دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 17
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
استجابةً لرغبتكم في التوسع فيما يرتبط بمسألة حقيقة التقليد ومفهوم التقليد، نحاول أن نلخص الكلام هذا اليوم بالمقدار الذي يفي - إن شاء الله - بتحقيق رغبتكم من غير توسع في ذلك بأكثر من هذا المقدار.
للأعلام في هذه المسألة أقوال متعددة، والمهم من هذه الأقوال أربعة أقوال:
الأقوال في حقيقة التقليد
القول الأول: التقليد هو الالتزام بالعمل بقول المجتهد وإن لم يعمل به. وقلنا بأن المراد من الالتزام هو البناء النفساني. وهذا القول هو مختار السيد اليزدي (قدس سره)، ومختار المحقق الروحاني (أعلى الله مقامه الشريف) صاحب «منتقى الأصول» من المتأخرين أو المعاصرين.
القول الثاني: التقليد هو الأخذ بفتوى المجتهد وإن لم يعمل على طبقها. وهذا هو مختار المحقق الآخوند (قدس سره) في «الكفاية»، وهو ظاهر كلام السيد گلپايگاني (أعلى الله مقامه الشريف) في حاشيته على «العروة»، وكذلك أيضاً ما يظهر من تعليقات السيد الفاني الأصفهاني (قدس سره).
وقبل أن أبين القول الثالث، هنا قد يرد سؤال وهو: ما هو الفرق بين مبنى الالتزام وبين مبنى الأخذ؟
والجواب عن ذلك: هو أن الالتزام - كما ذكرنا - يراد به العقد القلبي والتباني النفساني، بينما المراد بالأخذ هو التعلم، سواء كان هنالك التزام بالمعنى الذي ذكرناه أم لم يكن هنالك التزام. إذاً، فإن المراد من الأخذ هو التعلم.
القول الثالث: أن التقليد هو العمل اعتماداً على فتوى المجتهد، أو استناداً إلى فتوى المجتهد. وهذا هو مختار المحقق الأصفهاني (قدس سره)، والسيد البروجردي، والشيخ التبريزي، وكذلك اختاره أيضاً سيدنا الأستاذ المحقق السيد الروحاني (قدس سره)، كما اختاره شيخنا الوحيد الخراساني (دامت بركات وجوده).
القول الرابع: هو تعدد معاني التقليد بحسب تعدد المسائل واختلاف الموارد؛ فالتقليد ليس له معنى واحد بل له معانٍ متعددة تختلف باختلاف الموارد. وهذا القول قد ذهب إليه السيد الأصفهاني (أعلى الله مقامه) - السيد أبو الحسن - في حاشيته على «العروة»، وكذلك أيضاً في رسالته العملية الشريفة «وسيلة النجاة».
واختاره أيضاً السيد عبد الهادي الشيرازي (أعلى الله مقامه) وسيدنا المحقق الخوئي (قدس سره)، مع اختلافهم طبعاً في تحديد معاني التقليد بحسب اختلاف المسائل؛ فرب واحد منهم يفسره بمعنىً في مسألة ويفسره الآخر بمعنى آخر في نفس المسألة، إلا أنهم يتفقون على أن معاني التقليد متعددة.
ولا يفوتنا طبعاً هاهنا أن نشير إلى أن صاحب «المستمسك» (قدس سره) قد بنى على القول الثالث كما تقدم إيضاحه في الدرس السابق. كيف كان، هذه هي أهم الأقوال في المسألة.
والمهم لنا نحن ملاحظة أدلة هذه الأقوال، فنأتي أولاً إلى أدلة القول الثاني وهو أن التقليد هو الأخذ (وسيتبين لماذا قدمت أدلة القول الثاني على القول الأول).
مناقشة أدلة القول الثاني (أن التقليد هو الأخذ)
القول الثاني استُدل له بدليلين يستفادان من كلمات المحقق الآخوند (قدس سره) في «الكفاية»:
الدليل الأول: أن التقليد لا بد أن يكون سابقاً للعمل، وإلا - إن لم يكن سابقاً للعمل - فإن العمل يقع بلا تقليد. وإذا كان هذا المحذور لا يمكن أن يتفادى إلا بأن يكون التقليد سابقاً للعمل، فإن سبق التقليد للعمل لا يتحقق إلا بالأخذ قبله. إذاً، فنحن نلتزم بأن التقليد هو الأخذ حتى نتفادى هذا المحذور، وهو محذور سبق العمل على التقليد أو وقوع العمل بغير تقليد. هذا هو ما التزم به صاحب «الكفاية».
