دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 2
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
قال الماتن أعلى الله مقامه الشريف: «يجب على كل مكلف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً». وللسيد الشارح قدس الله نفسه الزكية ثلاثة تعاليق على هذه المسألة:
#
التعليق الأول: في حقيقة الوجوب وتكييفه
التعليق الأول يرتبط بمفردة «الوجوب» في المسألة: «يجب على كل مكلف...». ما هو سنخ هذا الوجوب؟
وهنا تعرض قدس الله نفسه الزكية لبيان أمرين: الأمر الأول؛ ما هو سنخ هذا الوجوب؟ والأمر الثاني؛ ما الذي يترتب على هذا الوجوب؟
أما بالنسبة إلى الأمر الأول، فهنالك كلام بين الأعلام في أن هذا الوجوب هل هو وجوب شرعي، أم هو وجوب عقلي، أم هو وجوب فطري؟ واختار كل من الأعلام قدس الله أسرارهم مختاراً في هذه المسألة؛ فمنهم من رأى أن الوجوب وجوب شرعي، كما نسب ذلك للمحقق الأردبيلي أعلى الله مقامه، ومنهم من رأى أن الوجوب وجوب عقلي. كما أن الذين رأوا بأن الوجوب وجوب شرعي اختلفوا في أن هذا الوجوب الشرعي من أي نحو؛ هل هو وجوب غيري أم هو وجوب طريقي؟ وكلام طويل بينهم.
والذي يهمنا هو ما أفاده الشارح أعلى الله مقامه، سيدنا الحكيم قدس سره، حيث أفاد بأن هذا الوجوب وجوب فطري من ناحية، ووجوب عقلي من ناحية أخرى؛ فهو وجوب فطري لتحقق ملاك الوجوب الفطري فيه، ووجوب عقلي أيضاً لتحقق ملاك الوجوب العقلي فيه، ولا منافاة أن يكون لوجوب واحد أكثر من ملاك. وبيان ذلك هو أننا إذا لاحظنا بأن الشريعة المقدسة مشتملة على مجموعة من التكاليف الإلزامية، وكل مكلف يعلم بأن الشريعة المقدسة مشتملة على هذه التكاليف، وبمقتضى علمه بذلك فإنه لابد أن يخرج عن عهدة هذه التكاليف، وإلا فإنه يحتمل الضرر إن لم يخرج عن العهدة.
وإذا كان يحتمل الضرر، فإن هذا الاحتمال يلزمه بالخروج عن عهدة التكاليف من خلال الحصول على مؤمن يؤمنه عن العقاب، وهذا المؤمن إما هو أن يسلك طريق الاجتهاد ويعلم بتكاليفه من خلال الاجتهاد يعلم بها تفصيلا، وإما أن يسلك طريق الاحتياط فيأتي بالمحتملات التي يحتملها، يحتمل
أن التكليف فيها بحيث يتيقن أنه قد خرج عن العهدة، وإما أن يسلك طريق ماذا؟ طريق التقليد فيرجع إلى من قد حقق من خلال اجتهاده ما هو اللازم من التكاليف بعهدته. فإذا صورنا اللزوم -لزوم الخروج عن عهدة التكاليف- بهذا التصوير، فإن الوجوب حينئذ يكون وجوباً فطرياً. لماذا يكون وجوباً فطرياً؟
لأن ملاك الوجوب الفطري هو الاشتراك فيه بين الإنسان والحيوان. ملاك الوجوب الفطري هو أن يكون مشتركاً بين الإنسان والحيوان، بمعنى أنه لا ربط له بعقل الإنسان بل هو مربوط بجبلته، بخلقته، بفطرته، بتكوينه. وإذا كان مربوطاً بجبلته وفطرته وتكوينه فإنه يكون فطرياً، وهذا الوجوب الفطري عادة ما يشترك فيه الإنسان والحيوان، لأن الكل مجبول عليه. فإذا كان هذا هو ملاك الوجوب الفطري، حينئذ نقول: بأن ما ألزمنا بالخروج عن عهدة التكاليف الإلزامية في هذا المورد إنما هو لزوم دفع الضرر المحتمل، إذ أننا نحتمل ضرراً إن لم نخرج عن عهدة هذه التكاليف، فلابد من الخروج عن هذه العهدة بمقتضى لزوم ماذا؟ دفع الضرر المحتمل.
