دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 37
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. قال السيد الماتن أعلى الله مقامه الشريف:
معنى الأعلم وضابطته
المسألة السابعة عشر: المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر اطلاعاً لنظائرها، أي لنظائر المسألة، وللأخبار، باعتبار أن كثرة الاطلاع على الأخبار تقود المجتهد إلى فهم إشارات المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم، ومعرفة معاريض الكلام، وأكثر اطلاعاً لنظائرها وللأخبار، وأجود فهماً للأخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً، والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط.
وعلق السيد الشارح صاحب المستمسك أعلى الله مقامه الشريف على ما أفاده الماتن ببيان أمور:
الأمر الأول: ما أفاده من أن المراد بالأعلم ليس هو ما ذكره السيد اليزدي قدس سره، وهو أن يكون أعرف بالقواعد والمدارك، وإنما المراد بالأعلم هو الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، كانت هذه الوظيفة الفعلية وظيفة شرعية أم كانت وظيفة عقلية، وهذا هو الذي يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله.
إذن، فالنقطة الفارقة بين ما أفاده السيد اليزدي قدس سره وبين ما أفاده سيد المستمسك رضوان الله تعالى عليه، هي أن الأعلمية هل هي شأن نظري أم أن الأعلمية شأن عملي؟ الذي يظهر من العبارات الأولى لسيد العروة قدس سره أن الأعلمية شأن نظري؛ إذ إنه قد عرفها بأنها الأعرفية بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثرية الاطلاع على نظائر المسألة وعلى الفروع المشابهة، وكذلك أيضاً أكثرية الاطلاع على الأخبار الشريفة، وهذا كله شأن نظري، بمعنى أنه لا يرتبط بعملية الاستنباط، لا يرتبط بعملية الاجتهاد، بحيث ربما يكون هنالك عندنا مجتهدون، هذا المجتهد لتمكنه مثلاً من علم الأصول، لتمكنه من علم الرجال، يكون أعرف بالقواعد وضابطاً لها ومحيطاً بها وأعرف بمدارك المسألة، ولكنه في مقام تطبيق هذه القواعد في مقام تطبيق هذه المدارك على مواردها وتلك القواعد على صغرياتها، لعله يكون دون غيره من المجتهدين، فهو من حيث الأعرفية بالمدارك أعرف من غيره، ومن حيث الأعرفية بالقواعد أعرف من غيره، له يد طولى مثلاً في علم الأصول، وعلم الأصول بيده كالعجينة يقلبه كيف يشاء، ولكنه
في مقام التطبيق العملي للقواعد الأصولية على صغرياتها لا تكون عنده مهارة كمهارة غيره. فالسيد رضوان الله تعالى عليه يظهر من عبارته أن الأعلمية شأن نظري؛ فإذن من كان أعرف بالقواعد، من كان أعرف بالمدارك، من كان أكثر اطلاعاً على الفروع فإنه يكون هو الأعلم. ولكن سيد المستمسك قدس سره يقول: كلا، الأعلمية ليست شأناً نظرياً، وإنما هي من الشؤون العملية، فالأعلم هو الأعرف بتحصيل الوظيفة الفعلية، والأعرف بتحصيل الوظيفة الفعلية أي هو الأقدر على تطبيق الكبريات على الصغريات، الأقدر على أخذ كل فرع من أصله، فالأقدر على الاستنباط، على الاجتهاد، على تحصيل الوظيفة الفعلية، كانت هذه الوظيفة وظيفة شرعية مستفادة من الأدلة الاجتهادية مثلاً، أم كانت هذه الوظيفة وظيفة عقلية مستفادة من الأصول العقلية، لا فرق في ذلك، هو بكفيه القواعد والمدارك يطوعها في مواردها ويطبقها على صغرياتها من غير تكلف بل بمهارة وخبروية تامة، من يستطيع تحصيل الوظيفة الفعلية أياً كانت فإن هذا هو الأعلم، هو الأعرف.
