دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 14
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. لا يزال كلامنا حول الأدلة الدالة على مشروعية التقليد التي أومأ لها سيدنا الحكيم قدس الله نفسه الزكية في مستمسكه المبارك؛ وقلنا إنها عبارة عن أربعة أدلة: الأول الكتاب وتعرضنا فيه إلى آيتين أومأ إليهما، والثاني السنة وتعرضنا إلى ثلاث طوائف منها، والثالث سيرة العقلاء وتقدم الحديث حولها ودفع الإشكالات عنها.
الدليل الرابع: سيرة المتشرعة
والدليل الرابع هو سيرة المتشرعة، وهي التي عبّر عنها سيد المستمسك قدس سره بالسيرة القطعية في زمان المعصومين عليهم السلام. وهنا سوف نتحدث عن سيرة المتشرعة كما تحدثنا عن السيرة العقلائية ضمن مقامين:
المقام الأول: تقرير الاستدلال بسيرة المتشرعة
إن الاستدلال بسيرة المتشرعة استند إليه أو استدل به صاحب الفصول قدس الله نفسه الزكية في فصوله، بل إن الاستدلال بها استدلال متجذر في كلمات علمائنا رضوان الله تعالى عليهم، وإن لم يعنونوا هذا الاستدلال بـ «سيرة المتشرعة». وهذا من الشواهد التي تلفتنا إلى قضية مهمة؛ وهي أن بعض الأدلة التي يستند إليها الآن في الفقه المعاصر بعناوين معينة -مثلاً تحت عنوان سيرة العقلاء، أو تحت عنوان سيرة المتشرعة، أو تحت عنوان التسالم- هذه الأدلة قد تكون لها جذور في كلمات المتقدمين من علمائنا، ولكنها لم تعنون بهذا العنوان أو لم يصطلح عليها بهذا المصطلح. ومن ذلك الاستدلال بسيرة المتشرعة، فإننا نراه حاضراً في كلمات علمائنا وإن لم يعنون بهذا العنوان. مثلاً عندما نأتي إلى مسألة مشروعية التقليد ونرجع إلى كلام السيد الشريف المرتضى قدس سره في «الذريعة»، نجد أنه يقول: «والذي يدل على حسن التقليد -أي تقليد العامي للمفتي- أنه لا خلاف بين الأمة قديماً وحديثاً في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، وأنه يلزمه قبول قوله؛ لأنه غير متمكن من العلم بأحكام الحوادث».
ويضيف الشريف المرتضى: «ومن خالف في ذلك كان خارقاً للإجماع». فكلام السيد المرتضى لعله في الإجماع أظهر منه في الاستدلال بالسيرة. ولكن هلم فلنذهب إلى كلام عالم آخر من علمائنا المتقدمين، وهو تلميذ سيدنا المرتضى قدس سره؛ شيخ الطائفة الشيخ الطوسي. يقول الشيخ الطوسي في «العدة»: «والذي نذهب إليه أنه يجوز للعامي الذي لا يقدر على البحث والتفكير تقليد العالم. يدل على ذلك أني وجدت عامة الطائفة من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماء فيها، ويسوغون لهم العمل بما يفتونهم به». وواضح أن هذا كله استدلال بالسيرة. ثم يقول: «وما سمعنا أحداً منهم قال لمستفتٍ: لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت وتعلم كما علمت، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، وقد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمة عليهم السلام، ولم يحك عن واحد من الأئمة النكير على أحد من هؤلاء، ولا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوبونهم في ذلك، فمن خالف في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه». فمن الجلي جداً أن هذا الاستدلال هو استدلال بسيرة المتشرعة. إذاً، الاستدلال بسيرة المتشرعة استدلال متجذر في كلمات العلماء، وتقريره: أننا إذا راجعنا سلوك المتدينين والمتشرعة الذين ينتمون إلى دين الإسلام، نجد بأن سلوك هؤلاء من العصر الأول إلى يومنا هذا قائم على رجوع الجاهل إلى العالم، وقائم على أخذ الأحكام الدينية والمعارف الوحيانية من العلماء، وقائم على الاستفتاء منهم والافتاء والعمل بما يفتون، ولا نكير من أحد على ذلك. مما يعني أن هذه السيرة وليدة ما تلقاه المتشرع عن الشارع، ووليدة ما فهمه المتشرع من الدين، ووليدة ما تلقاه من المعصوم عليه السلام؛ فلأن المتشرعة قد تلقوا من المعصوم عليه السلام ما يبعثهم على سؤال العالم، لذلك انعقدت سيرتهم على ذلك جميعاً. إذ ليس من المعقول أن تنعقد سيرة جميع المتشرعة -بما هم متشرعة- على أمر من غير أن يكون ذلك مأخوذاً عن رئيسهم، كما هو الحال في سائر الجماعات الأخرى؛ فإنك مثلاً عندما ترى اتفاقاً من الأطباء على عمل معين وتجد أن سيرتهم قائمة على ذلك، تحرز أنهم قد تلقوا ذلك عن وزير الصحة مثلاً أو عن رئيسهم، وهكذا في الجماعات الأخرى.
