دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 38
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
طرق معرفة الاجتهاد والأعلمية
المسألة العشرون: قال السيد الماتن أعلى الله مقامه: «يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني، كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص» وهذا الطريق الأول، «وكذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة أي بالبينة، إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، وإلا إذا تعارضت البينة مع الأخرى فمقتضى الأصل هو تساقط البينتين. وكذا يعرف الطريق الثالث بالشياع المفيد للعلم».
ثم يقول: «وكذا الأعلمية تعرف بالعلم، أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم». فذيل هذه المسألة يكون استدراكًا على ما ذكره في المسألة السابعة عشرة حيث قال هناك: «والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط» في تعيين الأعلم، وهنا قال: «تعرف بالعلم، أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم»، فذكر ثلاثة طرق. وهذه الطرق -طبعًا- هي تفصيل لذلك الطريق؛ فإنه إنما تعرف الأعلمية بالعلم لمن يكون من أهل الخبرة، وكذلك أيضًا ببينة من أهل الخبرة، وكذا بالشياع المفيد للعلم الذي يرجع إلى قول أهل الخبرة. فإذاً هو تفصيل لما تقدم، استدراك تفصيلي.
كيف كان، فيما يرتبط بمسألتنا وهي معرفة اجتهاد المجتهد، ذكر السيد الماتن قدس الله نفسه الزكية بأن معرفة اجتهاد المجتهد تعود إلى طرق ثلاثة: إما العلم الوجداني، وإما العلم التعبدي الذي هو عبارة عن البينة، وإما الشياع. وعلق السيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف على هذا التقسيم الثلاثي بأن الثالث يرجع إلى الأول، وبعبارة أخرى لا فرق بين الثالث والأول من حيث كونهما علمين وجدانيين؛ فالاطلاع المباشر يتحصل منه علم وجداني، والشياع أيضاً المفيد للعلم يتحصل منه علم وجداني، فهما من حيث كونهما علماً وجدانياً لا فرق بينهما لرجوعهما إلى حجية العلم، وإنما الفرق بينهما من حيث السبب ليس إلا؛ فسبب العلم هناك هو الاطلاع المباشر في السبب الأول، بينما سبب العلم في الثالث هو عبارة عن الشياع الذي ينتهي إلى العلم. فإذاً هما من حيث العلم وحجيته واحد وإن كانا من حيث السبب مختلفين.
هذا ما يتعلق بعبارة السيد الماتن قدس الله نفسه الزكية. ثم بعد ذلك نأتي إلى هذه الأسباب التي أشار إليها.
#
السبب الأول: العلم الوجداني
السبب الأول: العلم الوجداني، وهذا مما لا كلام في حجيته لما هو معلوم من حجية العلم، فهذا الطريق لا كلام له إطلاقاً في حجيته وفي اعتباره، وإنما الكلام في الطرق الأخرى، وإلا فهذا هو حجة بذاته. ويلحق به أيضاً -وإن كان هذا لم يصرح به لا الماتن ولا الشارح- يلحق به الاطمئنان، يلحق بالعلم الوجداني كما نبه على ذلك سيدنا الخوئي قدس سره؛ إذ أن الاطمئنان أيضاً بنظر العقلاء علم عادي وهو حجة عقلائية، فإذا حصل الاطمئنان باجتهاد المجتهد أو بأعلميته كان حجة كالعلم تماماً.