ولكن الذي ينبغي أن يقال هنا إنصافاً لسيد العروة قدس سره: بأن عبارة السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه مشتملة على شقين؛ الشق الأول وإن كان يظهر منه أن الأعلمية شأن نظري، ولكن الشق الثاني من كلامه ظاهر جداً وصريح جداً في أن الأعلمية شأن عملي، فإنه بعد أن يبرز الأعلم بما ذكرناه يقول: وأجود فهماً للأخبار، إذاً هو يلحظ الشأن العملي، أجودية فهمه للأخبار. والأصرح من ذلك قوله: والحاصل أن يكون أجود استنباطاً. والحاصل أن يكون أجود استنباطاً، وهذه الكلمات تلخص نظره في الأعلمية، فكأن ما تقدم إنما هو بمثابة المقدمات التي تتوقف عليها أجودية الاستنباط، فإن من يكون أعرف بالقواعد وأعرف بالمدارك وأكثر اطلاعاً على النظائر والفروع وأجود فهماً للأخبار، عادة ما يكون ماذا؟ أجود استنباطاً، فالأعلمية بنظر السيد اليزدي قدس سره أيضاً هي شأن عملي يلحظ فيها جانب الاستنباط، يلحظ فيها جانب الاجتهاد، فمن يكون أجود استنباطاً أجود اجتهاداً فهو الأعلم. هذا هو الأمر الأول الذي تعرض له سيد المستمسك قدس سره.
هل تعتبر الأقربية إلى الواقع في الأعلمية؟
الأمر الثاني: هو أن الأعلمية هل تعتبر فيها الأقربية إلى الواقع أم لا؟ سيد المستمسك رمى هاهنا بعبارة إذ وذهب عنها إلى غيرها، فقال في حدود ست من الكلمات: ولا يلزم فيه -أي الأعلم- أن يكون أقرب إلى الواقع، أن يكون أقرب إلى الواقع. وهذه العبارة للحق والإنصاف هي عبارة مبهمة، فما هو المقصود من أن الأعلم لا يُعتبر فيه أن يكون أقرب للواقع؟ هنا نحن نحتمل احتمالين:
الاحتمال الأول: هو أن يكون مقصوده الإشارة إلى الأقربية للواقع من ناحية المرتبة العلمية أو من ناحية النتيجة الاستنباطية بعبارة أخرى، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك هو أن الذي يستنبط حكماً من الأحكام ليس دائماً يستنبط الأحكام على سواء، كما أن الذين يستنبطون الأحكام الشرعية ليسوا كلهم سواسية من ناحية النتيجة الاستنباطية، بمعنى ماذا؟ بمعنى أن بعضهم مثلاً عندما يستنبط يصل إلى مرحلة القطع والجزم بأن الذي استنبطه هو حكم الله سبحانه وتعالى، بينما بعض من يستنبط لا يصل إلى مرحلة الجزم والقطع بأن هذا هو حكم الله، ولكن يحصل له ظن، أو يحصل له اطمئنان -عفواً- أو يحصل له ظن بأن هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى، وربما من يستنبط ويصل إلى النتيجة الاستنباطية لا يحصل له حتى ظن بأن هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى. إذاً فالمستنبطون ليسوا سواسية، كما أن الأحكام الاستنباطية ليست على نسق واحد من هذه الناحية من ناحية النتيجة الاستنباطية، فعلى ذلك نقول بأن المجتهد الذي يكون أكثر جزماً -بمعنى أن النتيجة التي يصل إليها غالباً ما تكون نتيجة جازمة- يكون أقرب إلى الواقع ممن لا يحصل له الظن في استنباطاته، وعلى ذلك يكون الأول هو الأعلم دون الثاني. هذا هو الاحتمال الأول، ولو كان هذا الاحتمال هو المقصود له قدس الله نفسه الزكية، فالأمر كما أفاد، الأمر كما أفاد من جهة أنه ماذا؟ من جهة أنه لا تعتبر الأقربية إلى الواقع، لم؟ لأن مستوى النتيجة الاستنباطية ليس دخيلاً في الحجية، يعني لم يلحظ في إثبات الحجية لاجتهاد المجتهد ولفتوى الفقيه أن يكون ماذا؟
أقرب إلى الواقع بهذا المعنى، بمعنى أن يكون جازماً أو أن يكون قاطعاً، فإنه إذا كان قاطعاً جازماً كان أقرب إلى الواقع، كل ذلك لم يلحظ في مقام إثبات الحجية، بل الذي لوحظ في مقام إثبات الحجية لفتوى الفقيه هو أن تكون فتواه عن علم، فإذا كانت فتواه عن علم اعتمد على الأدلة المتعارفة واستنبط من خلالها فاستنباطه حجة، كان هذا الاستنباط بدرجة الجزم أم كان بدرجة الاطمئنان أم كان بدرجة أقل من ذلك، لا فرق في حجية هذا النحو من هذا الاستنباط، هذا النحو من الاستنباط عن هذا النحو من الاستنباط، كلهم في الحجية سواسية، فإن أريد من الأقربية إلى الواقع هو هذا المعنى فالأمر كما أفاده قدس الله نفسه.
