دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 16
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم برحمتك يا أرحم الراحمين، وبحق محمد وآله الطاهرين.
المسألة الثامنة: تعريف التقليد
قال السيد اليزدي أعلى الله مقامه الشريف: (التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين، وإن لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته والتزم بما فيها، كفى في تحقق التقليد).
إذاً، فظهر من عبارة السيد الماتن قدس سره بأن التقليد عنده يتحقق بمحض الالتزام، أن يلتزم المكلف بأن يعمل على طبق فتاوى مرجع معين؛ فبمجرد أن يلتزم التزاماً نفسانياً بذلك يتحقق منه التقليد، سواء أخذ فتاواه وعمل بها أم لم يأخذها، فضلاً عن أن يكون لم يعمل بها؛ بمجرد أن يتحقق الالتزام النفساني تحقق منه التقليد. وهو بذلك موافق لصاحب الفصول قدس سره الشريف كما سيأติก.
ولكن السيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف -سيد المستمسك- خالفه فيما ذهب إليه، وملخص ما أفاده سيد المستمسك قدس سره هو عبارة عن نقاط:
#
النقطة الأولى: حقيقة التقليد بين العمل والالتزام
اختار أعلى الله مقامه الشريف بأن التقليد هو العمل استناداً إلى فتوى الغير. فإذاً، صاحب المستمسك قدس سره يرى -خلافاً للماتن- بأن التقليد من مقولة العمل وليس من مقولة الالتزام النفساني، وبالتالي فهو لا يتحقق إلا بعد العمل؛ إذا تحقق منه العمل بفتوى مقلده -بفتوى مرجعه- فحينئذ يصدق على ذلك بأنه مقلد للفقيه. ويقول قدس سره بأن هذا هو المعنى اللغوي للتقليد؛ المعنى اللغوي للتقليد هو هذا: العمل استناداً إلى فتوى الغير أو إلى قول الغير. هذه أول نقطة، ويأتي المزيد إن شاء الله.
النقطة الثانية التي تعرض لها -طبعا هذه النقطة تعرض لها في الأخير، يعني بعد أن ذكر المطالب المتعددة انتهى إلى تعريف التقليد بما ذكرنا، نحن قدمناه-.
#
النقطة الثانية: الاختلاف اللفظي لا المعنوي
أفاد قدس سره بأن الاختلاف بين الأعلام في تعريف التقليد إنما هو اختلاف لفظي وليس اختلافاً معنوياً حقيقياً جوهرياً.
فيقول رضوان الله تعالى عليه: نحن إذا رجعنا إلى كلمات الأصوليين والفقهاء نجد بأنهم يعرفون التقليد بتعاريف مختلفة؛ فمنهم من يعرف التقليد بأنه العمل استناداً إلى فتوى الغير، ومنهم من يعرف التقليد بأنه قبول قول الغير، ومنهم من يعرف التقليد بأنه الأخذ بقول الغير. فبين هذه التعاريف -وطبعا هو قدس سره لم يذكر التعاريف كلها، إذ إن التعاريف تنتهي إلى ما يقارب عشرين تعريفا، ولكن أشار إلى نماذج منها- فهو قدس سره يقول بأن هذه التعاريف: العمل، الالتزام، الأخذ، القبول، هل بينها اختلاف جوهري أم أن هذا الاختلاف اختلاف ماذا؟ معنوي؟
يقول: هذا اختلاف لفظي ليس إلا، وليس اختلافاً معنوياً جوهرياً؛ فإن المراد من التقليد عند الأعلام جميعاً هو المعنى اللغوي الذي هو العمل، غاية الأمر أن تعابيرهم عن ذلك تعابير مختلفة، فبعضهم يعبر عن العمل بالأخذ، وبعضهم يعبر عنه بماذا؟ بالقبول. تعابيرهم تعابير مختلفة، وسيتضح ما معنى الأخذ وكيف أنه العمل، وما معنى القبول وكيف أنه العمل.