ولكن تلميذه المحقق الأصفهاني (قدس سره) قد أجاب عن هذا الاستدلال بأن اللازم بحكم العقل ليس إلا هو العمل المستند إلى الحجة. وبعبارة أخرى: ليس هو إلا الاستناد إلى الحجة في مقام العمل؛ لماذا؟ لأن الاستناد إلى الحجة هو الذي يحصل به المؤمّن، وبالتالي فالذي يلزم هو سبق الحجة وليس سبق التقليد. وبعبارة أخرى: لنا أن نقول بأن استناد العمل إلى الحجة هو اللازم، وهذا - وإن كان قد يقال إنه لا يتحقق إلا بسبق أخذها وتعلمها على العمل - إلا أن هذا لا يلزم منه تسمية هذا الأخذ المقدم بالتقليد. صار واضحاً؟ فنحن نفترض بأن التقليد هو العمل مثلاً، ولا يقال بأن هذا لا يصح لأن العمل لا بد أن يكون عن تقليد؛ لأننا نمنع من هذه المقدمة في الاستدلال، ونقول بأن العمل لا بد أن يكون عن حجة، وليس لا بد أن يكون عن تقليد.
فإذا كان لا بد أن يكون عن حجة، فإن الحجة متحققة بحسب الفرض، وحينئذٍ سمينا أخذ هذه الحجة تقليداً أو لم نسمه كذلك لا يضرنا، فنلتزم بأن التقليد هو العمل، ولا مشكلة في عدم تحقق التقليد قبل العمل؛ لأن المهم هو مطلوبية استناد العمل إلى الحجة ليس إلا، وليس المطلوب استناد العمل إلى التقليد. على أنه إذا تأملنا في مسألة لزوم مطابقة العمل للحجة، يُعلم من ذلك بأن المطابقة والاستناد هي المطلوبة. ولا أريد أن أتعمق في هذه النقطة حتى لا يحصل تشويش، ونكتفي بما ذكرنا.
الدليل الثاني: الذي استدل به صاحب «الكفاية» (قدس سره) هو أن مشروعية العمل تتوقف على التقليد، فلو كان التقليد منتزعاً عن العمل للزم محذور الدور؛ إذ إن العامي لا يتمكن من الإتيان بغسل الجمعة مثلاً بعنوان كونه واجباً أو مستحباً إلا مع التقليد، فلو توقف تحقق تقليده على الإتيان بالغسل - حتى ينتزع منه - لكان ذلك دوراً باطلاً كما هو ظاهر، وقد تقدم نظيره أمس.
وهذا الاستدلال أجاب عنه المحقق الخوئي (قدس سره) بأن المتوقف غير المتوقف عليه؛ إذ إن عنوان التقليد وإن كان يتوقف على تحقق العمل كما هو الفرض، إلا أن العمل لا يتوقف عليه، بل العمل يتوقف على الاستناد إلى الحجة، فصار المتوقف غير المتوقف عليه، فلا دور إذاً.
فإذاً كلا الدليلين لا يمكن الاستدلال بهما على أن التقليد هو الأخذ. ونفس هذين الدليلين يمكن الاستدلال بهما - كما ظهر من الدرس السابق - للقول الأول، وهو ما التزم به صاحب الفصول (قدس الله نفسه) وتبعه السيد الماتن من أن التقليد هو الالتزام؛ ولذا نحن قدمناهما.
أدلة القول الأول (أن التقليد هو الالتزام)
ومضافاً إلى ذلك، فإن هنالك أدلة أخرى يمكن أن يستدل بها على مسلك الالتزام. فنقول مضافاً للدليلين السابقين اللذين تبين وجه الخدشة فيهما: هنا دليل ثالث يستفاد من كلمات سيد المنتقى (أعلى الله مقامه الشريف) في تعاليقه الاستدلالية المخطوطة على كتاب الاجتهاد والتقليد من «العروة الوثقى».
السيد الروحاني (قدس سره) يقول بأن ثمرة البحث حول معنى التقليد لا تظهر إلا في موردين:
1. المورد الأول: مسألة البقاء على تقليد الميت كما أوضحنا.
2. المورد الثاني: مسألة العدول من حي إلى حي آخر.
فهنا قد يقال بأن التقليد إذا كان بمعنى الالتزام فيصح البقاء لمن التزم وإن لم يعمل، وكذلك نقول لا يصح العدول إلى المجتهد الآخر ما دام قد حصل التزام، بينما يصح إذا قلنا إن التقليد هو العمل؛ لأنه قد التزم ولم يعمل. في هذين الموردين تظهر الثمرة.
