دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 11
اللهم صلِّ على محمد وآله الطاهرين، وافتح علينا خزائن العلم، واخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. تعقيبان بسيطان على ما تقدم في آية النفر، ثم نشرع إن شاء الله تعالى في آية السؤال. التعقيب الأول: قد يقال بالنسبة لآية النفر: إن الملحوظ أن الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم والأصوليين في مقام الاستدلال بهذه الآية قد حملوا "التفقه" على معناه الخاص، أي معناه الاصطلاحي وهو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، فوصلوا إلى النتيجة التي وصلوا إليها على طبق هذه المقدمة. ولكن التسليم بهذه المقدمة هو أول الكلام؛ فإن غاية ما تدل عليه الآية هو مطلوبية التفقه في الدين، والذي يشمل العقائد كما يشمل الأحكام وغيرها، والمراد من التفقه في الدين إنما هو فهم الدين. فحمل التفقه على المعنى الخاص من أجل التوصل إلى حجية قول الفقيه يبتني على اصطلاح خاص، وكون هذا الاصطلاح هو المقصود هو أول الكلام. ولكننا نقول بأن هذا لا يمنع من الاستدلال بالآية المباركة؛ فحتى لو حملنا التفقه على معناه العام وهو فهم الدين، فلا شك في أن التفقه في الدين يشمل التفقه في الأحكام الشرعية، فحينئذٍ الآية شاملة للتفقه في الأحكام الشرعية بلا شك. فإن قلت: إن تعميم مفهوم التفقه حتى للتفقه في المعارف يمنع من قبول قول المفتي؛ لأن التفقه في المعارف قد قيل فيه: إنه لا يعتمد فيه على قول الناقل، بل لا بد فيه من اليقين -المعارف العقائدية الأصلية لا بد فيها من اليقين- بينما هذه الآية تقرر كفاية الاعتماد على قول الناقل، وهذا مما لا يلتزم به. قلنا: حينئذٍ يقال بأن هذا المقدار يُخصَّص بالأدلة الأخرى، فيقال بأن هذه الآية المباركة تدل على حجية قول الناقل وقول العالم المتفقه، ولكن إن كان قوله يرتبط بالاعتقاد فيُطلب منه الدليل على قوله للأدلة الأخرى التي دلت على عدم الاكتفاء بقوله ومطالبته بالدليل أو لزوم الاعتقاد عن دليل. هذا إن تمت الأدلة الأخرى، وإن لم تتم الأدلة الأخرى،
فحينئذٍ تكون هذه الآية دليلاً على المدعى، دليلاً على كفاية الاعتماد على قول الفقيه والعالم حتى فيما يرتبط بالأمور العقائدية، أي إن تم دليل آخر نقيّد به إطلاق هذه الآية، وإن لم يتم فالآية تكون دليلاً على كفاية الاعتماد على قول العالم فيما يرتبط بالمطالب العقائدية من غير الحاجة إلى مطالبته بدليل. التعقيب الثاني: هو عنوان التفقه في الدين، لو لاحظنا خصوص التفقه في الأحكام الشرعية، فإن للتفقه في الأحكام الشرعية مراتب؛ واحدة من مراتبها تعلم الأحكام الشرعية، فإن المتعلم للأحكام الشرعية يصدق عليه عنوان المتفقه، كما أن تعلم الأحكام الشرعية إلى حد التمكن من الاستنباط -استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها- هذا أيضاً يُعبَّر عنه بالتفقه في الدين، فالتفقه في الدين له مراتب تبدأ هذه المراتب مما يُعبَّر عنه باصطلاح اليوم بالثقافة العامة وتعلم المعارف الفقهية، وتنتهي هذه المراتب إلى درجة الفقاهة والقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها. فإذا كان عنوان التفقه في الدين يشمل هذه المراتب، فمن أين حملنا هذه الآية على المرتبة الأعلى دون المرتبة الأدنى؟ فلعل المقصود من هذه الآية المباركة هو مطلوبية التفقه في الدين التي هي مطلوبة من كل أحد، أي تعلم الأحكام الشرعية ليس إلا، فلا يوجد هنالك فقيه ومستنبط ومجتهد ومفتٍ حتى تدل الآية على حجية قوله وجواز تقليده، فالآية تكون أجنبية عن المدعى. نحن نقول: نعم، هذا مما لا إشكال فيه، ولكن عنوان التفقه في الآية المباركة لا توجد عندنا قرينة على حمله على مرتبة خاصة. نعم، هذا الاحتمال وارد أن المراد من التفقه هو هذه المرتبة، ولكن لا دليل على ذلك. فإذا كان لا دليل على ذلك فعنوان التفقه في الدين يدل على مطلوبية التفقه بمختلف مراتبه، ثم إذا تحقق التفقه بمختلف مراتبه، فإن المتفقه إذا نقل المعرفة الفقهية لغيره فإن قوله يكون حجة في حق غيره لأنه إنذار، فإن كان هذا المتفقه متعلماً وليس فقيهاً كان قوله حجة بما هو متعلم، وينقل المعرفة عن غيره، وإن كان هذا المتفقه فقيهاً كان قوله حجة بما هو
بما هو فقيه، فتثبت الحجية لقول الفقيه. على أن هنا نكتة في الآية المباركة يمكن أن يُدعى بأن هذه النكتة موجبة لنظر الآية للمرتبة الأعلى لا للمرتبة الأدنى، ما هي هذه النكتة؟ النكتة هي مطلوبية النفر من جماعة، بينما التفقه العام مطلوب من كل أحد لا من جماعة خاصة، فمطلوبية التفقه من جماعة معينة يعني أن هذه الجماعة المعينة ينبغي أن تمتاز بميزة عن غيرها، بحيث تكون متمكنة من التفقه في الدين وقادرة على إيصال هذه المعارف إلى غيرها. فإن تمت هذه النكتة فهو، وإن لم تتم هذه النكتة فالإطلاق يكفينا، لا نحتاج إلى أن تتم هذه النكتة، إطلاق التفقه يكفينا لإثبات المدعى. وهنا تعقيب ثالث أيضاً؛ لأن التعقيب الثاني كان مدمجاً في ذهني مع التعقيب الأول، ثم صار بنائي على فرزه؛ التعقيب الثالث يرتبط بمفردة الحذار "لعلهم يحذرون"، فقد يقال بأن هذه الآية لا نظر لها إلى مسألة التقليد أصلاً، لماذا؟ لأن الحذر يُراد به الخوف النفساني، فإذا كان المراد بالحذر هو الخوف النفساني، يعني أن المطلوب من المتفقه هو أن ينذر قومه بحيث يخوفهم، وهذا يتحقق بعمل المتفقه بإنذاره ليس إلا، وأما الخوف النفساني فهو نتيجة طبيعية لتخويفه وبيان أن هذه الأحكام مثلاً واجبة، وهذه الأحكام محرمة، وأن المخالفة مما تستلزم عقاباً عليها إلى غير ذلك، فحينئذٍ الآية ليست ناظرة إلى عمل المقلد حتى يقال بأن الآية تدل على مشروعية التقليد أو وجوب التقليد بناءً على وجوب الحذر، بل الآية المباركة تتحدث فقط عن وظيفة المتفقه أن وظيفته الإنذار، ليخاف، أكثر من ذلك لا دلالة للآية عليه. فالحذر إذا حملناه على ما هو ظاهر فيه من إرادة الخوف النفساني تكون هذه الآية أجنبية عن مسألة التقليد. ولكننا نقول بأن هذا لا يتم، لماذا لا يتم؟ أولاً: إن بنينا على إمكان الإطلاق في مثل ذلك، يعني هم عندهم كلام: هل الإطلاق ينعقد في المحمولات كما ينعقد في الموضوعات أو لا ينعقد؟
