دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 46
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. انتهى بنا الكلام إلى إمكان التجزي في الاجتهاد، وبناءً على القول بإمكان التجزي، يقع الكلام حول أن المتجزي هل يجوز الرجوع إليه فيما اجتهد فيه واستنبطه من الأحكام الشرعية، أم يُشترط الاجتهاد المطلق في مرجع التقليد؟ وقد أفاد سيد المستمسك -قدس سره الشريف- بأن اعتبار الاجتهاد المطلق في مرجع التقليد هو الرأي المعروف الذي ادعي عليه الوفاق بل ادعي عليه الإجماع، إلا أنه لم ينهض على ذلك دليل ظاهر، بل إن الدليل قد دل على خلافه. وبيان ذلك: هو أن الأدلة التي يستند إليها في مسألة التقليد، إما هي أدلة لبية، وإما هي أدلة لفظية. أما الأدلة اللبية فهي عبارة عن سيرة العقلاء، وقد ذكرنا منذ بداية الشروع في هذه المسألة بأن السيد المصنف -قدس سره- قد أسس تأسيساً للقاعدة التي يدور عليها اعتبار شرائط التقليد، وعلى ضوء هذا التأسيس سيتعامل مع الشروط التي قيل باعتبارها. فهو قد أفاد هناك بأن بناء العقلاء الذي هو دليل حجية التقليد، هو نفسه الدليل الذي نحتكم إليه إذا شككنا في اعتبار شرط وعدم اعتباره، وإذا كان الأمر كذلك، فنحن حينما نرجع إلى دليل بناء العقلاء، نجد بأن سيرة العقلاء وبناءهم قائم على عدم التفريق بين المجتهد المطلق والمجتهد المتجزي في سائر الحرف والصناعات؛ فهم يرجعون إلى العالم فيما هو عالم فيه ولو لم يكن ضليعاً في غيره، ويرجعون إلى ذي الرأي وذي الخبرة فيما هو خبير فيه وإن لم يكن خبيراً في غيره، ويرجعون إلى ذوي الحرف والصناعات فيما هم خبراء فيه وإن لم يكونوا خبراء في غيره. فمثلاً: لو كان هنالك نجار ولكن هذا النجار متمكن في نجارة الأبواب، بينما غيره متمكن في غيرها، فهذا لا يمنع العقلاء من الرجوع إلى النجار الخبير في صناعة الأبواب لشراء الأبواب منه مثلاً، أو كان هنالك عندنا طبيب متخصص في مجال معين كطب العيون مثلاً، ولكنه في بعض جزئيات هذا التخصص خبير متقن ضليع متمرس بينما
في بعض جزئياته ليست له يد طولى فيها أو لم تعمل ملكته في تلك الجزئيات، فإن العقلاء يرجعون إليه فيما هو ضليع فيه من غير تردد، مما يعني أن العقلاء يلحظون فيمن يرجعون إليه: هل هو عالم بالجزئية التي يرجعون إليه فيها أم ليس ضليعاً؟ فإذا كان ضليعاً رجعوا إليه وأخذوا منه واستفادوا، وإن لم يكن ضليعاً في مسائل أخرى. إذاً، فسيرة العقلاء قائمة على الرجوع إلى العالم، وإن لم يكن مجتهداً مطلقاً، بمعنى وإن لم يكن ضليعاً في جميع المسائل، ولكنه له المقدرة وله الملكة وله القوة على تحقيق المسائل والتدقيق فيها. فإذا كان كذلك، رجعوا إليه فيما هو متضلع فيه ومتمرس فيه، وفيما أعمل فيه ملكته واجتهاده من غير تردد. إذن فلو كنا نحن والأدلة اللبية، فهذا ما تقتضيه الأدلة اللبية. وأما الأدلة اللفظية فهي موافقة أيضاً للأدلة اللبية وتقتضي جواز الرجوع للمتجزي، ومن هذه الأدلة اللفظية التي استند إليها سيد المستمسك -قدس سره الشريف- هي حسنة أبي