دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 32
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
قال السيد الماتن أعلى الله مقامه الشريف في تتمة المسألة الثانية عشرة: «ويجب الفحص عنه». وقبل تفصيل الكلام حول هذه المسألة، كما أفاد السيد الشارح قدس سره، لابد من التنبيه أولًا إلى أن المقصود من الوجوب هنا هو الوجوب العقلي الإرشادي، كما سيشير إلى ذلك السيد الشارح قدس الله نفسه أثناء البحث؛ فإن العاقل حاكم بلزوم التقليد كما تقدم من باب دفع الضرر المحتمل، ومن باب وجوب شكر المنعم. أسمينا الأول بالوجوب الفطري، قلنا بأنه وجوب عقلي. كيفما كان، فالعقل يدفع إلى لزوم دفع الضرر المحتمل، وإذا كان هنالك مجتهدان، وكان أحد المجتهدين أعلم من الآخر، بحيث يتيقن المكلف باندفاع الضرر بتقليده وباندفاع الخطر بتقليده، فلا شك أن العقل قاض بلزوم الفحص عنه وأخذ الفتوى عنه؛ لأنها الحجة في حق المكلف. فهذا الوجوب وجوب عقلي إرشادي وليس وجوبًا شرعيًّا مولوياً، وهذا من الواضحات؛ إذ كما يقول سيدنا الخوئي قدس سره بأنه لا يوجد عندنا من الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب الفحص عن الأعلم حتى يقال بأن هذا الوجوب -حتى يحتمل بأن هذا الوجوب- وجوب مولوي شرعي، وسواء قبلنا منه ذلك أم لم نقبل، وافقناه أم لم نوافق، فإن هذا الوجوب هنا وجوب عقلي إرشادي.
صور وجوب الفحص عن الأعلم
إذا عرفنا ذلك، يقع الكلام حول أن وجوب الفحص هل هو وجوب مطلق؟ وجوب الفحص عن الأعلم هل هو وجوب مطلق أم لا؟ أفاد السيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف بأن هاهنا خمساً من الصور ينبغي تفصيل الكلام حول هذه المسألة طبقاً لاختلاف هذه الصور:
الصورة الأولى هي صورة العلم بالاختلاف في الفتوى والتفاضل؛ فهنالك عندنا عدة مجتهدين، نعلم بأن أحد هؤلاء المجتهدين هو الأعلم من بينهم، كما نعلم أيضاً بأن فتاواهم ليست بمتطابقة، غاية ما هنالك أن علمنا بوجود الأعلم بينهم علم إجمالي وليس علماً تفصيلياً؛ إذ إننا لا نعرف الأعلم منهم بعينه.
والصورة الثانية هي صورة الجهل بالاختلاف مع العلم بالتفاضل؛ فنعلم بأن بين هؤلاء المجتهدين من هو أعلم، غايته أننا لا نحرز اختلافاً في الفتوى بينهم.
والصورة الثالثة بعكس هذه الصورة؛ فنعلم بالاختلاف في الفتوى، إلا أننا لا نعلم بالتفاضل بين المجتهدين المختلفين في الفتوى.
والصورة الرابعة هي صورة الجهل بالأمرين معاً؛ فلا نحرز تفاضلاً بين المجتهدين وأعلمية أحدهم على الآخر، ولا نحرز أيضاً اختلافهم في الفتوى.
والصورة الخامسة هي أشبه بصورة الشك البدوي؛ فالمكلف يحرز وجود مجتهد معين ويعلم بفتاواه، ولكنه يشك في وجود مجتهد آخر غير من يعرفه شكاً بدوياً.
ففي هذه الصور الخمس، هل يجب الفحص عن الأعلم المعلوم إجمالاً، أو لا يجب الفحص؟ نأتي إلى هذه الصور واحدة بعد أخرى.
