دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 36
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
قال سيدنا اليزدي أعلى الله مقامه في المسألة السادسة عشرة من كتاب الاجتهاد والتقليد: «عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل وإن كان مطابقاً للواقع، وأما الجاهل القاصر، أو المقصر الذي كان غافلاً حين العمل» -طبعاً هنا المراد من الالتفات والغفلة: الالتفات إلى الحكم حال العمل، أو الغفلة عن الحكم حال العمل- وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلاً حين العمل وحصل منه قصد القربى، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحاً، والأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين الأمان.
وقد تعرض السيد الشارح أعلى الله مقامه إلى مطلبين هاهنا:
المطلب الأول: بيان أن عمل الجاهل المقصر الملتفت إذا كان مطابقاً للواقع هل يحكم ببطلانه أم لا؟
وهنا، قدم مقدمةً، وهذه المقدمة ترتبط ببيان الفرق بين هذه المسألة، وبين المسألة السابعة المتقدمة؛ فإنه قد مر علينا في المسألة السابعة بأن عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل بنحو مطلق، بينما هنا كما لاحظتم فصل بين الجاهل المقصر الملتفت وبين الجاهل القاصر أو المقصر الغافل، فحكم ببطلان عمل الأول حتى وإن كان مطابقاً للواقع، وحكم بصحة عمل الثاني والثالث فيما لو طابق الواقع مع تمشي قصد القربى منهما. فأفاد سيد المستمسك قدس الله نفسه بأن السيد الماتن في المسألة السابعة كان ناظراً إلى صورة عدم مطابقة -عفواً- كان ناظراً إلى صورة عدم العلم بمطابقة العمل للواقع، أول رأي من رأيه حجة في حقه، فهناك لا محالة من الحكم بالبطلان. والمراد من البطلان كما تقدم في تلك المسألة هو البطلان العقلي، أي عدم الاجتزاء عند العاقل بالعمل الذي صدر عن المكلف، لماذا؟ لأن المطلوب في العمل أن يكون مؤمناً عن الضرر المحتمل، وإذا كان العمل بلا تقليد وبلا احتياط بحيث لا يحرز أنه يطابق الواقع أو يطابق الحجة، فليس يحصل حينئذٍ -ماذا؟- فليس يحصل حينئذٍ مؤمّن عن الضرر المحتمل، وإذا لم يحصل مؤمن عن الضرر المحتمل فالعقل يقول: هذا العمل باطل بمعنى
أنه ليس بمجزئ، إذ أنه لا يؤمن عن الضرر المحتمل.
فالمقصود من البطلان في تلك المسألة، أي المسألة السابعة، هو البطلان العقلي، ولكن الفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسألة هو أن السيد الماتن أعلى الله مقامه قد أفتى بالبطلان حتى مع المطابقة للواقع بالنسبة للجاهل المقصر الملتفت. فإذا كان هنالك البطلان عقلياً لعدم العلم بالمطابقة، فالبطلان هنا يختلف عن البطلان هناك؛ لأن البطلان هنا قد أفتى به حتى مع العلم بالمطابقة، فما هو وجه هذا البطلان؟
نقل السيد الشارح قدس سره الشريف عن الشيخ الأعظم الأنصاري أعلى الله مقامه الشريف وجهين للحكم بالبطلان:
الوجه الأول: هو الإجماع، وبحسب تعبيره قدس سره: نفي الإشكال والخلاف. والمراد من الإجماع المدعى في هذه المسألة هو ما نقلناه سابقاً عن السيد المرتضى قدس سره وأخيه الشريف الرضي قدس الله نفسه الزكية حيث حكم ببطلان الصلاة التي لا يعرف المكلف أحكامها وادعيا الإجماع على ذلك، وهذا تعرضنا له فيما سبق إما في هذا الدرس وإما في درس الأصول.
إذن، الوجه الأول الذي يُستدل به على بطلان عمل الجاهل المقصر الملتفت هو الإجماع من قبل علماء الطائفة على عدم صحة العمل حتى وإن كان مطابقاً للواقع.