فإن بنينا على انعقاده في المحمولات فحينئذٍ يمكن أن نقول بأن "الحذار" له إطلاق يشمل الخوف النفساني ويشمل ما عبّرنا عنه يوم أمس بالتحفظ عن الوقوع في المهالك الذي هو فعل من أفعال المكلف وليس مجرد الخوف النفساني، فحينئذٍ يتم الاستدلال بالآية؛ لأن المطلوب هو الحذار بمعنى التحرز والتحفظ عن الوقوع في المهالك الناتج عن الخوف النفساني، ولا شك أن هذا التحذر وهذا التحرز لا يتحقق إلا بالأخذ بقول متفقه في الدين، وإلا لم يتحقق تحرز. فإن بنينا على ذلك فالجواب هو هذا، وإن لم نبنِ على ذلك، قلنا بأن هنا نكتة في البين، نكتة عقلائية وجدانية تمنع من حمل التحرز على خصوص التخويف النفساني. ما هي هذه النكتة؟ النكتة هي أن المطلوب للشارع المقدس هو مجرد تخويف الناس، أو أن المطلوب هو ترتيب الأثر على هذا التخويف؟ لا يعقل أن يكون المطلوب للشارع هو مجرد التخويف من غير ترتيب أثر عليه، بل المطلوب للشارع المقدس قطعاً -هذا شيء مُحرز لا شك فيه- هو ترتيب الأثر على التخويف، مما يعني أن "لعلهم يحذرون" شامل للعمل الاختياري، شامل للتحفظ عن الوقوع في المهالك بلا ريب. فهب أن عنوان الحذر في نفسه لا إطلاق فيه، هب أنه كذلك، إلا أن ما نقطع به من أن مطلوب الشارع هو ترتيب الأثر على الخوف النفساني يجعلنا نوسّع دائرة الحذر لمبدأ الحذر وهو الخوف النفساني، ومنتهاه وهو ترتيب الأثر عليه؛ فتدل الآية على حجية قول المفتي ولزوم العمل بقوله ولزوم تقليده، فدلالة الآية المباركة بهذه التعقيبات تكون دلالة تامة واضحة ناصعة لا كلام فيها. وواضح والحمد لله. وأما الآية الثانية التي أومأ لها سيدنا الحكيم أعلى الله مقامه الشريف في المستمسك، فهي آية السؤال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (النحل: 43)، وقد بنى سيدنا الخوئي قدس سره دلالة هذه الآية المباركة على مقدمتين: المقدمة الأولى هي أن الآية تدل على وجوب السؤال، وجوب سؤال الجاهل وتعلمه، وهذه مقدمة.
فالآية دالة بدلالة صريحة من خلال الأمر على وجوب سؤال الجاهل وتعلمه، هذه مقدمة. المقدمة الثانية هي أن هذه الآية تدلنا على وجوب السؤال لأجل العمل. لماذا؟ لأننا نحرز بأن السؤال ليس مطلوباً في نفسه، إذ لا يترتب أثر على السؤال، بل المطلوب من السؤال هو العمل على طبقه، فكأن الآية تقول: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" لتعملوا، فلتعملوا، وإن لم تصرح به الآية المباركة، ولكنه مقدمة مطوية محرزة مقطوع بها لا كلام فيها. وهنا يمكن فقط أن نذيّل على كلام سيدنا الخوئي قدس سره بما ذيّله على كلامه في آية النفر، فإنه هناك حمل التفقه على خصوص معناه الاصطلاحي وانتهى إلى ما انتهى إليه بالمقدمة التي افترضها، وهنا أيضاً تعامل مع الآية بنفس التعامل، إذ افترض أن السؤال يرتبط بالأحكام الشرعية، فانتهى إلى أن المقصود من السؤال هو العمل، والحال أن السؤال إذ كما يرتبط بالأحكام الشرعية يرتبط بالمعارف العقائدية القلبية التي لا ربط لها بمقام العمل، وعلى ذلك فالذي ينبغي هو الإطلاق لا التقييد، فيقال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" لتعلموا فيما يجب العلم به، ولتعملوا فيما يجب العمل به، فلا نفترض أن هنا مقدمة مفروغاً منها وهو أن السؤال عن خصوص الأحكام الشرعية، والحال أن هذا لا دليل عليه. هاتان مقدمتان بنى عليهما سيدنا قدس سره الاستدلال. ثم على ضوء هاتين المقدمتين انتهى إلى نتيجتين: النتيجة الأولى هي حجية قول المسؤول، حجية قول العالم المسؤول، إذ أنه ما دام الشارع قد أمر بسؤاله فلا بد أن يكون قوله حجة في حق سائله. والدلالة الثانية: دلالة الآية المباركة على لزوم تقليد العالم المسؤول، إذ أنها ما دام قد دلت على وجوب سؤاله، فإنما يجب سؤاله لأجل أن قوله حجة في حقي وينبغي ويجب عليَّ الأخذ بكلامه، وإلا فلا معنى لوجوب السؤال. وإن قلت: بأن هذه الآية بناءً على هذا التقريب غاية ما تدل عليه، تدل على حجية جواب المسبوق بالمسألة "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" فإن أجابوكم فخذوا بقولهم، إذ أن قولهم حجة في حقكم، ولا تدل على حجية قول المسؤول أو العالم أو أهل الذكر إن لم
