دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 35
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. بعد أن تنقح الكلام عندنا حول موضوع المسألة، والكلام أيضاً حول محمول الفرض الأول للمسألة، وهي ما لو كان هنالك مجتهدان، وأما لو كان هنالك عندنا ثلاثة من المجتهدين كما هو الافتراض الثاني الذي افترضه السيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف، فهنا وإن بينا الموضوع، ولكن بقي بيان المحمول الذي بنى عليه السيد الشارح قدس الله نفسه بأنه لا يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء على تقليد الميت جوازاً وعدماً.
وقد ذكر رضوان الله تعالى عليه لذلك وجهين؛ الوجه الأول الذي أفاده رضوان الله تعالى عليه هو أن المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين، لأن ذلك إما ينجر إلى اجتماع المثلين، وإما ينجر إلى اجتماع النقيضين أو التناقض. وبيان ذلك هو أنه لو افترضنا أن شخصاً قلد زيداً في المسائل الفرعية، ولنفترض من هذه المسائل مثلاً وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة، ثم مات زيد فقلد المكلف عمراً في جواز البقاء على تقليد زيد في وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة، فتوفي عمرو فقلد بكراً، فأفتى له بكر بوجوب البقاء على تقليد الميت، فهذا هل يبقى على تقليد عمرو أم يبقى على تقليد زيد؟
قال السيد أعلى الله مقامه الشريف بأنه يبقى على تقليد زيد، لماذا؟ مع أن عنوان الميت كما يصدق على زيد يصدق على عمرو، فإذا كان يفتي بوجوب البقاء على تقليد الميت، فهذا العنوان يصدق على كل من زيد وعمر صدقاً واحداً، مع ذلك فإن تقليد زيد هو الراجح، أي تقليد المرجع الأول. لماذا؟ قال: لأننا هنا قد افترضنا بأن المكلف قد قلد بكراً، وهو المجتهد الثالث، في مسألة البقاء على تقليد الميت، فلو أنه أيضاً قلد عمراً في هذه المسألة، وعمر يحدد له بحسب فتواه الوظيفة فيما يرتبط بتقليد الأول، للزم من ذلك أن المسألة الواحدة يكون فيها تقليدان مترتبان، وهي مسألة تقليد الميت، فإن الفرض أن المكلف قد قلد فيها بكراً،
فإذا قلنا بأن بكراً عندما يقول: «يجب البقاء على تقليد الميت»، تشمل فتواه عمراً، فحينئذ يجب على المكلف أن يقلد عمراً في المسائل الفرعية، ومنها مسألة البقاء على تقليد الميت، فيقلد في هذه المسألة تقليدين. والمسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين، لماذا؟ لأن الفتويين في المسألة الواحدة إما أن تكونا متوافقتين، وإما أن تكونا متخالفتين. فإذا كانتا متخالفتين -كما لو كان الحي يوجب البقاء بينما الميت يوجب العدول- يلزم من ذلك التناقض، التناقض العملي كما مر علينا سابقاً. وإن كانت الفتويان متوافقتين؛ ذاك يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت، والميت أيضاً يفتي بوجوب البقاء، فهنا يلزم اجتماع المثلين.
إن قلت: إنما يكون اجتماع المثلين محذورا فيما لو كانا في رتبة واحدة، والفرض أن المثلين في المقام ليسا في رتبة واحدة، وإنما هما في رتبتين، إذ هو يقلد الحي في وجوب البقاء على تقليد الميت، فإذا أوجب عليه البقاء، حينئذ يرجع إلى المجتهد الثاني في مسألة تقليد الميت، فيكون تقليده لعمر -أي للمجتهد الثاني- إنما هو فرع تقليده لبكر وهو المجتهد الثالث الحي، فلا يلزم محذور اجتماع المثلين لأن المثلين هنا ليسا في رتبة واحدة، وإنما هما في رتبتين، فلا محذور في اجتماعهما.