والمنبه عنده على أن تعاريفهم مختلفة لفظاً وليست حقيقة، هو أنهم لا يوجد بينهم اختلاف في هذه المسألة -كما هو ديدنهم في المسائل الأخرى-؛ فمثلاً عندما نرجع إلى مسألة افترضوا تقليد الميت نجد بينهم اختلافا شديداً جداً وحرباً ضروساً في جواز التقليد، في عدم جواز التقليد، في عرض الأدلة وما شاكل ذلك، ولكن عندما يأتون إلى مسألة تعريف التقليد لا تجد بينهم أخذاً ورداً ونقضاً وإبراماً، مما يعني أن خلافهم إنما هو خلاف لفظي ليس إلا، وكل يعبر بما يرى. هذا ما ذكره في النقطة الثانية.
#
النقطة الثالثة: الاستشهاد بكلام المحقق القمي
النقطة الثالثة التي ذكرها هي الاستشهاد بكلام المحقق القمي قدس سره صاحب القوانين على أن الاختلاف بين الأعلام في تعريف التقليد إنما هو اختلاف لفظي. ما هو وجه الشاهد في كلام المحقق القمي؟ وجه الشاهد أن المحقق القمي قدس سره قد نسب إلى العضدي -صاحب المختصر، وهو من أعلام العامة، وكتابه (المختصر) في الأصول من أشهر الكتب الأصولية- بأنه يعرف التقليد بماذا؟
بالعمل! المحقق القمي قد نسب إلى العضدي بأنه يعرف التقليد بالعمل، والحال أننا إذا رجعنا إلى كلمات العضدي نفسه نجد بأنه يعرف التقليد بالأخذ بقول الغير، مما ينبه على أن الميرزا القمي قدس سره يفهم أن هذا الاختلاف في التعبير إنما هو اختلاف لفظي ليس إلا، وليس اختلافاً حقيقياً، وإلا لكان المقتضى للتعبير بالأخذ أن ينسب إليه ما عبر به، لا أن ينسب إليه التعبير بالعمل. هذه نقطة ثالثة.
#
النقطة الرابعة: تبرير مذهب صاحب الفصول
النقطة الرابعة التي تعرض لها قدس سره هي تبرير ذهاب صاحب الفصول قدس سره إلى تعريف التقليد بأنه الالتزام.
قال: أولسنا إلى هنا قد قررنا بأن الاختلاف بين الأعلام إنما هو اختلاف لفظي، والأخذ والقبول والعمل كلها معبرات عن معنى واحد للتقليد وهو العمل؟ هذه الدعوى يمنع منها ذهاب صاحب الفصول قدس سره إلى أن التقليد هو الالتزام. ومن الواضح جداً أن الالتزام يختلف عن العمل؛ فإن الالتزام شيء، بينما العمل شيء ماذا؟ شيء آخر. الالتزام يسبق العمل، لا أنه نفس العمل. وبعبارة أخرى ومن زاوية أخرى: الالتزام أمر جوانحي، بينما العمل أمر ماذا؟ جوارحي. فهذا من مقولة وهذا من مقولة، فكيف تقول بأن الاختلاف بين الأعلام اختلاف لفظي؟
يجيب عن ذلك رضوان الله تعالى عليه يقول: صاحب الفصول قد اعترف بأن التقليد بحسب معناه اللغوي هو العمل، ولذلك فانه عندما ذكر تعريف العلامة قدس سره -علامة الحلي في النهاية أو في التهذيب- بأن التقليد هو العمل، قال بأن هذا تعريف له بحسب معناه اللغوي؛ إذاً فهو يقر بأن المعنى اللغوي للتقليد هو ماذا؟ هو العمل.
