دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 3
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
قال السيد الماتن أعلى الله مقامه الشريف:
«الأقوى جواز العمل بالاحتياط، مجتهدًا كان أو لا، لكن يجب أن يكون عارفًا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد».
وقد علّق السيد الشارح قدس الله نفسه الزكية على هذه العبارة بتعليقين؛ أما التعليق الأول فيتضح الكلام فيه بعد الالتفات إلى موضوع المسألة.
موضوع المسألة وأقوال العلماء فيها
موضوع المسألة: لو كان المكلف متمكنًا من الاجتهاد، أو فلنقل مجتهدًا وعارفًا بالأحكام عن اجتهاده، أو كان مقلدًا، فهل يجوز له ترك العمل طبقًا لاجتهاده أو طبقًا لتقليده واختيار طريق الاحتياط؟ أم لا بد أن يعمل على وفق اجتهاده أو تقليده؟
الذي ذهب إليه الماتن هو جواز اختيار طريق الاحتياط وإن كان مجتهدًا أو مقلدًا، مع شرط ذكره وهو: أن يكون الاحتياط عن معرفة بالعمل اجتهادًا أو تقليدًا.
إذا عرفنا موضوع المسألة فنقول: إن هذه المسألة محل خلاف عندهم؛ فقد ادُّعي بأن المشهور يرون عدم جواز العمل بالاحتياط لمن تمكن من الاجتهاد أو التقليد، ويستندون في ذلك إلى دعوى الاتفاق المنقولة أو المحكية عن الشريف الرضي قدس سره، والتي أقرّه عليها أخوه الشريف المرتضى—وفي النسبة كلام، ولكننا نحاكي ما قالوه—فإن السيد الرضي قدس سره قد أفاد الاتفاق على بطلان صلاة المصلي الذي لا يعرف أحكامها، فإذا صلى المصلي صلاة لا يعرف أحكامها، إما اجتهادًا وإما تقليدًا، ذهب إلى بطلان صلاته؛ مما يدل على أن معرفة الحكم للصلاة ولغيرها لازمة ولا تصح بدون ذلك، وعليه فيُستفاد من هذه المسألة أنه لا يصح سلوك طريق الاحتياط مع التمكن من معرفة حكم التكليف اجتهادًا أو تقليدًا. ولكن، كما مرّ علينا، فإن السيد الماتن والمتأخرين ذهبوا إلى جواز ذلك، والمهم هو النظر في أدلة المسألة.
أدلة المانعين من سلوك طريق الاحتياط ومناقشتها
وقد استُدل على هذه المسألة بأدلة أربعة:
#
الدليل الأول: أدلة وجوب التعلم
أما الدليل الأول فهو أدلة وجوب التعلم، نظير قوله: «طلب العلم فريضة»، أو ما ورد من أنه: «يقال له: هلا تعلّمت؟» أو غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب التعلم. فإن هذه الأدلة تدل على وجوب تعلم الأحكام الشرعية، وتعلم الأحكام الشرعية إما أن يكون بطريق الاجتهاد وإما أن يكون بطريق التقليد، فترك العمل على طبق الاجتهاد وعلى طبق التقليد واختيار طريق الاحتياط فيه إهمالٌ لما وجب شرعًا وهو تعلم الأحكام الشرعية.
ولكن هذا الدليل تأمل فيه السيد الشارح قدس الله نفسه الزكية، بأننا لا نناقش في أدلة وجوب التعلم، إلا أننا نناقش في حقيقة الوجوب المستفاد من هذه الأدلة؛ إذ إن عندنا هاهنا ثلاثة احتمالات:
- الاحتمال الأول: أن يكون الوجوب وجوبًا نفسيًّا.
- الاحتمال الثاني: أن يكون الوجوب وجوبًا غيريًّا.
- الاحتمال الثالث: أن يكون الوجوب وجوبًا إرشاديًّا.
