دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 13
محمد وآله الطاهرين، اللهم أكرمنا بنور الدين، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد. النوع الثالث من أنواع الأدلة التي أومأ لها السيد المستنصر -قدس سره- هو السيرة العقلائية، وهذا الدليل قد اعتبره غير واحد من أعلامنا، كسيدنا الأستاذ الروحاني -قدس سره-، بأنه عمدة الأدلة التي يستدل بها على مشروعية التقليد. وكيف كان، فالكلام حول هذا الدليل في جهتين: الجهة الأولى: تقرير الاستدلال بهذا الدليل، والجهة الثانية: دفع الإشكالات التي أُشكل بها على هذا الدليل. وهنا أيضاً نحن مضطرون للخروج مرة أخرى عما أفاده سيدنا الخوئي -قدس سره- لأنه مرَّ بهذا الدليل مرور الكرام. على أية حال، أما ما يرتبط بالجهة الأولى فتقرير الاستدلال بسيرة العقلاء واضح؛ إذ إن سيرة العقلاء بما هم عقلاء -على مختلف أديانهم ومللهم- قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، وقائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة فيما لهم الخبرة فيه، وهذه السيرة ممضاة من قبل الشارع المقدس إذ إنه لم يردع عنها، فإذا كانت هذه السيرة غير مردوعة فيستفاد منها جواز التقليد والرجوع إلى الفقهاء والعلماء؛ إذ إنه من رجوع الجاهل إلى العالم. ولكن المهم في تقرير الاستدلال بالسيرة هو الالتفات إلى أمور ثلاثة سيالة في موارد الاستدلال بالسيرة العقلائية: الأمر الأول: هو أن سيرة العقلاء تارة تكون ناشئة عن أمر خارج عنهم بما هم عقلاء، وتارة أخرى تكون سيرة العقلاء ناشئة عن أمر داخل فيهم بما هم عقلاء. سيرة العقلاء الناشئة عن أمر خارج عنهم بما هم عقلاء، نظير أن تجري السيرة في بعض المجتمعات مثلاً على قبول المثلية -كما هو الحال في زماننا- أن تجري السيرة في عدة من المجتمعات على قبول المثلية، أن يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فإن هذا وإن جرت عليه سيرة مجتمع كامل، إلا أن هذه السيرة إنما هي سيرة لأمر خارج
عن العقلاء بما هم عقلاء؛ أي ليس ناشئاً عن مرتكزاتهم، وإنما هو ناشئ عن عامل خارجي كالإعلام مثلاً، أو كالسلطة مثلاً، أو غير ذلك من العوامل. وأما السيرة، وهذا النحو من السيرة، لا عبرة به وليس مقصوداً في مقام الاستدلال أصلاً. وأما النحو الثاني فهو أن تجري سيرتهم على أمر، لأمر داخل فيهم، وبعبارة أدق وأوضح وأحسن: أن تكون سيرتهم ناشئة عن المرتكزات الفطرية والذهنية الموجودة عندهم. وإذا كانت سيرتهم ناشئة عن المرتكزات الفطرية والذهنية الموجودة عندهم، فإن من يخالف هذه السيرة يُعدُّ بنظرهم شاذاً، يُعدُّ بنظرهم شاذاً؛ لماذا؟ لأنه مخالف للسنن العقلائية، مخالف للمرتكزات الذهنية، للمرتكزات الفطرية، فيُعدُّ عند العقلاء من هذه الجهة شاذاً لا يُعبأ به. كما أن هذا النحو من السيرة إذا أردنا أن نجعل له علامة تميزه -مضافاً إلى العلامة التي ذكرناها وهي شذوذ المخالف لها- أن هذه السيرة مما يدركها كل عاقل لو خُلي وطبعه، مما يلتفت إليها كل عاقل، وبعبارة أحسن: مما يندفع إليها كل عاقل لو خُلي وطبعه، من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم؛ فإن رجوع الجاهل إلى العالم سيرة عقلائية ناشئة عن المرتكزات الفطرية والذهنية عند الإنسان، ولذلك فإن مَن يشذ عن هذه السيرة ويمنع من رجوع الجاهل إلى العالم يرمى بالشذوذ، يرمى بالشذوذ عند العقلاء، وأن عنده عجرفة فكرية أو عنده مثلاً شذوذاً فكرياً إلى غير ذلك. كما أنه من ناحية أخرى هذا النحو من السيرة لا يحتاج إلى من يدفع الإنسان إليه، بل الإنسان بنفسه يندفع إليه من غير تعليم أحد، فيرجع فيما هو جاهل فيه إلى من هو عالم فيه. وهذا النحو من السيرة هو المقصود لفقهائنا لعلمائنا عندما يستندون إلى سيرة العقلاء؛ فإن مرادهم من سيرة العقلاء هي هذه السيرة، السيرة النابعة عن المرتكزات الذهنية والفطرية، وعلامتاها ما ذكرنا. الأمر الثاني -وهو مهم أيضاً- هو أن هذه السيرة بذاتها مقتضية للعمل، بذاتها مقتضية للعمل، لعل هذا أشرنا إليه ضمن كلامنا السابق، ولكن من حقه أن يُفرد.