#
تحرير الصورة الأولى: العلم بالاختلاف والتفاضل
الصورة الأولى كما ذكرنا هي صورة العلم بالأمرين معاً: العلم بالاختلاف في الفتوى، والعلم بالتفاضل في العلم. فهنا نتحدث في مرحلتين:
المرحلة الأولى: هل أن هنالك مقتضياً لتصحيح تقليد كل من المجتهدين، الأعلم وغير الأعلم، أو لا يوجد هنالك مقتضٍ؟ ثم إذا لم يثبت أو ثبت أن هنالك مقتضياً، فهل هنالك مقتضٍ على خلافه أم لا؟
الذي يميل إليه السيد الشارح قدس سره هو عدم وجود المقتضي لتقليد كل من الأعلم وغيره، أو للتخيير بين الأعلم وغيره. أما أولاً فللأصل؛ إذ أن الأصل هو عدم الحجية، فلا يحرز وجود مقتضٍ لإثبات الحجية لكلتا الفتويين: فتوى الأعلم وفتوى غيره.
فإن قلت: ألا تكفينا إطلاقات الأدلة، إطلاقات أدلة التقليد لإثبات الحجية؟
قلنا: كلا، لا تكفي. لماذا؟ لما ذكرناه سابقاً، من أن إطلاقات الأدلة لا تشمل الفتويين المتعارضتين، وبحسب مفروض الصورة الأولى أننا نعلم بالاختلاف بين الفتويين، فلا يمكننا التمسك بإطلاقات أدلة التقليد لإثبات الحجية لكل واحدة من الفتويين. هذا أولاً.
وثانياً، لو أردنا أن نتشبث بدليل لإثبات الحجية لكل من الفتويين، فربما قد يتشبث بالإجماع؛ فإن الإجماع هو العمدة على التخيير بين المجتهدين ولا معين لأحدهما. ولكن يرد على ذلك بأن الإجماع على التخيير أولاً: هو دليل لبي، فإذا كان دليلاً لبياً فيقتصر منه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن هو التخيير بين المجتهدين ما لم يعلم الاختلاف بينهما.
أو التخيير بين المجتهدين المتساويين؛ هذا هو القدر المتيقن من الإجماع، ومفروض المسألة الأولى ومفروض الصورة الأولى خارج عن دائرة القدر المتيقن، باعتبار أننا هاهنا نحرز عدم التساوي، نحرز التفاضل، كما أننا من ناحية أخرى نحرز الاختلاف في الفتوى. هذا أولاً.
وثانياً: إن الإجماع المدعى على الحجية التخييرية إنما هو بعد الفحص عن الأعلم، فإذا فحص عن الأعلم ولم يصل إليه ولم يقف عليه، فله أن يعمل بفتوى كل منهما، لا أنه ابتداءً يجوز له العمل بفتوى كل منهما سواء كان الأعلم أم كان غيره ولا يجب عليه الفحص عنه. هذه هي المرحلة الأولى.
المرحلة الثانية: نقرر فيها وجود المقتضي لتقليد الأعلم ووجوب الفحص عنه. وهذا المقتضي هو أن ما نحن فيه إنما هو من باب اشتباه الحجة باللا حجة، وهنا، على ضوء هذا التقرير، يختلف اتجاه المسألة 180 درجة؛ فنحن بحسب ما قررناه في المرحلة الأولى كنا لا نزال ندور بين حجيتين محتملتين، فهل نحن مخيرون بينهما أم لا؟ ولكن على ما نقرره في هذه المرحلة، ليست هنالك عندنا حجيتان، بل هنالك عندنا حجية واحدة، وهذه الحجة الواحدة هي فتوى الأعلم، لما دل على وجوب تقليد الأعلم. فإذا كانت عندنا حجة واحدة ولسنا نحرز أين هو الأعلم من بين هؤلاء المجتهدين، فحينئذ قد اشتبهت علينا الحجة باللا حجة؛ إذ يحتمل أن هذا المجتهد هو الأعلم فتكون فتاواه الحجة، وذلك المجتهد ليس بأعلم ففتواه ليست بحجة. اشتبهت علينا الحجة باللا حجة، ومع الاشتباه فإنه يجب الفحص عن الحجة، وإن لم نقف على الحجة بعينها بعد الفحص، فإنه يجب العمل بأحوط القولين، لولا أن إجماعاً لدينا على عدم وجوب الاحتياط، وإلا فهو مقتضى القاعدة. مقتضى القاعدة عند العلم بوجود الأعلم ومن فتواه حجة في حق المكلف واشتباه هذه الحجة باللا حجة، مقتضى القاعدة بعد وجوب الفحص عنها وعدم الوصول إليها هو لزوم الأخذ بأحوط القولين، لكن الإجماع قد رفع يدينا عن هذه القاعدة.