فإذا كنت تقر بأن المعنى اللغوي هو العمل، فلماذا في مقام الاصطلاح ذهبت إلى أن التقليد إنما هو بمعنى الالتزام؟
قال: هنالك مانعان منعاه -أي صاحب الفصول قدس سره- من الإذعان بالمعنى اللغوي للتقليد، ونحن هذان المانعان لا نراهما مانعين. ما هما المانعان اللذان منعا صاحب الفصول؟
المانع الأول هو:
لزوم أن يكون العمل سابقاً على التقليد، والحال أن التقليد لابد أن يكون سابقاً على العمل. وبعبارة أخرى، نحن نقول بأن المكلف في عباداته في معاملاته لابد أن يكون مستنداً إلى حجته؛ إما إلى رأيه وفتواه إن كان من أهل الاجتهاد، وإاما إلى فتوى من يرجع إليه إن كان ماذا؟ مقلداً. فالمكلف قبل أن يعمل لابد أن يكون مستنداً إلى فتوى ليعمل على طبقها.
فإذا قلنا -دققوا جيدا- فإذا قلنا بأن التقليد هو العمل كما يرى ذلك العلامة قدس سره، إذاً قلنا بأن التقليد هو العمل، فمعنى ذلك أن العمل ماذا؟ سابق على التقليد وليس مستنداً إليه! لماذا؟ لأنه إذا قلنا بأن التقليد هو العمل، فمعنى ذلك أن عنوان التقليد ينتزع من العمل الخارجي، فإذا تحقق منشأ الانتزاع وهو العمل في الخارج -مستنداً إلى فتوى الغير- ينتزع عنوان ماذا؟ عنوان التقليد، فيكون العمل سابقاً على التقليد، والحال أن المطلوب في التقليد أن يكون مسبوقاً بالتقليد لا أن يكون سابقاً له.
فأول إشكال يمنعنا من قبول أن التقليد هو العمل هو لزوم أن يكون العمل بلا تقليد، إذ إن التقليد سيتاخر عنه، صار معلوماً؟ بلي، صاحب الفصول قدس سره قال بأن التقليد هو الالتزام وليس هو العمل. نعم، سيد الحكيم قدس سره يقول بأن الذي منعه من قبول أن التقليد هو العمل مانعان:
المانع الأول هو أنه لو بنينا على أن التقليد هو العمل يلزم أن يكون العمل سابقاً على التقليد، والحال أن التقليد لابد أن يكون سابقاً للعمل، لا أن يكون مسبوقاً بالعمل! لماذا؟ لأن العمل لابد أن يكون مستنداً إلى حجة شرعية؛ هذه الحجة الشرعية إما هي فتواه إن كان مجتهداً، وإما هي فتوى غيره إن كان مقلداً، فيستستند إليها ثم ماذا؟ ثم يعمل. فإذا فسرنا التقليد بأنه هو العمل، كان التقليد متأخراً عن العمل، وليس العمل مستنداً إليه! لماذا؟ لأننا إذا فسرنا التقليد بأنه هو العمل، معنى ذلك أن التقليد عنوان انتزاعي ينتزع من العمل، ينتزع من العمل، فإذا تحقق العمل في الخارج مستندا إلى فتوى فقيه يعبر عن هذا العمل الذي استند إلى فتوى فقيه بأنه تقليد، فمنشأ الانتزاع هو العمل المضاف إلى فتوى الفقيه، ومن هذا المنشأ ينتزع عنوان التقليد، فعنوان التقليد متأخر عن العمل، والحال أنه لابد أن يكون ماذا؟
متقدماً على العمل؛ فحتى نتخلص من هذا المحذور نلتزم بأن التقليد هو الالتزام، لأن الالتزام سابق على العمل، فحين يتحقق العمل يكون مسبوقاً بالتقليد. هذا المانع الأول.