سيرة العقلاء بذاتها مقتضية للعمل. ما معنى بذاتها مقتضية للعمل؟ يعني إذا أردنا أن نمثل، أن نقرب الفكرة، فلنا أن نمثل للسيرة بالعلم؛ كما أن العلم بذاته مقتضٍ للعمل، كذلك السيرة أيضاً بذاتها مقتضية للعمل. ومقصودي من السيرة بذاتها مقتضية للعمل، السيرة بما لها من المرتكزات، نعم بما لها من المرتكزات الفطرية، فإنها بذاتها محرك نحو العمل، دافع نحو العمل، ما لم يردع عن ذلك رادع، وما لم يمنع من ذلك مانع. هنا يظهر الفرق فقط بين العلم وبين السيرة؛ فإنه في العلم لا يمكن الردع عنه، بينما في السيرة يمكن الردع عنها، فمن هذه الجهة تختلف السيرة عن العلم، وإلا من جهة الاقتضاء أو المحركية نحو العمل لا فرق بينهما، فالسيرة مقتضية بما فيها من مرتكزات، وكذلك العلم مقتضٍ أيضاً بما له من الكاشفية عن الواقع. الأمر الثالث هو أن السيرة العقلائية إذا كانت مقتضية للعمل بذاتها، ومحركة نحو العمل بذاتها، فهذا يترتب عليه أمران مهمان: الأمر الأول هو أن إمضاء السيرة من قبل الشارع المقدس لا يحتاج إلى تقرير من الشارع، كما أنه أيضاً لا يحتاج إلى القطع بعدم ردع الشارع عنها، يعني حتى نثبت حجية سيرة العقلاء لسنا نحتاج لإثبات تقرير الشارع لتلك السيرة، ولسنا نحتاج أيضاً للقطع بعدم ردع الشارع عنها، بل يكفينا لإثبات الإمضاء هو عدم ثبوت الردع عنها. يكفينا لإثبات الإمضاء هو عدم ثبوت الردع عنها؛ ما دام لم يثبت الردع عنها فهذا يكفي لإثبات حجيتها، لماذا؟ لما ذكرناه من أنها بذاتها مقتضية للعمل من منطلق المرتكزات الفطرية الموجودة عند الإنسان، وبالتالي فالسيرة واقعة واقعة، حاصلة حاصلة، جارية جارية، فنقطع بأنها معاصرة للمعصوم -عليه السلام- وبمرأى المعصوم وبمسمع المعصوم، ولذلك إذا لم يصلنا ردع من المعصوم عنها يثبت لنا أنها ماذا؟ ممضاة، ولا نحتاج إلى وصول تقرير منه لها، أو نحتاج أن نقطع بعدم ثبوت ردع من قبله عنها، يكفينا عدم وصول الردع؛ نطمئن بأن هذه السيرة ماذا؟
ممضاة من قبله. الأمر الثاني الذي يترتب على ما ذكرناه هو أن ردع الشارع عن السيرة لا يمكن أن يتحقق بأي نحو، بل لا بد أن يتحقق الردع عن السيرة بطريق معروف وواضح وصريح، بطريق معروف وواضح وصريح، لماذا؟ لأنه لا بد أن يكون هنالك تناسب بين حجم الرادع وبين حجم المردوع، فإذا كان المردوع عبارة عن سيرة عقلائية متغلغلة ناشئة عن جذور فكرية ومرتكزات ذهنية، إذاً هي سيرة مستقرة راسخة، فالردع عنها لا بد أن يكون بماذا؟ برادع قوي يزيل تلك السيرة من جذورها، كما حصل من قبل الشارع المقدس مثلاً في الردع عن الربا؛ فإن سيرة الناس -لا أريد أن أقول سيرة العقلاء- فإن سيرة الناس قائمة على الربا، على المعاملات الربوية، وهي سيرة راسخة متجذرة، التشابه من هذه الناحية؛ من جهة أنها سيرة راسخة متجذرة، لما جاء لها الشارع المقدس لم يكتفِ بروايات عامة أو بخطابات مطلقة، بل بخطابات صريحة وواضحة جداً من أجل اقتلاع الربا من جذوره. كذلك في مسألة القياس التي هي أدنى من مسألة الربا بمراتب، وتداولها إنما هو في دائرة أخص