خديجة سالم بن مكرم، فإنها تدل على جواز الرجوع للمتجزي، وقد عبر عنها سيد المستمسك بـ "المشهورات"، وعبر عنها سيدنا الخوئي -قدس سره- بـ "الحسنات". وهي عن الصادق -عليه السلام- قال: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا». وهنا أشير إلى وجود نسختين من هذه الرواية أو من هذه المفردة في الرواية: النسخة الأولى هي «من قضائنا»، وهذه هي نسخة الكافي ونسخة الفقيه، والنسخة الثانية وهي مشهورة أيضاً «من قضايانا»، وهي نسخة التهذيب. والمعروف عندهم ترجيح نسخة الكافي على نسخة التهذيب سيما وأنها معتضدة بنسخة الفقيه، وكلاهما الفقيه والكافي مرجحان على التهذيب لأسباب تُذكر في محلها لعلنا نقف عليها لاحقاً إن شاء الله تعالى. كيف كان؟ الرواية تقول: «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه». الاستدلال بهذه الرواية المباركة يتم في جهتين: الجهة الأولى هي الجهة السندية، والجهة الثانية هي الجهة الدلالية. أما ما يرتبط بالجهة الأولى فقد اكتفى سيد المستمسك -قدس سره الشريف- بالإشارة إلى اعتبارها ولم يبين الوجه في ذلك،
فقال: «وسندها لا يخلو من اعتبار». ولا بأس أن نقف عند هذه الإشارة، لأن هذا البحث من البحوث السيالة المتكررة، وسيتضح لماذا -إن شاء الله تعالى-. هو حين قال «وسندها لا يخلو من اعتبار» نحتمل في عبارته أحد احتمالين: الاحتمال الأول هو أنه عندما قال "مشهورة أبي خديجة" أراد بذلك أن يشير إلى وجه اعتبار سند هذه الرواية، إذ أنها ما دامت مشهورة، والشهرة جابرة للسند الضعيف، فإن هذه الرواية تكون معتبرة وإن كانت ضعيفة نظراً لجبر الشهرة لضعف سندها؛ هذا الاحتمال الأول. والاحتمال الثاني الذي نحتمله لعبارته -قدس سره- هو أنه أراد أن يشير إلى وجه الخلاف في تضعيف سند هذه الرواية، وأنه يتبنى القول بعدم موجب التضعيف في سندها؛ ووجه ذلك هو أن هذا السند مشتمل على اسم أبي خديجة وهو سالم بن مكرم، وسالم بن مكرم هذا مما وقع الخلاف في توثيقه وتضعيفه، فهناك من بنى على توثيقه كسيدنا الخوئي -قدس سره-، وهناك من بنى على تضعيفه، وهناك من بنى على التوقف فيه كما هو المحكي عن السيد ابن طاووس -قدس سره-. وكيف كان، فما هو الوجه في الاختلاف فيه؟ وجه الاختلاف فيه هو اختلاف التوثيق والتضعيف؛ فمن ناحية قد وثقه الشيخ النجاشي -أعلى الله مقامه- في رجاله بأحسن توثيق إذ قال عنه: "ثقة ثقة"، بينما الشيخ الطوسي -عليه الرحمن- في الفهرست قد حكم بضعفه. وهذا مقتضٍ لتساقط التوثيق والتضعيف فيه وعدم اعتبار شيء منهما، وبالتالي فالرجل يكون مجهول الحال، وإذا كان مجهول الحال فالسند من ناحيته يكون ضعيفاً. ولكن هناك محاولات قد ذُكرت لتوثيق أبي خديجة. المحاولة الأولى هي المحاولة التي ذكرها الشيخ الغروي -أعلى الله مقامه الشريف- في حواشيه على تنقيح سيدنا الخوئي -قدس سره-، وهذه المحاولة التي جاءت في كلامه وجاءت في كلام غيره قال: نحن عندنا توثيقات لأبي خديجة وتضعيفات لأبي خديجة، فالتوثيق هو توثيق النجاشي، وهذا هو التوثيق الخاص.