والكلام هو الكلام بالنسبة إلى سيرة المتشرعة على استفتاء العلماء وأخذ الأحكام منهم؛ فإنها لا يمكن أن تنعقد عند جميعهم على ذلك إلا أن يكونوا قد تلقوا ذلك عن رئيسهم وهو المعصوم عليه السلام. وهنا لسنا نحتاج -كما في سيرة العقلاء- إلى إثبات الإمضاء؛ لأنه في سيرة العقلاء قد نشأت السيرة عن المرتكزات الفطرية ولا ربط لذلك بالشارع، فحتى نربط بين سيرة العقلاء وبين الشارع ونجعل لها الحجية، لا بد من إثبات إمضاء الشارع لسيرة العقلاء. بينما سيرة المتشرع -بحسب الفرض- ناشئة عن التلقي من المعصوم عليه السلام، فإذا كانت منبعثة عن التلقي عن المعصوم لسنا نحتاج حينئذ لإثبات الإمضاء لها. هذا ما يرتبط بالمقام الأول.
المقام الثاني: الإشكالات والاعتراضات
وأما المقام الثاني، فهو عرض الإشكالات التي استُشكل بها على الاستدلال بسيرة المتشرعة على مشروعية التقليد والإجابة عنها. الإشكال الأول: دعوى نشوء السيرة عن التساهل قد يقال بأن هذه السيرة ليست بحجة؛ لأنها ناشئة عن التساهل وليست ناشئة عن التلقي من المعصوم. ومعنى ذلك هو أن المتشرعة عندما تنشأ لهم سيرة، تارة نحتمل أن هذه السيرة مأخوذة عن المعصوم عليه السلام أو عن التلقي منه، وتارة لا؛ بل نجد بأن المتشرع بين خيارين وأحد الخيارين أسهل من الآخر. فالخيار الأول مثلاً هو خيار الاجتهاد أو خيار الاحتياط، ولا شك في ما فيهما من المشقة، والخيار الثاني هو التقليد، ولا شك أنه أسهل، فحينئذ يختارون الأسهل لا لأنهم قد تلقوا ذلك من الشارع، وإنما لأن سيرتهم جرت على التساهل. فإذا كانت سيرتهم من المحتمل فيها أن تكون ناشئة عن التساهل وليست عن التلقي من المعصوم فلا تكون حجة. ومن يثير هذا الإشكال قد يتشبث بكلام لشيخنا الأعظم الأنصاري قدس سره ذكره في بحث «المعاطاة» من كتاب «البيوع»؛ فإنه في «المكاسب» قال هكذا: «وأما ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث -يعني توريث ما انتقل بالمعاطاة إلى الورثة- فهي كسائر سيراتهم الناشئة عن المسامحة وقلة المبالاة في الدين، مما لا يحق له في عباداتهم ومعاملاتهم وسياساتهم كما لا يخفى».