#
السبب الثاني: البينة
والطريق الثاني من هذه الطرق هو عبارة عن البينة، وقد أشار سيد المستمسك رضوان الله تعالى عليه إلى أن البحث حول حجية البينة بنحو العموم سياتي -بحول الله تعالى- في مباحث الطهارة ولذلك لم يتعرض لهذا الدليل في المقام. وخلاصة ما يمكن أن يققال هنا بأن حجية البينة ليست حجية تأسيسية وإنما هي حجية عقلائية؛ فإن العقلاء من قبل أن يأتي الإسلام، كانوا يعتمدون على البينة، أي على قول العادلين، فيما يرتبط بالموضوعات. إنما الكلام: هل إن الإسلام قد أمضى هذا البناء العقلائي أم لم يمضِ هذا البناء؟ والذي يظهر من تتبع الموضوعات الشرعية -كما هو الحال مثلاً فيما يرتبط بمسألة العدالة، أو فيما يرتبط بمسألة الفسق مثلاً، أو فيما يرتبط بمسألة الهلال، أو فيما يرتبط بالمرافعات والخصومات- الذي يظهر بالتتبع هو أن الشارع المقدس قد أمضى حجية البينة التي هي حجية عقلائية. ومما يؤكد هذا الإمضاء ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله بقوله أو في قوله المشهور: «إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان».
فإن هذا التصريح منه صلى الله عليه وآله ظاهر في إمضاء حجية البينة في الجملة، ولذلك يمكن أن يُدعَى بأن البينة حجة بنحو العموم، وذلك لإمضاء الشارع المقدس إما لعدم ردعه عما عليه العقلاء، أو نتمسك بأقوال النبي صلى الله عليه وآله أو بما ورد عن الشارع المقدس في إثبات حجية البينة.
فهذا الطريق لا كلام لنا فيه أيضاً، وتفصيل الكلام -طبعاً- كلام فيه مفصل جداً يأتي إن شاء الله تعالى في محله.
#
الطريق الثالث: الشياع المفيد للعلم
الطريق الثالث من الطرق قلنا هو الشياع المفيد للعلم، وبما أن هذا الطريق يعود إلى الطريق الأول من حيث الحجية إذ هذا علم وجداني وذاك علم وجداني وإنما الاختلاف من حيث السبب، أيضاً لا كلام لنا فيه.
إذن، أين هو الكلام؟ أين هو الكلام في هذه المسألة؟ الكلام في هذه المسألة في أن اجتهاد المجتهد وكذا أعلمية المرجع، هل يمكن إثباتهما بخبر الثقة؟ أي بخبر الواحد وإن لم يكن عدلاً بل كان مجرد ثقة أم لا يمكن ذلك؟
هنا أفاد سيد المستمسك أعلى الله مقامه الشريف بأن عندنا مطلبين:
المطلب الأول: هو أن خبر الثقة هل هو حجة في الموضوعات أم لا؟ فإذا بنينا على أن خبر الثقة حجة في الموضوعات فهذه المسألة مسألة قد انتهى الكلام فيها، إذ أن اجتهاد المجتهد من الموضوعات، وكذلك أعلمية الفقيه من الموضوعات، فإذا كنا قد بنينا على أن كلام الثقة في الموضوعات حجة إلا ما قام الدليل على استثنائه طبعاً -كما قيل ذلك في مسألة الهلال- فهنا نبني على حجية قول الثقة فيما يرتبط باجتهاد المجتهد أو أعلميته.
ولكن قد يتأمل في ذلك من ناحية احتمال أن خبر الثقة في الموضوعات، وإن جرى عليه البناء العقلائي، إلا أن الشارع المقدس قد ردع عنه، وإذا كان قد ردع عنه فلا يمكن حينئذ إثبات الحجية في الموضوعات. إن قلت: أين هو ردع الشارع المقدس لسيرة العقلاء على العمل بخبر الثقة؟ قلنا بأن هذا الردع يستفاد من رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليه قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا يعني هي حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة».
فهنا الشارع المقدس قد حصر الحجية في الموضوعات في ماذا؟ في أمرين: في العلم وفي البينة؛ إذ
جعل كلًا من الاستبانة وكذلك قيام البينة جعلهما ماذا؟ غايتين للحل: «كل شيء حلال حتى تقوم البينة أو تحصل الاستبانة». ومن هذا الحاصل يعلم بأن قول الثقة لا أثر له وإلا لدخل مع هذين الأمرين، ولكن الشارع لم يدخله، فيعلم من ذلك بأن الشارع قد ردع عن سيرة العقلاء.