وأما الوجه الثاني الذي أفاده قدس الله نفسه الزكية، وهو الذي يظهر من عبارة السيد الماتن قدس الله نفسه، فهو عدم تحقق نية القربة، مما يعني أن هذا الوجه يختص ماذا؟ يختص بالعبادات، ولا يعم المعاملات، كما أن معقد الإجماع أيضاً على الظاهر يختص بخصوص الأعمال العبادية ولا يعم المعاملات. وبالتالي فمن خلال أدلة المسألة المستعراضة هنا يُعلم بأن مقصود السيد الماتن قدس سره من المسألة إنما هو خصوص العمل العبادي؛ لوضوح أن العمل التوصلي أو المعاملي لا يحتاج إلى قصد القربى، ويكفي تحققه مطابقاً للواقع، وإن كان هنالك بعض كلام فيه ولكننا لا نتعرض له الآن.
كيف كان؟ فمن خلال أدلة المسألة التي استعرضها سيد المستمسك قدس سره، يُعلم بأن موضوع هذه المسألة هو خصوص العمل العبادي. وأما ما هو المقصود من الدليل الثاني وهو عدم تحقق نية القربى؟ فقد أوضحه الشيخ الأعظم قدس الله نفسه بأن الجاهل المقصر الملتفت للأحكام ولكنه لا يتعلمها، يكون شاكاً في أن ما يأتي به من العمل هل هو موافق
للمأمور به أم لا؟ فإذا كان شاكاً في موافقة المأتي به للمأمور به كيف يتحقق منه قصد القربى؟ كيف يتقرب به؟ ولذا قال قدس سره الشريف في مبحث الشبهة الوجوبية من الرسائل من بحث البراءة: «إن من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصداً لامتثال الأمر الواقعي على كل تقدير».
إذ أنه لو كان قاصداً لامتثال الأمر الواقعي على كل تقدير لجاء ماذا؟ بالفعلين معاً، فلما جاء بأحدهما فقط فهو ليس قاصداً لامتثال الأمر الواقعي على كل تقدير. نعم، هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له -يعني الذي جاء به فيما لو دار الأمر بين احتمالين- على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقاً، وهذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها، أي أنه لابد أن يقصد الإتيان بالأمر الواقعي، وقصد إتيان الأمر الواقع لا يتحقق إلا بقصد امتثاله على كل تقدير، أي سواء كان هذا المحتمل موافقاً فهو سيأتي به، وإن لم يكن موافقاً سيأتي به وسيأتي بالمحتمل الآخر.
فحينئذٍ يتحقق منه قصد القربى، وإلا فإنه لا يتحقق منه، وهذا قلنا هو الوجه الذي يظهر من عبارة السيد اليزدي، من مسألة السيد اليزدي؛ لماذا؟ لأنه بعد أن قال: عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل وإن كان مطابقاً للواقع، قال: وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلاً حين العمل وحصل منه قصد القربى، مما يعني أن المشكلة في الشق الأول إنما هي عدم تحقق قصد القربى، بينما هذه المشكلة ليست بمتحققة بالنسبة إلى الجاهل القاصر أو بالنسبة إلى الجاهل المقصر إذا كان غافلاً.
إذن فهذان وجهان استدل بهما شيخنا الأعظم الأنصاري رضوان الله تعالى عليه على عدم صحة عمل الجاهل المقصر الملتفت حتى ولو كان مطابقاً للواقع. ولكن سيدنا المستمسك رضوان الله تعالى عليه تأمل في كلا الدليلين:
أما الدليل الأول وهو دليل الإجماع، فقال بأن نفس الشيخ الأعظم قدس سره في رسالته في الاجتهاد والتقليد على ما حكاه عنه بعض الأكابر من تلامذته -ولعله يقصد بذلك المحقق الأشتياني على الله مقامه- نفسه لم يقبل دعوى الإجماع، ولم يقبل دعوى نفي الإشكال والخلاف، وإذا كان نفس الشيخ الأعظم لم يقبل هذا الدليل فحينئذٍ لا يصح الاستدلال به، إذ أن
نفس المستدل به قد رفع يده عنه، وعلى فرض التأمل في هذا التأمل، فإنه يمكن أن يقال بأن هذا الإجماع إجماع محتمل المدركية إن لم يكن معلوم المدركية، وبالتالي فهو ليس إجماعاً تعبديا يصح الاستناد إليه.
فالدليل الأول الذي استدل به على البطلان ليس بتام.