نقول: وإن كان لا محذور في اجتماعهما من حيث اجتماع المثلين، إذ في الحقيقة وبالدقة لا يصدق اجتماع المثلين حينئذ، ولكن من ناحية لغوية يلزم هذا المحذور، فإنه: فإن فتوى الأول -أو فقل فتوى الحي وهو بكر، فتوى الثالث- إذا كانت بوجوب البقاء على تقليد الميت، وكانت فتوى عمر -الذي هو المجتهد الثاني المتوفى- أيضاً بوجوب البقاء، كانت الفتوى الثانية لاغيةً لا حاجة إليها، لأنه قد تنجز على المكلف وجوب البقاء على تقليد الميت، فالفتوى الثانية ما هي إلا من باب تحصيل الحاصل فتكون لغواً. إذاً فالإشكال ينحل عن هذه المسألة -الذي أشرنا إليه يوم أمس عند تنقيح موضوعها- ينحل الإشكال عن هذه المسألة بأنه حتى
حتى لو تعدد المجتهدون ففي مسألة البقاء على تقليد الميت يلزم الرجوع إلى المجتهد الأول ولا يصح الرجوع إلى المجتهد الثاني في مسألة البقاء، لأن ذلك يلزم منه ما ذكرناه. ولكن قد يستشكل في هذا الاستدلال الذي أفاده سيد المستمسك قدس سره بأن اللغوية هاهنا ليست بلازمة، بل وحتى التناقض أيضاً ليس بلازم، يعني لا في صورة الاختلاف يلزم محذور التناقض ولا في صورة الاتفاق يلزم محذور اللغوية. لماذا؟ لأن محذور التناقض مشروط بوحدة الموضوع، وكذلك أيضاً محذور اللغوية، وما نحن فيه ليس الموضوع واحدا بل هو متعدد.
لماذا؟ لأن الفرض أن عندنا هاهنا فتويين؛ الفتوى الأولى هي فتوى بكر الذي هو الحي بجواز تقليد عمر أو بوجوب تقليد عمر، بينما الفتوى الثانية هي فتوى عمر بجواز تقليد زيد، فتلك الفتوى لها موضوع، وهذه الفتوى لها موضوع آخر، ومن الواضح أنه لا تناقض بين هاتين الفتويين، كما لا تكرار فيهما حتى يلزم محذور اللغوية، فعندنا مسألتان تختلفان من ناحية الموضوع، إحداهما يرجع فيها إلى بكر والأخرى يرجع فيها إلى عمر، ولا يلزم التقليد في إحداهما التقليد في الأخرى في نفس الموضوع.
وحتى تتضح القضية أكثر، لك أن تمثل هذه القضية بمسألة الخبر، كما لو أخبرنا مثلاً بكر بحجية خبر عمر، وأخبرنا عمر بحجية خبر زيد، فإن كل واحد من الإخبارين لا يتصادم مع الآخر ولا تكرار فيه للآخر، نظراً لعدم اشتراكهما في موضوع واحد، إذ كل واحد من الخبرين له موضوع مختلف عن موضوع الإخبار الآخر. فمسألتنا من هذا القبيل أيضاً، وبذلك يندفع محذور اللغوية ومحذور التناقض. ولكن سيد المستمسك قدس سره يقول: هذا قياس مع الفارق، ومسألتنا ليست من هذا القبيل. لماذا؟ يقول: لأنه في مسألة التقليد لم يحصص الموضوع ولم تؤخذ خصوصية للمقلد فيها، بل هي بنحو القضية الكلية: «يجب البقاء على تقليد الميت»، وعنوان الميت لم يخصص في زيد،
عنوان الميت لم يخصص في زيد، بل هو عنوان عام مطلق كما يشمل زيداً يشمل عمراً بلا فرق، وبالتالي فإن المحذور باق على ما هو عليه. لأنه إذا قلنا: «يجب البقاء على تقليد الميت»، أي يجب البقاء على تقليد كل مرجع قلده المكلف ومات، وهذا كما يصدق على عمر يصدق على زيد كذلك. أيضاً بالنسبة إلى فتوى عمر بوجوب أو جواز البقاء على تقليد الميت هي قضية كلية لا تختص بزيد، ولم تحصص في زيد، فإذا كان كذلك حينئذ نقول: بأن فتوى المجتهد الحي بوجوب البقاء على تقليد الميت هل هي حجة على نحو العموم أم لا؟
لا شك أنك ستوصف بأنها حجة على نحو العموم، فإذا كانت حجة على نحو العموم امتنع في الرتبة اللاحقة جعل حجة أخرى مناظرة مشابهة لها. فما دام قد تنجز على المكلف وجوب تقليد الميت مطلقاً، لو جاءنا بعد ذلك أيضاً فتوى من عمر تقول: «يجب تقليد الميت»، لكانت ماذا؟ لكانت حجة على نفس الحجة السابقة، فيلزم إما اللغوية في صورة الموافقة وإما التناقض في صورة المخالفة. ومن هنا يتضح الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأخبار، فهناك في مسألة الأخبار قد حصص الخبر، قام إخبار زيد أو بكر على حجية إخبار عمر بخصوصه وليست قضية عامة كلية، كما أن إخبار عمر قام على حجية إخبار زيد بخصوصه وليس على نحو القضية الكلية، ففرق بين المقيس والمقيس عليه، ولا يصح قياس هذه المسألة على تلك المسألة. هذا هو الوجه الأول الذي أفاده سيد المستمسك رضوان الله تعالى عليه.