إذن، فالمحصلة هي أن الرجوع إلى أحد المجتهدين قبل الفحص عن الأعلم مع أن المسألة من قبيل اشتباه الحجة باللا حجة يكون من قبيل التعويل على مشكوك الحجية، ومن الواضح جداً أن التعويل على مشكوك الحجية
لا يجوز بنظر العاقل؛ إذ لا يتحقق معه دفع الضرر المحتمل. إذن، فلا شك عندنا في أن الوظيفة عند العلم بالاختلاف في الفتوى والعلم بالتفاضل هي لزوم الفحص، هي وجوب الفحص عقلاً. هذا ما يتعلق باصورة الأولى.
#
تحرير الصورة الثانية: الجهل بالاختلاف مع العلم بالتفاضل
وأما الصورة الثانية، وهي ما لو علمنا بالتفاضل وجهلنا الاختلاف، فهنا يمكن أن يقرر القول بعدم وجوب الفحص. لماذا؟ لأنه لا مانع يمنع من الأخذ بإطلاقات أدلة التقليد. لماذا؟ لأن المانع الذي يمنع من الأخذ بإطلاقات الأدلة إنما هو عبارة عن ماذا؟ عن التعارض بين الفتويين، وقلنا بأن الإطلاقات لا تشمل الفتويين المتعارضتين، وهذا المانع لا وجود له في الصورة الثانية. لماذا؟ لأننا نجهل الاختلاف في الفتاوى، نعم نحرز التفاضل بين هؤلاء المجتهدين وأن أحدهم أعلم من الآخر، ولكننا نجهل اختلافهم في الفتوى، فلا مانع يمنع من شمول إطلاقات الأدلة حينئذ للفتويين معاً، فيصح للمكلف أن يأخذ بأيهما ولا يجب عليه الفحص عن الأعلم.
فإن قلت: نحن هنا نحتمل الاختلاف في الفتوى؛ لأن مفروض المسألة ليس هو العلم بعدم الاختلاف، وإنما مفروض المسألة هو الجهل بالاختلاف، والجهل بالاختلاف يمكن أن يجتمع مع عدم الاختلاف، ويمكن أن يجتمع مع الاختلاف، ولكننا نجهله، وبالتالي فيبقى احتمال الاختلاف قائماً، ولا شك أن هذا الاحتمال مانع من الأخذ بإطلاقات الأدلة؛ فليس المانع ينحصر في العلم بوجود الاختلاف والتعارض، بل لو احتملنا هذا الاحتمال، فإن هذا الاحتمال أيضاً ماذا؟ مانع من الأخذ بالإطلاقات.