هذا المانع مانع عام. المانع الثاني مانع خاص، وهو محذور الدور في العبادات. كيف محذور الدور في العبادات؟ بهذا البيان:
نقول بأن العبادة يلزم أن تقع مع قصد القربة حتى تكون ماذا؟ عبادة، ولا يمكن أن تقع العبادة مع قصد القربة إلا مع العلم بكونها عملًا عبادياً، واجباً، مستحباً أو غير ذلك، ولا يمكن العلم بذلك إلا بالتقليد لغير المجتهد. فإذا افترضنا بأن التقليد هو العمل حينئذ يلزم محذور الدور! لماذا؟ لأن التقليد سيكون متأخراً عن العمل، والعمل لا يمكن أن يتحقق إلا بالتقليد، فلو توقف التقليد على العمل لكان من الدور، إذ إن الشيء يتوقف على نفسه. العمل متوقف على التقليد، لأنه لا يعلم بأن هذا العمل عمل عبادي وتعتبر فيه قصد القربة إلا عن طريق التقليد. فإذا قلنا بأن التقليد هو العمل، إذاً التقليد يتوقف على تحقق هذا العمل مع قصد القربة؛ فإذا تحقق انتزع منه عنوان التقليد، فيأتي الكلام لعنوان التقليد، هذا عنوان التقليد متوقف تحققه على ماذا؟ على العمل، والعمل متوقف على التقليد! توقف الشيء على نفسه، فلزم محذور الدور.
من هنا، حتى نتخلص من هذا المحذور أيضاً، نقول بأن التقليد هو الالتزام؛ علم بفتوى فقيهه والتزم بها، فلما التزم تحقق منه التقليد ثم عمل، فلما عمل كان عمله مستنداً إلى تقليده، ولا دور هناك، لأنه لا تقليد يترتب على العمل، بل تقدم على العمل. صار معلوم؟
سيد الحكيم قدس الله نفسه قال: هذان المانعان ليسا بمانع! لماذا؟ لأنه لا يطلب في العمل أكثر من الاستناد إلى الحجة، فإذا كان المطلوب هو الاستناد إلى الحجة، نحن نسأل بأنه حين العمل، أكان مستنداً إلى حجة أم لم يكن مستنداً؟
حين عمله -حين عمل المكلف سواء في العبادات أم في غيرها- كان مستنداً إلى حجة أم لم يكن مستنداً؟ قطعا هو مستند، لذلك نحن قلنا بأن عنوان التقليد ينتزع من العمل المستند إلى الفتوى، والا لو لم يكن العمل مستنداً إلى الفتوى لما ينتزع منه عنوان تقليد. فالعمل مستند إلى الفتوى، إذاً كان مستنداً إلى الفتوى فحينئذ ماذا؟ لا يكون محذور سبق العمل على التقليد، أو لا يكون محذور... لا يأتي المحذور الأول وهو أن العمل متقدم. لماذا؟ لأن الفرض أنه مستند إلى الفتوى، مستند إلى الحجة، فما دام مستندا إلى الحجة فقد تحقق الأمن من العقاب، ولا محذور في ذلك.
وبعبارة أخرى، سيد الحكيم قدس سره يقول: المنازعة ليست في الألفاظ، المنازعة في الجوهر، في اللباب، في المعنى. نحن نقول بأن العمل لابد أن يكون مستنداً إلى تقليد، لماذا؟ تأميناً للموضوعية في التقليد، أو لأجل المؤمن عن العقاب. فإذا كان لأجل المؤمن، فإن المقلد حين يعمل -وإن لم يكن منه التزام- ولكنه استند في عمله إلى ماذا؟ إلى فتوى الفقيه، حصل عنده المؤمن أو لم يحصل؟ حصل عنده، فما دام قد حصل عنده فهو لا يحتاج إلى سبق التقليد، حتى لو انتزع التقليد من عمله فلا مشكلة في البين في مقام العمل.