وعلى ضوء بعض هذه الاحتمالات يصح الاستدلال بأدلة وجوب التعلم، ولكن على ضوء بعضها الآخر لا يصح الاستدلال:
فيصح الاستدلال إذا بنينا على أن الوجوب وجوب نفسي، فنقول بأن هذه الأدلة تدل على أن التعلم واجب في نفسه، وبالتالي فمن لم يتعلم فقد ضيع واجبًا، فإذا كان التعلم واجبًا في نفسه فمن لم يتعلم وسلك طريق الاحتياط فقد فعل حرامًا.
ولكن هذا لا يمكن الالتزام به في المقام؛ لماذا؟ لأن معنى أن يكون الوجوب وجوبًا نفسيًّا هو أن تكون في الواجب مصلحة متعلقة به، بحيث لو أن المكلف فوّت هذا الواجب فقد فوّت مصلحة عليه، وتفويت هذه المصلحة يقتضي استحقاق العقاب. ولا أحد يقول بأن في وجوب التعلم مصلحة كذلك؛ بمعنى أنه لو أن مكلفًا أهمل وجوب تعلم أحكام الصلاة وصلى، وكانت صلاته مجانبة للواقع، فلا أحد يلتزم بأن المصلي يعاقب بعقابين: أحد العقابين على عدم مطابقة صلاته للواقع، والعقاب الآخر على عدم تعلمه؛ لا أحد يلتزم بذلك، بل يقولون بأنه يستحق عقابًا واحدًا، مما يعني أنه قد فوّت مصلحة الواجب الذي هو الصلاة فقط، وأما التعلم فليست فيه مصلحة متعلقة به بخصوصه، وهذا يمنع من القول بالوجوب النفسي.
وأما الاحتمال الثاني: فهو أن يقال بأن هذا الوجوب وجوب غيري، أي أن التعلم واجب لغيره؛ فهو وإن لم يكن واجبًا في نفسه إلا أنه واجب لغيره، واجب لأجل العمل بالصلاة، وواجب لأجل العمل بالصيام، فإذا كان واجبًا لغيره يتم الاستدلال أيضًا على عدم جواز سلوك طريق آخر؛ لأن الطريق المؤدي إلى الصلاة والصيام والعمل هو هذا الطريق الذي هو مقدمة للواجب.
ولكن هذا الاحتمال، لو احتملناه، فإنه غير تام في المقام؛ لماذا ليس بتام؟ لأنه في الوجوب الغيري يكون الواجب بالوجوب الغيري مقدمة وجودية لغيره، بمعنى أن تحقق غيره يتوقف على تحققه، والحال أن وجوب التعلم ليس مقدمة وجودية للعمل، فإن العمل من الممكن أن يتحقق وإن لم يكن هنالك تعلم، وبالتالي أيضًا فإن هذا الاحتمال الثاني يتهاوى.
فيبقى عندنا الاحتمال الثالث: وهو أن يكون وجوب أدلة التعلم وجوبًا إرشاديًّا. وجوبًا إرشاديًّا إلى ماذا؟ وجوبًا إرشاديًّا إلى عدم معذورية الجهل فيما لو لم يطابق العملُ الواقعَ؛ تعلّمْ لأنك إن لم يطابق عملك الواقع فلست بمعذور. فهو إرشاد إلى حكم العقل بعدم معذرية الجاهل، ولعله يُستفاد من خبر مسعدة بن صدقة ذلك: لمَ لم تعمل؟ يقول: ما علمتُ، فيقال له: هلا تعلّمت؟ أي أن عدم علمك ليس بمعذر لك، أي أن جهلك ليس بمعذر لك. فلسان هذه الأدلة هو عدم معذرية الجاهل فيما لو لم يطابق العمل الواقع.
وإذا كان هذا هو لسان الأدلة فلا تمانع هذه الأدلة من سلوك طريق الاحتياط؛ لمن؟ لأن الاحتياط بحسب الفرض طريق لإحراز الواقع، فالعامل على طبق الاحتياط يحرز الواقع من خلال عمله، وإذا كان يحرز الواقع من خلال عمله فحينئذ لا تصل النوبة إلى وجوب التعلم ما دام قد أتى بالعمل مطابقًا للواقع. وبعبارة أخرى: إنما يجب التعلم لكي تتحقق مطابقة العمل للواقع، فإذا كان هنالك طريق لتحقق هذه المطابقة من غير تعلم فإن التعلم لا حاجة له.