وإذا كان لزوم دفع الضرر المحتمل هو الملزم، فدفع الضرر المحتمل لا فرق فيه بين الإنسان وبين الحيوان؛ فكما أن الإنسان يدرك لزوم دفع الضرر المحتمل، كذلك الحيوان أيضاً يدرك ماذا؟ لزوم دفع الضرر المحتمل. وهذا أمر وجداني، فإننا نرى بأن الحيوان لأقل ضرر يشعر به فإنه ماذا يحاول أن يدفعه عن نفسه. إذاً فلزوم دفع الضرر المحتمل مشترك بين الإنسان وبين الحيوان، وهذا هو ملاك الوجوب الفطري، ولأجل ذلك نقول بأن هذا الوجوب وجوب ماذا؟ فطري. ولكن هذا الذي أفاده أعلى الله مقامه قد يستشكل فيه بما ذكره المحقق الأصفهاني رضوان الله تعالى عليه في كتاب الاجتهاد والتقليد، فإن المحقق الأصفهاني -وتبعه جمع ممن شرحوا العروة الوثقى-
ذهب إلى أن الوجوب الفطري بحسب الاصطلاح لا ينطبق على ما ذكره السيد الحكيم قدس سره -طبعا هم طبقوا إشكال المحقق الأصفهاني على مختار السيد الحكيم، وإلا فإنه ليس ناظراً إلى كلامه- إذ أن القضايا الفطرية بحسب الاصطلاح المنطقي إنما هي عبارة عن القضايا التي قياساتها معها؛ من قبيل ماذا؟
من قبيل أن الأربعة زوج، من قبيل أن الأربعة زوج، قضايا قياساتها معها، بمعنى أن وسطها حاضر يتوجه إليه الإنسان بأدنى التفات، يدركه بأدنى التفات، فإن من تطرح عليه قضية «الأربعة زوج» بمجرد أن يتصور المحمول ويتصور الموضوع فإنه يلتفت إلى أن الأربعة عدد زوجي، والعدد الزوجي قابل... عفواً يلتفت إلى أن الأربعة عدد قابل للإنقسام، والعدد القابل للانقسام ماذا؟ زوجي قطعا، فهي قضايا قياساتها معها. وإذا كانت القضايا الفطرية هي عبارة عن هذه، فإن هذا لا ينطبق على ما نحن فيه: «يجب على كل مكلف أن يكون مجتهداً أو محتاطاً أو مقلداً»، هذا ليس من القضايا التي قياساتها ماذا معها؟ بحيث يتوجه إليها الإنسان ويلتفت إلى الوسط بمجرد أن يلتفت إلى هذه القضية ويتصور موضوعها ومحمولها، ليست القضية من هذا القبيل، وبالتالي فدعوى أن هذا الوجوب وجوب فطري لا يساعد عليه الاصطلاح. هذا ما أفاده المحقق الأصفهاني قدس سره. ولكن يمكن أن يجاب عما أشكله دفاعاً عن سيدنا الحكيم قدس سره بأن يقال: لا مشاحة في الاصطلاح، بمعنى لا مانع، لا مانع من تعدد الاصطلاح؛ فكما أن القضايا التي قياساتها معها يصطلح عليها منطقياً بأنها قضايا فطرية، كذلك أيضاً القضايا التي فطر عليها الكائن البشري -القضايا التي فطر عليها المخلوق- يمكن أن يعبر عنها بأنها قضايا ماذا؟ فطرية. وبما أن وجوب دفع الضرر المحتمل مما جبل عليه الإنسان فطر عليه الإنسان، فلا مانع أن يصطلح عليه بأنه وجوب ماذا؟ فطري. ويتحقق هنا اصطلاح جديد للوجوب الفطري، وهو ما اشتَرَكَ فيه الإنسان والحيوان بحسب الفطرة بحسب الجبلة بحسب الخلقة وإن لم يكن من القضايا التي قياساتها ماذا معها. فعلى ذلك لا مانع أن نلتزم بأن هذا الوجوب وجوب فطري بالمعنى الذي ذكرناه، وليس وجوباً عقلياً لأنه ليس من مدركات العقل بل هو من مدركات الفطرة التي يشترك فيها العاقل وغير العاقل. صار معلوماً؟ هذا اصطلاح آخر، ذاك اصطلاح منطقي، ذاك اصطلاح منطقي يختص بعلم المنطق، وهذا اصطلاح آخر اصطلاح أصولي فقهي، لا مانع منه ولا محذور فيه.