وإذا كانت الثمرة تظهر في هذين الموردين، فنحن نقول بأن دليل التقليد قد دل على جواز التقليد مطلقا، ولم يخرج من هذا الإطلاق إلا تقليد الميت ابتداءً للإجماع؛ فإنه لا يجوز. فحينئذٍ لا بد من البحث حول أن مراد المجمعين من التقليد الذي منعوه (تقليد الميت ابتداءً) ما هو؟ وإذا تأملنا في كلماتهم نجد أن مرادهم من التقليد في هذين الموردين هو الالتزام؛ فإن من التزم بتقليد شخص فمات لا يكون تقليده له ابتدائياً ومشمولاً لدليل المنع، وأما من لم يلتزم فهو المشمول لدليل المنع. كذلك أيضاً من التزم بتقليد أحد المجتهدين، فإن قوله حينئذٍ يكون حجة بالنسبة له، وحينئذٍ يُقال بعدم جواز عدوله للالتزام بقول المجتهد الآخر، بخلاف من لم يلتزم بقول أحدهما فإنه يجوز له العدول إلى الآخر.
إذاً، الذي نستظهره أن التقليد في هذين الموردين إنما هو بمعنى الالتزام، فإذا كان هذا هو معناه فحينئذٍ لا حاجة لاستظهار معنى للتقليد غير هذا المعنى وهو الالتزام.
ولكن هذا الذي أفاده (قدس الله نفسه) - إن كنا قد فهمناه - يُسجَّل عليه بأن ثبوت التقليد بمعنى الالتزام في هذين الموردين (على فرض التسليم به طبعا) لا يعني أن التقليد كذلك في بقية الموارد، كما هو في مسألة وجوب التقليد أو في مسألة جواز الاجتزاء به؛ فإنه في مثلها لا شك أن المراد بالتقليد هو العمل. فحينما يقال: يجب التقليد على المكلف، ليس المراد من الوجوب هو مجرد الالتزام وإنما المراد هو العمل؛ لماذا؟
لأن العمل هو الذي يحصل به المؤمن دون الأخذ أو الالتزام. كما أنه أيضاً ليس الالتزام بواجب إجماعاً والحال أننا نقول: يجب عليه التقليد، فلو كان التقليد بمعنى الالتزام لكان الالتزام بمعنى التباني النفساني واجباً غير العمل، والحال أنه لا قائل بذلك.
وهكذا هو الكلام في مسألة حرمة تقليد المجتهد لغيره؛ فإن المراد بالتقليد فيها الذي يحرم على أحد المجتهدين إنما هو بمعنى العمل. إذاً، فثبوت أن التقليد في بعض الموارد بمعنى الالتزام لا يعني أن التقليد في موارد أخرى بنفس المعنى.
هذا مضافاً أيضاً إلى أن جواز البقاء على تقليد المجتهد الميت وحرمة العدول من مجتهد إلى آخر لا تدوران مدار تفسير التقليد بالالتزام - كما نبه على ذلك سيدنا الخوئي - بل تدوران مدار ما تقتضيه القواعد وإطلاقات الأدلة كما سيتضح إن شاء الله تعالى في المسائل اللاحقة.
فإذاً القول الأول عفواً لم تتم أدلته، وإلى هنا اتضح عندنا بأن القول بأن التقليد هو الالتزام وكذلك القول بأن التقليد هو عبارة عن الأخذ كلاهما ليس بتام.
أدلة القول الثالث (أن التقليد هو العمل) ومناقشتها
وأما القول الثالث - وهو ما اختاره المحقق الأصفهاني وتبعه صاحب «المستمسك» من أن التقليد هو العمل - فهذا القول قد أقيمت عليه عدة من الشواهد والقرائن:
القرينة الأولى: القرينة اللغوية؛ فإن التقليد لغة هو جعل القلادة في الجيد، ومن ذلك ما ورد مثلاً في حديث الخلافة: «قلدها رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام»، ما معنى قلدها؟ أي جعلها في عنقه. وهذا المعنى لا يتلاءم مع كون التقليد هو الأخذ أو الالتزام، بل لا يتلاءم إلا مع كون التقليد هو العمل؛ فإن المكلف إذا قلد مجتهداً يكون قد جعل أعماله في عهدته، فالتقليد أمر عملي. وأما لو فسرنا التقليد بالالتزام أو الأخذ تعلماً، فإن مؤداه سيكون هو جعل فتاوى المجتهد قلادة في عنق المكلف نفسه، وجعل الفتاوى قلادة في عنق المكلف تقلد وليس تقليداً. وبعبارة واضح: نحن إما أن نقول إن التقليد هو العمل، أو نقول إن التقليد هو الأخذ أو الالتزام.