طبعاً الكلام حول هذا التأمل طويل مفصل، إذا وفقنا للوصول إليه في مباحث الطهارة نتعرض له بالتفصيل إن شاء الله تعالى، وفي مباحث الرجال تحدثنا حول ذلك أيضاً بما لا مزيد عليه، لمن يحب أن يلحظ خلاصة ما قيل هنا يمكنه مراجعة الدروس الرجالية.
فإذاً هذا الطريق أو هذا النعم هذا المطلب أو هذا المدرك -بعبارة أخرى- لتصحيح اعتبار قول الثقة فيما يرتبط باجتهاد المجتهد أو أعلميته، هذا المدرك لا يمكن البناء عليه لاحتمال الردع من قبل الشارع المقدس.
فننتقل حينئذ إلى المطلب الآخر، أو فقل المدرك الآخر، الذي يمكن الاعتماد عليه في المقام. وهذا المدرك هو عبارة عن عموم ما دل على حجية خبر الثقة في الأحكام الكلية: هنالك عندنا عمومات تدل على حجية خبر الثقة فيما يرتبط بالأحكام، ومن هذه العمومات بناء العقلاء، ومن هذه العمومات سيرة المتشرعة، ومن هذه العمومات -كما يرى ذلك بعضهم- آية النبأ مثلاً أو آية النفر على كلام إن شاء الله تعالى في مباحث حجية خبر الواحد يتضح لنا جلياً، ولكن في الجملة هنالك عندنا عمومات تدل على حجية خبر الثقة فيما يرتبط بالأحكام الكلية.
إذا كان كذلك، نقول: هل يمكن أن يستفاد من هذا المدرك في إثبات حجية خبر الثقة فيما يرتبط بهذين الموضوعين، أي باجتهاد المجتهد أو أعلميته، أو لا يمكن؟ يمكن أن يستند إلى ذلك بناء على مقدمتين:
المقدمة الأولى: هي عندما نقول بأن خبر الثقة حجة فيما يرتبط بالأحكام، فمرادنا من ذلك ما هو؟ مرادنا من ذلك ما يؤدي إلى الحكم الكلي، مرادنا من ذلك ما يؤدي إلى الحكم الكلي، لماذا؟ لأننا مثلاً حينما نبحث عن حجية خبر زرارة أو أبي بصير أو محمد بن مسلم، فمحمد بن مسلم وزرارة وأضرابهما في الحقيقة إنما ينقلون لنا موضوعاً وليسوا ينقلون لنا حكماً.
ما معنى أنهم ينقلون لنا موضوعاً؟ ينقلون لنا قول المعصوم عليه السلام، قول الإمام عليه السلام: إن الإمام قال كذا، إن الإمام تكلم بكذا. ولكن هذا القول الذي نقله زرارة وأضرابه حينما يصل إلى العالم، فإن العالم يتوصل منه إلى الحكم الكلي، أي أن هذا القول يؤدي إلى الحكم الكلي.
إذاً، المقدمة الأولى: عندما نقول بأن خبر الثقة حجة فيما يرتبط بالأحكام الكلية، أي أنه حجة فيما يؤدي إلى الأحكام الكلية.
المقدمة الثانية: هو أن تأدية الخبر للحكم الكلي على نحوين:
* النحو الأول: أنه يؤدي إلى الحكم الكلي بمدلوله المطابقي.
* النحو الثاني: أنه يؤدي إلى الحكم الكلي بمدلوله الالتزامي.
كيف؟ الآن عندما نأتي إلى خبر زرارة، خبر زرارة ينقل لنا فيه قول الإمام الصادق عليه السلام أو قول الإمام الباقر عليه السلام: هذا الذي ينقله زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام -كما لو قال الإمام: صلاة الجمعة واجبة مثلاً- يؤدي إلى الحكم الكلي بمدلوله المطابقي وهذا واضح.
