلى أي حال، سيرته رضوان الله تعالى عليه كانت مطابقة لرأيه الشريف؛ فكان من المقيمين لصلاة الجماعة والملتزمين بها، لذلك كان وجهه مألوفًا جدا في الحرم المبارك. وهذه المزية أتصور هي من المزايا المهمة التي قد يغفل عنها المجاورون للعتبات الشريفة أو يتهاونون فيها، بل حتى غير المجاورين، وهي مزية الارتباط بمشاهد المعصومين عليهم السلام والإصرار على ارتيادها وزيارتها والاستمداد من ذواتهم المقدسة صلوات الله وسلامه عليهم وأرواحهم الطاهرة؛ فإن ذلك مما يعين طالب العلم كثيرا في الترقي. ومن يتصور بأن الوصول إلى المراتب العالية
يعتمد فقط على الحضور في الدروس والمباحثات وما يرتبط بذلك فهو واهم جدا، بل الجوانب المعنوية دخيلة جدا في الترقي. ومن الجوانب المعنوية المهمة: الاستمداد من الأرواح المقدسة للمعصومين عليهم السلام من خلال الحضور في مشاهدهم المقدسة لمن كان يحظى بنعمة القرب، ومن خلال زيارتهم عن بعد لمن حرم من هذه النعمة ولو بالزيارات اليومية المتعارفة؛ فإنها مما تعين جدا في الحصول على التوفيق. وعلى أي حال، هذه كانت مزية من مزاياه رحمه الله.
الميزة الثانية: روح الإنصاف
المزية الثانية من مزاياه أعلى الله مقامه التي يلمسها القارئ له ولو من بعده، هي روح الإنصاف؛ فإنه أعلى الله مقامه كنت تراه حينما تشارك في المناسبات العامة حاضرا في أغلب تلك المناسبات ومشاركا فيها، فلا يختلف عنده الحال بين عالم وعالم، تجده ها هنا حاضرا وتجده ها هنا حاضرا، ينصف هذا كما ينصف ذاك.
ولعل المطلع على الكتاب المجموع لأحاديثه الشريفة (جرعة جرعي از دريا) وما ترجم منه إلى العربية، يجد روح الإنصاف طافحة في أنفاسه وأحاديثه؛ فهو يتحدث عن العلماء وينصف جميعهم، وتجد علاقته بارزة مع الكل. ومضافا إلى ذلك أتصور بأن الصور التي تتناقل لزياراته رحمه الله هي مما يؤكد ذلك، أن السيد رحمه الله كان على صلة منصفة بالجميع، وهذه أيضا مزية يلمسها كل من يقرأ سيرته ولو من بعده.
الميزة الثالثة: التواضع الشديد
المزية الثالثة من مزاياه التي أيضا لمستها وإن كنت بعيدًا، هي مزية التواضع؛ فرغم ما كان عليه من الجلالة من ناحية الأسرة ومن ناحية العلم من جهة أخرى؛ فهو ابن السيد أحمد الزنجاني الذي كان أحد أعمدة الحوزة في قم المشرفة، وهو في نفسه قائم بذاته بما حمله من العلم، ومع ذلك كان رحمه الله في غاية التواضع.
فإني أتذكر في مجلس فاتحة ترتبط بسيدنا الاستاذ الروحاني أعلى الله مقامه، وأتصور بأن الفاتحة كانت لأخته رحمها الله، شرف السيد الزنجاني أعلى الله مقامه إلى المجلس وجلس في أول المجلس، بينما الأكابر كانوا في صدر المجلس، هو دخل وجلس في أول المجلس عند بداية باب الحسينية.
هذا النحو من التصرفات ينبئ عن تواضع شديد وطهارة نفس، بحيث ما كان يلتفت أين ينبغي أن يجلس مثله، بل أينما أدى به المجلس كان يجلس رحمه الله، وهذا مما رايته بنفسي. كما أنني أيضا لا أنسى بأنني ما سلمت عليه مرة إلا وكان يقابل السلام برد السلام مع ابتسامة عريضة تلوح على وجهه الشريف ومحياه المبارك.
الميزة الرابعة: الهمة العالية والبحث العلمي المشترك
الميزة الرابعة -وهذه أيضا مما يلمسها الإنسان في سيرته رضوان الله عليه-: الهمة العالية؛ فرغم أنه قد بلغ المئة من العمر وأكثر أو ناهز ذلك، كان مستمرا في شؤونه العلمية من غير توقف إلى ما قبل إدخاله المستشفى في أسبوع وفاته، وهو كان في جلساته العلمية المستمرّة. وطبعا مما يميزه أعلى الله مقامه فيما يرتبط بهذه الجهة -جهة الهمة العالية- أن السيد أعلى الله مقامه كان مع مجموعة من أعلام الحوزة العلمية في قم يشكلون مجموعة علمية يتباحثون فقها، أصولا، تفسيرا، كلاما.
وهذه المجموعة تضم نخبة منهم: المرحوم السيد مهدي الروحاني الكبير، ومنهم الشيخ علي الأحمدي -الشيخ علي الأحمدي أيضا كان صاحب كتاب (التبرك) وغيره من الكتب، وكان من الأعلام المعروفين- ومجموعة هم كانوا يتباحثون. وأتصور بأن هذا المقام العالي الذي بلغه السيد أعلى الله مقامه من روافده هذه المباحثة مع هذه النخبة من الأعلام.
ومما يذكر أيضا فيما يرتبط بهذه الجهة: أن المرحوم السيد مهدي الروحاني -الذي هو أستاذ خالنا المعظم دامت بركاته، السيد مهدي الروحاني له رسالة في الفقه في أن الوتر ركعة أم ثلاث، واتذكر بأن هذه الرسالة اشتريتها واقتنيتها في أول زيارة إلى قم المشرفة- وأنتذاك نحن ما كنا نعرف السيد الزنجاني معرفة واضحة، بينما السيد الروحاني رحمه الله السيد مهدي كان معروفا بحكم نسبته لشيخنا الخال دام تأييده.
فلما اقتنيت الرسالة فوجئت في أولها بأن المرحوم السيد مهدي قد طلب من السيد الزنجاني أن يطالع الرسالة ويراجعها، بحكم كما قلنا علاقة المباحثة بينهم، والسيد الزنجاني طالع الرسالة ونقدها وعلق عليها، فأصر السيد مهدي على أن تطبع الرسالة بتعاليق المرحوم السيد الزنجاني أعلى الله مقامه، وهذا شيء عظيم؛ يعني أن الإنسان يقدم نتاجه مع ملاحظات الآخرين عليه، هذا من جهة يعبر عن الصفاء بين هذين السيدين العظيمين، يعني
الصفاء النفسي أقصد، وأن همتهم هي العلم؛ هذا نتاجي وهذه إشكالات الآخرين على نتاجي أيضا أنا أقدمها وأعرضها، والمهم هو العلم ليس إلا، أما أنا ما الذي توصلت إليه وغيري ما الذي توصل إليه فهذا ليس بشيء مهم.
خاتمة
وعلى أي حال، ينبغي أن يكون مثل السيد رحمه الله وأعلى الله مقامه الشريف أنموذجا يحتذى به فيما يرتبط بجانب العلم والعمل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقدس نفسه الشريفة، وأن يعلي في درجاته مع محمد وآله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن ينفعنا بما قدم وأعطى، وأن يجزيه عنا وعن العلم وأهله خير الجزاء، وأن يوفقنا إن شاء الله تعالى للسير على دربه ودرب أمثاله من العلماء العاملين الأبرار.
إلى روحه وأرواحهم، نقرأ الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.