الوجه الثاني الذي أفاده قال قدس سره الشريف: بأن مسألة جواز البقاء على تقليد الميت إذا رجع فيها المكلف إلى الحي، لا يمكن أن تعم مسألة البقاء على التقليد التي هي من فتوى الميت، لماذا لا يمكن أن تعمها؟ لأنها لو عمتها للزم من ذلك أخذ الحكم في موضوع نفسه، وأخذ الحكم في موضوع نفسه ماذا؟ باطل لاستلزامه محذور الدور.
بيان ذلك مر علينا في دروس الأصول بأن العلاقة بين الحكم والموضوع هي نظير العلاقة بين العلة ومعلولها، فإن نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى معلولها، بمعنى أن الموضوع ما لم يتحقق فلا يمكن أن يتحقق الحكم، فالحكم بمثابة المعلول للموضوع الذي هو بمثابة العلة له، وبالتالي فلابد أن يتقدم الموضوع على الحكم تقدماً رتبياً. وإذا كان يلزم أن تتقدم العلة على المعلول تقدماً رتبياً، وبالتالي يستحيل أن يؤخذ الحكم في موضوع نفسه، لماذا؟ لأن لازمه أن يتقدم المتأخر ويتاخر المتقدم، ويتوقف المتقدم على المتأخر عنه كما يتوقف المتأخر على المتقدم، ويلزم من ذلك محذور الدور.
وعندما نريد أن نمثل لذلك بمثال، نمثل بالمثال الذي يذكر في كلماتهم، وهو مثال الطاعة، فلو قال المولى لعبده: تجب عليك طاعتي، نسأل هنا موضوع، أو نسأل هنا بعبارة أوضح، نقول: هنا حكم وهو الوجوب «تجب»، عليك طاعتي، الطاعة موضوع لهذا الحكم. نسأل هنا سؤالاً، نقول: هذا الحكم الآن «تجب عليك طاعتي»، أو «طاعتي عليك واجبة»، هل هو واجب أم ليس بواجب؟ نفس هذا الحكم، تجب عليك، واجب أم ليس بواجب؟ إن قلت واجب، نسأل: من أين الوجوب استفدنا؟ من أين استفدنا الوجوب؟ إن قلت بأننا استفدنا الوجوب من نفس هذا الكلام «تجب عليك طاعتي»، من هذا الكلام استفدنا الوجوب، قلنا: لا يمكن أخذ الحكم في موضوع نفسه، بل لابد من إثبات الوجوب في رتبة سابقة حتى يجب علينا الأخذ بهذه المقالة، لابد من إثبات وجوب الطاعة في رتبة سابقة حتى يجب علينا الأخذ بهذه المقالة.