إذ ما هو إلا طريق، فإذا كان يمكن الوصول إلى المقصود من غير سلوك هذا الطريق فلا محذور في ذلك.
هذا على أنه يمكن أن يُثار هنا كلام، وهو—وهذا خارج عما أفاده سيد المستمسك قدس سره—حتى لو بنينا، سلمنا بأن الوجوب وجوب نفسي لأدلة التعلم، أو أنه وجوب غيري أيضًا وسلمنا بذلك، نقول: ما هي الملازمة بين كون وجوب أدلة التعلم وجوبًا نفسيًّا وبين بطلان طريق الاحتياط؟ أيّ ملازمة بينهما؟
غاية ما يُستفاد من أدلة وجوب التعلم، بناء على الوجوب النفسي، هو وجوب التعلم، ومن لم يتعلم فإنه يؤاخذ على عدم تعلمه، ولكن أي ربط لهذا ببطلان العمل على طبق طريق الاحتياط؟ يصح عمله على طبق طريق الاحتياط، يعني نلتزم بصحة عمله على طبق طريق الاحتياط وبمؤاخذته على ترك التعلم، تمامًا كأي واجبين آخرين فيما لو كان المكلف مخاطبًا بهما، وأهمل أحد الواجبين وامتثل الواجب الآخر؛ فإنه يعاقب على الواجب الذي أهمله ويُثاب على الواجب الذي أتى به.
وهنا أيضًا في المقام نقول كذلك: تجب الصلاة ويجب الصيام، لم يعلم أن الصلاة الواجبة هي صلاة الظهر أم صلاة الجمعة، فجاء بالصلاتين معًا، فقد حقق الواجب المطلوب منه، إلا أنه كان يجب عليه أن يتعلم أيهما هي الواجبة ولم يتعلم، فيؤاخذ على ترك التعلم.
وبعبارة أخرى: لا ملازمة بين إهمال وجوب التعلم، بناء على الوجوب النفسي، وبين بطلان العمل على طبق طريق الاحتياط؛ فليكن الوجوب وجوبًا نفسيًّا، إلا أن هذا لا دلالة له على بطلان العمل على طبق طريق الاحتياط.
[سؤال من أحد الفضلاء]: بس ما يلزم سيدنا من هذا الكلام القول بأن العقاب لو أنه لم يتعلم ولم يأت بالواقع يعاقب عقابين، باعتبار أنا اعتبرنا وجوب التعلم وجوبًا مستقلًا؟
[جواب الأستاذ]: نعم، يلزم، فليلزم فليكن! نحن قلنا قبل قليل: لم يلتزم بذلك أحد؛ أنتم تقولون بأنه وجوب نفسي، فنحن نتنزل ونقول: فليكن وجوبًا نفسيًّا، يعني هم يلتزمون بذلك بناء على الالتزام بأنه وجوب نفسي، ولا بد أن يلتزموا بلوازمه والتي منها تعدد العقاب.
نحن نقول: سلمنا معكم بأن الوجوب وجوب نفسي، بغض النظر عما ذكرناه سابقًا، إلا أن هذا لا ربط له ببطلان العمل على طبق الاحتياط، يعني بعبارة أخرى ردّ آخر. بعبارة أخرى: سيدنا الحكيم قدس سره ناقش في كون الوجوب نفسيًّا؛ لترتب التالي الباطل على ذلك، ونحن نقول: حتى لا حاجة للمناقشة في كونه وجوبًا نفسيًّا، بل حتى لو كان وجوبًا نفسيًّا لا يلزم من ذلك إثبات بطلان طريق الاحتياط. اتضح الفرق بينهما.