لو قيل ذلك، نقول بأن مثل هذا الاحتمال لا يمنع من الأخذ بالإطلاقات. لماذا؟ لأن الذي منعنا من الأخذ بالإطلاقات إنما هو تخصيصها، أي تخصيص لها، التخصيص لها بالأدلة اللبية من قبيل بناء العقلاء؛ فإن بناء العقلاء إنما هو قائم على الأخذ بالإطلاقات ما لم يكن هنالك تعارض بين الفتويين، بين الرأيين، أما متى ما كان هنالك تعارض فإن العقلاء لا يفترضون الحجية لكلا المتعارضين، بل يفحصون عن المرجح الذي يرجح إحداهما أو أحدهما على الآخر، ولعل الإجماع أيضاً قائم على ذلك، وبالتالي فنحن عندنا مخصص لبي خصص هذه الإطلاقات، وإذا كان المخصص لبياً فنطبق عليه ما ذكرناه غير مرة من أن الأدلة اللبية إنما يؤخذ بها -إنما يؤخذ- بالقدر المتيقن منها، والقدر المتيقن من هذا المخصص اللبي إنما هو
لو أحرزنا التعارض بين الفتويين، لو أحرزنا الاختلاف بين الرأيين، فهنا نتيقن بأن البناء العقلائي بأن الإجماع على عدم الأخذ. وأما لو احتملنا الاختلاف، فلا يوجد عندنا مخصص يمنعنا من الأخذ بالإطلاقات؛ وذاك إذ أن ذاك المخصص القدر المتيقن منه هو العلم بالاختلاف ولا يعم صورة احتمال الاختلاف، وبالتالي فنحن والإطلاقات على ما هي عليه؛ إذ أن المخصص لم يشملها، إذ أن المقيد لم يشملها، وإذا كان المقيد لم يشملها فحينئذ يجوز الأخذ بكل من الفتويين.
وإن قلت مرة أخرى: بأننا إن فررنا عن الإشكال السابق، فلا سبيل لنا للفرار عن إشكال لاحق، وهو أن العمل على طبق إحدى الفتويين وإن كان مجزئاً صحيحاً لموافقته للحجة، ولكن أولسنا قد أثبتنا الحجية لكل من الفتويين؟ فإذا كنا قد أثبتنا الحجية لكل من الفتويين، حينئذ نقول بأن الفتوى الأخرى هل هنالك إطلاق لحجيتها أم لا؟ لا شك أن حجيتها مطلقة، فإذا كانت حجيتها مطلقة، نقول بأن العمل على وفق الفتوى الأولى هل هو مطابق للفتوى الثانية أم لا؟ الفرض أننا لا نحرز المطابقة، لماذا لا نحرز المطابقة؟ لأن مفروض المسألة هو الشك، هو الجهل بالمخالفة، فاحتمال المخالفة موجود، وبالتالي فنحن لا نحرز بأن العمل الذي جئنا به على وفق الفتوى الأولى مطابق للفتوى الثانية، وإذا كنا لا نحرز ذلك إذن تحتمل مخالفة العمل لها، فإذا كان العمل مخالفاً لها احتمالاً، إذن هو مما تحتمل مخالفته للحجاج، ولا شك أن العمل الذي يحتمل مخالفته للحجاج لا يكون مجزئاً بنظر العقل، الذي هو المرجع في هذه المسألة؛ لماذا؟ لأنه لا يؤمن معه دفع الضرر المحتمل.
إن قلت هذا في مقام الإشكال، أجبنا عنه: بأن هذا الدليل، هذا الدليل معارض بمثله. كيف معارض بمثله؟ أي كما أن العمل يحتمل مطابقته للفتوى الثانية -أو عفواً- تحتمل مخالفته للفتوى الثانية، تحتمل أيضاً مطابقته لها والعكس بالعكس، فلو أن العمل استند إلى الفتوى الثانية، يحتمل أيضاً موافقته للأولى ويحتمل مخالفته لها، وبالتالي فكل واحدة من الحجتين معارضة ومصادمة للحجة الأخرى.
فهذه تقول العمل غير مطابق لي فهو ليس بمجزئ، وتلك تقول أيضاً العمل ليس بمطابق لي فهو ليس بمجزئ، ومقتضى هذا التنازع بين الحجتين هو عدم حجيتهما معاً بالنسبة لهذا العمل؛ إذ أنهما متنازعتان فيه، فلا يمكن الاستناد إلى هذا الدليل لإثبات أن العمل ليس بمجزئ؛ لأن لازمه تساقط الحجتين. هذا أولاً.