بناءً على هذا، فإن سيرات المتشرعة إنما تكون ناشئة عن التسامح وقلة المبالاة، وبالتالي فلا تكون حجة، ومنها سيرتهم على التقليد. هذا محصل الإشكال. ونجيب عن هذا الإشكال بجوابين: الجواب الأول: إن الشيخ الأعظم قدس سره لا يقصد تشبيه السيرة القائمة على التوريث في المعاطاة بمطلق سيرة المتشرعة، وأن مطلق السيرة ناشئ عن اللامبالاة والتسامح؛ كلا، بل يقصد تشبيه السيرة القائمة على التوريث بخصوص السير التي لا مبالاة فيها. وبعبارة واضحة: ليس مقصود الشيخ الأعظم أن كل سيرة للمتشرع فهي قائمة على اللامبالاة وسيرتهم على التوريث هي من قبيل ذلك؛ كلا، بل مقصوده أن سِيَر المتشرعة على قسمين: أحدهما السير الناشئة عن التلقي من المعصوم، والآخر السير الناشئة عن عدم المبالاة، فيقول بأن السير القائمة على التوريث هي من قبيل النحو الثاني وليست من قبيل النحو الأول. إذاً، الشيخ الأعظم لا يقول بأن كل سيرة للمتشرعة فهي ناشئة عن التسامح حتى نقول إن سيرتهم على التقليد من هذا القبيل. وشاهدنا على ما ذكرناه في توجيه كلام الشيخ هو شاهدان: الشاهد الأول: نفس الشيخ الأعظم قدس سره في نفس البحث -أي في بحث المعاطاة- قد استند إلى السيرة؛ فهو نفسه قد استند إليها. فإنه قبل هذه العبارة قال (وهذا بحسب الطبعة الحديثة في المجلد الثالث، صفحة 40): «وذهب جماعة -تبعاً للمحقق الثاني المحقق الكركي- إلى حصول الملك»، فقد ذكروا في بحث البيع من المكاسب أن المحقق الكركي ذهب إلى تمليك المعاطاة على ما هو مفصل هناك، وقال الشيخ: «ولا يخلو عن قوة هذا الذي ذهب إليه الجماعة تبعاً للمحقق»، ولماذا؟ قال: «للسيرة المستمرة على معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك في التصرف فيه بالعتق والبيع والوطء والإيصاء وتوريثه وغير ذلك من آثار الملك». ثم في الصفحة 42 قال: «وكيف كان، ففي الآيتين مع السيرة كفاية»؛ أي في الاستدلال على مُمَلِّكية المعاطاة. ولكنه بعد ذلك في الصفحة التي قرأنا منها كلامه سابقاً (صفحة 42 أيضاً) قال: «وأما ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث...».
إذاً فهو يفصل في السيرة القائمة على مملكية المعاطاة؛ يقول إن سيرتهم على مملكية المعاطاة فيما يرتبط بالتصرف في المملوك بالمعاطاة بالعتق والبيع والوطء والإيصاء هذه تامة، ولا يخلو الاستناد إلى السيرة هنا عن قوة، لكن السيرة القائمة على التوريث هذه محل نظر، فإنها سيرة ناشئة عن التسامح. ولذلك فإن المحقق النائيني رضوان الله تعالى عليه في كتاب «المكاسب والبيع» بتقريرات الشيخ الآملي قدس سره، تعقّب الشيخ الأعظم الأنصاري قائلاً: (وكذلك فعل سيدنا الأستاذ الروحاني قدس سره في «منهاج الفقاهة») بأن التفصيل بين الإيصاء والوطء والتوريث مما لا وجه له؛ فإن السيرة واحدة، فإذا كانت السيرة هنالك بالنسبة لتلك الأمور حجة فإنها أيضاً بالنسبة إلى التوريث حجة، والتفصيل بينهما بالقول بأن هذه السيرة ناشئة عن اللامبالاة بينما تلك لا يخلو الاستناد إليها من قوة، هذا بلا وجه. لاحظوا عبارة الشيخ الآملي في تقرير بحث النائيني، قال: «ثم إن المصنف قدس سره فصل فيما قامت السيرة على صحته من هذه التصرفات بين البيع والعتق والوطء والإيصاء فالتزم بصحتها بواسطة السيرة -مع الالتزام بالملك أنا ما قبلها- وبين التوريث فمنع من حجية السيرة فيه وقال بأنها كسائر سيرهم الناشئة عن المسامحة وقلة المبالاة بالدين. ولا يخفى ما فيه أيضاً لعدم ظهور الفرق بين السيرة القائمة على التوريث وبين السيرة القائمة على البيع ونحوه، فلو أمكن منعها في التوريث صح منعها في الجميع فلا فرق بينهما أصلاً». وقال سيدنا الأستاذ قدس سره: «ما الفرق بين السيرة على التوريث والسيرة على جواز التصرفات؟ حيث لم يناقش في الثانية وناقش في الأولى، فإن تطرق هذا الاحتمال في الأولى تطرق في الثانية طابق النعل بالنعل». فهذا هو الشاهد الأول على أنه لا يقول بأن كل سيرة للمتشرعة فهي ناشئة عن اللامبالاة. الشاهد الثاني: كلماته قدس سره فيما يرتبط بالتقليد بالخصوص؛ فإنه رضوان الله تعالى عليه في إثبات مشروعية التقليد قد استند إلى سيرة المتشرعة. وهنا يمكنني أن أنقل كلامين: الكلام الأول ذكره في مباحث الاجتهاد والتقليد (وهي رسالة مطبوعة مستقلاً بقلم أحد تلامذته)، قال فيها قدس سره في الصفحة 48: «فالمعروف بين أصحابنا جوازه بالمعنى الأعم -أي التقليد- وينسب إلى بعض أصحابنا القول بالتحريم، ويحكى عن بعض العامة، والحق هو الأول -يعني الجواز- للأدلة الأربعة».