ألا ترى في هذا المثال الكثير: القول بأن العلم ليس هو كل شيء؛ أحياناً العلم يطابق اعتقاداً، وأحياناً لا يطابقه اعتقاد. وهذه مسألة تحل مسائل، هذه المسألة تحل مسائل! ولذلك في مسألة مبيت أمير المؤمنين عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله أو خوض أمير المؤمنين عليه السلام معارك مع علمه، الإشكالية التي يثيرونها بأنه لو يعلم أو لا يعلم، فإذا كان يعلم بأنه لن يقتل فلا فضيلة له، وإذا كان لا يعلم انتقضت دعوى الشيعة بأنه يعلم ما كان وما يكون؛ فجوابها هو هنا -هنا- تفريق بين العلم والاعتقاد، تفريق بين العلم والاعتقاد! فرب علم يطابقه اعتقاد، طابقه التزام نفساني بناء
ورب علم لا يطابقه ذلك. فهو نقول: نعم يعلم، إنما الكلام اعتقاده على وفق علمه أو لا؟ الفضيلة تابعة للاعتقاد. يعلم يعلم، إنما الكلام بأن اعتقاده على وفق علمه أو لا، هذا منشأ اللبس. فنحن نقول بأن فضيلته في مطابقة اعتقاده لعلمه، بينما غيره -أنا هذا المثال دائما أقوله- لو تكلفه بأن يبيت بعميت وهو يعلم وهو يعلم أنه لا يحرك شيئاً ولا ساكناً، لا تغفر له، لا يستطيع أن يبيت معه لعدم مطابقة الاعتقاد مع العلم. فهذه شيخنا مراحل متفككة، قد تتحقق في مورد: علم، اعتقاد، عمل، وقد تنفك في مورد آخر: علم من غير اعتقاد، عمل من غير اعتقاد، هذه كلها قابلة للتفكك.
ما عنده بناء نفساني على الالتزام بفتوى مرجع معين، ما عنده هذا الالتزام، يعلم، لكنه تورط بالمسألة، تورط بمسألة في مقام العمل في ذهنه أن السيد الفلاني يفتي، استند إليها، وإلا هو ما عنده التزام مبني على الالتزام بفتاوى، استند إليها في مقام العمل حتى يحصل على المؤمن. انتهى الموضوع. صار معلوم؟
أنا كنت أفكر أن هذا الحصول على المؤمن وهذا النوع من التفكير، مو هذا محرك للتقليد، ولكن بعد هذا البيان اختلفت الأمور. الآن أنا ما أدري وين وصلنا.
فاندفع المانعان، دفع المانعان؛ لأنه ما دمنا نقول بأنه يكفي الاستناد إلى الحجة، ففي كلا الموردين والمحذورين تم الاستناد إلى الحجة، فلا يأتي لا محذور الدور ولا يأتي محذور تقدم العمل على التقليد.
ولو قيل -ربما هنا يستشكل بإشكال، وهذا الإشكال يتوجه لصاحب الفصول قدس سره، لو أُشكل من صاحب الفصول- بأن الاستناد إلى الحجة، أو بأن ال... -غفر الله للشيخ أحمد- بأن الحجية، حجية الفتوى هي مشروطة بالالتزام بالعمل! حجية الفتوى مشروطة بالالتزام بالعمل، فحينئذ سيبقى الإشكالان على ما هما عليه. انتم في مقام دفع الإشكال قلتم: يكفينا سبق الاستناد إلى الحجة، إذا كان قد استند في عمله إلى الحجة فهذا يكفينا لحل الإشكالية.
نقول بأن هذه الفتوى كيف تكون حجة؟ تكون حجة إذا التزم بالعمل؛ مشروطة بالالتزام بالعمل. فما لم يكن هنالك التزام بالعمل فإن الفتوى ليست بحجة. فاذا كان الأمر كذلك، فمتى ما حصل استناد إلى حجة فإن الالتزام بالعمل قد تخلل بين حجية الفتوى وبين العمل، وعلى ذلك رجعنا إلى ما خرجنا منه وهو أن التقليد ليس التزاماً وإنما هو عمل.
نقول: لا، لابد أن يكون هنالك التزام، لأن حجية الفتاوى التي يستند إليها لابد أن تتحقق حجيتها إلا بالالتزام بالعمل من قبل من يعمل بها. إذاً فععندنا هنا مرحلة متوسطة، وهي مرحلة الالتزام بالعمل. بعبارة أخرى، مو احنا حلينا القضية باستناد العمل إلى الحجة صح لو لا؟ فإذا عالجنا القضية من هذه الناحية حينئذ ماذا نقول؟ حينئذ نقول بأن التقليد هو العمل ولا محذور في ذلك.
