دروس مقررة — النصوص المتاحة
4 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 4
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. اللهم أكرمنا بنور الفهم وافتح علينا خزائن العلم وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
قبيل الشروع في درس هذا اليوم، اقترح بعض الأعزة -سلمه الله تعالى- بما أن اليوم نصادف ذكرى رحيل سيدنا الأستاذ السيد الشمس -أعلى الله مقامه- أن نتكلم عنه بكلمة موجزة قضاء لبعض حقه -رضوان الله تعالى عليه-، وقد وجدت المقترح جيداً. وخلاصة ما أريد أن أقوله في هذه العجالة بأن السيد الشمس -رضوان الله تعالى عليه- كان مجتهداً كاملاً.
منزلة الاجتهاد الكامل عند السيد الشمس
وعندما أُعَبِّرُ عن السيد الأستاذ -رضوان الله تعالى عليه- بذلك، فأنا أريد أن أقول بأن منزلة الاجتهاد منزلة عالية وجليلة وعظيمة ولا يلقاها إلا ذُو حظٍّ عظيم. وكان الأستاذ -رضوان الله تعالى عليه- ليس مجتهداً فحسب، بل كان مجتهداً كاملاً. وعندما أقول بأنه كان مجتهدٌ كامل، فمقصودي ما مر علينا في مباحث الاجتهاد والتقليد: من أن المجتهد هل يصح منه التقليد في مبادئ الاجتهاد أم لا؟
فهناك ذكر بعضهم بأن التقليد في مبادئ الاجتهاد -كالنحو والصرف والبلاغة والرجال والأصول- ذكر بعضهم بأنه لا يكفي العلم بهذه المبادئ لتحقق الاجتهاد، بل لابد من الاجتهاد فيها ليتحقق الاجتهاد، وفرق بين العلم بالمبادئ وبين الاجتهاد في المبادئ. وكان السيد الأستاذ -قدس سره- يبني على ذلك بأنه لا يكفي العلم بالمبادئ ليصير الإنسان مجتهداً، بل لابد أن يكون مجتهداً فيها؛ إذ إن النتيجة تابعة لأخس المقدمات، فإذا كانت إحدى مقدمات الاجتهاد تقليدية لم يكن ذلك اجتهاداً حقيقياً، وإنما كان تقليداً في الحقيقة، ولم يكن صاحبه مجتهداً.
والسيد الأستاذ -رضوان الله تعالى عليه- كان مجتهداً كاملاً، فكانت له أنظاره الاجتهادية في مختلف العلوم التي خاضها؛ ففي الكلام كان صاحب نظر، وفي الحكمة كان صاحب نظر، وفي الفقه كان صاحب نظر، وفي الأصول كان صاحب نظر.
وكان مُلِمّاً بالمبادئ عن تحقيق واجتهاد -رضوان الله تعالى عليه-. وعَزَّ أن يوجد مجتهد بهذه المثابة؛ لا أقول لا يوجد، يوجد، ولكن المجتهدين بهذا النحو الذين يكونون مجتهدين في المبادئ قبل أن يكونوا مجتهدين في مقام الاستنباط هؤلاء عزيزون وقليلون. ومن هنا نتنبه إلى أن مرتبة الاجتهاد التي تدعى للأشخاص هي ليست دائماً بمستوى واحد إذا قيل: هذا مجتهد وهذا مجتهد، بل هي مراتب مختلفة ومتفاوتة، والفرق بين بعض مراتب الاجتهاد وبين البعض الآخر كالفرق بين الأرض والسماء. ومن يحيط خبراً بإجازات الاجتهاد يفهم بأن كل إجازة تشير إلى مرتبة من تلك المراتب، وليست كل إجازات الاجتهاد على مستوى واحد حيث يقال: هذا أُجيز بالاجتهاد وهذا أُجيز بالاجتهاد، إذاً هذا آية الله وهذا آية الله! ليس كذلك، بل هي مراتب متفاوتة بين البعض منها والبعض الآخر كما قلت لكم ما بين الأرض والسماء.