وأما الدليل الثاني الذي استدل به على البطلان، وهو اعتبار الجزم بالنية وعدم تحقق قصد القربى مع عدم تحقق الجزم في النية، فهذا يُسجل عليه ما أفدناه سابقاً من أن اعتبار الجزم في النية مما لم يدل عليه دليل في صحة العبادة؛ لماذا؟ لأن المعتبر في صحة العبادة إنما هو الإتيان بها مضافة إلى المولى سبحانه وتعالى، الإتيان بالعمل العبادي مضافاً إلى المولى سبحانه وتعالى، وبعبارة أخرى: الإتيان بالعمل العبادي امتثالاً لأمر المولى سبحانه وتعالى. وهذه الإضافة وهذا الامتثال لأمر المولى، كما يتحقق في صورة الإطاعة الجزمية والجزم بأمر المولى سبحانه وتعالى، كذلك يتحقق -كما نقحناه سابقاً- في صورة الإطاعة ماذا؟ الإطاعة الاحتمالية.
فإذا احتمل بأن المولى سبحانه وتعالى يريد هذا الفعل، وجاء به المكلف مضافاً إلى المولى نظراً لذلك الاحتمال، فإن الإطاعة تتحقق ويصح العمل العبادي حينئذٍ؛ لأنه قد أضيف إلى المولى سبحانه وتعالى. وبحسب تعبير سيدنا سيد المستمسك قدس سره قال: «وقد عرفت في أوائل الكتاب أن الإطاعة الاحتمالية كالإطاعة الجزمية في كون صدور الفعل عن الإرادة التكوينية الحاصلة للعبد بداعي إطاعة الإرادة التشريعية المولوية»، أي تطابق الإرادة التكوينية للعبد مع الإرادة التشريعية للمولى؛ فإنه إذا احتمل بأن هذا الأمر أو بأن هذا الفعل مطلوب للمولى سبحانه وتعالى وأنه مراد له بالإرادة التشريعية، فأراده نفس المكلف بإرادته التكوينية، أي أنه حققه في الخارج وأوجده في الخارج، فحصل تطابق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية للمولى سبحانه وتعالى، فذلك كاف لتحقق قصد القربى وإن لم يكن هنالك جزم بالإرادة التشريعية للمولى.
وأما مسألة الانطباق وعدم الانطباق، أي أن هذا العمل الذي جاء به هل ينطبق على المأمور به واقعاً أو لا ينطبق؟ فهذا الاحتمال هو نظير الجزم بالانطباق
دخيل في تأثير الإرادة المتعلقة بمعلوم الفردية أو بمحتملها، فإن الإرادة -الجزم بالانطباق وهي الإرادة التكوينية المتعلقة بالعمل الخارجي- تتعلق به سواء كان معلوماً فردياً أي أنه مصداق للمأمور به جزماً، أو أنه محتمل الفردية، فكما يحرك الجزم يحرك الاحتمال أيضاً، وككما تصح الإضافة في مورد الجزم تصح الإضافة في مورد الاحتمال، فالإطاعة الاحتمالية على وزان الإطاعة الجزمية، وما ذكره المحقق النائيني قدس سره من ترتب مراتب الامتثال ودعوى أن بناء العقلاء على ذلك، قد تقدمت المناقشة فيه تفصيلاً.
إذن فهذا الدليل الذي استدل به الشيخ الأعظم قدس سره لا يتم، وبالتالي فلو أن الجاهل المقصر الملتفت جاء بعمل من الأعمال واقتصر عليه ولم يأت بالعمل الآخر، فإن ذلك لا يمنع من تحقق قصد القربة منه؛ لأنه قد جاء بالعمل مضافاً إلى المولى سبحانه وتعالى، وجاء به من باب الإطاعة الاحتمالية، وهذا يحقق قصد القربى. فإذا كان يتمشى منه قصد القربى ووافق عمله الواقع فلا وجه للحكم ببطلانه.
ولكن قد يستشكل فيما أفاده سيد المستمسك رضوان الله تعالى عليه، بأن يقال: إن اقتصار المكلف المقصر الملتفت على بعض المحتملات مع بنائه على عدم الإتيان بققية المحتملات -إذ الفرض أنه جاهل ولم يسَعَ للتعلم، فعنده عدة محتملات: الصلاة واجبة مع جلسة الاستراحة أو بغير جلسة الاستراحة، الواجب ثلاث تسبيحات أم تسبيحة واحدة؟ فجاء بصلاة من غير جلسة الاستراحة، أو جاء بصلاة مع تسبيحة واحدة، وتبين بأن ما جاء به مطابق للواقع أو بانه مطابق للحجة- نحن نقول: أنتم تقولون يكفيه أنه جاء بذلك بداعي الاحتمال احتمال المطابقة فإن هذا يحقق الإضافة للمولى ويحقق الإطاعة الاحتمالية.