إن لم يسبق ذلك بسؤال، وأنتم تريدون إثبات الحجية مطلقاً لقول الفقيه سُبق بسؤال أو لم يُسبق، فالدليل أخص من المدعى. نقول: بأنه لا فرق بين قول الفقيه قبل المسألة وبعد المسألة لعدم القول بالفصل. ما معنى لعدم القول بالفصل؟ يعني إما أن نقول بأن قول الفقيه ليس بحجة فلا فرق قبل أو بعد السؤال، وإما أن نقول بأنه حجة، فإذا كان حجة لا فرق قبل المسألة أو بعدها، ليس هنالك عندنا قول بالفصل بين الحجية قبل السؤال وبعد السؤال، فهذا القيل لا وجه له. فتحصل أن الآية المباركة تدل بوضوح على دلالتين: الدلالة الأولى هي حجية قول أهل الذكر، والدلالة الثانية لزوم الأخذ بقولهم. ولكن سيدنا الخوئي قدس سره أثار حول هذه الآية المباركة ثلاثاً من المناقشات، أو ذكر ثلاثاً من المناقشات. المناقشة الأولى: أفاد قدس الله نفسه بأن بعض الأعلام قد ذكروا بأن هذه الآية المباركة لا تدل على حجية مطلق جواب أهل الذكر، أو على حجية مطلق ما يقوله أهل الذكر، بل تدل على حجية ما يُوجب العلم من قولهم. لماذا؟ لأن الآية قد علقت السؤال على عدم العلم: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". إذاً فالمطلوب من السؤال أن يرفع الجهل، أي أن يوصل إلى العلم، فإذا كان المطلوب هو أن يوصل السؤال إلى العلم فحينئذٍ لا تثبت هذه الآية حجية قول المفتي؛ لأن قول الفقيه لا يُوجب علماً، صار معلوم، فالآية المباركة بناءً على هذا التقريب تكون أجنبية عن مسألة التقليد. ولكنه أجاب قدس سره عن هذه المناقشة بجوابين: أحد الجوابين ذكره في التنقيح، والجواب الآخر ذكره في فقه الشيعة. الجواب الأول هو أن المستفاد من لسان مثل هذه الأدلة هو أن المطلوب هو الاقتراب من الواقع وليس المطلوب هو الوصول إلى العلم، المطلوب هو معرفة الوظيفة وليس المطلوب هو الوصول إلى العلم. كيف ذلك؟ يقول: هذا السؤال له نظائر عرفية، فمثلاً حينما يُقال في العرف:
إن لم تعرف علاج مرضك فاسأل الطبيب. لا أحد من العرف يفهم بأنه إذا لم تعلم علاج مرضك فاسأل الطبيب ليحصل العلم لك، وإذا حصل العلم لك صار حجة في حقك وإذا صار حجة في حقك فاعمل به. لا أحد يفهم ذلك، بل الذي يُفهم من مثل هذا التعبير هو أنك ما دمت غير عارف بما يلزمك عمله فاسأل العارف، فإنه إذا أجابك أوصلك إلى المطلوب فخذ بقوله. فالآية المباركة هي من هذا القبيل، ليست ناظرة إلى بيان أن اللازم هو تحصيل العلم من السؤال، وإنما اللازم هو رفع التحير، بعبارة أخرى: اللازم هو رفع التحير، ورفع التحير كما يحصل بحصول العلم، كذلك يحصل بالرجوع إلى قول الخبير والعارف، سواء حصل العلم منه أو لم يحصل العلم منه، صار معلوم. فالسيد الخوئي يقول: لسان هذه الآية هو لسان طلب رفع التحير ليس إلا، وبالتالي فرفع التحير كما يحصل بتحصيل العلم في مورد مطلوبية العلم، يحصل بقول الفقيه في موارد الأحكام الشرعية التي يُطلب فيها العمل. الجواب الثاني: ولعله أدق من هذا الجواب الأول، السيد الخوئي يقول: هذه الآية قد افترضت الجواب علماً تعبدياً، انتهى الموضوع. سلّمنا معكم بأن السؤال إنما هو معلق على عدم العلم، فدلت الآية على أن المطلوب هو تحصيل العلم، قد نسأل: الآية تحصيل العلم يكون بماذا؟ تقول: بالجواب، حينما تسألون ويجيبونكم فجوابهم علم. علم! إذاً فالآية تثبت أن أجوبة السائلين علم تعبدي، فكما أن العلم الوجداني حجة، فالآية تقول هنالك فرد آخر من أفراد العلم هو أيضاً حجة في حقكم؛ أيُّ علم؟ العلم الذي يحصل من إجابات أهل الذكر، فإذا سألتم أهل الذكر وأجابوكم فإني أفترض أن هذه الأجوبة علم، فإذا كانت علماً فحينئذٍ دلتنا الآية المباركة على لزوم الأخذ بالعلم الأعم من العلم التعبدي والعلم الوجداني، وهذا يشمل قول الفقيه. فإذاً هذه المناقشة ليست بتامة. المناقشة الثانية: هي أن هنالك عندنا مجموعة من الأخبار والروايات قد فسرت أهل الذكر إما بأهل الكتاب أو بالأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وهذا التفسير يمنع من تطبيق الآية المباركة على الفقيه، فتكون الآية أجنبية عن مسألة التقليد. ولكن السيد الخوئي قدس سره أجاب عن هذه المناقشة بأن عنوان أهل الذكر عنوان عام؛ فإن المراد من الذكر هو ما يُذكِّر بالله سبحانه وتعالى، سواء كان ما يُذكِّر بالله يرتبط بأمر النبوة أم كان يرتبط بأمر الألوهية والتوحيد؟ أم كان يرتبط بأمر الولاية؟ أم كان يرتبط بأمر الأحكام الشرعية؟ كل ما يُذكِّر بالله سبحانه وتعالى فهو ذكر، وأهل الذكر هم العالمون بما يُذكِّر بالله كلاً أو بعضاً. فإذا كان عنواناً عاماً، فحينئذٍ نقول بأن ما ورد في الآية في الروايات إنما هو تطبيق لهذا العنوان العام على مصاديقه، فحينما جاء في بعض الروايات بأن أهل الذكر هم أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب عالمون بأمر نبوة النبي صلى الله عليه وآله ومطلعون على علاماته صلى الله عليه وآله، فهم أهل الذكر بهذا المعنى، انطبق عليهم عنوان أهل الذكر فيُسألون فيما يرتبط بأمر النبوة. والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم من أهل الذكر فيما يرتبط بهذا العنوان وغيره من العناوين كأمر الولاية، فيُسألون فيما يرتبط بهذه الأمور بتمامها، والفقيه من أهل الذكر فيما يرتبط بالأحكام الشرعية، فينطبق عليه أنه من أهل الذكر فيُسأل. إذاً هذه الروايات إنما هي تطبيق لعنوان أهل الذكر على مصاديقه، فلا يمنع ذلك من الشمول لقول الفقيه. أعود إلى هذه المناقشة، المناقشة الثالثة التي أفادها قدس سره وهي التي منعته من التمسك بالآية المباركة فيما يرتبط بمسألة التقليد، آية النفر تمت دلالتها عنده ولكن هذه الآية لم تتم. قال بأن هذه الآيات عندما نرجع إلى سياقها وإلى موردها نجد بأن موردها إنما هو السؤال عن النبوة. موردها هو السؤال عن النبوة، ولا شك أن المطلوب في أمر النبوة بما هي أصل ديني هو تحصيل العلم، فتكون الآية المباركة: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" لتعلموا علماً يقينياً قاطعاً، مما يعني أن مورد الآية المباركة لا يتسع ليشمل