وتارة أخرى، الخبر -خبر الثقة- يؤدي إلى الحكم الكلي، ولكن بمدلوله الالتزامي. كيف بمدلوله الالتزامي؟ مثلاً، لو أخبرنا الثقة بأن زيداً من العلماء مجتهد، ما هو المدلول المطابقي لهذا الإخبار؟ المدلول المطابقي هو أن فلاناً له ملكة الاجتهاد بناء على أن الاجتهاد من الملكات. ولكن هذا المدلول المطابقي له مدلول التزامي، وهو ماذا؟ وهو أن ما يفتي به هذا المجتهد هو حكم الله الكلي، ما دام مجتهداً، ما دام من أهل النظر، إذاً ما يفتي به فهو حكم الله تعالى. فالمدلول الالتزامي هنا أدى، فهذا الخبر بمدلوله الالتزامي أدى إلى الحكم الكلي.
إذاً، نحن عندما نقول بأن خبر الثقة حجة في الأحكام الكلية يمكننا أن نستفيد من ذلك في إثبات ماذا؟ في إثبات اجتهاد المجتهد أو أعلميته بهذا البيان الذي ذكرناه وملخصه:
* المقدمة الأولى: أن خبر الثقة حجة في الأحكام الكلية، أي أن خبر الثقة الذي يؤدي إلى الحكم الكلي حجة.
* المقدمة الثانية: أن تأدية الخبر للحكم الكلي بنحوين: فتارة تكون بنحو المدلول الالتزامي، وأخرى تكون بنحو المدلول المطابقي.
وعلى ذلك نقول: بأن إخبار الثقة عن اجتهاد المجتهد،
أو عن أعلميته مشمول لعموم ما دل على حجية خبر الثقة في الأحكام، لماذا؟ لأنه يؤدي بالمدلول الالتزامي إلى الحكم الكلي، فيكون مشمولاً للعموم.
ولكن هذا التقريب الذي أفاده سيد المستمسك قدس الله نفسه، قد يستشكل فيه بإشكال مهم. وهذا الإشكال هو أن المفروض في مباحث حجية الخبر هو أن الخبر إنما يكون حجة إذا كان إخباراً عن حس كما ذكرنا ذلك في مباحث الإجماع من الأصول، في مباحث الإجماع المنقول: إنما يكون الخبر حجة فيما لو كان إخباراً عن حس، وأما إذا كان إخباراً عن حدس فإنه غير مشمول لأدلة الحجية، كما أوضحنا ذلك قريبا في تلك المباحث.
وعلى ذلك نقول: لا يمكن إثبات اجتهاد المجتهد بقول الثقة، لماذا؟ لأن اجتهاد المجتهد أمر حدسي، اجتهادي، نظري، وليس أمراً ماذا؟ وليس أمراً حسياً، وبالتالي فإن إخبار الثقة عنه لا حجية له، حتى يكون مشمولاً لعمومات ما دل على حجية خبر الثقة.
لو أُشكل بهذا الإشكال فإنه يمكن الجواب عنه بما أفاده سيد المستمسك أعلى الله مقامه الشريف ومحصله هو أن الإخبار عن الاجتهاد، ليس إخباراً عن حدس، وإنما هو إخبار عن حس. فمن هذه الناحية لا توجد مشكلة.
تقول: أولست قد قلت بأن المدلول الالتزامي هو الأداء، هو المدلول الالتزامي يؤدي إلى الحكم الكلي، وهذا أمر حدسي؟ قلنا: نعم هو كذلك المدلول الالتزامي أي أن اجتهاد المجتهد لازمه أن يكون نظره عبارة عن الحكم الكلي هذا أمر حدسي، ولكننا لا نريد أن نقول لا نريد، ولكننا ها هنا عندما طبقنا عموم حجية خبر الثقة طبقناه على ما هو حسي. طبقناه على ما هو حسي، وهو أن خبر الثقة -وهو أن اجتهاد المجتهد- أمر حسي. فإذا كان أمراً حسياً، نقول: هذا الإخبار هل هو مشمول لعمومات خبر الثقة، إخبار الثقة أو ليس مشمولاً؟ يكون مشمولاً لأنه من الموضوعات الحسية، وخبر الثقة حجة في الموضوعات الحسية.