نقول: بأن اقتصاره على هذا المحتمل دون المحتمل الآخر مع بنائه على عدم الإتيان بالمحتمل الآخر، يدلنا ويكشف لنا عن أن الباعث الذي بعثه للإتيان بالعمل ليس هو الإرادة المولوية التشريعية، بحيث يقال: تطابقت إرادته التكوينية مع إرادة المولى التشريعية. والدليل على ذلك أن الباعث له لو كان هو عبارة عن الإرادة المولوية التشريعية لأثرت في غيره من المحتملات ولجعلته يأتي بالمحتملات الأخرى أيضاً، ولكنه لما لم يأت بالمحتملات الأخرى علم أن المحرك له ليس هو الإرادة المولوية.
فإذا لم يكن المحرك له هو الإرادة المولوية، إذن لم يتحقق منه قصد القربى.
يجيب سيد المستمسك أعلى الله مقامه الشريف عن هذا الإشكال بأن من الممكن جداً أن تكون الإرادة المولوية قد أثرت في بعض المحتملات لعدم المانع عن تأثيرها، ولم تؤثر في المحتملات الأخرى لوجود مانع من تأثيرها. فمثلاً لو دار الأمر بين أن يصلي بصلاة مع جلسة الاستراحة أو يصلي من غيرها، فهنا هو إذا تأمل في نفسه يقول مثلاً بأن الصلاة من غير جلسة الاستراحة أقل كلفة من الصلاة مع جلسة الاستراحة، فأنا آتي بهذه الصلاة برجاء أنها هي المطلوبة لله سبحانه وتعالى ولا أكلف نفسي أن آتي بتلك الصلاة فلعلها ليست بمطلوبة.
فهو هنا قد جاء ببعض المحتملات انبعاثاً عن إرادة المولى سبحانه وتعالى ولم يأت بالمحتمل الآخر ليس لعدم انبعاثه عما جاء بالمحتمل الأول عن إرادة المولى، وإنما لعدم قناعته مثلاً بأن المولى يريد منه تلك الصلاة التي تكون مع جلسة الاستراحة، أو لتكاسل منه أو لسبب آخر. حينئذٍ ربما في مقام العقاب يعاقب على تقصيره وعدم إتيانه بالمحتمل الآخر، لكن ذلك في مقام إبراء الذمة لا يضر بعمله الأول، لا يضر بإتيانه بالمحتمل الأول وأنه قد جاء به بقصد القربى ومضافاً للمولى سبحانه وتعالى.
إذن هذا ليس بمنبه على عدم الانبعاث عن الإرادة المولوية، بل هو منبه على أن الانبعاث عن الإرادة المولوية له مراتب؛ فهنالك من العباد من ينبعث عن الإرادة المولوية بنحو تحقيق الطاعة الاحتمالية، وهناك من العباد من ينبعث عن الإرادة المولوية بمستوى تحقيق ماذا؟ الطاعة الإجمالية، وهناك من العباد من يمتثل أمر المولى وينبعث عن إرادة المولى بالمستوى الذي يحقق فيه الطاعة التفصيلية. فهذه مراتب الطاعة لا تضر بتحقق الانبعاث عن أمر المولى، وإنما هي تعود إلى أحوال المكلفين أو إلى الظروف الموضوعية التي تحيط بهم.
فتحصل من ذلك إذن بأن كلا الدليلين اللذين استدل بهما على بطلان عمل الجاهل المقصر الملتفت وإن كان مطابقاً للواقع، كلا الدليلين لم يتما.
فالصحيح هو الحكم بصحة عمل الجاهل المقصر الملتفت إذا كان مطابقاً للواقع وتمشى منه قصد القربى، فلا فرق من هذه الناحية بين الجاهل المقصر الملتفت وبين ماذا؟ الجاهل المقصر الغافل أو الجاهل القاصر، فجميعهم إذا تحقق منهم العمل مطابقاً للواقع أو مطابقاً للحجة وتمشى منهم قصد القربى فإن العمل يكون محكوماً بالصحة.
هذا ما يرتبط بالمطلب الأول الذي أفاده قدس سره.
وأما المطلب الثاني الذي أفاده رضوان الله تعالى عليه فهو تعليق على ما أفاده السيد الماتن بقوله: «فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحاً».