ثم يعدد الأدلة: «آيتا النفر والسؤال (كما هو استدلال سيدنا الحكيم قدس سره)، والسنة المتواترة الواردة في الإذن في الإفتاء والاستفتاء عموماً وخصوصاً، منطوقاً ومفهوماً، والإجماع القولي والعملي عليه». لاحظوا عبارته: «والإجماع القولي والعملي»؛ فالإجماع القولي واضح، والإجماع العملي هو ما نعبر عنه بسيرة المتشرعة، إذاً هو استند إلى سيرة المتشرعة، أو إلى سيرة العقلاء الممضاة التي يعبرون عنها أيضاً بأنها إجماع عملي. ونقرأ عبارة أخرى لعلها أوضح في الاستناد إلى سيرة المتشرعة، قال في «مطارح الأنظار» (وهو التقرير المعروف لأبحاثه الأصولية): «وبالجملة فجواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة للعامي وغيره، وليس علم العامي بوجوب الصلاة في الجملة أوضح من علمه بوجوب التقليد، مع اتحاد طريقهما في حصول العلم من مسيس الحاجة وتوفر الدواعي عليه واستقرار طريقة السلف المعاصرين للأئمة عليهم السلام والخلف التابعين لهم إلى يومنا هذا، وذلك ظاهر جداً لمن تدبر». هذا بالنسبة إلى أصل مشروعية التقليد وعلم المقلد بوجوبه عليه. إذاً، مقصوده من الإجماع العملي الذي أشار إليه إنما هو السيرة المتشرعية، وهذا شاهد على أن الشيخ الأعظم قدس سره لا يرى بأن كل سيرة للمتشرعة فهي ناشئة عن اللامبالاة، بل يفصل بين السير. هذا هو الجواب الأول. الجواب الثاني: لو أغمضنا عما ذكرناه، وقلنا بأن مراد الشيخ قدس سره تشبيه سيرة المتشرعة على التوريث في ما تُمُلِّك بالمعاطاة بمطلق سيرة المتشرعة وأنها جميعاً ناشئة عن التسامح؛ لو أغمضنا الطرف عن الجواب الأول، فإن هذا الكلام في نفسه ليس مقبولاً؛ لأنه «خُلْف»، أو فقل للزوم «محذور الخُلْف». ومعنى ذلك هو أننا عندما نقول «سيرة متشرعة»، فما هو ملاك حجيتها؟ ملاك حجيتها أنها سيرة للمتشرعة بما هم متشرعة؛ وبما هم متشرعة يعني بما هم متدينون بشريعة ومتقيدون بقوانينها وأحكامها ودستورها.