الاحتمال الثاني: هو أن يكون المقصود من الأقربية إلى الواقع الإحاطة بالمقدمات التي تكون دخيلة في أقربية استنباط الفقيه للحكم الشرعي الواقعي، ما معنى ذلك؟ طبعاً نحن نتكلم من حيث الكبرى، وأما من حيث الصغرى فللكلام مجال، عندما ندقق في أحوال الفقهاء نجد أن للفقهاء مدارس فقهية مختلفة، فمثلاً بعض الفقهاء -ولا نريد أن نسمي أحداً- بعض الفقهاء في مقام الاستنباط يعتمد مثلاً على مراجعة الكتاب العزيز ومراجعة الأصول المجاميع الروائية كالكافي ومن لا يحضره الفقيه، وربما بعضهم يكتفي بمراجعة كتاب الوسائل، ومن خلال هذه المراجعة يستنبط حكماً شرعياً، هذا قسم من الفقهاء قد درجوا على هذه الطريقة، فهم يهتمون بأحكام القواعد الأصولية ويهتمون ربما بأحكام القواعد الرجالية إن وجدوا لذلك حاجة، ثم إنهم في مقام التطبيق يكونون حاذقين في تطبيق هذه القواعد التي أحكموها على هذا المقدار من الأدلة. وهناك قسم من الفقهاء لهم مدرسة فقهية أخرى، فمثلاً هم لا يكتفون بإحكام القواعد الأصولية وبأحكام القواعد الرجالية، بل يضلعون جداً في علم الحديث بعرضه العريض جداً، بحيث تكون عندهم معرفة بالكتب الحديثية، وعندهم معرفة واطلاع على أسباب الوضع، على أسباب الدس، على أسباب اختلاف الأحاديث مثلاً، وعندهم خبروية ومعرفة بالنسخ المختلفة، مثلاً الكافي له أكثر من نسخة، وهذه الرواية قد جاءت هكذا في نسخة، وقد جاءت هكذا في نسخة أخرى، وهذه النسخة أصح من تلك النسخة.
كما أنهم لخبرويتهم في علم الرجال يستطيعون تمييز الأسانيد وأن السند هل فيه سقط، هل فيه إضافة، هل فيه تلفيق وهكذا، هل فيه خلط إلى غير ذلك، يستطيعون التمييز بين وجود -يستطيعون تمييز الخلط الواقع في الأحاديث إن كان للراوي كلام قد خلط بكلام المعصوم عليه السلام- وهكذا لهم خبروية، هاتان مدرستان على سبيل المثال أذكرهما هنا.
بعضهم يقول بأن المدرسة الثانية أقرب إلى الوصول للحكم الواقعي من المدرسة الأولى، فالمدرسة الأولى وإن كانت قواعدها محكمة وتطبيقاتها حاذقة ودقيقة، ولكنها لم تبذل جهداً في المقدمات، وبالتالي ربما يكون الحكم الذي تصل إليه من خلال عملية الاستنباط بعيداً عن الحكم الواقعي، لماذا؟ لأن هذه المقدمات وهي التوغل في علم الحديث والتوغل في علم الرجال والتوغل في معرفة الكتب والنسخ وشؤونها مما له دخل في الوصول إلى المادة التي ينبغي أن يستنبط الحكم منها، وبالتالي فاستنباط هذه المدرسة يكون أقرب إلى الحكم الواقعي من استنباط تلك المدرسة. إذا كان المقصود من الأقربية إلى الواقع هو هذا المعنى، فربما يناقش السيد قدس سره في دعواه أنه لا يعتبر في الأعلم أن يكون أقرب إلى الواقع، لا يلزم فيه أن يكون أقرب إلى الواقع، إذ ربما لقائل أن يقول على وفق ما ذكرناه: لا شك أن المتضلع في كل هذه المعارف والمحيط بكل هذه المقدمات سيكون أعرف بتحصيل الوظيفة الفعلية من غيره، وهذا هو ضابط الأعلمية عند السيد قدس سره. هذا الأمر الثاني.
