دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 40
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. قال سيد العروة أعلى الله مقامه في المسألة الثانية والعشرين: «يشترط في المجتهد أمور: البلوغ، والعقل، والإيمان، والعدالة، والرجولية، والحرية على قول، وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزئ، والحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداء نعم يجوز البقاء كما مر، وأن يكون أعلم فلا يجوز على الأحوط تقليد المفضول مع التمكن من الأفضل، وأن لا يكون متولداً من الزنا، وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها مكباً عليها مجداً في تحصيلها ففي الخبر: من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه». انتهى بنا الكلام للحديث حول الشرائط المعتبرة في مرجع التقليد. فالمراد من المجتهد هنا في كلامه -يشترط في المجتهد- المراد من المجتهد هو المقلَّد، ولو عبر بالمقلَّد لكان تعبيره أصرح في المقصود. كيف كان، هذه الشرائط المعتبرة في مرجع التقليد وقع الكلام بين الأعلام حولها زيادة ونقيصة، فهنالك شرائط متفق عليها أو شبه متفق عليها كالعقل مثلاً والفقاهة والاجتهاد، وهنالك شرائط مختلف فيها كالحرية مثلاً، فهنالك من اعتبارها وهنالك من لم يعتبرها، والأعلمية والحياة وهكذا. فنحن هاهنا بصدد عرض الأدلة على كل واحد من هذه الشرائط لنرى هل هو معتبر في مرجع التقليد أم لا. وقد دخل سيد المستمسك قدس الله نفسه الزكية إلى البحث حول هذه الشرائط ببحث تأسيسي مهم، وحاصل ما أفاده في هذا البحث التأسيسي الذي يبتني عليه الكلام في الشرائط كلها هو أننا قد ذكرنا سابقاً في بداية البحث حول كتاب الاجتهاد والتقليد بأن مسألة التقليد ليست مسألة تقليدية، بل هي مسألة اجتهادية نظرية؛ لأنها لو كانت مسألة تقليدية، للزم من ذلك إما الدور وإما التسلسل؛ إذ أنني لو قلدت غيري في جواز التقليد، فحينئذ ما الذي سوغ لي أن أقلده في مسألة جواز التقليد؟
إن كان الذي سوغ لي تقليده في مسألة جواز التقليد هو إفتاؤه بجواز التقليد، فيلزم من ذلك الدور. وإن كان الذي سوغ لي تقليده هو عبارة عن إفتاء غيره بجواز التقليد، فننقل الكلام إلى غيره فنقول: ما الذي سوغ تقليد ذلك الغير في هذه المسألة، في تقليد فلان من الناس؟ لا يخلو، إما أن يكون الذي سوغ هو نفس إفتائه، وإما إفتاء غيره؛ فإن كان هو إفتائه رجع محذور الدور مرة أخرى، وإن كان هو إفتاء غيره انتقلنا إلى غيره، وهكذا إلى ما لا نهاية، فيلزم محذور التسلسل أو محذور الدور. ولذلك قلنا بأن مسألة التقليد ليست تقليدية، بل هي مسألة اجتهادية لابد من التعويل فيها على حجة نظرية على حجة اجتهادية، وهذه الحجة كما أشرنا سابقاً هي عبارة عن بناء العقلاء؛ فإن بناء العقلاء على اختلاف مللهم وأديانهم قائم على رجوع الجاهل إلى العالم، ولكنها حجة اجتهادية. وإذا كان بناؤهم على رجوع الجاهل إلى العالم فهذا لا يختص بالطب، ولا يختص بالهندسة، ولا يختص بالحرف، بل يشمل العلم الديني أيضاً، يشمل الفقه أيضاً، ففي الفقه يلزم رجوع الجاهل إلى العالم أيضاً، كما هو الحال في غيره. إنما ينبغي الالتفات هاهنا إلى أن هذه الحجة الاجتهادية إنما تكون صالحة بيد المكلف ما لم يحتمل الردع، أي مع كونه غافلاً عن احتمال ردع هذا البناء العقلائي، أو مع كونه قاطعاً بعدم الردع عن هذا البناء العقلائي، وإلا فإنه لو احتمل الردع عن هذا البناء العقلائي من قبل الشارع لم يصلح للحجية، لماذا؟ لأن المطلوب إنما هو التعويل على حجة مؤمنة للمكلف إزاء الضرر المحتمل، ولا يمكن أن يكون بناء العقلاء مؤمناً إلا مع القطع بعدم ردع الشارع عنه أو لا أقل مع الغفلة عن احتمال ردع الشارع عنه. وهذا ما هو حاصل عند أغلب الناس، فإن أغلب الناس أصلاً لا يلتفتون إلى مسألة أن الشارع يردع عن بناء العقلاء أو لا يردع، يمضي أو لا يمضي، وأن ملاك حجية بناء العقلاء هو عبارة عن عدم الردع عن، هذا كله مما لا يلتفتون إليه.