فإن سيرتهم بما هم متدينون ومتشرعون تكشف عن تلقيهم لذلك من المعصوم كما أوضحناه في المقام الأول، فإذا كان هذا هو الملاك فهذا لا يجتمع مع كون سيرتهم ناشئة عن اللامبالاة بالدين. فكيف تكون سيرة للمتشرعة والحال أنها ناشئة عن اللامبالاة؟ هذه تكون سيرة لغير المتشرعة وليست للمتشرعة. فإذا افترضناها سيرة للمتشرعة فلا بد أن تكون سيرة لهم بما هم متدينون بما هم متشرعة، أما الالتزام بأنها سيرة للمتشرعة من جهة، والالتزام بأنها ناشئة عن لا مبالاة بالدين من جهة أخرى، فهما أمران لا يجتمعان. هذا بالنسبة للإشكال الأول. الإشكال الثاني: إرجاع سيرة المتشرعة إلى سيرة العقلاء الإشكال الثاني هو أن يقال بأن سيرة المتشرعة راجعة إلى سيرة العقلاء وليست دليلاً مستقلاً. وهذا الإشكال هو الذي طرحه سيدنا الأستاذ الروحاني قدس سره في «فقه الاجتهاد والتقليد»، فقال: «وأما سيرة المتشرعة فإنه لا يمكن الاستدلال بها»؛ وعلل ذلك بقوله: «لأنه يمكن أن تكون من جهة كونهم عقلاء بلا دخل لكونهم متدينين في ذلك». وحتى يتضح هذا الإشكال، نجد أن جذوره موجودة في كلمات المحقق العراقي أعلى الله مقامه في «نهاية الأفكار» (وهو تقريره الأصولي في مباحث الاجتهاد والتقليد). أقرأ عبارة المحقق العراقي ليتضح المقصود، قال: «أما الإجماع المدعى في المقام -الذي مر علينا قبل قليل في كلمات الشيخ الأعظم استناداً إلى الإجماع اللفظي أو القولي والعملي- وكذا السيرة المستمرة من الصدر الأول، فالمناقشة فيهما ظاهرة لقوة احتمال كون مدرك المجمعين -يعني إجماع مدركي- وكذا مبنى السيرة هي القاعدة المرتكزة في نفوس عامة الناس». والقاعدة المرتكزة في نفوس عامة الناس هي رجوع الجاهل إلى العالم، فلعل سيرة المتشرعة نشأت عن هذه القاعدة لا أنها نشأت عن التلقي من المعصوم. ويكمل قائلاً: «ومع هذا الاحتمال لا يحصل الوثوق من هذا الاتفاق بنحو يكشف عن رأي المعصوم عليه السلام ليكون بنفسه دليلاً على المسألة في مقابل العقل الفطري الارتكازي». إذاً نحن وإن وجدنا أن هنالك سيرة للمتشرعة، ولكننا لا نحرز أن هذه السيرة ناشئة عن التلقي من المعصوم، بل لعلها ناشئة عن الأمر الفطري الارتكازي الموجود عند العقلاء.
فتكون راجعة إلى سيرة العقلاء وليست دليلاً مستقلاً. ولكن هذا الإشكال بنظرنا القاصر ليس بتام، ولماذا؟ ألفت نظركم إلى أمرين وأعقب عليهما: الأمر الأول: أن الشارع المقدس قد قنن جملة من القوانين فيما يرتبط بتحصيل العلم وبتحصيل المعرفة، فقال مثلاً: «ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ إنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً» [الإسراء: 36]، وقال: «إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً» [النجم: 28]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا»، وورد عنهم عليهم السلام: «لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن كذا وكذا». إذاً نحن عندما نرجع إلى تعاليم الشارع نجد أن الشارع لم يطلق العنان لرجوع الجاهل إلى العالم وتلقي المعرفة بأي نحو كان، بل وضع مجموعة من القوانين وضبط مسألة الرجوع إلى العالم تحت قوانين وإرشادات وتعاليم معينة. الأمر الثاني: مما لا شك فيه أن هذه القوانين التي تحدثنا عن بعضها ستثير حفيظة المتشرعة وستحتم عليهم الرجوع إلى الشارع لمعرفة ما إذا كان قد اعتمد طريقة العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً أم لا. وبعبارة أخرى: ستحتم عليهم هذه القوانين معرفة رأي الشارع المقدس في مسألة رجوع الجاهل إلى العالم، وأنها منضبطة بأي ضابطة ومحددة بأي حدود؛ هذا مما لا شك فيه في ظل تلك القوانين وتلك التوجيهات. حينئذ نقول على ضوء هذين الأمرين: إذا وجدنا المتشرعة -كما هو الفرض- قد اعتمدوا طريقة معينة في الرجوع إلى العالم، وهذه الطريقة كان قد اعتمدها العقلاء، فلا محالة يكشف ذلك عن تقرير الشارع في أن يعتمدوا نفس الطريقة، أو يكشف عن وجود دليل لفظي قد وصل إليهم وإن كان لم يصلنا. وإذا كان كذلك، فإن تقرير الشارع أو الدليل اللفظي الذي وصلهم هو الذي سيكون الحجة. وإذا كان هو الحجة، فإن السيرة حينئذ ستعود إلى السنة وليس إلى سيرة العقلاء، فتكون حجة استقلالاً في مقابل سيرة العقلاء.