الأمر الثالث: هو أن الأعلمية يعتبر فيها أن يكون الاستنباط من الطرق المتعارفة، يعتبر فيها أن يكون تحصيل الوظيفة الفعلية من الطرق المتعارفة، بمعنى أن تحصيل الوظيفة أو الأعرفية بتحصيل الوظيفة كما هي ضابطة الأعلمية بنظر سيد المستمسك قدس سره، تارة تكون هذه الأعرفية على طبق القواعد المتعارفة، على طبق ما هو متعارف في الحوزات العلمية من تطبيق القواعد الأصولية والاستفادة من القواعد الرجالية للوصول إلى الحكم الشرعي، وتارة أخرى يكون تحصيل الوظيفة الفعلية من طرق غير متعارفة، كما لو أن المستنبط كان مثلاً متمكناً من بعض العلوم الغريبة كعلم الجفر مثلاً أو كعلم الرمل أو ما شاكل لهما من العلوم، أو كان كما يدعى من ذوي الرياضة مثلاً، وأن ذوي الرياضة -إن صح ذلك- تكون لهم حالات
من الانكشاف، وعن طريق هذه الحالات من الانكشاف يتوصلون إلى تحصيل الوظيفة الفعلية. يقول السيد قدس سره: نحن عندما نقول بأن الأعرفية بأن الأعلمية هي الأعرفية بتحصيل الوظيفة الفعلية، فمرادنا من ذلك الأعرفية بتحصيل الوظيفة من الطرق المتعارفة، لماذا؟ لأن الطرق غير المتعارفة لم تثبت الحجية لها، فإذا كانت لم تثبت الحجية لها فتحصيل الوظيفة من تلك الطرق لا يكون معذراً للمجتهد وللمستنبط حتى يكون ذلك ماذا؟ كافياً في تحصيل الوظيفة العقلية أو الشرعية.
الأمر الرابع: الذي تعرض له قدس سره هو أن بعضهم قد فسر الأعلم بأنه الأكثر علما، أي الأوسع إحاطة بالمعلومات، لماذا؟ قال: لأن هذا هو الأقرب إلى هيئة التفضيل المستفادة من كلمة أعلم وصيغة أفعل، فإن صيغة أفعل تدل على أكثرية العلم، أعلم أي أنه أكثر علما وعنده إحاطة بالمعلومات أكثر من غيره. يقول هذا المعنى للأعلمية ليس مقصوداً، فلا يشترط في الأعلم أن يكون ماذا؟ أن يكون أكثر علما، لماذا؟ لأننا هاهنا نحن لا ندور حول مدار لفظ الأعلم، لا ندور حول مدار لفظ الأعلم، لماذا لا ندور حول مدار لفظ الأعلم؟ باعتبار أن لفظ الأعلم -أن عنوان الأعلم- لم يرد في شيء من الأدلة اللفظية، حتى يقال بأن المعنى العرفي لكلمة الأعلم ما هو؟ هل المراد من الأعلم هو الأكثر علما أم يراد به معنى آخر؟ لفظ الأعلم لم يرد عندنا في شيء من النصوص، فإذا كان لم يرد عندنا في شيء من النصوص، إذاً فنحن ندور في تحديد معنى الأعلم مدار الأدلة التي دلت على اعتباره في مجتهد، في المجتهد، في المقلد، والأدلة التي دلت على اعتباره كما تقدم عندنا، أما هي عبارة عن الأصل العقلي وهو عبارة عن أصالة التعيين عند دوران الأمر بينه وبين التخيير، وإما هو عبارة عن بناء العقلاء، فإذا كان هذا هو المدارك لاعتبار الأعلمية فنأتي ونسأل من العقلاء: ما هو مقصودكم من الأعلم الذي يكون مقدماً على غيره؟ هل هو الأكثر علما؟ الأكثر إحاطة بالمعلومات؟