كما هو العمل في العلوم، فإنهم لا يتوقفون، سيما في -يعني تارة- تارة يكون البحث في إطار علم واحد، في إطار علم واحد مثلاً بحث منطقي، فهنا يأتي الباحث يصطلح على شيء بأنه أو يعبر عن شيء بأنه فطري، والحال أن الاصطلاح المنطقي لا ينطبق عليه، هنا يؤاخذ بأنه تجاوز الاصطلاح. ولكنه لو خرج من العلم إلى علم آخر، فلا مانع أن يستخدم مصطلح واحد في أكثر من علم بمعان مختلفة، فيكون له اصطلاح عند المناطقة، ويكون له اصطلاح عند الفقهاء، ويكون له اصطلاح عند الأصوليين، وهذا كثير جداً في العلوم، فلا مانع منه ولا محذور فيه. فإن الوجوب مثلاً في اصطلاح المتكلمين بمعنى، بينما هو في اصطلاح الفقهاء بمعنى آخر، وكذلك هو في اللغة باصطلاح ثالث. فلا مانع من تعدد الاصطلاحات تبعا لتعدد العلوم، هذا لا محذور فيه. يعني إنما يؤاخذ السيد الحكيم قدس سره
لو كان قد صرح بأن مراده من الوجوب الفطري هو الاصطلاح المنطقي، فحينئذ يقال بأن هذا على خلاف الاصطلاح، وأما أنه لم يصرح بذلك بل بين بل ألمح إلى ملاك الوجوب الفطري هنا والذي هو يخرج الاصطلاح إلى اصطلاح آخر أصلاً فلا محذور فيه. وأما ملاك الوجوب التقويمي كيف؟ ملاك الوجوب الفطري. وأما نعم، وأما وجه الوجوب العقلي الآخر، ووجه الوجوب التخييري -عفواً- الآخر فهو الوجوب العقلي. وهنا يقال في تقريب الوجوب العقلي بعد أن أوضحنا المقدمة التي بنينا عليها الوجوب الفطري، وهي أن المكلف يدرك أن في الشريعة المقدسة مجموعة من التكاليف الإلزامية التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها.