وثانياً، نحن نقول -وهذا هو المهم- بأن احتمال الضرر، بأن احتمال الخطر مدفوع. لماذا مدفوع؟ لأن الفرض هو أن الشارع الأقدس أو هو أن العقل قد أثبت الحجية لكلا الفتويين، الفرض هو أن الحجية قد ثبتت لكلتا الفتويين ببركة إطلاقات الأدلة؛ إذ لا مانع يمنع من الاستناد إليها كما ذكرنا في بداية الأمر، وبالتالي فعندما يستند المكلف إلى إحداهما فإن احتمال الضرر يكون مدفوعاً من قبلها، ولا يبقى احتمال الضرر على ما هو عليه.
وربما يقال بأن إطلاق دليل الحجية الشامل لإحدى الفتويين يدل بدلالة التزامية على نفي الاختلاف بين الفتويين وعلى موافقة العمل لهما معاً، ولكن هذا القيل لا يمكن القبول به؛ إذ أن إثبات العموم لهذا اللازم غير واضح، بل هو من قبيل الأصل المثبت، والأصل المثبت لا عبرة به.
فاتضح عندنا إلى هاهنا بأنه في الصورة الثانية لا يجب الفحص.
#
تحرير الصورة الثالثة والصورة الرابعة
وأما الصورة الثالثة، وهي ما لو جهلنا التفاضل بين المجتهدين وعلمنا بالاختلاف، فالكلام هنا هو نفسه الكلام في الصورة الأولى. لماذا؟ لأن الصورتين تشتركان في العلم بالاختلاف بين الفتاوى، وهذا العلم مانع من التمسك بإطلاقات أدلة الحجية أدلة التقليد، وبالتالي فكل واحدة من الفتويين تكون مشكوكة الحجية قبل الفحص، فيجب الفحص عن الأعلم حينئذ ليؤخذ بفتواه إن ثبت كونه الأعلم، وإلا فمع عدم إحرازه يتخير بينهما بعد البناء على عدم وجوب العمل بالاحتياط.
وأما الصورة الرابعة، وهي... وهي التي كان موضوعها الجهل بالأمرين معاً: الجهل بالاختلاف في الفتوى، والجهل بالتفاضل، فهذه الكلام فيها هو نفسه الكلام في الصورة الثانية. لماذا؟ إذ كما أن هناك في الصورة الثانية قلنا بالتخيير لعدم المانع الذي يمنع من التمسك بإطلاقات أدلة الحجية وهو العلم بالاختلاف، ها هنا أيضاً لا يوجد علم بالاختلاف، فلا مانع يمنع من التمسك بإطلاقات أدلة الحجية، ومجرد احتمال الاختلاف لا يضر بالتمسك بالإطلاق كما أوضحناه قبل ذلك.
نعم، هنا وجهة نظر أخرى، وهي أنه ربما يقال بعدم وجوب الفحص، وهذا -على ما في ذهني مما قاله الشيخ الأعظم قدس الله نفسه في مطارح الأنظار في التقريرات- ربما مع العلم بالاختلاف يقال بعدم وجوب الفحص، وذلك لدليلين:
الدليل الأول هو عبارة عن أصالة البراءة؛ لأننا نشك في وجوب الفحص أم لا، فهذا شك في أصل التكليف وهو مجرى لأصالة البراءة.
وثانياً: لأن الفتويين أماراتان متعارضتان لا يمكن الجمع بينهما مع إحراز الاختلاف، كما أنه أيضاً لا يمكن طرحهما، كما أنه أيضاً لا يمكن تعيين إحداهما -ترجيح إحداهما على الأخرى- فلابد من التخيير بينهما، ماكو عدنا تعارض، لابد من التخيير.