وإلا فلو قال المولى آلاف المرات: تجب عليكم طاعتي، نقول له: أول الكلام من أين تجب علينا طاعتك حتى نمتثل كلامك؟ كلامك هذا لابد من إثبات وجوب الطاعة في رتبة سابقة حتى تكون طاعة هذا الوجوب الخاص -وهو تجب عليك طاعتي- حتى تكون طاعة هذا الوجوب الخاص منجزة. وأما ما لم نثبت ذلك في رتبة سابقة فإنه لو قال ملايين المرات: تجب عليكم طاعتي، لم يتنجز علينا الوجوب، إذ ما الذي يلزمنا بامتثال هذا الأمر وطاعة هذا الأمر؟ لذلك قالوا هناك في مسألة الطاعة بأن وجوب الطاعة وجوب عقلي وليس وجوباً شرعياً، والأدلة الدالة على وجوب الطاعة
إنما هي إرشاد إلى الوجوب العقلي وليست مؤسسة للوجوب، لا يمكن أن تكون مؤسسة. إذاً فالحكم لا يمكن أن يؤخذ في موضوع نفسه، وإلا يستلزم ذلك أن يتقدم المتأخر، ويلزم من ذلك محذور الدور كما هو واضح وبين. على ذلك نأتي ونقول: عمر وهو المجتهد الثاني، أو زيد وهو المجتهد الأول، عندما أفتى فيما يرتبط بمسألة البقاء على تقليد الميت فقال مثلاً: «يجب البقاء على تقليد الميت»، فهل يعم قوله هذا هذه المسألة أيضاً بمعنى أنه يجب البقاء على تقليده فيها أيضاً أو لا يعم؟
قالوا: لا يعم. لماذا؟ لأنه لو عمها للزم من ذلك ماذا؟ للزم من ذلك أن يؤخذ الحكم في موضوع نفسه، وأخذ الحكم في موضوع نفسه محال، وبالتالي فإن فتوى الميت ليست ناظرة إلى هذه المسألة، بل ناظرة إلى ما سواها من المسائل الفرعية، ولا تعم هذه المسألة. فإذا كانت لا تعم هذه المسألة، فلا معنى للرجوع إلى الثاني فيها ومن خلال الثاني يتحدد أمر الرجوع إلى الأول، لأن فتوى الثاني ما كانت تعم تقليده فيها من البداية إذ يلزم من ذلك أخذ الشيء في موضوع نفسه، فلا تكون عندنا إلا فتوى الحي فقط هي الفتوى المنجزة دون سواها. وهذا الوجه أدق من سابقه.
إذن اتضح عندنا بأن فتوى الحي بوجوب البقاء لا تتناول فتوى المجتهد الميت في مسألة البقاء، لا تتناولها إطلاقا للمحذورين اللذين ذكرناهما. هذا تمام الكلام حول المسألة الخامسة عشر، وهناك بعض مطالب صغيرة أو مختصرة أشار إليها ضمن كلماته، لا بأس أن نوضحها في مقام التطبيق. بسم الله الرحمن الرحيم قال تعليقا على قول سيد الماتن: «إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت» قال قدس سره: الظاهر أن المراد تقليده في المسائل الفرعية كما لو قلده حين البلوغ، أي قلده في سائر المسائل الفرعية ومنها هذه المسألة، ويحتمل هذا الاحتمال الآخر للمسألة أن يكون المراد أنه قلده في خصوص مسألة جواز البقاء على تقليد الميت ولم يقلده في سائر المسائل الفرعية. قلنا: هذا تصوير المسألة من زاوية المقلد، وأما من زاوية المقلد...
فبعد أن ذكر هذين الاحتمالين، وقبل أن يبين المسألة من زاوية المقلد، بين حكم المسألة فقال: وكيف كان؟ فقد عرفت أنه مع الشك في جواز البقاء على تقليد الميت يتعين عليه الرجوع إلى الحي في نظر العاقل، إشارة إلى أصالة التعيين فيعمل على مقتضى فتواه في جواز العدول، أي على فتوى الحي في جواز العدول وحرمته ووجوبه، وهو ظاهر في الصورة الأولى التي هي ظاهر المتن. الصورة الأولى بما يشمل التصويرين السابقين، الاحتمالين السابقين. طيب، هناك صورة ثانية، نعم.
وهذه الصورة الثانية ليست مذكورة في ضمن المتن، ولكن السيد الشارح يطرحها يقول: وأما في الفرض الثاني الذي هو محتمل العبارة -عبارة ليست ظاهرة فيه لكن نحن نحتمله وهذا اللي قلناه بيان الموضوع من ناحية المقلد- وأما في الفرض الثاني الذي هو محتمل العبارة، وهو فيما لو كان هنالك مجتهدون متعددون، فقد يشكل فيما لو أفته الحي بوجوب البقاء مثلاً، فهل يتعين عليه الرجوع إلى المجتهد الأول؟ أو يتخير بينه وبين الرجوع إلى الثاني؟ أو يفصل بين ما لو كان رأي الثاني جواز البقاء فالثاني -يعني التخيير بين أن يبقى وبين أن يرجع- ووجوبه -لو كان رأي الثاني وجوب البقاء- فالأول، الأول الذي هو ماذا؟ لزوم الرجوع إلى المجتهد الأول؟ في وجوه، هذه كلها محتملة.