فخلاصة ما أريد أن أقوله عنه -قدس سره- بأنه كان مجتهداً كاملاً. وربما يُطرح هذا التساؤل -وتساؤل في محله والجواب عنه يفيدنا إن شاء الله-: كيف بلغ هذا السيد الجليل هذه المرتبة العالية من الاجتهاد؟
أسباب بلوغ هذه المرتبة العالية
وأنا أتصور بأن لذلك أسباباً ثلاثة:
السبب الأول: المؤهلات الذاتية التي كان يتوفر عليها -رضوان الله تعالى عليه-. ومن أهم هذه المؤهلات: دقة النظر؛ فلقد كان دقيقاً جداً في التعامل مع كل معلومة تمر عليه. وأتذكر بأن السيد السيستاني -دام ظله الشريف- حين تشرفت بخدمته قال بأنني أعرفه -متحدثاً عن السيد الشمس- بأنني أعرفه بدقة النظر منذ خمسين سنة. فكان هذا دأبه؛ التدقيق والنظر إلى الأمور بنظر دقيق جداً. هذه المؤهلات طبعاً أهَّلته لأن يكون اجتهاده اجتهاداً مختلفاً.
السبب الثاني: وهذا من الأسباب الواضحة، المثابرة الدائمة. وكان عجيباً جداً في هذا الجانب؛ أولاً، كنت أتشرف أحياناً بتقديم بعض ما أكتبه من دروسه إليه، فكان يرجع الأوراق بعد ملاحظتها، وألاحظ آثار الطعام على الأوراق! ففي مرة من المرات مازحته حول ذلك الأثر، فقال: أنا ملتزم منذ بداية أمري بالمطالعة حتى في وقت أكل الطعام، أنا ملتزم منذ بداية أمري بالمطالعة حتى على المائدة.
هذا شاهد من شواهد مثابرته الدائمة. والشاهد الآخر ما سمعته منه -رضوان الله تعالى عليه- قال: أنا كنت أستغل الأوقات التي أتنقل فيها بين الدروس للتفكير في معضلات المسائل، فحينما أذهب إلى الدرس أتعمد أن أقطع المسافة ماشياً، وكذلك حينما أرجع من الدرس أيضاً أتعمد ذلك، فقط للاشتغال بالتفكير في المسائل العلمية أثناء الذهاب والمجيء؛ فكان يشتغل حتى في مثل هذه الأوقات، حتى في مثل هذه الأوقات.
وهذه المثابرة الدائمة لها مظاهر عدة أيضاً في حياته؛ فمثلاً كمظهر ثالث من مظاهر المثابرة والاهتمام بالتحصيل والاشتغال: لما نصحه بعض أساتذته بدراسة العلوم العقلية، وكان حينها في مشهد المقدسة ولم يجد أستاذاً لذلك، سافر من مشهد إلى طهران وبقي في طهران ثلاث سنوات فقط لأجل تحصيل العلوم العقلية! واشتغل أيضاً آنذاك بالحضور في الأبحث العالية في الفقه والأصول بحسب تعبيره لئلا ينقطع عن هذين العلمين العظيمين. كل ذلك مما يؤكد وجود مثابرة دائمة عنده؛ ما كان يهدأ، ولا كان يفتر، ولا كان يكل ولا يمل، بل كان التحصيل دأباً له إلى آخر أيام عمره الشريف كما رأيناه -رضوان الله تعالى عليه-.
يعني أنا لا أزال أتذكر بعض الصور المؤلمة؛ أتذكر بأنه كان يحضر الدرس أحياناً وهو يجر أنفاسه مع أن المسافة بين موضع معيشته وبين موضع الدرس هي مجرد أمتار، يعني لا تتجاوز المترين، ينتقل من الغرفة التي كان يعيش فيها إلى المجلس، كان يصل إلى وقت الدرس وهو يجر أنفاسه لا يستطيع أن يتكلم أصلاً بحيث أنا كنت أشفق عليه وأقول له: سيدنا اليوم لا أريد منك درساً! ومع ذلك هو كان يصر على الدرس وهو على هذا الحال -رضوان الله تعالى عليه-. لا شك أن مثل هذه المثابرة تنتج مجتهداً كاملاً، تنتج مجتهداً ناضجاً.