وأجاب عن ذلك السيد الشارح قدس الله نفسه أولاً: بأننا ذكرنا من البداية بأن وجوب الفحص هاهنا ليس وجوباً شرعياً مولوياً، وإنما هو وجوب عقلي إرشادي، وأصالة البراءة إنما ترفع ما وضعه الشارع، وهذا ليس مما وضعه الشارع حتى يكون مشمولاً لأصالة البراءة، فإذا كان الحكم هنا حكماً عقلياً أي الحكم بوجوب الفحص.
نأتي إلى الإشكال الثاني -أو نأتي إلى الدليل الثاني عفواً- الذي استدل به فنقول: بأن العقل ليس حاكماً بالتخيير استقلالاً، وإنما هاهنا عندنا إجماع حاكم في هذه المسألة، وهذا الإجماع هو الإجماع على حجية ما يختاره المكلف من الفتويين. عندنا إجماع على حجية إحدى الفتويين على سبيل التخيير، فما يختاره المكلف من الفتويين تكون هي الحجة، ولكننا نسأل هاهنا بأن معقد الإجماع، بأن معقد الإجماع هل هو الحجية لإحدى الفتويين قبل الفحص؟ أم أن معقد الإجماع الحجية لإحدى الفتويين التي يختارها المكلف بعد الفحص؟
معقد الإجماع إنما هي الحجية لإحداهما بعد الفحص، فإذا فحص وبذل جهده، فإن الفتويين على سبيل البدال تكونان حجة، والفتوى التي يختارها منهما هي الحجة في حقه، وبالتالي فحكم العقل بالتخيير قد توسطه الإجماع، وهذا الإجماع الذي توسط حكم العاقل يمنع من التخيير بينهما ابتداءً؛ لأن معقده كما ذكرنا هو ماذا؟ هو الإجماع هو حجية الفتويين على سبيل البدل بعد الفحص. فهذان الدليلان ليسا بتامين.
#
تحرير الصورة الخامسة: الشك البدوي في وجود مجتهد آخر
وكان من المستحسن قبل الشروع في الصورة الخامسة -عفواً- كان من المستحسن أن يؤخر السيد قدس الله نفسه الأدلة التي استدل بها على عدم وجوب الفحص إلى ما بعد الانتهاء من الصورة الخامسة، ولكنه أقحمها بين الصورة الرابعة وبين الصورة الخامسة، ولعله يعني أنا احتمل ذلك- أن هذه كانت قصاصات وُدرجت في هذا الموضع ولم تدرج في موضعها المناسب، وإلا الموضع المناسب لها هو إدراجها بعد الانتهاء من الصورة الخامسة، وإن كان لوجودها في ذلك المورد مناسبة أيضاً باعتبار أن الصورة الرابعة هي صورة الجهل فتقابلها صورة العلم. كيفما كان:
الصورة الخامسة كما ذكرنا: نشك شكاً بدوياًّ في وجود مجتهد آخر سوى المجتهد الذي نعلمه وربما يكون أعلم، فهنا لا شك في أن دليل الحجية محكم ولا مانع يمنع من الأخذ به؛ إذ لا نحرز وجود مجتهد آخر ولا وجود فتوى أخرى حتى نحتمل اختلافها مع فتوى هذا المجتهد، فضلاً عن العلم بالاختلاف بينهما. ومن الواضح أن بناء العقلاء وسيرة المتشرعة قائمتان على العمل بالفتاوى مع الشك في وجود مجتهدين آخرين ربما يكونون هم الأعلم، من غير حاجة إلى الفحص عنهم؛ فعدم وجوب الفحص في هذه الصورة أظهر من جميع الصور التي تقدمت.
فتلخص عندنا من جميع ما ذكرناه أن وجوب الفحص وجوب عقلي عن الأعلم، ولكنه ليس وجوباً مطلقاً، وإنما هو مخصوص بصورة وجود العلم بالاختلاف في الفتاوى مع العلم بوجود أعلم... مع العلم بوجود أعلم.
هذا تمام الكلام حول المسألة الثانية عشرة، والحمد لله رب العالمين.