أم إنه الذي يكون أقدر وأقوى في تطبيق الكبريات على صغرياتها؟ لا شك أن الثاني هو المقصود عندهم، لذلك لو كان عندنا طبيبان، واحد الطبيبين كثير المعلومات ولكنه في مقام تطبيق المعلومات على صغرياتها والكبريات على صغرياتها يكون غير متمكن، بينما الآخر أقل معلومات من الأول ولكنه حاذق في تطبيق الكبريات على الصغريات، لا شك أن ملاذ العقلاء والمرجح عندهم هو الثاني وليس الأول. إذاً فالمراد من الأعلم هو من يكون أقدر على تحصيل الوظيفة الشرعية أو العقلية، والتي نعبر عنها بالجامع فنقول الوظيفة الفعلية، سواء كان أكثر من غيره بحسب المعلومات أو لم يكن أكثر من غيره.
ثم هنالك أمر مر عليه سيد المستمسك ولم يتعرض له، وهو: من الذي يعين الأعلم؟ فالسيد الماتن قدس الله نفسه الزكية قال: والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط، فالذي يرجع إليه في تعيين الأعلم إنما هم ذوو الخبرة، ذوو الخبرة الذين يستطيعون ترجيح مجتهد على آخر لمعرفتهم بالأدلة ولمعرفتهم بالأقدر استنباطاً من غيره، لمعرفتهم بالأقوى استنباطاً من غيره. وعلى أي حال، وهل يمكن الرجوع إلى غيرهم أو لا يمكن؟ يبدو بأن ذلك الباب موصود مسدود، فليس سوى أهل الخبرة هم القادرون على تعيين الأعلم، حتى الطرق الأخرى التي تذكر مثلاً كالشهرة كغيرها هي بالنتيجة ترجع إلى هذا الطريق، وهو تعيين أهل الخبرة وأهل الاستنباط. هذا تمام الكلام حول المسألة السابعة عشرة.
تقليد المفضول مع توافق الفتوى
المسألة الثامنة عشرة: قال: الأحوط عدم تقليد المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل. فإذا كان عندنا هنالك مفضول وأفضل، عالم وأعلم، وكانت فتواهما واحدة، فهل يجب تقليد الأعلم أم يجوز تقليد العالم؟ هل يجب تقليد الأفضل أم يجوز تقليد المفضول؟ الذي بنى عليه السيد الماتن قدس سره بنحو الاحتياط هو عدم جواز تقليد المفضول مع وجود فتوى للأفضل، حتى وإن كانت الفتويان متوافقتين. ولكن سيد المستمسك قدس سره خالفه في ذلك، وهنا يقال بأن الوجه الذي دعا السيد الماتن قدس سره للاحتياط في هذه المسألة ربما هو دوران الأمر بين أصالة التعيين وأصالة التخيير.
ربما هو دوران الأمر بين أصالة التعيين وأصالة التخيير، إذ أننا هاهنا نحتمل التعيين في فتوى الأفضل، ونحتمل التخيير بينه وبين ماذا؟ وبين العالم وبين المفضول، ولكن لا نحتمل التعيين بالنسبة إلى المفضول بلا ريب. وإذا دار الأمر بين التعيين والتخيير فأصالة التعيين محكمة، وبالتالي أصالة الاشتغال، أصالة الاحتياط، أصالة التعيين تقتضي الحكم هاهنا بلزوم تقديم الأفضل على المفضول في تقليده في هذه الفتوى على نحو الاحتياط كما أفاد السيد الماتن قدس سره. وربما أيضاً يتمسك لما أفاده السيد الماتن كدليل ثاني بإطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل، وبما أن هذا الإطلاق يشمل ما لو توافقا في الفتوى، فلذلك لا يجوز تقليد المفضول حينئذ، حتى وإن كانت فتواه موافقة للأفضل.