يدرك ذلك ولكنه لا يعلمها تفصيلاً، يدرك أن هنالك تكاليف إلزامية وإن لم يدركها تفصيلاً، فحينئذ هل يجب عليه أن يخرج عن عهدة هذه التكاليف أم لا؟ يقول العقل: أيضاً يجب الخروج عن هذه العهدة. لماذا يجب الخروج عن هذه العهدة؟ لأن هذه التكاليف من المنعم سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يتحقق شكره إلا بماذا؟ إلا بامتثالها، لا يمكن أن يتحقق شكره إلا بامتثالها، فإذا كان لا يتحقق شكره إلا بامتثالها، إذاً يجب امتثالها. لم؟
لأن شكر المنعم واجب بحكم العاقل، هذا من مدركات العاقل. فمن هنا يتضح الفرق بين الوجهين، إذ أن هذا الوجه مما لا يدركه الحيوان، مما لا يدرك أن شكر المنعم واجب، بل هو من مختصات الإنسان، ولأنه من مختصات الإنسان عُبِّر عنه بأنه وجوب عقلي، إذ أنه يعود إلى القوة العاقلة
التي تميز الإنسان ماذا عن غيره، بينما ذاك لأنه يشترك بين الإنسان وبين غيره عُبِّر عنه بأنه وجوب ماذا؟ فطري. إذاً فبعد أن يدرك العاقل بأن الخروج عن العهدة لازم بملاك شكر المنعم، فحينئذ يأتي الكلام بأن الخروج عن العهدة بأي نحوين؟ إما بنحو الاحتياط وهذا واضح، وإما بنحو الاجتهاد بذل الجهد والطاقة لأجل الوصول إلى معرفة التكاليف الإلزامية تفصيلاً، وإما بالرجوع إلى ماذا؟ وإما بالرجوع إلى المجتهد الذي بذل جهده ووسعه في سبيل معرفة تلك التكاليف. فهذه ثلاثة أبدال للوجوب التخييري النابع إما عن الوجوب الفطري وإما عن الوجوب العقلي، بل قل النابع عنهما معاً، عن الوجوب الفطري من جهة، وعن الوجوب العقلي من جهة أخرى. هذا ما يرتبط بالأمر الأول.
وأما الأمر الثاني الذي تعرض له قدس الله نفسه، فهو ما يترتب على أن الوجوب التخييري وجوب ماذا؟ فطري بملاك لزوم دفع الضرر المحتمل، ووجوب عقلي بملاك وجوب شكر المنعم. الذي يترتب على ذلك أولاً هو عدم وجوب هذه الأبدال الثلاثة بالنسبة لمن؟ بالنسبة للغافل عن التكاليف الإلزامية. لو فرضنا أن شخصاً لم يتوجه إلى وجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة، فليس هنالك ما يلزمه بأحد هذه الأبدال الثلاثة. لم؟ لأن الملزم إما هو وجوب دفع الضرر المحتمل، وإما هو وجوب شكر المنعم، وكلاهما يترتبان على إدراك ماذا؟ على إدراك وجود تكاليف إلزامية، فإذا كان لا يلتفت لوجود تكاليف إلزامية، كما لو كان مجنوناً مثلاً أو لو كان غافلاً غفلة تامة مثلاً، فإن هذه الأبدال الثلاثة لا تكون محققة الوجوب في حقه.
ثانياً: لو كانت التكاليف تكاليف غير إلزامية، فإنه أيضاً ماذا؟ لا يجب شيء من الأبدال الثلاثة إزاءها. لو كانت التكاليف تكاليف غير إلزامية لا يجب شيء من العناوين الثلاثة أو الطرق الثلاثة أو الأبدال الثلاثة إزاءها. لم؟
لعدم الإلزام في موردها، فالمكلف في موردها ليس بملزم بتكليف بحيث لو تركه يكون هنالك ضرر محتمل، وليس بملزم بتكليف بحيث لو تركه أيضاً فإن ذلك يتنافى مع لزوم شكر المنعم. فإذا كان لا هذا ولا ذاك، فحينئذ ماذا؟ فحينئذ لا يجب شيء من الأبدال الثلاثة. نعم، هنا ينبغي أن نستدرك على كلام سيدنا الحكيم قدس سره باستدراك مهم، وهو أنه لا يجب شيء من الأبدال الثلاثة بالنسبة للتكاليف الإلزامية فيما لو أراد المكلف ماذا؟ عدم امتثال شيء منها، فيما لو أراد تركها. وأما
لو أراد الإتيان بشيء منها مسنداً له إلى الشريعة المقدسة، وأراد أن يأتيه بالوجه المحدد له، فإنه لابد له من سلوك أحد الطرق الثلاثة؛ فمثلا لو أراد أن يأتي بعمل من الأعمال التي يحرز بأنها ليست من الواجبات في الشريعة المقدسة ولكنه يحتمل أنه من المستحبات -يحتمل أنه من المستحبات- فأراد أن يأتي به بوجهه أي بما هو مستحب بعنوان أنه مستحب، فهنا لابد ماذا؟ من الرجوع إلى أحد الطرق الثلاثة، أما الاجتهاد واما الاحتياط واما التقليد، وإلا ماذا؟ وإلا قد يقع في المحذور في -يعني- قد يقع في الحرام، قد يقع في الحرام. فهذا استدراك لابد أن يستدرك على كلامه قدس الله نفسه الزكية. وجهة الحرمة التشريع سيدنا؟ التشريع نعم.