وأخص، استخدام القياس، مع ذلك الشارع المقدس في مقام الردع عنه لم يكتفِ برواية أو بروايتين، بل هنالك -كما عن سيدنا الخوئي- 500 رواية في الردع عن القياس. إذا كان مثل القياس قد استحق أن يردع عنه الشارع بمقدار 500 رواية، مع أنه ليس له من السعة ما للسيرة العقلائية، فالسيرة العقلائية بحاجة إلى رادع قوي وصريح جداً. هذه هي الأمور الثلاثة المرتبطة بتقرير السيرة، وقلت لكم هي أمور كلية سيالة في جميع الموارد التي يستند فيها إلى السيرة ونحتاج فهمها جداً في التعامل مع الاستدلال بالسيرة. إذاً محصل ما نقوله هاهنا: أن عندنا سيرة عقلائية قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، هذه السيرة سيرة راسخة متجذرة مستقرة، وهذه السيرة كانت بمحضر المعصوم -عليه السلام- ومعاصرة لزمن الشارع والشارع لم يردع عنها، فتعم رجوع الجاهل إلى العالم فيما يرتبط بالأحكام الشرعية، فمنها نستفيد حجية التقليد أو جواز التقليد. الجهة الثانية المرتبطة بالاستدلال بالسيرة وهذه متممة لتلك الجهة: رد الإشكالات التي استُدل بها أو التي أثيرت حول الاستدلال بالسيرة، هنا إشكالان مهمان:
الإشكال الأول: ما أشار إليه بعض الأعلام المعاصرين، قال بأن هذه الكبرى وإن سلمناها -وهي كبرى رجوع الجاهل إلى العالم- ولكننا لا نحرز لها صغرى فيما يرتبط بالأحكام الشرعية، لا نحرز لها صغرى فيما يرتبط بالأحكام الشرعية، لماذا؟ يقول: لأن سيرة العقلاء إنما هي قائمة على الرجوع إلى العلماء في الأمور الحدسية ما لم تكن كثيرة الخطأ، ما لم تكن كثيرة الخطأ. نسلم معكم بأن العقلاء يرجعون مثلاً -الجاهل منهم- إلى الطبيب، إلى الطبيب، وإن كان الطبيب يخطئ أحياناً ولكنه يرجع إلى الطبيب لأن خطأ الطبيب قليل، ولو كان خطأ الطبيب كثيراً لما كان العقلاء يتبانون على الرجوع إليه، وهكذا الكلام بالنسبة إلى غير الطبيب، بينما هذا بالنسبة إلى الفقهاء ليس كذلك، لأن الفقهاء يعتمدون على أدلة ظنية، فحصول الخطأ في استدلالاتهم واستنباطاتهم كثير، ولم يُحرز من العقلاء رجوع إلى العلماء في الأمور الحدسية كثيرة الخطأ، وبالتالي فلا نُحرز شمول السيرة العقلائية لموارد رجوع الجاهل إلى العالم في الأحكام الشرعية. صار معلومة، ولكن هذه الإثارة في الواقع هي يعني غريبة عجيبة؛ لأننا نمنع من هذا المدعى، نمنع من هذا الادعاء أن تكون استدلالات فقهائنا وعلمائنا في مقام الاستنباط والاجتهاد كثيرة الخطأ، هذا نمنعه جداً، وذلك لوجود عوامل موضوعية تمنع من تحقق كثرة الخطأ. العامل الأول من العوامل الموضوعية هو أن الأدلة التي يستند إليها الفقهاء -أعز الله تعالى كلمتهم- أدلة حجة في نفسها، قد قام الدليل على حجيتها، يعني بعبارة أخرى: حتى لو كانت هذه الأدلة أدلة ظنية، إلا أن هذه الأدلة الظنية مما قام الدليل على حجيتها واعتبارها، فهذا من العوامل التي تقلل من وقوعهم في الخطأ؛ لأن الشارع المقدس هو نفسه الذي فتح المجال أمامهم للاستفادة من هذا النحو من الأدلة، مما يعني أنها بنظر الشارع قليلة الخطأ ومستوعبة لأكثر المصالح ومجنبة للمكلفين من أكثر المفاسد. وثانياً من العوامل الموضوعية هو أن عملية الاجتهاد والاستنباط في الحوزة العلمية المشرفة ليست شرعة لكل وارد، بل إنها عملية محاطة برقابة من الحوزة المشرفة على كل من يمارسها، فكل من يتصدى لهذا العمل إن لم يكن أهلاً لهذا العمل، ولم يكن يستخدم الأدوات الدقيقة في الوصول إلى الأحكام الشرعية، فإنه يكون ماذا؟