#
الدليل الثاني: الإجماع
هذا ما يرتبط بالدليل الأول، وأما الدليل الثاني الذي استُدل به فهو الإجماع. وهذا الدليل واضح المناقشة؛ إذ إنه من ناحية غير مسلَّم من حيث الصغرى، كما أنه من ناحية أخرى إجماع محتمل المدركية؛ إذ يُحتمل استناده إلى أحد هذه الوجوه التي استندوا إليها في المقام، وبالتالي لا يصح الاستناد إليه. فإذن المناقشة في الإجماع من ناحيتين: من ناحية لم يُحرز تحقق إجماع في هذه المسألة، ومن ناحية أن هذا الإجماع لو تم فإنه محتمل المدرك.
#
الدليل الثالث: اعتبار الإطاعة في العبادة
وأما الدليل الثالث الذي استُدل به فهو مركب من مقدمتين:
- المقدمة الأولى: هي أن تحقق الإطاعة معتبر في صحة العبادة، فلا تصح العبادة إلا إذا كانت طاعة للمولى سبحانه وتعالى، وهذا من الواضحات؛ إذ لا تصح العبادة ما لم تحقق عنوان الطاعة.
- والمقدمة الثانية: هي أن الإطاعة للمولى إنما تتحقق بالانبعاث عن بعثه؛ فإذا بعث المولى عبده وانبعث، حينئذ يتحقق عنوان الإطاعة، وأما إذا لم يكن الانبعاث عن بعثه أو الانزجار عن زجره فلا يتحقق عنوان الإطاعة.
وعلى ذلك نقول: إن عمل المكلف إن جاء به على طبق الاجتهاد—يعني على طبق الحجة التي وصل إليها اجتهادًا أو تقليدًا—فقد تحقق الانبعاث عن بعث المولى؛ إذ البعث من قبل المولى قد أُحرز، وتحقق الانبعاث على ضوئه، فإذا تحقق الانبعاث تحقق عنوان الطاعة، فكانت العبادة صحيحة لأنها متقومة بتحقق عنوان الإطاعة. وأما إذا لم ينبعث عن بعث المولى كما في موارد الاحتياط،
فإنه لا يعلم بأن صلاة الجمعة واجبة أو أن صلاة الظهر واجبة، فلا يعلم بأن بعثًا تعلق بصلاة الجمعة أو أن البعث قد تعلق بصلاة الظهر، فهو حين يأتي بصلاة الظهر لم ينبعث عن بعث من المولى لأنه لا يحرزه، وكذلك حينما يأتي بصلاة الجمعة لم ينبعث عن بعث من قبل المولى لأنه لا يحرزه، فلا يتحقق عنوان الإطاعة، وإذا لم يتحقق عنوان الإطاعة لم تصح العبادة المتقومة به.
وأجاب عن ذلك سيد المستمسك أعلى الله مقامه الشريف بأن المقدمة الأولى وإن كانت تامة، إلا أن المقدمة الثانية ينبغي التفصيل فيها أو ينبغي إيضاحها؛ بمعنى أن المقدمة الثانية غاية ما تقرره هو لزوم الانبعاث عن بعث المولى ليتحقق عنوان الطاعة، وهذا لا كلام فيه، لكن المقصود من البعث الصادر من المولى هل هو خصوص البعث المعلوم تفصيلًا، أم يكفي في ذلك أن يكون البعث المحتمل؟
أنتم بنيتم الاستدلال على أن يكون البعث معلومًا بالتفصيل، والحال أن هذا ليس بلازم في تحقق عنوان الإطاعة، بل يكفي في تحقق عنوان الإطاعة الإتيان بالعمل مسندًا إلى بعث المولى المحتمل، مضافًا إلى المولى بالعبارة الدقيقة؛ لأننا نحتمل أن هنالك بعثًا من المولى سبحانه فننبعث عن هذا البعث المحتمل، وبذلك تتحقق الإضافة، إضافة العمل إلى المولى سبحانه، وبتحقيق عنوان الإضافة يتحقق عنوان الطاعة.