إذاً، فنحن عندما ندقق نجد هنا أمرين: الأمر الأول هو عبارة عن الإخبار عن الاجتهاد، والأمر الثاني هو الإخبار عن أن ما يفتي به هذا المجتهد هو حكم الله الكلي، ولأن عندنا هاهنا إخبارين فلذلك عمومات ما دل على حجية أخبار الثقة في الأحكام
الكلية تكون شاملة لهذين الإخبارين، لماذا؟ لأن هذا الإخبار -وهو الإخبار عن الاجتهاد- مما يؤدي إلى الحكم الكلي، فهو محقق لموضوع عمومات ما دل على حجية خبر الثقة، فإذا كان محققا لموضوعها وهو أنه يؤدي إلى الحكم الكلي لا يكون مانع من الشمول.
إن قلت: بأن المانع عن الشمول هو أن الإخبار عن الاجتهاد أمر حدسي؟ منعنا من ذلك وقلنا بأن الإخبار عن الاجتهاد ليس حدسياً، وإنما هو إخبار عن أمر ماذا؟ عن أمر حسي.
وإن شئنا أن نعبر بتعبير آخر لعله يكون أكثر دقة، نقول: بأن الإخبار عن اجتهاد المجتهد هو إخبار عن حدس مقارب للحس. هو إخبار عن حدس مقارب للحس، يعني إن لم يكن إخباراً حسياً بالمعنى الدقيق للكلمة فلا أقل هو إخبار عن حدس مقارب للحس. وقد ذكرنا في مباحث حجية الإجماع المنقول بأن الإخبار عن حدس مقارب للحس هو أيضاً مشمول لماذا؟ مشمول للبناء العقلائي، فإن العقلاء يبنون على حجيته. وهذا المبنى يقول سيدنا الحكيم قدس سره: مبنى مهم في تخريج مجموعة من الأبحاث العلمية التي تحتاج إلى تخريج، ومن هذه الأبحاث البحث حول حجية وثاقة رجال السند بإخبار الثقة، لو أخبرنا النجاشي مثلاً أو الشيخ الطوسي مثلاً بأن زرارة ثقة، فمن أين نثبت الحجية لقول النجاشي؟ إن بنينا على حجية إخبار الثقة فيما يرتبط بالموضوعات فالأمر سهل، ولكن إن احتملنا الردع.. فنقع في مشكلة، ولكن بناء على هذا المبنى، وهو توسعة موضوع أدلة حجية خبر الثقة في الأحكام لكل ما يؤدي إلى الحكم بما يشمل: ما يؤدي إلى الحكم بمدلوله المطابقي وما يؤدي إليه بمدلوله الالتزامي، فهنا لا يمنعنا مانع من إثبات حجية قول الرجال من باب حجية قول الثقة؛ لأن قول الرجال مما يؤدي أيضاً إلى ماذا؟ إلى الحكم ولو بالمدلول الالتزامي.
وكذلك أيضاً فيما يرتبط بقول اللغوي، لو كان اللغوي ثقة وأخبرنا بأن اللفظ الكذائي موضوع للمعنى الكذائي، فهل يمكن إثبات الحجية لقوله أم لا؟ يأتي الكلام، إن بنينا على حجية خبر الثقة في الموضوعات نقول: هذا موضوع من الموضوعات وهذا ثقة فقوله حجة، ولكن إن قلنا بأن خبر الثقة في الموضوعات مردوع عن العمل به، فحينئذ كيف نخرج ذلك؟
نخرجه بهذا الوجه، نقول بأن خبر الثقة في الأحكام حجة، ومرادنا من موضوع هذا الخبر هو كل ما يؤدي إلى الحكم، كان بمدلوله المطابقي أو كان بمدلوله الالتزامي، وقول اللغوي الثقة بمدلوله الالتزامي يؤدي ماذا؟ إلى الحكم الكلي، إذاً هو مشمول لهذه العمومات. فهذا مبنى مهم استطاع من خلاله سيد المستمسك قدس سره أن يخرج مجموعة من المسائل، منها مسألتنا، ومنها المسألتان اللتان أشار إليهما.