هل التفتم إلى ذلك؟ أقول: بعد أن قيد الشارع مسألة رجوع الجاهل إلى العالم بقيود، لا شك أن هذه القيود ستحتم على المتشرعة أن يرجعوا إلى الشارع لمعرفة مقدار الحدود التي وضعها لمسألة رجوع الجاهل إلى العالم، فإذا كانوا قد رجعوا إلى الشارع لمعرفة الحدود، إذاً فهم في رجوعهم إلى العالم إنما ساروا على ضوء ما استفادوه من الشارع وليس على ضوء المناشئ الفطرية عندهم. نعم، لو لم يتدخل الشارع ويضع قوانين معينة لمسألة رجوع الجاهل إلى العالم لاحتملنا الاحتمال الذي أفاده المحقق العراقي؛ وهو أن سيرتهم ناشئة من مرتكزاتهم الفطرية. ولكن بعد أن تدخل الشارع، لا محالة فإن سيرتهم وإن طابقت سيرة العقلاء إلا أنها لا تستند إلى نفس مناشئها، بل تستند إلى ما تلقوه من الشارع تقريراً لها أو تقييداً وتحديداً. فهذا الإشكال ليس بتام، وسيرة المتشرعة صحيحة ولا كلام فيها.
فروع المسألة السادسة
وبذلك توصلنا إلى أن مسألة التقليد مسألة مشروعة، وقد دل على مشروعية التقليد كل من الكتاب والسنة وسيرة العقلاء الممضاة وسيرة المتشرعة. فإذا وصلنا إلى هذه النتيجة، نعود إلى أصل الفروع التي كنا بصددها في المسألة السادسة؛ وهي كما مر علينا سابقاً حينما ذكرنا بأن المسألة فيها ثلاثة فروع: الفرع الثاني: وهو أن الأحكام غير الضرورية واليقينية يجب فيها التقليد تعييناً -بنحو الوجوب التعييني- لمن لم يكن مجتهداً ولم يمكنه الاحتياط. ولماذا يجب عليه التقليد تعييناً؟ للأدلة التي ذكرناها. وبذلك تم الكلام حول الفرع الثاني. الفرع الثالث: الأحكام غير الضرورية واليقينية يجب فيها التقليد تخييراً لمن لم يكن مجتهداً وكان يمكنه الاحتياط. فمع إمكان الاحتياط في غير الضروريات وغير اليقينيات -سواء كانت من المظنونات أم من المشكوكات أم من الموهومات- إذا أمكن الاحتياط لغير المجتهد فإنه يكون مخيراً بين الاحتياط وبين التقليد، ويكون وجوب كل منهما وجوباً تخييريّاً.
لأنه كما ذكرنا سابقاً؛ مع عدم العلم من خلال الاجتهاد والاستنباط، أو من خلال اليقين والضرورة، يجب عقلاً على المكلف أن يحصل المؤمن من العقاب، وتحصيل المؤمن يكون بأحد طريقين: إما طريق التقليد، وإما طريق الاحتياط لمن لا يتمكن من الاجتهاد. نعم، هنالك كلام بينهم -ولعل هذا الكلام قد مر علينا مخاضه في دروس الأصول في «مصباح الأصول»- وهو: هل أن الاحتياط مقدم على التقليد، أم أن التقليد مقدم على الاحتياط؟ وبعبارة أخرى: هل الامتثال الإجمالي مقدم على الامتثال التفصيلي، أو الامتثال التفصيلي مقدم على الامتثال الإجمالي؟ قد يقال بأن الامتثال الإجمالي -الذي هو الاحتياط- مقدم على الامتثال التفصيلي؛ لأن الاحتياط طريق للعلم بالواقع بخلاف التقليد فإنه لا يوجد فيه علم بالواقع. وقلنا بأن هذا في نفسه ليس بتام؛ لما ذكرناه من أن الاحتياط يحتاج إلى اجتهاد أو إلى تقليد؛ إذ إن الاحتياط من غير اجتهاد ولا تقليد قد يكون على خلاف الاحتياط على ما فصلناه سابقاً. وبالتالي، فإذا تمكن المكلف من التقليد فإنه يمشي على حجة واضحة، بينما إذا سلك طريق الاحتياط؛ فإن كان يريد الاحتياط من غير اجتهاد ولا تقليد فإنه قد يقع فيما لا تحمد عقباه، وإن كان على طبق اجتهاد أو تقليد فهنا رجع الاحتياط إلى التقليد أو الاجتهاد، فمسألة الترجيح على أية حال لا تخلو عن دغدغة. نعم، يبقى هنا فقط عبارة السيد قدس سره في «المستمسك»، وأتصورها عبارة جلية، أنتم راجعوها ولا بأس أن نمر بها مروراً سريعاً. قال الماتن رحمه الله تعالى وقدس سره الشريف: «في الضروريات لا حاجة إلى التقليد»، فعلق عليه سيد المستمسك قائلاً: «لوضوح أن وجوب العمل شرعاً برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بسائر الحجج، ومن المعلوم أن الحكم الظاهري يختص جعله بحال الشك، فيمتنع جعل حجية رأي الغير مع العلم بالواقع كما في الضروريات واليقينيات». فإذا كان وجوب العمل برأي الغير -الذي هو التقليد- حكماً ظاهرياً، إذاً فقد أُخذ في موضوعه عدم العلم.