ولكن يلتفتون بسليقتهم العقلائية الفطرية الجبلية إلى أن الجاهل ينبغي عليه الرجوع إلى العالم، وهذا هو ما يحركهم نحو التقليد ويدفعهم نحو التقليد، فهم في مسألة التقليد ليسوا مقلدين، وإنما هم يعولون على هذه الحجة، وهي بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم. إذا فهمنا ذلك، فهنا تتحقق مرحلتان: المرحلة الأولى هي أن الجاهل يرجع إلى العالم الذي يقطع بأن الرجوع إليه مؤمن له عن الضرر، وهذا العالم الذي يكون الرجوع إليه مؤمناً عن الضرر هو العالم المستجمع للشرائط، فمثلاً العالم البالغ العاقل العادل الحي الأفضل إلى ما شاكل ذلك من الشرائط، فإن هذا النحو من العلماء يقطع المكلف معه بحصول المؤمن وبراءة الذمة. إذن المرحلة الأولى هي أن المكلف يرجع إلى العالم المستجمع للشرائط أو الذي يتيقن بأن الرجوع إليه فيه براءة للذمة أو فيه مقاربة للواقع المجهول الذي يريد الوصول إليه. ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي تحديد هذه الشرائط زيادة ونقيصة، فإنه إذا رجع إلى العالم المستجمع للشرائط، حينئذ يعني إذا رجع إلى هذا العالم تعويلاً على حجته الاجتهادية وهي بناء العقلاء الذي يقتضي أن يرجع إلى المستجمع، بعد ذلك إذا رجع إليه تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة فرز الشرائط على ضوء الحجج الاجتهادية عند هذا العالم، فحينما يرجع إلى العالم المستجمع للشرائط هذا العالم يفتيه طبقاً للحجج وطبقاً للأدلة بأن شرائط التقليد المعتبرة ما هي، فربما يبين له أن البلوغ ليس بمعتبر، أو أن الحرية ليست بمعتبرة، أو أن غيرهما من الشرائط ليس بمعتبر. فإذن عندنا مرحلتان: المرحلة الأولى مرحلة الرجوع إلى العالم المستجمع للشرائط، وهذا ما يكون على طبق الحجة الاجتهادية للمكلف نفسه، والمرحلة الثانية هي مرحلة فرز الشرائط، وهذا ما يكون على طبق الحجة الاجتهادية للعالم الذي رجع إليه المكلف. إذا أحطنا بهذا المدخل التأسيسي لهذه الأبحاث، يتضح عندنا جيدا أن المنطلق الذي ننطلق منه في هذه الأبحاث هو الحجة الاجتهادية لدى المكلف، وهي عبارة عن البناء العقلائي. فنقول مثلاً بأن البناء العقلائي يقتضي اعتبار البلوغ أو لا يقتضي.