طبعًا هنا يمكن أن نرجع من المقدمة الثانية إلى المقدمة الأولى، فنقول: في المقدمة الأولى أُفيد بأن صحة العبادة متقومة بتحقق الطاعة، فنقول هنا بأن عبادة المولى لا تتحقق فقط بالطاعة، بل تتحقق بالطاعة من ناحية وتتحقق بالانقياد من ناحية أخرى؛ والفرق بينهما أن عنوان الطاعة هو الإتيان بالعمل مضافًا لأمر المولى المعلوم تفصيلًا، بينما الانقياد هو الإتيان بالعمل مضافًا لأمر المولى المعلوم إجمالًا أو المحتمل. فبناء على توسيع دائرة المقدمة الثانية لا بد أيضًا من توسيع دائرة المقدمة الأولى، فيقال بأن صحة العبادة مترتبة على تحقق إما الطاعة وإما الانقياد.
#
الدليل الرابع: لزوم قصد الوجه
وأما الدليل الرابع الذي استُدل به، فهو يبتني على ما أفاده السيد الرضي والشريف المرتضى قدس سرهما، على ما نُسب إليهما، من
لزوم قصد الوجه، أي لا بد من الإتيان بالواجب لوجوبه، ولا بد من الإتيان بالمندوب لندبه، فإن لم يقصد الوجه—الوجوب أو الندب—فإن العمل يكون محكومًا بالبطلان. وبالتالي فمن وصل إلى وجه العمل اجتهادًا أو تقليدًا جاء به على وجهه المطلوب منه فيصح منه العمل، بينما من يسلك طريق الاحتياط لا يحرز وجه العمل، فهو عندما يأتي بصلاة الجمعة مثلًا مع احتماله أن الصلاة الواجبة هي صلاة الظهر لا يستطيع أن يأتي بصلاة الجمعة لوجوبها وهو لا يحرز وجوبها، كما أنه إذا جاء بصلاة الظهر أيضًا لا يستطيع أن يأتي بها لوجوبها وهو لا يحرز وجوبها، فيُحكم على العمل بالبطلان.
وهنا إن قلنا بأن الدليل قاصر عن إثبات دخالة قصد الوجه في صحة العمل، فلا أقل من احتمال دخالته؛ فإذا كنا نحتمل دخالته فحينئذ لا يمكن التمسك بأصالة البراءة، بل لا بد من التمسك بأصالة الاحتياط؛ إذ إننا نشك في سقوط التكليف بالإتيان بالعمل من غير قصد الوجه، وإذا شككنا في سقوط التكليف بعد ثبوته فإن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، والفراغ اليقيني لا يتحقق إلا بقصد الوجه؛ فلا بد من العمل إما على طبق الاجتهاد وإما على طبق التقليد، وأما الإتيان بالعمل احتياطًا فلا يُحرز معه سقوط التكليف لاحتمال دخالة قصد الوجه. هذا هو الدليل الرابع، واضح هذا الدليل؟ نعم.
وأجاب عنه سيد المستمسك قدس الله نفسه الزكية بجوابين:
الجواب الأول: هو أن اعتبار قصد الوجه منفيٌّ بالإطلاقات المقامية لأدلة الواجبات. ما معنى أنه منفي بالإطلاقات المقامية لأدلة الواجبات؟ نحن نقول بأن الشارع المقدس كلفنا بصلاة وكلفنا بصيام وبغير ذلك، وهنا عندما كلفنا بهذه الواجبات هل كلفنا بقصد الوجه فيها أم لم يكلفنا؟ يقال بأنه لم يكلفنا. ولكن لو قيل ذلك يمكن للمستدل أن يقول: إن قصد الوجه كقصد القربة مما لا يمكن أخذه في موضوع أدلة العمل، على ما هو مذكور في المباحث الأصولية من أن قصد الأمر لا يمكن أخذه في متعلق الأمر.