كذلك أيضاً الأمر الثالث هو التكليف غير المنجز، فإنه في مورد التكاليف غير المنجزة أيضاً ماذا؟ لا يجب شيء من الطرق الثلاثة.
وبعبارة أخرى: لو أننا أحرزنا وجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة، أحرزنا ذلك، ولكن هذه التكاليف التي أحرزناها ندرك بالنسبة لبعضها بأنه ليس بمنجز، كما لو كان خارجاً عن مورد الابتلاء مثلاً، فإنه حينئذ أيضاً لا يجب ماذا؟ شيء من الأبدال الثلاثة. فإذاً يترتب على ما ذكرناه من أن وجوب الأبدال الثلاثة إنما هو وجوب فطري بملاك دفع الضرر أو وجوب عقلي بملاك وجوب شكر المنعم، يترتب على ذلك أمور ثلاثة أو نتائج ثلاث، قل بعبارة أصح وأوضح:
النتيجة الأولى: عدم وجوب الأبدال الثلاثة على غير الملتفت للتكاليف الإلزامية.
والنتيجة الثانية: عدم وجوب الأبدال الثلاثة بالنسبة للتكاليف غير الإلزامية.
والنتيجة الثالثة: عدم وجوب شيء من الأبدال الثلاثة بالنسبة للتكاليف الإلزامية غير المنجزة.
هذا تمام الكلام فيما يرتبط بالتعليق الأول، فيه شيء؟
#
التعليق الثاني: تعميم الوجوب لجميع الأفعال والتروك
التعليق الثاني الذي أفاده قدس الله نفسه، تعليقه على قول الماتن في عباداته ومعاملاته، فقال قدس الله نفسه الزكية: «بل في جميع أفعاله وتروكه»، بمعنى أن دائرة الوجوب لا تدور مدار العبادات والمعاملات، بل تدور مدار جميع الأفعال والتروك، كانت هذه الأفعال من العبادات والمعاملات أم لا، وكانت هذه التروك من العبادات والمعاملات أم لا. وهذا ما سيصرح به السيد الماتن قدس الله نفسه الزكية فيما يأتي إن شاء الله تعالى. إنما الكلام هنا حول نكته التعميم، لماذا عمم السيد الشارح قدس الله نفسه الزكية العبارة لجميع الأفعال والتروك؟
فقال بأن النكتة تُعلم من خلال سنخ الوجوب الذي وصلنا إليه أو الذي انتهينا إليه في التعليق السابق، فإننا بعد أن بنينا على أن وجوب أحد الأبدال الثلاثة تخييراً إنما هو وجوب فطري بملاك دفع الضرر المحتمل أو هو وجوب عقلي بملاك وجوب شكر المنعم، فهذا كما يتحقق في المعاملات والعبادات، كذلك أيضاً يتحقق في ماذا؟ في غير المعاملات والعبادات من الأفعال والتروك التي نحتمل أن هنالك تكاليف إلزامية مرتبطة بها؛ فمثلا لو أراد المكلف أن يسافر إلى بلد من البلدان الغربية مثلاً، ويحتمل أن هذا -افترضوا من التعرب بعد الهجرة أو لا يحتمل ذلك- هنا نسأل حول هذا السفر، هذا السفر ليس من العبادات في شيء، كما أنه أيضاً ماذا؟ ليس من المعاملات وإنما هو من الأفعال.