بأن البناء العقلائي يقتضي اعتبار العقل أو لا يقتضي. إذاً نحن ننطلق في هذه الأبحاث من خلال الحجة التي ألزمتنا بأصل التقليد، فنرى بأن الحجة التي ألزمتنا بأصل التقليد، هذه الحجة ما الذي تلزمنا به من الشرائط المعتبرة في مرجع التقليد؟ فنأتي إلى أول هذه الشرائط وهو شرط البلوغ، فهل البناء العقلائي يقتضي اعتبار البلوغ في مرجع التقليد بحيث لو كان هنالك صبي لم يصل إلى سن البلوغ لم يتحقق منه البلوغ ولكنه كان فقيهاً كان عالماً كما ينقل ذلك مثلاً من أحوال العلامة الحلي قدس سره، فهل يجوز الرجوع إليه وأخذ الأحكام منه أم لا يجوز؟ لا شك أن مقتضى بناء العقلاء هو عدم التفريق بين البالغ وغير البالغ؛ فغير البالغ إذا وصل إلى مرتبة عالية من العلم لم يتردد العقلاء في الأخذ منه، ولذلك مثلاً ينقل بأنهم كانوا يرجعون لابن سينا في أمر الطبابة وهو صبي صغير لم يبلغ الحلم إن صح هذا النقل، وما ذلك إلا لأن النكتة والملاك الذي يوجب الرجوع إلى العالم متحقق فيه وهو العلم. فإذا كان بناء العقلاء على عدم التفريق بين البلوغ وغيره في مسألة الطبابة، في مسألة الحرف الصناعية كما لو كان صبي دقيقاً في النجارة، في الحدادة، في غير ذلك، فإن العقلاء لا يترددون في الأخذ منه، فكما أنهم لا يترددون في هذه الموارد فبنفس البناء العقلائي نقول في علم الفقه: إذا كان صبي فقيهاً متضلعاً مُمكناً قادراً على استنباط الأدلة متوفراً على الشرائط الأخرى المعتبرة في مرجع التقليد، فإنهم أيضاً لا يترددون في الأخذ منه؛ إذ أن الملاك في الجميع واحد. ويمكن أن يضاف إلى ما أفاده قدس سره -وإن كان يبعد بنا قليلاً عن هذا المدخل التأسيسي- أن يضاف لكلامه بأن إطلاقات أدلة التقليد أيضاً لا تفرق بين الصبي وغيره؛ فإن العنوان الذي أخذ في أدلة التقليد هو عنوان الفقيه، هو عنوان العالم، وهذا العنوان كما يمكن أن يصدق على البالغ يمكن أن يصدق على غير البالغ.
بالغ، وبالتالي فمقتضى إطلاقات أدلة التقليد أيضاً هو جواز تقليد غير البالغ وإن لم يصل إلى مرحلة البلوغ ما دام قد تحقق موضوع التقليد وهو عنوان العالم أو عنوان الفقيه. إذاً تحصل عندنا -بعد أن أسسنا المدخل لهذه الشرائط التي تعتبر في مرجع التقليد- تحقق عندنا بأن المقتضي لتقليد غير البالغ متحقق، وبالتالي فلا مشكلة لنا من حيث المقتضي. نعم، يقع الكلام بعد ذلك في مرحلة المانع، فهل يوجد عندنا مانع يمنع من تحقق المقتضى بعد تحقق المقتضي أو لا يوجد عندنا مانع يمنع من ذلك؟ وهنا يمكن أن تذكر موانع بعضها أشار إليه السيد الشارح أعلى الله مقامه وبعضها لم يتطرق إليها. المانع الأول هو الإجماع؛ فيقال بأن الإجماع عند أعلام الطائفة منعقد على عدم جواز تقليد غير البالغ، ولعل ذلك يستفاد من عبارة الشيخ الأعظم قدس سره الأنصاري في الاجتهاد والتقليد حيث لما ذكر شرائط المفتي قال: البلوغ والعقل والإيمان، ولا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة، ومن نفيه للإشكال عن اعتبار الثلاثة استظهر الأعلام من كلامه دعوى الإجماع، بل استظهر بعضهم دعوى التسالم، أن هنالك تسالماً علمائياً على عدم جواز تقليد غير البالغ. ولعل هذا التعبير صريح في كلمات المحقق الأصفهاني قدس سره فإنه ذكر عبارة لطيفة جداً فيما يرتبط باعتبار البلوغ في مرجع التقليد فقال: ولولا التسالم على الكل من الكل لأمكن المناقشة في الكل، جداً عبارة لطيفة: ولولا التسالم على الكل من الكل لأمكن المناقشة في الكل. إذاً هنالك تسالم، وبالتالي فإن تمت دعوى التسالم أو دعوى الإجماع فنحن وهذا المانع. نقول بأن المقتضي لتقليد غير البالغ متحقق ولكن المانع أيضاً موجود، المقتضي موجود والمانع ليس بمفقود، فإن تم هذا الإجماع فهو، وإن قلنا بأنه مدركي أيضاً لم يصح أن يكون مانعاً. المانع الثاني -وهذا أيضاً لم يذكره سيد المستمسك قدس سره وأشير له في كلمات غيره- هو قول الإام الصادق عليه السلام: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم».