إذن فخبر الثقة حجة في الموضوعات.. إن كان عفواً، خبر الثقة حجة في الموضوعات فالأمر سهل جداً في جميع هذه الفروع التي تمت الإشارة إليها، وإن لم يكن خبر الثقة حجة في الموضوعات أمكننا التخريج بهذا التخريج.
لا باس أن أمرّ على عبارته سريعاً، قال: (هذا.. بسم الله الرحمن الرحيم هذا وربما يقال.. لم أقرأ كل العبارات، سأقرأ العبارات التي فيها إعضال، وإن شئتم نقرأ من البداية: الفرق بينه وبين الأول -يعني العلم الوجداني- من حيث السبب لا غير؛ ذاك سببه الاطلاع المباشر وهذا سببه الشياع، وإلا فهما مشتركان في كون العلم هو الحجة. وإن كانت عبارة -يعني العلم الوجداني- في كون العلم هو الحجة يعني العلم الوجداني في قبال العلم التعبدي الذي هو طريق شهادة العدلين، وإن كانت عبارة المتن توهم غير ذلك) أي أنها توهم أن هذا طريق ثالث مستقل.
(هذا وربما يقال بثبوته -يعني الاجتهاد أو الأعلمية- بخبر الثقة لعموم ما دل على حجيته -يعني خبر الثقة في الأحكام الكلية). هذا المبنى اللي عبرنا عنه المبنى الثاني أو المدرك الثاني، واللي عبرنا عنه المبنى الأول وهو حجية خبر الثقة في الموضوعات سيتعرض له في آخر كلامه. (لعموم ما دل على حجيته في الأحكام الكلية، إذ المراد منه حجية خبر الثقة في الأحكام ما يؤدي إلى الحكم الكلي) هذه المقدمة الأولى.
المقدمة الثانية: (سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي، والمقام من الثاني، فإن مدلول الخبر المطابقي هو وجود الاجتهاد وهو من هذه الجهة يكون إخباراً عن الموضوع.
لكن مدلوله الالتزامي ما هو؟
هو ثبوت الحكم الواقعي الكلي الذي يؤدي إليه نظر المجتهد، إذن فهذا الإخبار مما يؤدي إلى الحكم الكلي فهو مشمول للعمومات).
(فإن قلت: هذا هو الإشكال، أدلة حجية خبر الثقة مختصة بالإخبار عن حس ولا تشمل الإخبار عن حدس ولذا لم تكن تلك الأدلة دالة) هذا منبه على أنها لا تشمل ما كان عن حدس (ولذا لم تكن تلك الأدلة -يعني أدلة حجية خبر الثقات- دالة على حجية فتوى المجتهد، لا يستدل بها على حجية فتوى المجتهد مع أنها إخبار عن الحكم الكلي إلا أن مستنده الحدس، لأن الفتوى قضية حدسية فلا تشملها أدلة حجية خبر الثقة، فإن المجتهد حينما يفتي لا يفتي عن حس وإنما يفتي عن حدس، فلا يكون مشمولاً للعمومات، فهذا منبه على أن أدلة حجية خبر الثقة لا تشمل الحدسيات).