وأشكل منه، تلك مشكلة وهذه أشكل، وأشكل منه ما لو أفته الحي بوجوب البقاء، وكانت فتوى المجتهد الثاني وجوب العدول، لتناقض الفتويين عملاً. ولذلك بنى شيخنا الأعظم رحمه الله على عدم الأخذ بعموم فتوى الحي بالنسبة إلى مسألة البقاء والعدول، لماذا؟ للزوم تخصيص الأكثر، ولاقتضائه وجوب العدول مع أن المفتي الحي لا يقول به. هذا الذي ذكرناه يوم أمس وقررناه، وطبعا هذا الذي أفاده الشيخ الأعظم هو بيان للمحمول، يعني الوجه الأول الذي ذكر لعدم عموم فتوى الحي لفتوى المجتهد الثاني في مسألة البقاء هو هذا الوجه: لزوم هذين المحذورين، لزوم تخصيص الأكثر ولزوم التناقض، وهو ما بيناه يوم أمس.
وأما المحمول بحسب بيان سيد المستمسك فقد ذكر كما ذكرنا وجهين. وجهه الأول قال: والذي ينبغي أن يققال: إذا قلد زيداً في المسألة الفرعية كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة مثلاً، فمات زيد فقلد عمراً في جواز البقاء على تقليد زيد في وجوب صلاة الظهر، فإذا مات عمرو فقلد بكراً، فأفتى له بوجوب البقاء على تقليد الميت، كان مقتضى ذلك وجوب العمل برأي زيد دون رأي عمرو، وذلك أن عمراً وإن كان ميتاً قد قلده حال حياته في جواز البقاء على تقليد الميت، إلا أنه يمتنع الرجوع إليه في مسألة جواز تقليد الميت، لأن هذه المسألة قد قلد فيها بكراً وهو الحي بعد موت عمرو، فلا مجال لتقليد عمرو فيها، لأن المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين.
لماذا؟ قال: لأنه لو بني على جواز اجتماع المثلين في رتبتين، فلا أقل من لزوم اللغوية؛ لغوية مع اتفاقهما عملاً. يعني في صورة الاتفاق سيلزم محذور المثلية، محذور اجتماع المثلين. فإن قلت: بأن هذا المحذور مندفع، لماذا؟ لأن المثلين في رتبتين، فلم يجتمعا في شيء واحد. قلنا: لا أقل يلزم محذور اللغوية، إذ بعد تنجز الفتوى سابقاً لا وجه لتنجزها مرة أخرى وجعل الحجية لها مرة ثانية. هذا في صورة الاتفاق العملي. وأما التناقض، فهذا المحذور الثاني مع اختلافهما وبطلانه ظاهر.
وتوهموا -هذا إشكال سيدفعه- وتوهموا أن رأي بكر حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد عمر، ورأي عمر حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد زيد، فيكون هناك مسألتان لاختلاف موضوعيهما، يرجع في إحداهما إلى بكر والأخرى إلى عمر؛ في مسألة تقليد عمر يرجع إلى بكر، وفي مسألة تقليد زيد يرجع إلى عمر، ولا يكون تقليد أحدهما فيما قلد فيه الآخر، كما لو أخبر بكر بحجية خبر عمر، وأخبر عمر بحجية خبر زيد، هذا للتنظير ولدفع البعد والإشكال، فيكون كل منهما حجة في مؤداه ولا اشتراك بينهما في موضوع واحد. هذا التوهم مندفع بأن خصوصية عمر ليست مقومة للقضية الشرعية التي يرجع فيها العامي إلى بكر ويكون رأيه حجة فيها وهي كبرى وجوب تقليد الميت، فإن فتوى بكر جواز تقليد الميت بنحو الكلية لا تقليد عمر بخصوصه، ليست مخصصة لا خصوص عمر
فإذا كان رأي بكر حجة فيها على عمومها، امتنع في الرتبة اللاحقة جعل حجة أخرى عليها. ومن ذلك يظهر الفرق بين المقام وبين المثال المذكور. نعم في المثال المذكور هناك حصة خاصة قد أثبتها كل خبر من الحجية، ولكن ها هنا قضية كلية. ومن ذلك أيضاً يظهر أنه لو كان رأي بكر وجوب البقاء، وجب البقاء على تقليد زيد، وإن كان رأي عمر وجوب العدول أو جواز كل من البقاء والعدول، فانه لا أثر لرأي عمر من الأساس فلا إشكال، كما أنه لو كان رأي بكر جواز كل من البقاء والعدول، جاز البقاء على تقليد زيد والعدول عنه، وإن كان رأي عمر وجوب البقاء أو وجوب العدول، بنفس النكتة فإن رأي عمر لا أثر له أصلاً.