فهنا الإام عليه السلام قد أخذ عنوان ماذا؟ عنوان الرجل، مما يعني بمقتضى المفاهيم أن غير الرجل لا يصح جعله بيننا، لا يصح جعله بيننا ولا يصح النظر إليه. ولكن الأعلام قدس الله أسرارهم دفعوا هذا المانع وقالوا بأن هذه الرواية -مضافاً إلى أنها واردة في باب القضاء والتعميم من باب القضاء إلى باب الإفتاء يحتاج إلى دليل على إلغاء خصوصية باب القضاء، ومضافاً إلى أن هذه الرواية محمولة على الغالب؛ إذ الغالب في القاضي أن يكون رجلاً، ومضافاً إلى كل ذلك- فهنا وهذه هي المناقشة الأساسية: أن عنوان الرجل لم يحرز أنه في مقابل الصبي، بل كما يحتمل أنه قد أخذ في مقابل الصبي يحتمل أن يكون قد أخذ في مقابل المرأة، وعلى ذلك فتكون الرواية مجملة ولا يصح الاستناد إليها كمانع يمنع من الأخذ بالمقتضي وهو بناء العقلاء. المانع الثالث هو ما ورد في الروايات الشريفة من أن غير البالغ محجور عن التصرف، ومرفوع عنه القلم كما جاء في بعض الروايات، ومولى عليه كما جاء في بعضها الثالث، وعمدة خطأ كما جاء في بعضها الرابع، وبالتالي يستفاد من ذلك أن الفقيه -أن الصبي عفى حتى لو كان فقيهاً- لا يصح الرجوع إليه؛ إذ أن ما دل على أن عمدة خطأ مثلاً يمكن أن يقال بأنه يدل على أن كل ما يصدر عن الصبي فهو بحكم الخطأ، عمد الصبي خطأ، وبالتالي فتواه الصادرة عنه بنظر الشارع المقدس هي بحكم الخطأ. وهكذا أيضاً عندما تقول الروايات بأنه محجور التصرف فإن إفتاءه من تصرفه وهو محجور عليه في تصرفاته، وبالتالي فهذا التصرف منه لا يصح شرعاً. وكذلك ما دل على رفع القلم عنه فإنه يدل على أن كل ما يصدر عنه محكوم بالبطلان ومرفوع عنه القلم فيه. فإذا نظرنا إلى مجموع هذه الروايات نستفيد من هذه الروايات أن تقليد الصبي لا يصح. ولكن يمكن أن يقال بأن هذه الروايات لا تصلح للردع عن بناء العقلاء، لماذا؟
لأنها لا تثبت بأن الصباوة وعدم البلوغ مانع عن ماذا؟ مانع عن تقليد الصبي. لماذا لا تثبت ذلك؟ لأننا حينما نقف على كل واحدة منها فإنه من الممكن أن توجّه بما لا يتنافى مع بناء العقلاء؛ فمثلاً ما ورد من أن عمد الصبي خطأ أو من رفع القلم عن الصبي، يمكن أن يقال بأن المراد من أن عمدة خطأ هو أن عمدة خطأ في مسألة القتل لا مطلقاً، ويدل على ذلك ما ورد في ذيل بعض تلك الروايات حيث جاء فيها: «إن ديته في القتل خطأ على عاقلته». فليس معنى هذه الطائفة من الروايات أن كل ما يصدر عن الصبي فهو خطأ بنظر الشارع بحيث حتى مثلاً -كما يمثل لذلك سيدنا الخوئي قدس سره- لو أن الصبي مثلاً تكلم في أثناء صلاته متعمداً لم تبطل الصلاة، بناء على ماذا؟ بناءً على أن عمد الصبي خطأ فيما لو قلنا طبعا بشرعية عبادات الصبي، ليس المراد ذلك، فعمد الصبي خطأ إنما هو في باب القتل إذ يكون عمده على عاقلته، فهذه الرواية أجنبية عما نحن فيه. وكذلك أيضاً الروايات التي دلت على رفع القلم عن الصبي لا تدل على عدم جواز تقليد الصبي وأن جميع أقواله وأفعاله باطلة، بل غاية ما تدل عليه هو عدم مؤاخذته على أفعاله وعلى تروكه، وكما قالوا عند بحثهم حول حديث الرفع بأن المراد من الرفع إنما هو رفع المؤاخذة، فإذا كان المراد من الرفع هو رفع المؤاخذة لا يتنافى رفع المؤاخذة مع ماذا؟ مع اعتبار فتاواه من جهة أخرى. إذاً فهذه الروايات لا تمنع من حجية الفتوى، وبالتالي فهذا المانع لا يصلح أن يكون مانعاً، ولا يصلح أن يكون رادعاً لسيرة العقلاء. المانع الرابع -ولنا أن نعبر عنه أيضاً بالرادع بناءً على ملاحظتنا لما أسسناه من الاعتماد على البناء العقلائي- الرادع الرابع هو أن منصب الإفتاء من أعظم المناصب الإلهية، وإذا كان من أعظم المناصب فلا يكون قابلاً لتصدي الصبي. ولكن لا يخفى أيضاً ما في هذا الوجه، فإن كون منصب الإفتاء من أعظم المناصب
لا يمنع من تصدي الصبي له، والمنبه على ذلك هو أن منصب الإفتاء دون منصب النبوة ودون منصب الإمامة، ومع ذلك فقد صح تصدي الصبي لمنصبي النبوة والإمامة، فلو كان منصب الإفتاء عظيماً لصح تصدي الصبي له أيضاً، إذ أنه ليس بأعظم من تلك المناصب التي صح تصدي الصبي فيها، اللهم إلا أن يقوم عندنا دليل على أن منصب الفتوى من مختصات المعصوم أو من يجعله المعصوم ينصبه تنصيباً خاصاً، فعلى ذلك لو شككنا في أن غير لو شككنا في أن الصبي الذي لم يجعله المعصوم هل فتواه حجة أم ليست بحجه يكفينا الشك حينئذ في الجعل وهذا يكفي للمنع، ولكن هذا ليس بتام؛ لأنه على خلاف إطلاقات الأدلة، فإن إطلاقات الأدلة تقتضي أن منصب الفتوى ليس من مختصات المعصوم عليه السلام. نعم، ربما يقال هنا بمنع الأولوية، وذلك لأننا حتى، وهذا يحتاج إلى شيء من التأمل، وذلك لأننا حتى نثبت الأولوية لابد أن نثبت بأن المتصدي للنبوة والإمامة هو نفسه المتصدي للفتوى، فنقول: بما أن منصب الفتوى ليس ماذا أعظم من منصبي النبوة والإمامة، فما دام صح تصدي الصبي للنبوة والإمامة صح تصديه للفتوى بالأولوية. وهذا ممنوع؛ إذ أن المتصدي هناك للنبوة والإمامة هو المعصوم هو المعصوم، ومن نريد أن نثبت جواز تصديه للفتوى غير المعصوم، فلا تجري الأولويات بلحاظ أن بلحاظ أن الذي تصدى لذينك المنصبين العظيمين كان معصوماً، ومن هنا لو تصدى لمنصب الإفتاء صح له ذلك أيضاً واقتضى ذلك الجواز بالأولوية، أما إذا كان الصبي هناك معصوماً والصبي هنا ليس بمعصوم، فمن أين نحرز الأولوية؟ أنتم لاحظتم في جهة الأولوية، لاحظتم مراتب المناصب، والحال أنه لا يكفي ملاحظة مراتب المناصب فقط، بل ينبغي ملاحظة مراتب المناصب مع وحدة المتصدي لهذه المناصب، وأما مع اختلاف المتصدي فلا يجري حديث الأولويات. ولكن الذي يمكن أن يقال هنا بأن منصب بأن كون منصب الإفتاء من أعظم المناصب لا يمنع من تصدي الصبي له؛ إذ أن الصبي المتصدي له إما أن يكون عالماً فقيهاً جامعاً للشرائط
وإما أن يكون فاقداً لها، فإن كان فاقداً لها فالأمر كما أفدتم، منصب الإفتاء من المناصب العظيمة ولا ينبغي أن يتصدى الفاقد للشرائط لهذا المنصب لاستلزامه هتك المنصب. ولكن إذا كان الصبي جامعاً للشرائط وكان محل الإجلال والإعظام عند المسلمين عند الشيعة وتصدى لهذا المنصب لم يكن هنالك منافاة مع عظمة المنصب. فتحصل مما ذكرناه بأن المقتضي لجواز تقليد الصبي متحقق، وهو عبارة عن البناء العقلائي مضافاً إلى إطلاقات أدلة الفتوى وإطلاقات أدلة التقليد، وبالتالي فإن تم عندنا مانع من الموانع فهو، وإلا فلم يتم عندنا شيء منها فنحن ومقتضى البناء العقلائي ومقتضى الإطلاق. لا باس أن نمر على العبارة مروراً سريعاً، قال بسم الله الرحمن الرحيم: قد أشرنا سابقاً إلى أن جواز التقليد في الجملة لابد أن يكون بغير التقليد وإلا لزم الدور أو التسلسل على ما أوضحناه، فإذن لابد أن يستند جواز التقليد في الجملة إلى الاجتهاد، ومستند هذا الاجتهاد بناء العقلاء عليه مع الغفلة عن احتمال الردع أو القطع بعدمه ولو بالإضافة إلى شخص معين بخصوصه، يعني جواز التقليد لشخص معين بالخصوص، من هو؟ هو الذي اجتمعت فيه الشرائط لاجتماع جميع ما يحتمل اعتباره شرعاً فيه، مثل كونه بالغا عاقلا عادلا حيا أفضل إلى غير ذلك، فهذا البناء المرتكز في نفس العامي هو المسوغ له الرجوع إلى غيره في الخصوصيات المعتبرة في المفتي. لاحظوا هنا كما ذكرنا مرحلتان: مرحلة رجوع المكلف إلى المفتي ومرحلة فرز الشرائط المعتبرة في المفتي، فهو يرجع في المرحلة الأولى لمن يتيقن بحصول المؤمن بتقليده وهو المستجمع للشرائط، ثم بعد ذلك يستطيع فرز الشرائط طبقاً للحجج التي يعتمد عليها من رجع إليه، فهذا البناء المرتكز في نفس العامي هو المسوغ له الرجوع إلى غيره في الخصوصيات المعتبرة في المفتي، فإذا رجع إلى غيره أفتى له بما يقتضيه نظره الحاصل له من مراجعة الأدلة المستفاد منها شرائط التقليد، ويكون عمله حينئذ على ما تقتضيه فتواه عموماً أو خصوصاً، يعني توسعة وتضييقاً من حيث زيادة الشرائط وقلة الشرائط.