ولكن كلا الاستدلالين يمكن المناقشة فيهما؛ أما الاستدلال الثاني وهو إطلاق قولهم فمضافاً إلى أن هذا القول ليس بنص شرعي ولا هو بنص إجماعي حتى يتمسك به، أقصى ما يمكن أن يقال فيه بأنه قد ادعي عليه الإجماع، ولكن كما ذكرنا غير مرة بأن الإجماع دليل لبي، والدليل اللبي يقتصر منه على القدر المتيقن ما لم يكن هنالك إطلاق في معقده، والقدر المتيقن من دليل الإجماع إنما هو عدم جواز الأخذ من المفضول فيما لو خالف الأفضل، وأما مع عدم المخالفة فدعوى عدم الجواز ممنوعة، بل يمكن أن يدعى -وهذا أظن ذكرناه سابقاً- بأن سيرة المتشرعة قائمة على الأخذ من المفضول ليس فقط مع العلم بعدم مخالفته للأفضل، وإنما إن لم تعلم مخالفته للأفضل، إذا لم تعلم مخالفته للأعلم فإنهم يأخذون من العالم، وعلى ذلك جرت سيرتهم من زمن المعصومين عليهم السلام.
وأما بالنسبة للدليل الأول وهو أصالة التعيين، فلا يصح التمسك به في المقام، لماذا؟ لأن الفرض أن دليل الحجية -أي دليل حجية الفتوى- قد ثبت لقول العالم، وقول العالم كما ينطبق على فتوى الأعلم ينطبق على فتوى غير الأعلم، وإنما منعنا من الأخذ بفتوى غير الأعلم وتعميم إطلاق أدلة الحجية لها منعنا من ذلك تعارضها مع فتوى الأعلم، وأما إذا لم تتعارض، إذا لم تتعارض فالإطلاقات تشملها، دليل قول العالم حجة يشملها، قول أهل الذكر حجة يشملها، وبالتالي كما يصح الاستناد إلى فتوى الأعلم يصح الاستناد إلى فتوى غيره مع الموافقة لإطلاقات أدلة
الحجية، إذ المانع مفقود في موردها. هذا تمام الكلام حول المسألة الثامنة عشرة.
تقليد غير المجتهد
المسألة التاسعة عشرة: قال: لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم، كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد وإن كان من أهل العلم. هذه المسألة أيضاً واضحة لا كلام فيها، لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم لعدم ثبوت الحجية لقوله، لعدم ثبوت الحجية لفتواه، فإن مجرد كونه من أهل العلم لا يثبت الحجية لكلامه، وإنما تثبت الحجية لمن تثبت الحجية لقول العالم، فإذا صار عالماً فقيهاً فالحجية ثابتة لقوله ولفتواه، فما لم تثبت -فما لم أصبح فقيهاً عالماً- فلا حجية لقوله ولفتواه، ولذا لا يجوز تقليده والأمر واضح، وبالتالي نحن لا نحتاج إلى الاستناد إلى الإجماع كما عن سيد المستمسك قدس سره، بل يكفينا عدم الدليل على حجية فتواه كما هو أيضاً أشار إلى ذلك.
وأما أنه يجب على غير المجتهد التقليد، فواضح، لأنه حتى وإن كان من أهل العلم ما لم يكن فقيهاً وعالماً فإن الضرر المحتمل قائم على ما هو عليه ولا يمكن دفعه، كما تقدم في بداية البحث -في بداية البحث حول الاجتهاد والتقليد- لا يمكن دفعه إلا بسلوك طريق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، وبما أنه ليس بمجتهد وإن كان من أهل العلم، فإما أن يحتاط وإاما أن ماذا؟ وإما أن يقلد. هذا تمام الكلام حول المسائل الثلاث، ولا باس أن أمر على عبارته قدس سره مروراً سريعاً.
قال: المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد... علق عليه قدس سره قال: الظاهر أن المراد به الأعلم الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، عقلية كانت أم شرعية، فلا بد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله، انتهى المطلب الأول، إذن فالأعلمية شأن عملي وليست شأنًا نظرياً. وقلنا بأن عبارة الماتن لا تأبى ذلك إذا لاحظنا مجموعها.