فإذا قلنا بأن التقليد هو العمل طابق ذلك المعنى اللغوي؛ إذ المعنى اللغوي أن التقليد جعل القلادة في عنق الغير، والمكلف المقلِّد حين يعمل فإنه يجعل أعماله في عنق غيره، فطابق ذلك المعنى اللغوي. ولكن عندما نفسر التقليد بأنه الالتزام (الالتزام بقول الغير والبناء النفساني)، فالذي يحصل من الالتزام إنما هو جعل القلادة في عنق المقلِّد، وجعل القلادة في عنق المقلِّد ليس تقليداً وإنما هو تَقَلُّد، وكذلك لو فسرنا التقليد بالأخذ.
وعندما نرجع إلى الروايات الشريفة نجد فيها أن التقليد - وإن كان لا يرتبط بمسألة التقليد التي نحن فيها بوضوح - استخدم فيما يرتبط بالعمل؛ فمثلاً ورد في معتبرة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «كان أبو عبد الله عليه السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن المسألة فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة لم يرد عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو في عنقه قال أم لم يقل، وكل مفتٍ ضامن». إذاً هنا فُسِّر التقليد بأنه جعل القلادة في عنق المفتي (المقلَّد) لا في عنق المقلِّد، وجعل القلادة في عنق المقلَّد يتطابق مع العمل لا مع الأخذ والالتزام.
وهذا الذي ورد في الروايات أيضاً مما جرى عليه الفهم العرفي لمفرده التقليد؛ ولذلك يقولون: «قلدتك الدعاء والزيارة»، بمعنى: إني جعلت هذين العملين في عنقك. ويقال: «قلدها عالماً واخرج منها سالماً»، بمعنى: اجعل هذا العمل في عهدتهما وفي عنقهما. فإذاً القرينة الأولى هي القرينة اللغوية. ومن خلال تقريرنا لهذه القرينة يتضح ما في كلام شيخنا الأعظم (قدس الله نفسه) من الإشكال حينما قال بأن الالتزام هو الأوفق بـ(التقليد) لغةً. هذه القرينة الأولى.
القرينة الثانية: القرينة العقلية؛ فإننا قد ذكرنا سابقاً بأن العقل يحكم بلزوم التقليد أو بدليته.
والذي يقتضي أن يكون التقليد هو العمل استناداً إلى الحجة؛ لماذا؟ إذ إن مجرد الأخذ أو الالتزام لا يكفيان في تلبية حكم العقل بلزوم تحصيل المؤمن؛ العقل يقول: هنالك تكاليف واقعية وعليك أن تحصل على المؤمن تجاهها، فلو أن المكلف أخذ تلك التكاليف ولم يعمل، أو أنه التزم بها نفسانياً ولم يعمل، فإنه لا يحصل له المؤمن من العقاب. فالقرينة العقلية القاضية بوجوب التقليد قاضية بأن التقليد لا بد أن يكون بمعنى العمل.
القرينة الثالثة: القرينة العقلائية؛ فإن سيرة العقلاء حفظاً لنظام أمورهم قائمة على تقليد أهل الخبرة، كالاطباء والمهندسين والبنائين. فنسأل هنا: تقليد أهل الخبرة الذي قامت عليه سيرة العقلاء، هل تقليدهم بمعنى الأخذ والالتزام أم تقليدهم بمعنى العمل؟ فأنا عندما أذهب إلى المهندس أقلده بمجرد الأخذ بكلامه أو بالعمل على طبق كلامه؟ لا شك أن العقلاء لا يترددون في أن التقليد من سنخ العمل لا من سنخ الالتزام. هذه القرينة الثالثة.
القرينة الرابعة: القرينة الشرعية؛ فإن النصوص الشرعية (على فرض صلاحية الاستدلال بها في مسألة التقليد) لا يستفاد منها إلا أن التقليد هو العمل؛ فمثلاً آية النفر: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: 122]، الظاهر من «الحذر» فيها هو العمل على طبق كلام المنذِر دون مجرد الالتزام أو الأخذ؛ إذ إنه بمجرد الالتزام أو العلم لا يتحقق الحذر كما هو ظاهر.
إذاً، هذه قرائن أربع: قرينة لغوية، وقرينة عقلية، وقرينة عقلائية، وقرينة شرعية، كلها تؤكد على أن التقليد من سنخ العمل وليس من سنخ التعلم أو الالتزام.