هذا، ولأجل أن من أدلة جواز التقليد بناء العقلاء عليه في الجملة، فهذا البناء محكم، يعني هو القاعدة التي نبني عليها في ملاحظة الشرائط في هذا البحث، فهذا البناء محكم مهما تحقق في مورد من الموارد والعمل عليه متعين إلا مع ثبوت الردع عنه، فإذا ثبت ردع حينئذ نرفع يدنا بمقدار ما ثبت لدينا من ردع الشارع؛ إذ أن بناء العقلاء إنما يكون حجة بإمضاء الشارع وعدم ردعه. بعد أن بينا هذا المدخل التأسيسي نأتي للتطبيق فنقول: وحينئذ نقول لا ينبغي التأمل في عدم الفرق في بناء العقلاء بين البالغ وغيره إذا كان غير البالغ قد حاز مراتب الفضل حتى صار كالبالغ؛ فاعتبار البلوغ في المفتي لابد أن يكون بدليل شرعي يكون رادعاً عن إطلاق بناء العقلاء، وليس هو إلا الإجماع. أنتن، وهذا التعبير منه انتن أشار إلى أن الإجماع محل ماذا؟ محل تأمل. هذا قلنا عدة موانع: هذا المانع الأول كان الإجماع والتسالم، المانع الثاني «انظروا إلى رجل منكم» لم يتعرض له، المانع الثالث ومجرد كونه محجوراً عن التصرف ومرفوعاً عنه القلم -كل هذه مضامين نصوص- ومولى عليه ثالثة، وعمدة خطأ أربعة، ونحو ذلك لا يصلح رادعاً، لماذا؟ لأنه لا يوجب إلا الاستبعاد المحض، بل قلنا بأن هذه الطوائف من الروايات أجنبية عما نحن وجدناه فيه أجنبية عما نحن فيه. فكونه محجور التصرف غاية ما يثبت أنه محدود التصرف فيما يرتبط بتصرفاته الاعتبارية كالبيع والشراء لا أنه محجور التصرف حتى عن الرأي حتى عن الفتوى هذا لم يثبت. كونه أيضاً قد رفع عنه القلم قلنا بأن المراد هو رفع المؤاخذة عن أفعاله وتروكه وهذا لا ربط له بماذا؟ لا ربط له بحجية فتواه، بعدم حجية فتواه أو ببطلان رأيه لا يقتضي هذا هذا لا ربط بينهما. وكونه مولى عليه كذلك أيضاً فإنه لا يوجب سلب أفعاله وسلب أقواله، لا يوجب ذلك وإنما هو بالمعنى الذي ذكرناه للأول أنه محدود التصرف وتصرفاته في دائرة معينة. وأما ما ورد من أن عمده خطأ فكما ذكرناه هو مختص بباب القتل، أو فقل بعبارة أدق وأوسع هو مختص بباب الجنايات ولا علاقة له بباب التقليد، فهذه فهذا المانع لا يصلح أن يكون مانعاً.
كيف هذا في مقام تعميق الرد على هذا الاستبعاد؟ كيف وهذا الرد الذي سيأتي به الآن يصلح أن يكون رداً على المانع الرابع الذي لم يذكره، وهو أن منصب الإفتاء من المناصب الإلهية العظيمة؟ قال: كيف وربما كان غير البالغ حائزاً مرتبة النبوة أو الإمامة؟ فكيف لا يصلح أن يحوز منصب الفتوى؟ إذا كانت هذه موانع: الحجر عن التصرف، رفع القلم عنه، التولية عليه، عمدة خطأ، فلا بد أن تكون موانع أيضاً عن تصدي الصبي لمنصب النبوة والإمامة مع أنه قد تصدى لذلك، فإذا كان قد تصدى لذلك ولم تصلح هذه للمانعية، فعدم صلاحيتها للمانعية عن منصب الإفتاء بنحو أوضح وأجلى وأولى، فكيف لا يصلح أن يحوز منصب الفتوى؟ اللهم إلا أن يقوم الدليل على كون منصب الفتوى مختصاً بالمعصوم وبمن يجعله له، فالشك في الجعل يعني في جعل هذا المنصب للصبي كاف في المانع، لكنه خلاف إطلاق الأدلة الدالة على أن هذا المنصب لا يختص بالمعصوم، ولا سيما بناء العقلاء، فإن بناء العقلاء قائم على الرجوع لمن؟ على الرجوع للعالم وللفقيه كان معصوماً أم لم يكن معصوماً. ولكن يبقى التأمل الذي ذكرناه على ما هو عليه من أن أيِّ من أن حديث الأولوية ليس بجار في المقام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