ثم إن العدول هنا عندما نقول: «يجوز العدول أو لا»، إنما يكون إلى الحي لا إلى الميت الثاني، لأنه من التقليد الابتدائي للميت، فتأمل، لعل وجه التأمل فيه هو ما تقدم منا سابقاً من أن هذا يرتبط بأن التقليد حقيقة هل هو العمل أم أن التقليد هو الالتزام؟ فإذا قلنا بأنه هو الالتزام فليس من التقليد الابتدائي، بل هو نعم من التقليد الابتدائي، إذ الفرض أن التزامه قد انقطع، وإن قلنا بأنه هو العمل فلعله يتأمل في كونه تقليداً ابتدائياً. هذا تمام الكلام حول الوجه الأول.
الوجه الثاني: ثم إنه يمكن أن يقرر المنع عن الرجوع إلى الميت في جواز البقاء وعدمه بوجه آخر، وهو أنه إذا رجع إلى الحي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فالتقليد المأخوذ موضوعاً في هذه القضية لابد أن يكون في غير هذه المسألة، يعني تقليد الميت في غير مسألة تقليد الميت، لامتناع أخذ الحكم في الموضوع نفسه لما أوضحناه أثناء تقرير الدرس، فيمتنع أن يفتي الحي بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت، أو بحجية رأي الميت في حجية رأي الميت، فلا بد أن يكون موضوع الحجية غير هذه المسألة.
وهذا الإشكال قد أورد نظيره في عموم حجية الخبر للخبر بالواسطة، ودفع بما لا يضطرد في المقام -هو اللي بيناه قبل شوي- هناك الموضوع مخصص وهو لا ينطبق على ما نحن فيه، لما عرفت من أن الخصوصيات الموجبة للاختلاف مثل خصوصية كون الميت زيداً أو عمراً ليست دخيلة في القضية الشرعية التي يرجع فيها إلى المجتهد، بل هي قضية كلية كما ذكرنا، فيلزم المحذور المتقدم. ومن هنا يظهر امتناع حجية رأي الميت في حجية رأي الميت، فكما يمتنع أن يكون ذلك بتوسط الرجوع إلى الحي -وقلنا بأن فتوى الحي لا تشمل- يمتنع في نفسه أيضاً لنفس المحذور، وهو امتناع أخذ الحكم في موضوع نفسه، وأن امتناع ذلك في نفسه مانع من احتماله ليصح الرجوع فيه إلى الحي.
وإن كان يمنع من الرجوع إليه في الحي ما عرفت آنفاً من اجتماع تقليدين مترتبين في مسألة واحدة، يعني ذاك محذور آخر مستقل. ومن ذلك يظهر الوجه في قول المصنف رحمه الله: «لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة»، فقوله لا يشمل تقليد نفسه، مع أنه رحمه الله قد تقدم منه جواز البقاء على تقليد الميت لعله المسألة السادسة، للفرق بين هذه المسألة وغيرها من المسائل، يعني ما تقدم منه إنما هو في بقية المسائل لا في هذه المسألة، للفرق بين هذه المسألة وغيرها من المسائل بامتناع جعل حجية رأي الميت فيها وإمكانيتها في غيرها. فإذا مات المجتهد الذي يفتي بجواز البقاء على تقليد الميت، فمقلده لا يشك في عدم جواز البقاء على تقليده في هذه المسألة، وإنما الشك في جواز البقاء على تقليده في بقية المسائل. فلاحظ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