السبب الآخر أو السبب الثالث -وأختم به وأرجو المعذرة إن أطلت في الكلام-: هو جمعه بين أسباب التحصيل وبين أسباب التوفيق. مهم جداً أن يتنبه الطالب لضرورة الجمع بين هذين النوعين من الأسباب؛ أسباب التحصيل وأسباب التوفيق.
أسباب التحصيل منها ما ذكرناه آنفاً، ولكن أسباب التوفيق شيء آخر. ومن اقتصر على أسباب التوفيق دون أسباب التحصيل أو أسباب التحصيل دون أسباب التوفيق لم يصل إلى شيء، بل النتيجة منوطة بالجمع بين هذين النوعين من الأسباب. ومرادي من أسباب التوفيق هي الأسباب المعنوية، الأسباب المعنوية التي ترتقي بطالب العلم من الحضيض إلى مرتقى الملكة القدسية. وأسباب التوفيق كثيرة، ومن أهم أسباب التوفيق المحافظة على المعنويات؛ كالنوافل اليومية، كصلاة الليل، كقراءة القرآن، كقراءة الأدعية الشريفة. وكان السيد الأستاذ -قدس سره- في ذلك عجباً؛ فهو من ناحية كان مهتماً بهذا الجانب اهتماماً واضحاً.
وأنا سمعت منه -رضوان الله تعالى عليه- قال: حدثني السيد الأستاذ الميلاني من غير مناسبة -قال ابتدأني بذلك من غير مناسبة- وقال: سمعت من الأستاذ المحقق النائيني -قدس سره- بأن صلاة الليل إن لم تكن شرطاً للاجتهاد فيقيناً وقطعا هي دخيلة فيه، إن لم تكن شرطاً للاجتهاد فيقيناً هي دخيلة فيه كسبب من أسباب التوفيق، لا يمكن الرقي إلى هذه المراقي من غير الوصول إلى هذه، من غير الاهتمام بهذه الأسباب. وكان -رضوان الله تعالى عليه- لكثرة قراءته للقرآن، وكثرة قراءته للأدعية الشريفة والزيارات المباركة، كان يحفظ منها عبارات كثيرة جداً، ويستشهد بها ويبين معانيها بأحسن وجه، وكأنها قيلت له -رضوان الله تعالى عليه-، يقرأها بتلذذ ويبين معانيها وكأنها قيلت له.
وأتذكر من شواهد اهتمامه بأسباب التوفيق بأن درسي عنده في فترة من الفترات كان قبيل صلاة الظهر -يعني قبل صلاة الظهر بساعة تقريبا أو ما يقارب ذلك كنت أخرج من درس الأستاذ السيد الروحاني -أعلى الله مقامه- وأذهب إلى درس السيد- فاتفق بأن الدرس صار ملاصقاً لوقت الأذان، انتهاء الدرس كان ملاصقاً مقارناً لوقت الأذان. فقال -رضوان الله تعالى عليه-: لا يمكن أن أستمر في الدرس بهذا النحو، بل لابد أن أنهي الدرس قبل موعد الأذان بربع ساعة على أقل تقدير. فقلت له: ولماذا سيدي؟ قال: لأنني أحتاج أن أتهيأ للصلاة. فكان -قدس سره- من قبل الصلاة بمدة يهيئ نفسه لكي
يصلي لربه سبحانه وتعالى الصلاة اللائقة به هو كفقيه كمجتهد، واللائق بالرب المتعال سبحانه وتعالى. هذه بعض الأمور التي لمستها منه -قدس سره- وهي مهمة لطلاب العلم، وأعتقد بأن هذه الأسباب هي ما أوصلته إلى هذا المقام العالي الشامخ -رضوان الله تعالى عليه-.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للاهتداء بهديه وهدي أمثاله، والاقتداء بهم والاستفادة منهم، ونقرأ إلى روحه وأرواح العلماء والفقهاء والمراجع سورة الفاتحة مع الصلاة على النبي وآله عليهم السلام.