يكون موهوناً ساقطاً في الحوزة الشريفة، لا اعتبار باجتهاداته واستنباطاته، مما يعني أن مجال الاستنباط والاجتهاد ليس شرعة لكل وارد بحيث أن الأهل وغير الأهل يتصدى لذلك، كما هو الحال عند بعضهم مثلاً والنتيجة تكون الأخطاء العلمية والاستنباطية والاجتهادية كثيرة. فنظراً لوجود هذا العامل الموضوعي أيضاً فإن الأخطاء تكون قليلة؛ لأن المتصدي للاجتهاد والاستنباط ليس إلا من يكون كفؤاً بنظر الحوزة الشريفة، وإلا فلا يُعتنى بشيء من اجتهاداته. العامل الموضوعي الثالث هو ما عليه علماؤنا من الورع والتقوى والخوف من الله سبحانه وتعالى في مقام الإفتاء، بحيث أن الواحد منهم لا يُقدم على استنباط حكم إلا بعد أن يبذل قصارى جهده وأن يبذل قصارى وسعه في سبيل الوصول إلى ذلك الحكم الشرعي، فورعهم وتقواهم مضافاً إلى دقتهم العلمية، هذا عامل موضوعي ثالث يقلل من عملية الخطأ في اجتهاداتهم واستنباطاتهم، فدعوى أن ما عليه فقهاؤنا -رضوان الله تعالى عليهم- من كثرة الخطأ هذه الدعوى دعوى غريبة وعجيبة وممنوعة جداً. لذلك نحن نقول بأنه كما يصح الرجوع إلى الطبيب مع وقوعه في الخطأ أحياناً، يصح الرجوع إلى الفقيه وإن كنا ماذا؟ لا نقطع بإصابته في جميع استنباطاته، بل ربما يشتبه في بعضها ولكن هذا أمر قليل، فالمصحح للرجوع للطبيب وللمهندس ولغيرهما رغم وقوعهما في الخطأ القليل هو نفسه المصحح للرجوع إلى الفقيه العالم بلا فرق. الإشكال الثاني الذي أُشكل به على السيرة هو أنها سيرة مردوعة، أو بعبارة أخرى: أنها غير ممضاة، إن سيرة العقلاء في الرجوع إلى الفقهاء هذه سيرة غير ممضاة. بعبارة أخرى: نحن لا ننكر كبرى السيرة؛ لأن كبرى السيرة مضطردة على رجوع الجاهل إلى العالم، ولكن هل أن جزءاً من هذه السيرة قام على رجوع الجاهل إلى العالم في مجال الأحكام الشرعية وهذا الجزء من السيرة أيضاً ممضى؟ نقول: كلا، بل هو مردوع. كيف هو مردوع؟ قرّب ذلك بتقريبين، التقريب الأول: كونه مشمولاً للنصوص الناهية عن العمل بغير علم: {ولا تقف ما ليس لك به علم} {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}، فالأدلة الناهية عن العمل بغير علم تشمل ماذا؟
تشمل مورد التقليد؛ لأنه في مورد التقليد لا يوجد علم، فالنهي عن العمل بغير علم يشمل موارد التقليد، وإذا كان يشمل موارد التقليد فحينئذ تكون هذه الأدلة رادعة لسيرة العقلاء فيما يرتبط بالأحكام الشرعية. ولكن هذا الرادع يمكن أن يُجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: ما ذكرناه في تقرير الاستدلال بالسيرة من أن السيرة لكونها مترسخة متجذرة وباعثة على العمل ومحركة عليه ومحركة إليه، فلا بد أن يكون الرادع عنها ماذا؟ واضحاً وموجهاً لتلك السيرة بشكل صريح، حتى يكون ماذا؟ مزيلاً لها ومقتلعاً لها من جذورها، ومثل هذه الأدلة ليست لها تلك الصراحة في النظر إلى هذه السيرة. وإن تجاوزنا عن ذلك وقلنا يكفي العموم، يكفي أن يتكئ الشارع على عموم هذه الأدلة للاستفادة منها في الردع عن السيرة، فنجيب بجواب ثانٍ ونقول: لا شك كما سيتضح عندنا -إن شاء الله- لاحقاً، لا شك في أن سيرة المتشرعة قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم في مجال الأحكام الشرعية، اتركنا عن سيرة العقلاء، لا شك أن سيرة المتشرعة قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم من زمن المعصوم -عليه السلام-، وهذه السيرة -سيرة المتشرعة- تمنع من أن تكون نصوص النهي عن العمل بغير علم شاملة للسيرة العقلائية، بعبارة أخرى: لو فهم المتشرعة من نصوص النهي عن العمل بغير علم، لو فهموا منها الردع عما عليه سيرة العقلاء، لما تحققت منهم سيرة متشرعية، فتحقق السيرة المتشرعية منهم على الرجوع إلى العلماء -وإن لم يُفد قول العالم العلم- هذه السيرة تحققها منهم كاشفٌ أنيٌ عن عدم ماذا؟ عن عدم رادعية تلك الآية، فهذا الإشكال ليس بتام. أو التقريب الثاني، هذا التقريب ليس بتام، التقريب الثاني هو الاستناد إلى الروايات الناهية عن التقليد، فيقال بأن هذه الروايات رادعة للسيرة، {إياكم والتقليد} كما في الرواية عن الإمام الصادق -عليه السلام-: {إياكم والتقليد فإن من قلد في دينه هلك}، {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}، فوالله ما صلوا لهم ولا صاموا ولكنهم أحلوا حراماً وحرموا حلالاً فقلدوهم في ذلك، فقلدوهم في ذلك.
فهذه الرواية تكون ناهية ورادعة عما عليه السيرة من تقليد العلماء. نحن نقول أيضاً بأن هذا لا يصلح للرد؛ لماذا؟ أولاً: لأن هذه الرواية رواية ضعيفة، غير ثابتة، فلا يصلح أصلاً، لم ترد هذه الرواية بحسب التتبع إلا في تصحيح الاعتقادات المنسوب لشيخنا المفيد -عليه الرحمة- ونفس الكتاب في نسبته للشيخ المفيد كلام، فضلاً عن أن الرواية مرسلة فيه لا سند لها أصلاً، فعلى ذلك هذه الرواية لا تصلح للردع إطلاقاً، كما أنها لو صحت سنداً أيضاً صلاحيتها للردع غير واضحة؛ لأننا قلنا بأن حجم الرادع لا بد أن يتناسب مع مستوى المردوع، فلا يعقل أن يردع الشارع عن القياس في 500 رواية بينما لا يردع عن التقليد إلا في رواية واحدة، مع أن السيرة على التقليد سيرة عقلائية متجذرة راسخة، وأين ذلك من القياس؟ فلا يعقل أن يردع عنه برواية واحدة فقط، هذا أولاً. ثانياً: هذه الرواية أجنبية عن التقليد الذي عليه الطائفة؛ فإن التقليد الذي عليه الطائفة بالنسبة للعلماء إنما هو تقليدهم في معرفة ما يقوله المعصوم -عليه السلام-، ما يقوله الشارع، بينما هذه الرواية تنهى عن تقليد المبتدعة الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال، وأين هذا من ذا؟ فثبت بأن سيرة العقلاء دليل لا غبار عليه في مشروعية التقليد بهذا البيان الذي أوضحناه، والحمد لله رب العالمين.