ولكن هذه القرائن الأربع لمتأمل أن يتأمل فيها:
- أما القرينة الأولى (القرينة اللغوية): فهي مبنية على ورود لفظ التقليد في لسان الأدلة في رواية صحيحة؛ فإنه إذا ورد لفظ التقليد في لسان شيء من الأدلة حينئذٍ يرجع إلى المعنى اللغوي ويرجع إلى المتفاهم العرفي، وعلى ضوء ذلك يتحدد معنى التقليد. ولكن إذا بنينا على عدم ورود رواية صحيحة فإن الرجوع للمعنى اللغوي والمتفاهم العرفي مما لا أثر له. فمثلاً: «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه... فللعوام أن يقلدوه»، إن بنينا على أن هذه الرواية صحيحة وورد فيها لفظ التقليد فحينئذٍ يتنازع في معناه اللغوي والعرفي ويُعوَّل على
ما جاء فيهما، ولكن إذا لم يرد عندنا في رواية أو قلنا بأن الرواية غير صحيحة فهذه القرينة اللغوية لا تصلح لشيء.
- وأما القرينة الثانية (القرينة العقلية): فإنها وإن تمت في مسألة لزوم التقليد أو إجزائه (بمعنى يجب على المكلف التقليد أي يجب عليه العمل)، إلا أنها لا تقتضي أن يكون التقليد بنفس المعنى في مسألة البقاء أو مسألة العدول مثلاً، والأمر واضح.
- وأما القرينة الثالثة (القرينة العقلائية): فإنها وإن قامت على ذلك ويستفاد منها دخالة العمل في تقليد أهل الخبرة حفظاً للنظام، إلا أن العقلاء لا يجدون حزازة في إطلاق التقليد على الالتزام في بعض الموارد كمسألة البقاء مثلاً. وبعبارة أخرى: إن السيرة من الأدلة اللبية فيُقتصر فيها على القدر المتيقن، والقدر المتيقن غير هذا المورد؛ فسيرتهم على أن التقليد بمعنى العمل إنما هو في هذه الموارد، وأما في غير هذه الموارد فلا نحرز قيام السيرة حتى نقول إنها حجة.
- وأما القرينة الرابعة (القرينة الشرعية): فنقول بأن الأدلة اللفظية مختلفة اللسان؛ إذ إن آية النفر مثلاً وإن كانت تفيد بأن التقليد هو العمل، غير أن آية السؤال (بناءً على كونها من أدلة التقليد) يمكن أن يستفاد منها بأن التقليد هو الأخذ والتعلم وليس هو العمل.
القول المختار (تعدد معاني التقليد)
فتحصل من جميع ما ذكرناه أن الأقوال الثلاثة في تفسير معنى التقليد يمكن أن يناقش في أدلتها. وبذلك نصل إلى القول الرابع، ونعتقد بأن القول الرابع هو القول الصحيح، وهو تعدد معاني التقليد:
1. فقد يكون التقليد في مورد بمعنى العمل؛ كما في قولهم مثلاً: «يجب على كل مكلف أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً»، فهنا نقول بأن التقليد الواجب بحكم العقل هو التقليد بمعنى العمل؛ لأنه هو الذي يحقق المؤمن.
2. وقد يكون التقليد بمعنى الأخذ والتعلم؛ كما هو في قولهم مثلاً: «عمل العامي بلا تقليد باطل»، فهنا مرادهم من التقليد هو التعلم والأخذ (أي عمل العامي بلا تعلم للحكم باطل).
3. وقد يكون التقليد بمعنى الالتزام؛ كما في قولهم مثلاً: «الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت»، فهنا المراد من التقليد يحتمل قوياً بأنه بمعنى الالتزام، وسيأتي بيان ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى.
فالمتحصل أن عنوان التقليد لم يؤخذ بنفسه موضوعاً للحكم الشرعي، بل بحسب ما اقتضاه الدليل في كل مورد من الموارد؛ فالدليل قد يكون مقتضاه كفاية الالتزام في مورد، وعدم كفاية إلا العمل في مورد آخر (بحيث الالتزام لا يكفي).
وعلى هذا تترتب ثمرة تتعلق بالبحث اللاحق، وهي أننا لا نحتاج إلى التفصيل في البحث عن معنى التقليد بين كون المجتهد واحداً أم متعدداً كما صنع ذلك المحقق العراقي والسيد الحكيم والسيد الخوئي.
هذا تمام الكلام حول هذا المطلب، وقد تعرضنا له باختصار أرجو أن يكون هذا الاختصار مفيداً إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