هنا بعد أن ذكرنا في المطلب السابق بأن العمل المطابق للواقع أو المطابق للحجة في حق المكلف يكون محكوماً بالصحة فيما لو تمشى منه قصد القربى، نقول بأن مطابقة العمل للواقع إما أن تحرز عن طريق الوجدان -وهذا في موارد نادرة وقليلة جداً- وإما أن تحرز عن طريق التعبد، أي عن طريق إقامة الحجة على أن العمل الصادر من المكلف حين تقصيره أو قصوره كان صحيحاً ومطابقاً للواقع، وهذا إما أن يكون عن طريق الاجتهاد، وإما أن يكون عن طريق التقليد. وكلامنا فيما لو كان عن طريق التقليد.
فإذا كان عن طريق التقليد، نحن هنا نتصور المسألة بصورتين:
الصورة الأولى: هي أن يكون المقلد الذي يجب عليه تقليده حال عمله هو نفسه المقلد حال التفاته، أي أنه لما التفت إلى نفسه والتفت إلى عمله وأن عمله هل هو مطابق للواقع أم ليس بمطابق للواقع؟ المقلد الذي كان يجب عليه تقليده حال عمله لا زال على ما هو عليه، لا زال هو نفسه المقلد، كما لو افترضنا مثلاً أنه قد أتى بالصلاة بكيفية معينة في حياة سيدنا الخوئي قدس سره، ثم إنه بعد سنوات توجه إلى أنني لابد أن أتعلم الحكم الشرعي، وكان السيد الخوئي أيضاً لا زال موجوداً، فالمقلد حين العمل أي المقلد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل هو نفسه المقلد الذي يجب عليه تقليده حين التوجه والنظر والالتفات.
هذه صورة.
وتارة نفترض أن المقلد مختلف، فعمله كان متزامناً لحياة مرجع من المراجع العظام، ثم التفت إلى وضعه وحاله بعد وفاة ذلك المرجع ووجود مرجع آخر تكون فتواه هي الحجة في حقه. بالنسبة إلى الصورة الأولى لا كلام فيها، يرجع إلى مرجع التقليد الذي تنجز تقليده في حقه، ويرى أن عمله هل هو مطابق لفتواه التي هي حجة في حقه أم لا؟ فإن كان مطابقاً فالكلام هو الذي ذكرناه من أنه إذا تمشى منه قصد القربى وتبين أنه مطابق للحجة فهو صحيح ولا يحكم ببطلانه. ولكن لو افترضنا أن المرجع حين عمله يختلف عن المرجع حال التفاته، فهنا هل الحجة في حقه هي فتوى المرجع حين العمل؟ أم أن الفتوى في حقه أو أن الحجة في حقه هي الفتوى حين الالتفات؟
وهنا إذا كانت الفتويان متطابقتين أيضاً فلا كلام، ولكن إذا كانت الفتويان مختلفتين، كما لو كان الأول مثلاً الذي حين العمل يفتي بأن الصلاة لازمة مع جلسة الاستراحة، بينما المرجع الذي وجب عليه تقليده حين الالتفات يفتي بأن الصلاة لا تلزم فيها جلسة الاستراحة، وهو قد جاء بصلاة بغير جلسة استراحة، فهل هنا تلحظ مطابقة العمل للفتوى الأولى فهي الحجة في حقه الذي كان معاصراً له وقت العمل؟ أم الفتوى الحجة هي الفتوى ماذا؟ الفتوى المنجزة في حقه حال الالتفات؟
هنا عندهم كلام، والذي بنى عليه السيد الشارح قدس سره الشريف هو أن يكون عمله مطابقاً لفتوى المجتهد الفعلي الذي قلده حال الالتفات، الذي تنجز عليه تقليده حال الالتفات. لماذا؟ باعتبار أن المكلف حينما التفت يتوجه إليه سؤال، وهو: هل أن عمله السابق مجزئ فلا حاجة لإعادته؟ أم أن عمله السابق ليس بمجزئ فيحتاج إلى ماذا؟ فيحتاج إلى إعادته. وإذا توجه إليه هذا السؤال نحن نقول بأن الإعادة وعدم الإعادة فعلاني أو فعل وترك من أفعال وتروك المكلف، والأفعال والتروك لابد أن يرجع فيها ماذا؟ إلى مرجع يعلم منه حكم ذلك والمرجع
حجة في حقه المنجز تقليده في حقه هو المرجع المعاصر له. فإذا كان هو المرجع المعاصر له -أي لماذا قلنا هو المرجع المعاصر له؟- لأن زمن الابتلاء هو الآن، الآن هو زمن ابتلائه بلزوم الإعادة أو عدم لزوم الإعادة، فالآن في زمن الابتلاء لابد من الرجوع إلى مرجع تكون فتواه حجة في حقه، والمرجع الذي تكون فتواه حجة في حقه في هذه الواقعة المتجددة في زمن الابتلاء إنما هو المرجع المعاصر له، ففتواه تكون حجة في حقه، فإن قال له: تجب عليك الإعادة، لزمته الإعادة، وإن قال له: لا تجب عليك الإعادة، لم تلزمه الإعادة.