ليشمل الأحكام الشرعية؛ لأنه في الأحكام الشرعية ليس المطلوب هو تحصيل العلم، وهذه الآية ناظرة إلى السؤال فيما يُوجب تحصيلاً علمياً. لاحظوا سياق الآية، آية في سورة الأنبياء من الآية 2 تقريباً: "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون" (الأنبياء: 2-3)، إلى أن تقول الآية المباركة: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (الأنبياء: 7). فالآية المباركة ناظرة إلى المنكرين لرسالة النبي صلى الله عليه وآله، وقد طلبت منهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب الذين كانوا قاطعين بنبوة النبي صلى الله عليه وآله، فسؤالهم إنما هو لأجل تحصيل العلم. والعجب من سيدنا الخوئي أنه قد أذعن بهذه المناقشة والحال أن هذه المناقشة واضحة، فإننا سلّمنا بأن المورد هو السؤال عن نبوة النبي صلى الله عليه وآله، سلّمنا، ولكن الآية ما دامت مطلقة فإن خصوص المورد لا يخصص الوارد، فتبقى الآية على إطلاقها. وحينئذٍ نقول بأن عنوان أهل الذكر، عفواً، بأن عنوان السؤال، بأن موضوع السؤال يعم العقائد كالنبوة ويعم الفرعيات كالأحكام الشرعية. فإذا كان يعم الجميع، فقول كل من يخبر بشيء يرتبط بهذين الأمرين يكون حجة، كان إخباره متعلقاً بالنبوة أم كان متعلقاً بغيرها من الفروع الشرعية، فإن أقمتم دليلاً من الخارج على أن قوله في العقائد لا يكون حجة إلا أن يُوجب اليقين فهو، وإن لم تقيموا دليلاً فهذه الآية تدل على حجية قول المتكلم في العقائد أوجبت العلم أو لم تُوجب العلم، صار معلوم. نعود الآن إلى المناقشة الثانية، المناقشة الثانية لم يقبلها سيدنا الحكيم قدس سره، السيد محمد سعيد الحكيم في مصباح المنهاج، وقال بأن هذه الآية لا يمكن الاستدلال بها؛ لأن الروايات لسانها لسان الاختصاص وليس لسان التطبيق، فلا يمكن تعميمها لغير الأئمة الطاهرين عليهم السلام من الفقهاء والعلماء فضلاً عن أهل الكتاب، لسان الروايات هو لسان التخصيص، واستند في ذلك إلى رواية، طبعاً هذه المناقشة منه موجودة في الكلمات، الأهم من هذه الروايات صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما
إنما عندنا -محمد بن مسلم يقول للإمام- إنما عندنا يزعمون أن قول الله عز وجل: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" أنهم اليهود والنصارى. قال: إذاً يدعوكم إلى دينهم. إذاً المطلوب سؤالهم فهم يدعونكم إلى دينهم لا إلى النبي صلى الله عليه وآله. قال بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون، غير هذا ما أقول. نحن، فهنا نفي وإثبات، والنفي والإثبات يفيد الاختصاص. وتعرض بالمناسبة سيدنا الحكيم قدس سره إلى مناقشة مقدرة وأجاب عنها بجواب مهم، فقال: قد يُقال بأن هذا من التفسير بالباطن، والتفسير بالباطن لا يمنع من التمسك بحجية الظهور، فالظهور يبقى على ما هو عليه من العموم، وهذا من التفسير بالباطن. أجاب عن هذا الإشكال المقدر بجوابين: الجواب الأول قال: نحن لا نسلم بأن هذا من التفسير بالباطن بل هو تفسير للظاهر، أن المراد من أهل الذكر ماذا؟ تفسير لظاهر الناس على أنه هذا. ثانياً: لو سلّمنا بأنه تفسير للباطن أو تفسير بالباطن، لو سلّمنا بذلك، فإن التفسير بالباطن إنما لا يمنع من الأخذ بالظهور إذا لم يكن رادعاً، التفسير فقط لتفسير الظاهر، أما إذا كان رادعاً فإنه يمنع من الأخذ به، وما نحن فيه كما ظهر من لسان الإمام هو لسان الرد، وبالتالي فهذه الآية المباركة يشكل التمسك بها في مسألة التقليد لهذه المناقشة. وهذه المناقشة تامة والحمد لله رب العالمين.