وتركه من التروك، ولكن نحتمل أن تكليفا إلزامياً مرتبطاً به، نحتمل أن هنالك تكليفاً إلزامياً يرتبط بهذا السفر، فإذا كنا نحتمل -فإذاً- هنالك ضرر ماذا؟ محتمل في السفر من غير معرفه حكمه، وبالتالي فإذا كان هنالك ضرر محتمل فيجب علينا سلوك أحد الطرق الثلاثة: أما الاجتهاد، أما التقليد، أما الاحتياط. إذاً بعد ما انتهينا إليه من ملاك الوجوب في المسألة السابقة، لابد أن نبني ها هنا على توسعة العنوان لأن الملاك متحقق في الأفعال والتروك وإن لم تكن من العبادات والمعاملات فيما لو كانت مورداً للتكاليف الإلزامية المحتملة.
هذا واضح؟ شيخنا واضح؟
#
التعليق الثالث: عقد الإيجاب وعقد السلب في الأبدال
التعليق الثالث، تعليقه أعلى الله مقامه الشريف على قول الماتن: «أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً». وهنا مطلبان: مطلب إيجابي ومطلب سلبي، وبعبارة أخرى هنا عقد إيجاب، وبعبارة فنية اصطلاحية هنا عقد إيجاب وهنا عقد سلب.
أما عقد الإيجاب فهو بيان كفاية أحد هذه الطرق الثلاثة. وأما عقد السلب فهو بيان عدم كفاية غيرها من الطرق. فنأتي إلى عقد الإيجاب أولاً، ثم نبين عقد السلب ثانياً.
أما عقد الإيجاب فلا شك في كفاية هذه الطرق الثلاثة؛ أما الاحتياط فواضحة، لأن المكلف من خلال الاحتياط يقطع بامتثال التكليف الإلزامي، وإذا كان يقطع بامتثال التكليف الإلزامي فلا شك في طريقية هذا الطريق. وأما بالنسبة للاجتهاد فكذلك، لأن الاجتهاد ينتهي بالمكلف -بالمجتهد- إلى القطع بالتكليف الإلزامي والحكم الظاهري، فأيضاً يكون بذلك قد خرج
عن العهدة، لأن المكلف يقطع بأن الحكم الإلزامي الظاهري في الشريعة المقدسة هو هذا، فحينئذ العلم حجة، القطع حجة، فلا كلام في ماذا؟ فلا كلام في طريقية هذا الطريق. ويبقى عندنا الطريق الثالث، وهو ماذا؟ وهو التقليد. التقليد وإن لم يكن مؤدياً إلى العلم بالحكم ومؤدياً إلى العلم بالتكليف، ولكن لأنه قد قام الدليل العلمي -دليل علمي- على حجيته، فبالتالي هو ينتهي إلى العلم، فبالتالي هو ينتهي إلى العلم بالتكليف. وبعبارة أخرى: نفس التقليد بما هو لا ينتهي بالمكلف إلى العلم، فلا يعلم المكلف بعد تقليده أنه قد أتى بالتكليف الإلزامي أو لم يأت بالتكليف الإلزامي، ليس حاله كحال المجتهد القاطع بأن هذا هو حكم الله في حقه، ولكن بما أن الدليل القطعي العلمي قد قام على حجية التقليد، فحينئذ ينتهي تقليده إلى ماذا؟
إلى العلم بالتكليف، وإن كان ليس عالماً بالتكليف، ينتهي إلى العلم بالتكليف. وبعبارة أخرى: نحن للخروج عن عهدة التكليف نحتاج إلى العلم أو إلى العلمي، نحتاج إلى العلم أو إلى العلمي، والعلم يتحقق في مورد الاجتهاد والاحتياط، والعلمي يتحقق في مورد ماذا؟ في مورد التقليد.
فلا شك في إجزاء هذه الطرق الثلاثة وكفايتها للخروج عن عهدة التكاليف الإلزامية. لذلك فإن هذه الطرق الثلاثة هي أبدال الوجوب التخييري الفطري أو العقلي.