المطلب الثاني: ولا يلزم فيه أن يكون أقرب إلى الواقع. قلنا بأن العبارة تحتمل احتمالين، أحد الاحتمالين نوافق السيد الشارح عليه، ولكن الاحتمال الآخر يمكن أن يتأمل فيه، فإذا كان هو المقصود فلا شك أنه دخيل في الأعرفية بتحصيل الوظيفة الفعلية.
المطلب الثالث: كما لا يكفي ذلك -يعني الأعرفية في تحصيل الوظيفة الفعلية- إذا كان سالكاً ما لا يجوز سلوكه
من الطرق في مقام الاستنباط، أي الطرق غير المتعارفة كما ذكرنا: الجفر، الرمل، الانكشاف العرفاني عن طريق الرياضات -إن صح ذلك، إن صح ذلك- كما لا يكفي ذلك إذا كان سالكاً ما لا يجوز سلوكه من الطرق في مقام الاستنباط، لا يجوز سلوكه في مقام الاستنباط، لا أنه في نفسه ليس بجائز في مقام الاستنباط، غفلة منه وقصوراً كما يوجد عند كثير من البسطاء، ولو كان معذوراً لقصوره هو في نفسه حتى ولو كان معذوراً، إلا أن ذلك لا يكفي في تحقيق الأعلمية.
المطلب الرابع: وأما حمل الأعلم على معنى أكثر علماً وأوسع إحاطة بالمعلومات، فهو وإن كان أقرب إلى معنى التفضيل المدلول لهيئة أفعل، إلا أن الظاهر كونه غير مراد، غير مراد القائلين بوجوب تقليد الأعلم، لماذا؟ ولا يقتضيه الدليل المتقدم عليه، يعني مضافاً إلى أننا لا نحرز أن ذلك هو مرادهم، فإننا ندور في تحديد الأعلم مدار دليل اعتبار الأعلم، ما دام هذا اللفظ لم يرد في شيء من النصوص، ودليل اعتبار الأعلم يقتضي أن يكون مراد من الأعلمية هو ما ذكرناه.
المسألة الثامنة عشرة: الأحوط عدم تقليد المفضول. علق عليها قدس سره بقوله: قد تقدم أنه مع اتفاق الآراء فالجميع حجة، لماذا؟ لإطلاقات أدلة الحجية، والعمل المطابق لواحد منها مطابق للجميع، فكما يجوز العمل اعتماداً على رأي الأفضل يجوز اعتماداً على رأي المفضول أيضاً، وككما يجوز الالتزام بالعمل بالأول يجوز الالتزام بالعمل بالثاني أيضاً، فلا فرق هنا بين مبنى الالتزام وبين مبنى العمل، فاحتمال المنع عن الثاني غير ظاهر الوجه، إلا إطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول. لكن لو تم الإطلاق فليس معقداً لإجماع واجب العمل. فإذاً هو يقول بأن هذا الإطلاق أولاً لم يتم، ثانياً لو تم فالإجماع لم ينعقد على معقده الإطلاقي، بل الإجماع انعقد على ذلك بالجملة، فيؤخذ منه بالقدر المتيقن، نزيد عليه هو قال: فاحتمال المنع عن الثاني غير ظاهر الوجه إلا إطلاق قولهم، ونقول وإلا أصالة التعيين؛ لأنهم قد استدلوا بها أيضاً في المقام، ولكن قلنا بأن أصالة التعيين دليل عقلي، والدليل العقلي لا تصل إليه النوبة مع إمكان التمسك بالدليل الشرعي، الذي هو عبارة عن إطلاقات أدلة حجية.
وأما المسألة الأخيرة: لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم، علق على ذلك بقوله: إجماعاً لعدم الدليل على حجية فتواه وهذا هو المهم. كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد علق عليه، وهذا تعليق استدراكي مهم، قال: يعني إذا لم يكن محتاطاً، وإلا إذا كان محتاطاً فيمكنه التعويل على احتياطه ولا يحتاج إلى ماذا؟ ولا يحتاج إلى التقليد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