فإذا افترضنا حصول العلم -كما لو كان المورد من الضروريات أو كان من اليقينيات- فحينئذ لا مجال لجعل الحجية لوجوب العمل برأي الغير، ولا مجال للتعبد بذلك على ما أوضحناه. وقلنا في مقام التقرير إن بعضهم استشكل على السيد الحكيم في اعتباره أن هذا من الحكم الظاهري وأجبنا عنه. ثم يكمل الماتن: «كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما، وكذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين، وفي غيرهما -أي في غير الضروريات واليقينيات- يجب التقليد». وهذا ما يرتبط بالفرع الثاني: «وفي غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط». ثم يذكر الفرع الثالث: «وإن أمكن تخير بينه وبين التقليد». يعلق سيد المستمسك قدس سره على الفرعين بهذه الأسطر الأربعة، قال: «على المعروف يجب التقليد»، لماذا؟ «لما دل على حجية رأي المجتهد لغيره». فإذاً، وجوب التقليد هو المعروف، وأما تحريم التقليد فليس بمعروف، أو إيجاب الاجتهاد -كما عن علماء حلب- أيضاً ليس بمعروف. قال: «لما دل على حجية رأي المجتهد لغيره من: 1- الكتاب، 2- السنة، 3- بناء العقلاء، 4- والسيرة القطعية في زمان المعصومين عليهم السلام، كما هو محرر في محله من علم الأصول». وذكرنا بأنه للأسف لم يبحث مباحث الاجتهاد والتقليد في شرحه على الكفاية ولذلك لم يتعرض لهذه المطالب، نعم، بعض أدلة التقليد المشتركة بين مباحث التقليد ومباحث حجية خبر الواحد -مثل آية النفر وآية الذكر- قد تعرض لها في بحث حجية خبر الواحد. ويضيف السيد: «من غير فرق بالنسبة لهذه الأدلة الدالة على وجوب التقليد في دلالتها عليه بين إمكان الاحتياط وتعذره». فإذا كانت تدل على وجوب التقليد حتى في صورة تعذر الاحتياط فهو الفرع الثاني الذي نحن بصدده، و«خلاف بعضهم في ذلك ضعيف»؛ يعني التفصيل بين إمكان الاحتياط وتعذره خلاف ضعيف. «وبذلك -يعني مما ذكرناه- يظهر التخيير بينه وبين الاحتياط مع إمكانه»؛ لأننا قلنا إنها أدلة مطلقة تشمل صورة التمكن وصورة عدم التمكن، فحينئذ كما يستدل بها بالنسبة للفرع الأول يستدل بها بالنسبة للفرع الثاني. وبهذا ينتهي الكلام حول المسألة السادسة، ونعتذر عن إطالتنا في الكلام حولها والخروج عن المنهج الذي قررنا أن نسير عليه، ولكن نظراً لأن مسألة التقليد يثار حولها كلام من هنا وهناك، لذلك أحببنا أن نضع النقاط على الحروف، ونسأل الله أن نكون قد وفقنا لذلك. وبإذن الله في المباحث اللاحقة نلتزم بما قررنا، إلا أن نضطر كما اضطررنا في هذه المسألة. نسأل الله التوفيق لنا ولكم، والحمد لله رب العالمين.