يقول صاحب الفصول أو من يشكل على ضوء مبنى صاحب الفصول: هذا العمل استند إلى الحجة، الحجة كيف صارت حجة؟ بالالتزام بالعمل! ما لم يكن هنالك التزام بالعمل لا تثبت لها الحجية، فلا يتحقق عنوان الاستناد إلى الحجة ما لم يكن هنالك التزام بالعمل. فإذاً لابد أن نفترض الالتزام بالعمل متقدماً على ماذا؟ على العمل، حتى يستند العمل إلى الحجة، إذ إن الحجة مشروطة بالالتزام، فما لم يكن هنالك التزام لا يكون العمل مستنداً إلى حجة، فلا بد من تخلل الالتزام بالحجة -بالعمل- بين الحجة وبين العمل، فرجع العمل إلى التقليد وهو الالتزام.
يقول السيد الحكيم: لو أُشكل بهذا فجوابه هو أن هذا مما لا دليل عليه ومحض دعوى! أن حجية الحجة مشروطة بالالتزام هذا لا دليل عليه، بل إن أدلة التقليد التي تثبت الحجية للفتوى ظاهرة في أن الحجية غير مشروطة بالالتزام، بل نقطع من خلال بعضها بأن الحجية غير مشروطة بالالتزام: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: 7]، بناءً على أنه من أدلة التقليد كما يرى سيدنا الحكيم قدس سره، فإن هذه الآية إنما أوجبت السؤال لأهل الذكر لحجية ماذا؟
أجوبتهم، لحجية فتاواهم؛ فهذه الآية مثبتة لحجية فتاواهم من غير قيد ولا شرط. كذلك هو الكلام في آية النفر التي أثبتت الحجية للفتاوى وللإنذار من غير قيد ولا شرط. فإذاً هذا الاحتمال محض دعوى، ولا يصلح أن يكون ماذا دافعاً لما ذكرناه من أن التقليد هو العمل وليس هو الالتزام. ما أدري هذا واضح أو لا؟
زين، هذه نقطة.. ايش قد قلنا؟ رابعة، خامسة.. رابعة هي مناقشة رابعة الفصول.
#
النقطة الخامسة: التوفيق بين كلمات الأعلام
النقطة الخامسة أفاد قدس سره وجه التوفيق بين الكلمات، قال: ألسنا نحن قد ادعينا بأن الاختلاف في تعريف التقليد اختلاف لفظي، وذكرنا بأن هناك من عرف التقليد بأنه أخذ، ومنهم من عرفه بأنه قبول، ومنهم من عرفه بأنه التزام، عمل.. هذه التعاريف كلها ترجع إلى معنى واحد، إذ إن المراد من الأخذ هنا هو الأخذ العملي. والمراد من الأخذ هو الأخذ العملي، ويسوق له شواهد من قبيل: (خذ بما وافق الكتاب) أخذ عملي، (خذ بما خالف العامة) أخذ عملي، (خذ بقول أعدلهما).. ورد التعبير بالأخذ في موارد متعددة والمراد من الأخذ هو الأخذ العملي.
فإذاً الأخذ والعمل شيء واحد. والكلام في القبول هو الكلام، فإن المراد من القبول هو القبول عملاً تطبيقاً، وليس المراد من القبول هو القبول النفساني الموافق للالتزام. فظهر بأن هذه التعاريف تعاريف تصب في قالب واحد في معنى واحد.
وأما التعريف بالالتزام الذي اختاره صاحب العروة قدس الله نفسه، فإنه مما لم يقبله سيد المستمسك أعلى الله مقامه. هذا خلاصه كلامه فيما لو بنينا على أن المجتهد واحد والمرجع واحد فنقول التقليد هو العمل بقول هذا المجتهد، واما لو كان المجتهد متعددًا المرجع متعدداً فهنا كلامه.. طبعا هذا كلامه كله الذي ذكرناه وقررناه وعرضناه كله محل اخذ ورد، سيما دعواه قدس سره بأن الخلاف في تعريف التقليد خلاف لفظي، هذه محل كلام مشكل جداً.