على ما هو محقق في الأصول؛ فحينئذ قصد الوجه كقصد الأمر لا يمكن أخذه في متعلق الأمر لمحذور الدور أو لغيره من المحاذير، وبالتالي لا يمكنك القول بأن إطلاقات الأدلة تنفي وجوب قصد الوجه، إذ الفرض أن قصد الوجه لا يمكن أخذه في متعلق أدلة الأعمال التكليفية.
لو قيل ذلك يُجاب عنه: سلمنا بأن قصد الوجه لا يمكن أخذه في الأمر الأول، ولكن يمكن التنبيه عليه من خلال خطاب ثانٍ؛ فإن كان المولى لا يمكنه أن يقول: تجب عليك الصلاة بقصد وجوبها بالخطاب الأول، إلا أنه يمكن أن يُنشئ ذلك من خلال خطاب ثانٍ فيقول: إن الصلاة التي أوجبتها عليك يجب عليك أن تأتي بها بقصد وجوبها. فإذا ترك الخطاب الثاني، وكان قصد الوجه—وهذه نكتة مهمة في فهم الإطلاق المقامي—ليس مما يلتفت إليه عامة المكلفين بحيث يصح للشارع أن يتكئ على التفاتهم، ومع ذلك ترك التنبيه على اعتبار قصد الوجه بخطاب ثانٍ أو ثالث، فحينئذ ينعقد إطلاق مقامي بعدم اعتبار قصد الوجه. إذن هب أننا منعنا التمسك بالإطلاق اللفظي، إلا أنه لا سبيل لمنع التمسك بالإطلاق المقامي؛ إذ إن المولى كان يمكنه أن ينبه بخطابات ثانية ولم ينبه رغم عدم وضوح اعتبار قصد الوجه، فعدم تنبيهه يدل على عدم الاعتبار، هذا واضح.
وأما الجواب الثاني الذي أجاب به قدس الله نفسه: فهو أن أصالة الاحتياط إنما تكون معتبرة ويُتمسك بها فيما لو احتُمل دخالة شيء في الغرض، إذا لم يكن بيان هذا الغرض مرتبطًا بالشارع المقدس. وأما إذا كان بيانه مرتبطًا بالشارع المقدس ومع ذلك فإن الشارع لم يبينه، فاحتمال دخالته في الغرض لا قيمة له في تحفيز أصالة الاحتياط.
وبعبارة أخرى: عندما نحتمل دخالة شيء في الغرض إما على نحو الشرطية وإما على نحو الشطرية—إما باحتمال كونه جزءًا وإما باحتمال كونه شرطًا—فهنا إنما تجري أصالة الاحتياط لو احتملنا الدخالة فيما لو لم يكن بيان ذلك الأمر
من شؤون الشارع؛ فنقول بأن الشارع ليس من شأنه أن يبين ذلك، ونحن نحتمل دخالته في الغرض، والشارع قد اتكأ على ما نعلمه ونفهمه من مناسبات الحكم والموضوع، أو من المناسبات العرفية، أو من غير ذلك، فحينئذ أصالة الاحتياط يمكن أن تجري. ولكن إذا كان بيان ذلك الغرض من شؤون الشارع، ومع ذلك فإن الشارع لم يبينه، فإن أصالة الاحتياط هاهنا ليست بجارية؛ لأن من بيده الأمر لو كان يهمه هذا الشيء ويراه دخيلًا في تحقق غرضه لبينه، فلما لم يبينه عُلم عدم دخالته. فاتضح من ذلك أن شيئًا من الأدلة التي استُدل بها على عدم جواز سلوك طريق الاحتياط ليس بتام.
قراءة في عبارة الشرح
نقرأ هذا المقدار: قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، الأقوى جواز العمل بالاحتياط...»