وأما العقد السلبي فهو عدم إجزاء غيرها من الطرق. فمثلاً لو أن شخصاً قال: أنا أصل إلى التكاليف الإلزامية من غير هذه الطرق الثلاثة من طريق القرعة مثلاً، فلو شككت في أن صلاة الجمعة واجبة أو أن صلاة الظهر واجبة أخرج عن العهدة بالقرعة أو أخرج عن العهدة بالاستخارة؛ لا يجوز له ذلك. لماذا؟ لأن هذه الطرق لا ترجع لا إلى العلم، ليست هي بعلم، ولا ترجع أيضاً إلى ماذا؟ إلى العلمي، وبالتالي فلو سلكها المكلف
لم يخرج عن عهدة التكاليف الإلزامية. وبعبارة أخرى: لو سلكها المكلف لم يدفع الضرر المحتمل، لأنه لا لجأ لا إلى العلم ولا إلى العلمي، بل لجأ إلى ظن لم تقم عليه الحجة، وهذا مما يضاعف الضرر المحتمل لا أنه يدفع الضرر المحتمل. إذن تبين من خلال ما ذكرناه أن هذه المسألة لها عقد إيجابي ولها عقد ماذا؟ سلبي، فالأبدال منحصرة في هذه الثلاثة ولا تعم غيرها.
نقرأ العبارات قراءة سريعة بسم الله الرحمن الرحيم. نبدأ بعبارة الشارح من أولها تيمناً بها:
قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على أشرف النبيين وخاتم المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد، فيقول العبد الفقير إلى الله الغني
محسن خلف العلامة المرحوم السيد مهدي الطباطبائي الحكيم» أيضاً والده كان من العلماء قدس الله نفسه، قد يكون من دواعي الخير وأسباب التوفيق أن يجتمع لدي فريق من أرباب العلم والفضل ويرغبوا إلي رغبة ملحة في تدريس علم الفقه الشريف على أن يكون محور البحث والنظر كتاب العروة الوثقى تأليف سيدنا الأعظم فخر الفقهاء المحققين المرحوم المبرور السيد محمد كاظم الطباطبائي أعلى الله مقامه. فنزلت عند رغبتهم -سيدي الحكيم ما أدرك السيد اليزدي لكن أدرك معاصره المحقق الآخر واستفاد منه في أواخر عهده- فنزلت عند رغبتهم متوكلاً على الله تعالى مستمدا منه المعونة والتسديد. طبعا مما يعني من مميزات كتاب المستمسك أنه من أوائل الشروح التي كتبت على العروة، وصار فاتحة للشروح التي جاءت بعده، لعله لعله
سبقه إلى ذلك أو اقترن معه الشرح الذي كتبه تلميذ صاحب العروة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، لكنه ليس كتاباً إلا أنه اشتغل بشرح العروة الوثقى، ويبدو أنه بدأ بها في حياة أستاذه قدس الله نفسه، ولكن على أي حال لم يطبع هذا الشرح إلا قبل لعله سنتين ثلاث، فما أخذ طريقه ولا شق مكانه في المكتبة، بينما المستمسك هو أول شرح طبع، بحيث أنه لما طبع طبع على الحجر، المستمسك ما طبع أولاً طبعة حروفية، طبع طبعة حجرية بخط اليد ثم بعد ذلك طبع. فكان على أي حال يعني أن يتصدى فقيه لشرح متن فقهي لم يشرح ويبين نكات هذا الشرح، هذا في نفسه يعد مطلباً مهماً. «وكنت في أثناء ذلك أدون ما ألقيه إليهم كشرح للكتاب المذكور بشكل موجز أملاً منه جل شانه أن يكون وافياً بمداركه كافياً في تعرف أحكامه، فأكون قد أديت وظيفة جليلة في خدمة هذا العلم الجليل، وإني لأرجو منه تعالى ببركة من أنا في جوار حرمه وأستجير في كثير من الأحيان بذمته
صلوات الله عليه- أن يتقبله بقبول حسن» -يستجير بذمة أمير المؤمنين- «ويثبته في ديوان الحسنات ليكون ذخراً لي يوم ألقاه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إنه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل». عندما أرادوا طباعة المستمسك يبدو في غير الطبعة الأولى كأنه الطبعة الأولى مثلاً كتبوا «شرح العروة» كذا بينما في الطبع عندما وضعوا له هذا العنوان تحيروا ما الذي يختاروه للكتاب فتفاءلوا بالقرآن فكانت الآية المباركة: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22] فكانت الآية مشتمله على اسم السيد قدس سره ومشتمله على اسم الكتاب، وهذه من اللطائف.