إن شئتم أن نقف وقفنا، وإن شئتم أن نذهب ذهبنا، والأمر إليكم. أنا أقرأ بس العبارة ثم الأمر إليكم:
قال: (وقد اختلفت كلماتهم في تعريف التقليد، ففي بعضها أنه الأخذ بقول الغير من غير حجة، وفي آخر أنه العمل بقول الغير) وهذا القيد جداً مهم (بقول الغير من غير حجة)، فإذا صار
أخذ بقول الغير مع حجة لا يكون تقليداً، الأخِذ.. الأخذ بقول الغير مع الحجة لا يكون تقليداً، وإنما يكون.. يكون.. يكون استناداً إلى الحجة لا إلى قول الغير.. ليس الدليل.. أي كأنه يكون صاحب دليل، غاية الأمر أنه ليس مبتكراً للدليل، وإنما أوصله غيره إليه، هذا ينفعني في أصول المدلول.
(وفي ثالث أنه قبول قول الغير). لكن هذا الاختلاف وإن كان لأول نظرة ظاهراً في الاختلاف في معنى التقليد ومفهومه، إلا أن عدم تعرضهم للخلاف في ذلك مع تعرضهم لكثير من الجهات غير المهمة يدل على كون مراد الجميع واحداً، وأن اختلافهم بمحض التعبير، يعني لفظي، لفظي.
(وظاهر القوانين) -هذا كأنه ذكره شاهداً لما يدعي- (وظاهر القوانين أن مراد الجميع العمل، حيث نسب تعريفه بالعمل بقول الغير إلى العضدي وغيره، مع أن تعريف العضدي كان بالأخذ، مما يعني أنه يرى الأخذ والعمل شيء واحد. وظاهر الفصول أن المراد الالتزام، حيث قال: واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه).
لا يعتبر.. ليش؟ أنا شوفوا، فهنيس الشيخ صاحب الفصول قال: (لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه، بل يكفي الالتزام). زين، إذا بنينا على أنه يكفي الالتزام تجينا هني فروع: لو التزم ولم يعمل فمات الذي يقلده فمات الذي التزم بفتاواه، هل له أن يبقى على تقليده أم لا؟ على ضوء كلامه يبقى؛ اللي يقول بانه التزام يقول تحقق تقليده يبقى، اللي يقول بانه عمل لم يتحقق منه.. لم يتحقق منه تقليده. الكلام هو الكلام في الصبي الذي التزم بفتاوى مرجع من المراجع ولم يعمل لكونه صبياً. الكلام هو الكلام: لو التزم ثم أراد أن يقلد آخر، فهل له العدول أو ليس له العدول؟ لكن الالتزام تحقق منه تقليد فليس يصح له العدول إلى آخر إلا ببينة، بينما إذا قلنا هو العمل لم يتحقق منه تقليد. فإذا صار الخلاف مو خلاف لفظي بس، صار خلاف جوهري! الثمرات فعلاً تترتب على هذا الخلاف أم لا تترتب؟ ذاك كلام آخر، لس تقريب الفكره أن هذا ما ترتب عليه ثمار، ولذلك قلت لكم الأمر إليكم.
(واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه). ليش لا يعتبر؟
لأن العمل مسبوق بالعلم، المفروض يكون مسبوق بالتقليد فلا يكون سابقا عليه على العمل. فاذا افترضنا انه تقليد هو العمل صار العمل عنوان انتزاعي.. عنوان انتزاعي، إذا العمل تقدم على ماذا؟ على التقليد، هذا المانع الأول، هذا المانع الأول. ولئلا يلزم الدور في العبادات -هذا المانع الثاني- من حيث أن وقوعها (أي وقوعها بما هي عبيدة) يتوقف على قصد القربة، وهو -قصد القربة- يتوقف على العلم بكونها ماذا؟ عبادة، والعلم بكونها.. والعلم بكونها عبادة يتوقف على.. على.. التقليد.. تقليد.. رجوع للحجة. فلو توقف العلم -يعني التقليد- بكونها عبادة على وقوعها، كان ماذا؟ كان دوراً.