وبعبارة أخرى أوضح من ذلك نقول: إن قال له بأن الصلاة من غير جلسة الاستراحة مجزئة، يُعلم من ذلك بأنه لا تجب الإعادة عليه، وإن قال له -وهذا خلاف ما أفترضناه من البداية بأن جلسة الاستراحة واجبة- يُعلم من ذلك بأنه ماذا؟ تجب عليه الإعادة.
وبالجملة، فإن الفتوى المنجزة في حق المكلف إنما هي الفتوى المرتبطة به في زمن الابتلاء، وزمن الابتلاء هو زمن الالتفات، في زمن الالتفات ابتلي بهذا الحكم: هل تجب عليه الإعادة أو لا تجب؟ فالفتوى المنجزة في حقه هي فتوى المرجع المعاصر له.
إن قلت: بأن فتوى هذا المرجع بعدم وجوب جلسة الاستراحة إنما هي ناظرة إلى الصلوات المتجددة بعد رجوعه إليه ولا تعم الصلوات التي صدرت سابقاً؟
قلنا: لا وجه لهذا التقييد؛ لأن المرجع يفتي بأن الصلاة لا تلزم فيها جلسة الاستراحة أو بأن جلسة الاستراحة ليست بواجبة بنحو الحكم الكلي على نحو القضية الحقيقية، فيعم هذا الحكم جميع الأفراد المتقدمة والمتأخرة بلا فرق، وبالتالي فإن رأيَهُ يكون حجة حتى في الوقائع المتقدمة وليس مقصوراً على الوقائع المتجددة.
إن قلت: أولا يعتبر مطابقة عمله أيضاً لرأي من كان يجب عليه تقليده حين العمل؟
يقول السيد قدس سره سيد المستمسك: هذا مما لا دليل عليه، هذا مما لا دليل عليه، اللهم إلا أن نبني على أن حجية أدلة التقليد أو نعم، أن حجية التقليد أو حجية الفتاوى إنما هي من باب السببية لا من باب الطريقية. من باب السببية يعني ماذا؟
من باب السببية يعني أن الأحكام تتغير بتغير فتوى مجتهد، فإذا كانت تتغير بتغير فتوى المجتهد، إذاً فالأحكام التي كانت حين العمل غيرها عن الأحكام التي كانت أو التي تحققت من المجتهد الآخر حين الالتفات، وعمله بما أنه كان مزامناً للأحكام الأولى وتلك الأحكام كانت سبباً لحدوث المصلحة آنذاك، فلا بد من مطابقة عمله لتلك الأحكام فيلحظ فتوى الفقيه المتقدم.
ولكننا لا نقول بذلك، وأوضحنا بأن مسلك السببية مسلك باطل، والحجية إنما هي من باب الطريقية، فإذا كانت من باب الطريقية إلى الواقع ففتوى الفقيه المتأخر طريق إلى الواقع، وإذا كانت طريقاً إلى الواقع فالمكلف قد وصل إلى الواقع، ووصل إلى الحجة بعبارة أخرى، وإذا كان قد وصل إلى الحجة فليس مطلوباً منه أكثر من ذلك، وصل إلى الواقع، وتمشى منه قصد القربى، إذن فالعمل الذي صدر منه ماذا؟ صحيح.
هذا تمام الكلام حول هذه المسألة، وأتصور بأن عبارته أعلى الله مقامه الشريف جليّة بعد ما بيناه لذلك أعرض عن تطبيقها، وإن كان ثمة غموض فأنا بخدمتكم، أرشدوني إلى العبارة الغامضة منها وأنا أبينها إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.