فقال السيد الشارح: «خلافًا لما عن المشهور من بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد معًا، بل لعل ظاهر المحكي عن السيد المرتضى—وفيه الرضي قدس سرهما—دعوى الاتفاق عليه». وذكرنا بأنهما ذكرا دعوى الاتفاق في مسألة من صلى صلاة لا يعرف أحكامها، «لكنه لا دليل عليه بعدما عرفت من أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع». فيعني المقتضي لكفاية الاحتياط موجود ومتحقق، وحينئذ فقط نحن نبحث حول المانع: هل هنالك مانع يمنع من الأخذ بهذا المقتضي أو لا يوجد مانع؟ فالأدلة التي عرضناها إنما هي لبيان المانع، وإلا فالمقتضي لجواز العمل بالاحتياط متحقق، وهو أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع وهذا هو المطلوب.
فالآن جاء في مقام عرض الأدلة الأربعة والجواب عنها؛ قال:
«وأما أدلة وجوب التعلم فتأبى الحمل على الوجوب النفسي» لما ذكرنا، «والوجوب الغيري ممتنع أيضًا لعدم المقدمية بين العلم والعمل»، فيتحقق العمل وإن لم يتحقق العلم، «فالمراد منها» أي من أدلة وجوب التعلم «الوجوب الإرشادي، والمقصود منه عدم عذرية الجهل»—عذرية عندكم؟ عذرية الجهل، يعني عدم كون الجهل عذرًا، معذرية المفهوم لا إشكال حتى هذا يصح—«والمقصود منه عدم عذرية الجهل في مخالفة الواقع قبل التعلم».
«كما هو أيضًا ظاهر وجوب التبين في آية النبأ لو استُدل بها» فالجواب هو الجواب، هذا الدليل الأول.
«والإجماع المدعى على المنع غير واضح الحجية» غير واضح الحجية من ناحيتين: من ناحية الكبرى ومن ناحية الصغرى، فلا هو إجماع محرز من حيث الصغرى، كما أنه محتمل المدركية من ناحية الكبرى.
وأما الدليل الثالث: «كما أن اعتبار الإطاعة في صحة العبادة لا يقتضي ذلك؛ لتحقق الإطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعي الأمر ولو كان محتملًا»، فلا يلزم أن يكون الانبعاث عن بعث معلوم تفصيلًا، «والتمييز—يعني معرفة الوجه—مما لا يعتبر عندهم فيها قطعًا».
الدليل الرابع: «واحتمال دخله—يعني التمييز—في حصول الغرض، مع أنه—وهذا الجواب الأول—قد يندفع بالإطلاقات المقامية، لا يصلح علة لوجوب الاحتياط في نظر العاقل» لماذا؟ «كاحتمال اعتبار شيء جزءًا أو شرطًا في المأمور به»، فإنه لو احتُمل اعتبار شيء شرطًا أو جزءًا في المأمور به، كما هو منقح في الأصول، إذا كان هذا الشيء مما يكون بيانه بيد الشارع والشارع لم يبينه، فإنه لا يكون مقتضيًا لوجوب الاحتياط بنظر العاقل. فظهر أن لا شيء من الأدلة يدل على ما ادُّعي.
التعليق الثاني للشارح على عبارة الماتن
وأما التعليق الثاني: قال: «لكن يجب أن يكون عارفًا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد»، علق عليه قال: «هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العاقل؛ إذ إن الإتيان بالعمل من غير معرفة كيفية الاحتياط لا يحقق الاحتياط»؛ فلا تُحرز المطابقة للواقع، يعني مثلًا لو أن شخصًا علم بأنه إما مكلف بالصلاة قصرًا أو مكلف بالصلاة تمامًا، ولكن لم يعرف كيفية الاحتياط فصلى صلاة تمامية وقال: إن كانت تمامًا فقد أتيت بها، وإن كانت قصرًا فهي في ضمنها أيضًا؛ فهو هنا غير عارف بكيفية الاحتياط، فلم يُحرز منه مطابقة عمله للواقع، فلا بد من إحراز ذلك إما بالاجتهاد أو التقليد، «هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل، بل لعل عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط فلا يحصل الأمن»، فإذا لم يحصل الأمن كيف يكون طريقًا في قبالهما على هذا الفرض؟
والحمد لله رب العالمين.