مسألة: «يجب على كل مكلف»، هنا جعلوا الترقيم تعليق الحاشية بعد كلمة «مكلف»، والأولى أن يجعل بعد كلمة «يجب» لأن هذا مرتبط بالوجوب لا ببيان معنى المكلف. «الوجوب التخييري المذكور من قبيل وجوب الإطاعة»؛ حاله حال وجوب الإطاعة، الكلام فيه هو الكلام في وجوب الإطاعة.
فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل حيث إن في ترك جميع الأبدال الثلاثة احتمال الضرر، وعقلي بمناط وجوب شكر المنعم، فهو وجوب فطري وعقلي لتحقق المناطين. ولأجل ذلك -هذا ما يترتب على كونه وجوباً فطرياً عقلياً- ولأجل ذلك اختص بصورة احتمال التكليف المنجز؛ فمع الغفلة عن التكليف هذا واحد، لا يترتب هذا الوجوب، أو احتمال التكليف غير الإلزامي أيضاً
لا يترتب، أو الإلزامي غير المنجز أيضاً لا يترتب، لم يجب شيء من ذلك لعدم احتمال الضرر في تركها ولا هو مما ينافي الشكر الواجب. هنا يعني لو احتمل... احتمل أن كلمة ناقصة، احتمل في قوله: «ولأجل ذلك اختص بصورة احتمال التكليف الإلزامي المنجز» المفروض أن تكون كلمة «الإلزامي» موجودة حتى يصح ماذا؟ تفريع الثلاثي عليها؛ فمع الغفلة عن التكليف واحد، أو احتمال التكليف غير الإلزامي، أو احتمال التكليف غير الإلزامي... أما أنت قد جعلت صورة احتمال التكليف الأعم من التكليف الإلزامي وغير الإلزامي حينئذ لا معنى للتكليف للتفريع الثاني، فلذلك احتمال أن هنا كلمة ساقطة.
«في عباداته ومعاملاته» قال: «بل في جميع أفعاله وتروكه» كما سياتي منه رحمه الله، لوجود المناطين المذكورين في الجميع.
التعليق الثالث: «أو محتاطاً»، قال يعني يجب أن يعمل على طبق الاجتهاد والتقليد والاحتياط، أما الاكتفاء بالأولين فلأقتضاء كل منهما العلم بأداء الوظيفة شرعية أو عقلية؛ الاجتهاد يقتضي العلم بذاته والتقليد يقتضي العلم برجوعه إلى العلم شرعياً أو عقلياً، الموجب للأمن من العقاب أو من حصول ما ينافي الشكر، وإن احتمل مخالفته للواقع. وأما الاكتفاء بالأخير -الاحتياط- فلأنه يوجب القطع بأداء الواقع الموجب للأمن مما ذكر أيضاً.
وأما هذا العقد السلبي، وأما عدم الاكتفاء بغيرها كالظن مثلاً مثل ما قلنا الخبر والقرعة، فلعدم اقتضاء العمل المطابق له لأجل احتمال مخالفته للواقع. يا سيدنا الحكيم، أنت هنالك قلت بالنسبة إلى مورد الاجتهاد ومورد التقليد وإن احتمل المخالفة للواقع، بينما هنا عبت على الطريق الظني لاحتمال المخالفة للواقع! قال: الفرق بينهما أن هناك حجة مؤمنة عن العقاب وهي العلم أو العلمي، بينما هنا لا توجد حجة مؤمنة. والحمد لله رب العالمين.