(نعم)، إلى أن قال: (وقول العلامة رحمه الله في النهاية بأن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة بيان لمعناه اللغوي، كما يظهر من ذيل كلامه، وإطلاقه على هذا شائع في العرف العام) -يعني إطلاق التقليد على العمل شائع في العرفيات-.
سيد الحكيم يعلق الآن يقول: (وظاهره تسليم كون التقليد لغة هو العمل -ظاهر كلام العلامة لا فصول- إلا أنه يجب حمله اصطلاحاً بنظره على مجرد الالتزام لا العمل، فراراً عن الاشكالين المذكورين في عبارته. لكن يدفعهما أن دليل حجية الفتوى يقتضي كونها بمنزلة العلم، وهي سابقه على العمل وكافية في حصول نية القربة).
(سابقة على العمل) -دفع للإشكال الأول-، و(كافية في حصول نية القربة) -دفع للإشكال الثاني-.
و(دعوى) -لو أن صاحب الفصول اعترض- (ودعوى أن حجية الفتوى مشروطة بالالتزام بالعمل، كما يظهر منه قدس سره في شرح قولهم في تعريف التقليد من غير حجة، وبالتالي ما فررنا منه رجعنا إليه، فالتقليد هو الالتزام لأن الالتزام سيتوسط بين الفتوى وبين عمل) يدفعها: (أنها خلاف ظاهر أدلة الحجية، أدلة الحجية مطلقة، بل خلاف المقطوع به من بعضها كما لا يخفى).
هذا مضافاً إلى النظر والإشكال في مقدمات الإشكالين المذكورين، كما يظهر ذلك بالتأمل. أساساً مو هذه.. أصلاً مقدمة.. نعم، مقدماتهم من الأساس طايحة! هسّان تفكروا في هذا الجانب ووافوني، شلون مقدمات الإشكالين محل النظر؟ وين محل النظر في مقدمات الإشكالين؟
فكروا واكتبوا أجيبوا شفاهاً، الأمر إليكم.
(وأما التعبير بالأخذ في كلام الجماعة كما سبق، فالظاهر أن المراد منه العمل عن.. الأخذ العملي، كما في كثير من المقامات، مثل: الأخذ بما وافق الكتاب، والأخذ بما خالف العامة، والأخذ بقول أعدلهما في باب التعارض، ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات، إلى غير ذلك مما هو كثيرون. ولعل المراد أيضاً من القبول المذكور في كلام بعضهم ولعله أيضاً المراد من القبول، يعني القبول العملي). طبعا ليش قال ولعله؟ باعتبار أن القبول يحتمل أن يكون المقصود منه الالتزام، يحتمل أن يكون المقصود من قبول في كلمات بعضهم هو الالتزام وليس القبول العملي؛ قبل بفتوى بمعنى أنه التزم، التزم بها، حتى في اللغة يقال: ممكن، نعم.
مع أن عدم إرادته من.. يعني من القبول عدم إرادة العمل من القبول لا يهم بعدما عرفت من كون مقتضى الأدلة جواز العمل بالفتوى بلا توسيط الالتزام، بلا توسيط الالتزام، فلا يكون دخيلا في حصول الأمن من الضرر ولا واجباً تخييرياً بالوجوب الفطري والعقلي المتقدمين آنفاً.
فلو أن شخصاً عمل مستنداً إلى فتوى الفقيه ولم يلتزم -بمعنى لم يبن بناء نفسانياً على الأخذ بفتواه- حصل له المؤمن أو لم يحصل؟ حصل له المؤمن. فحينئذ لا نحتاج إلى توسيط الالتزام.
هذا تمام كلامه، زيد في علو مقامه. والحمد لله رب العالمين.