(قلت -جواب الإشكال-: الإخبار عن الاجتهاد.. وقلنا عندنا إخباران: الإخبار عن الاجتهاد من قبيل الإخبار عن الحس، نعم، المدلول الالتزامي وهو الحكم الكلي إنما كان بتوسط الحدس، فإذا ما نريد إثباته لن يخرج عن دائرة الحس، فلا مانع من شموله من شمول العمومات له. لكن هذا المقدار -يعني هذا التفصيل بين المدلول المطابقي والالتزامي- لا يقدح في الحجية هي، لكن لعلها في غير موردها) لو كان عبر مثلاً بالواو (وهذا المقدار لا يقدح في الحجية لكان أفضل، لأن الحس إن.. لأنه، لكن يشعر بالاستدراك والحال أنه ليس في مقام الاستدراك وإنما هو في مقام تتميم الدليل، فبعد أن بين كيف أن ها هنا إخبارين أراد أن يبين بأن وجود هذين الإخبارين لا يقدح في الحجية).
(وهذا المقدار لا يقدح في الحجية، لأن الحس إنما يعتبر في المدلول المطابقي وهو حاصل، لا في الملازمة التي يتوقف عليها ثبوت المدلول الالتزامي. وإلا -لو كان يعتبر الإخبار عن حس حتى في المدلول الالتزامي هذا المنبه- وإلا فأخبار زرارة مثلاً عن قول الإمام الذي هو إخبار عن موضوع يكون أيضاً إخباراً عن الحكم الكلي، ويكون حجة على المجتهد وربما يكون بتوسط حدس المجتهد الذي هو حجة عليه أيضاً، يعني فلا يكون حجة، لماذا؟
لأن المدلول الالتزامي حدسي، فحينئذ نقول: أخبار زرارة لا تشمله أدلة حجية خبر الثقة، لأنه إنما أخبر عن الحكم الكلي بتوسط الحدس، ولا قائل بذلك، لأن المدلول المطابقي وهو قول الإمام قد أخبر عنه زرارة عن حس وهذا يكفي.
والكلام فيما نحن فيه كذلك، أخبر عن اجتهاد مجتهد عن حس، وأخباره عن اجتهاده يؤدي بالملازمة إلى الحكم الكلي ويكون ذلك عن حدس نفس القضية في المقام.
وبالجملة: الإخبار عن الاجتهاد كالإخبار عن قول الإمام، ودلالتهما على الحكم الكلي بالالتزام إنما يكون بتوسط الحدس، غاية الأمر أن الحدس في الثاني -يعني في الإخبار عن قول الإمام- من المجتهد وحجة عليه، والحدس في الأول -أي في الإخبار عن الاجتهاد- من المجتهد وحجة على العامي المقلد له، فإنه إذا ثبت أنه مجتهد فحينئذ يكون قوله حجة على من؟ على العامي المقلد).
وعلى هذا المبنى -هنا يبين ثمرات هذا المبنى- يكفي توثيق رجال السند بخبر الثقة، وكذا هذا واحد. وكذا في إثبات المعنى بإخبار اللغوي الثقة كما حررنا ذلك في مبحث حجية قول اللغوي من كتابه (حقائق الوصول) الذي هو شرح على الكفاية.
(ولو قلنا بحجية خبر الثقة) هذا إشارة أو هذا بيان للمدرك الثاني، أو نعم المبنى الثاني الذي يمكن تخريج هذه المسألة على ضوئه (ولو قلنا بحجية خبر الثقة في الموضوعات كما عليه بناء العقلاء فالحكم أظهر) لماذا؟ لأنه نصل إلى النتيجة بشكل مباشر، لا نحتاج إلى هذه المقدمات، نقول: خبر الثقة حجة في الموضوعات، واجتهاد المجتهد من الموضوعات، فخبر الثقة فيه حجة (لكنه محل تأمل، لماذا؟ لإمكان دعوى تحقق الردع عنه) يعني عن بناء العقلاء (بماذا يكون الردع؟ بخبر مسعدة بن صدقة، وسيأتي إن شاء الله تعالى التعرض لذلك في بعض المباحث في مباحث الطهارة وكيفية ثبوتها).
نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق لنا ولكم، والحمد لله رب العالمين.