والتوثيق الآخر هو التوثيق العام المستفاد من ورود اسم أبي خديجة في كتاب كامل الزيارات، فإنه على مبنى السيد الخوئي -قدس سره- (الذي تراجع عنه في آخر عمره الشريف) وهو وثاقة جميع رواة كامل الزيارات، يكون أبو خديجة مشمولاً لهذا التوثيق، فيكون موثقاً بالتوثيق العام. فإذاً عندنا توثيق خاص (توثيق النجاشي) وهناك توثيق آخر سنشير إليه لاحقاً، وتوثيق عام. وفي المقابل عندنا تضعيف خاص وهو التضعيف الذي جاء في كلمات الشيخ الطوسي -أعلى الله مقامه- في الفهرست. فكيف نعالج ونرجح توثيق النجاشي على تضعيف الشيخ الطوسي؟ يقول الشيخ الغروي -قدس سره-: تضعيف الشيخ الطوسي مقابل بتوثيق للشيخ الطوسي -قدس سره- قد نقله العلامة الحلي في الخلاصة عنه. فيثبت عندنا بأن للشيخ الطوسي -قدس سره- تضعيفاً وتوثيقاً لأبي خديجة، وهنا نقول: إذا كان للشيخ الطوسي توثيق وتضعيف، فإن هذا التضعيف الصادر منه نفترض فيه افتراضات: الافتراض الأول هو أن يكون مقارناً لتوثيقه، أي أن التضعيف والتوثيق قد صدرا من الشيخ الطوسي -قدس سره- في وقت واحد، وإذا كان هذا هو الافتراض فحينئذٍ لا يشمل دليل الحجية، لا هذا ولا هذا، يتساقطان، فيبقى توثيق النجاشي بلا معارضة. والافتراض الثاني هو أن يكون تضعيفه صادراً عنه قبل توثيقه، وهنا أيضاً لا عبرة بتضعيفه حينئذٍ؛ لماذا؟ لأن توثيقه له بعد تضعيفه يعد عدولاً عن التضعيف، فيؤخذ بالرأي الأحدث ولا يُعبأ بالرأي الأقدم، وإذا كان كذلك اتحد توثيق الشيخ الطوسي مع توثيق النجاشي -عليه الرحمن-، فيثبت بأن الرجل ثقة. والافتراض الثالث هو أن يكون تضعيفه صادراً بعد توثيقه، أي بعكس الافتراض السابق. وهنا إذا كان تضعيفه صادراً بعد توثيقه، فإن هذا التضعيف يكون معارضاً لتوثيقه كما أنه يكون معارضاً للتوثيق الخاص للنجاشي وللتوثيق العام لكامل الزيارات. وبما أنه لا يُعلم أن توثيق الشيخ -قدس سره- هل هو مقارن لتضعيفه فيسقطه عن الحجية كما هو العكس، أو أن تضعيفه متأخر عن توثيقه فيكون معارضاً لتوثيق النجاشي كما هو معارض لنفس توثيقه، أو أنه متأخر عن تضعيفه فيكون مقوياً لتوثيق الشيخ النجاشي -قدس سره- بما أنه لا يُعلم
فإن الشبهة ها هنا تكون من الشبهات المصداقية للتضعيف، ومع وجود الشبهة المصداقية للتضعيف فلا يثبت تضعيف الشيخ -قدس سره-، وإذا كان لم يثبت تضعيفه، كما لم يثبت توثيقه أيضاً، فمعنى ذلك أن توثيق الشيخ النجاشي كتوثيق خاص لا معارض له، كما أن توثيق كامل الزيارات بناءً على تماميته كتوثيق عام أيضاً لا معارض له، فعلى ذلك يتم ترجيح توثيق الشيخ النجاشي -قدس سره- ويبنى على وثاقة أبي خديجة. هذه هي المحاولة التي أفادها الشيخ الغروي -قدس سره- في هامش التنقيح، ولكن هذه المحاولة عجيبة! لماذا؟ لأن الشيخ الغروي -قدس سره- قد افترض التعارض بين توثيق الشيخ الطوسي وبين تضعيفه، والحال أنه كما أن توثيق الشيخ الطوسي يكون طرفاً للمعارضة مع تضعيفه، كذلك توثيق الشيخ النجاشي يكون طرفاً للمعارضة مع توثيقه، فإن أحدهما لا شك هو المطابق للواقع، إما الوثاقة وإما الضعف. وبالتالي فكما يتصور أن توثيق الشيخ الطوسي معارض بتضعيفه، نفس الكلام يأتي في توثيق الشيخ النجاشي -قدس سره- فإنه معارض بتضعيف الشيخ الطوسي -قدس سره-، لا فرق بين هذا وبين هذا؛ هذا إخبار معارض بتوثيق، وهذا إخبار أيضاً معارض بتوثيق، ومقتضى ذلك هو سقوط الجميع عن الحجية. والعجيب أن هذه الملاحظة التي ذكرناها مما قد صرح بها سيدنا الخوئي -قدس سره-، وإن كانت قد خطرت في الذهن قبل أن نراجع كلامه رضوان الله تعالى عليه، وقد صرح بها -ولعلها مما في الذهن سابقاً استفدناها من كلامه رضوان الله تعالى عليه وبقيت عالقة في الذهن، ولكن جاءت في الذهن هنا من غير أن نلتفت إلى مصدرها-، وبعد المراجعة لكلام السيد الخوئي -قدس سره- في المعجم وجدنا أن هذه الملاحظة موجودة في كلماته الشريفة. السيد الخوئي يقول في المعجم تعليقاً على هذه المحاولة: "نعم، ذكر بعضهم أن تضعيف الشيخ يعارض بتوثيقه نفسه، فيبقى توثيق النجاشي بلا معارض، وهذا كلام غريب، فإنه إذا ثبت أن الشيخ وثقه في موضع
فلا يمكن شمول دليل حجية الخبر له ولإخباره بالضعف معاً لتعارضهما، ولا يمكن اختصاصه بأحدهما، أي بالتوثيق أو التضعيف، لعدم المرجح، وهذا كما يجري في خبري الشيخ يجري بين خبره بالضعف وخبر النجاشي بالوثاقة؛ فإنا نعلم إجمالاً بكذب خبر الشيخ بضعف سالم أو بكذب خبر النجاشي والشيخ بوثاقته، فلا وجه لجعل المعارضة بين خبري الشيخ والأخذ بخبر النجاشي بدعوى أنه بلا معارض! ونظير ذلك كثير في أبواب الفقه؛ فإذا فرضنا رواية عن زرارة دلت على حرمة شيء، ودلت رواية أخرى عنه وعن محمد بن مسلم مثلاً على خلاف الأولى، فهل يمكن أن يقال أن روايتي زرارة تتعارضان فيؤخذ برواية محمد بن مسلم؟ لا يمكن ذلك أبداً، والمقام من هذا القبيل". إذاً فكلام الشيخ الطوسي، إذاً هذه المحاولة لتوثيق أبي خديجة ليست بتامة. المحاولة الثانية هي ما أفادها سيدنا الخوئي -قدس سره الشريف- في معجمه، وحاصل هذه المحاولة ملخصاً قبل أن أفصلها هو أن هنالك عندنا شخصيتين خلط الشيخ الطوسي -قدس سره- بينهما، فنتيجة لخلطه بينهما قد ضعّف، قد حكم بضعف أبي خديجة. وبعبارة أكثر وضوحاً قبل التفصيل: هو أن هنالك عندنا شخصيتين إحداهما موثقة والأخرى مضعّفة، والشيخ الطوسي -قدس سره- خلط بين الشخصيتين فحكم بالضعف على هذه الشخصية؛ لأنها اشتبهت بينها وبين الشخصية المحكوم عليها بالضعف. وتفصيل ذلك هو أن الشيخ النجاشي عندما تعرض لأبي خديجة -أرجو التدقيق جيداً- قال: "سالم بن مكرم بن عبد الله أبو خديجة، ويقال أبو سلمة الكناسي -أو الكناسي نسبة إلى الكناسة يعني-، صاحب الغنم، مولى بني أسد، الجمال". يُقال كنيته كانت أبا خديجة، وأن أبا عبد الله -عليه السلام- كناه أبا سلمة. ثقة ثقة، روى عن أبي عبد الله -عليه السلام- وأبي الحسن -عليهما السلام-، له كتاب يرويه عنه عدة من أصحابنا". هذا ما ذكره النجاشي، وثم ذكر طريقه إلى الكتاب. الشيخ الطوسي -عليه الرحمن- قال: "سالم بن مكرم يكنى أبا خديجة، ومكرم الذي هو والده يكنى أبا سلمة". في الوقت الذي صرح فيه النجاشي
بأن أبا سلمة كنية لسالم -لأبي خديجة نفسه-، نسب الشيخ الطوسي الكنية لأبيه، قال: "ومكرم يكنى أبا سلمة، ضعيف، له كتاب، أخبرنا به جماعة" إلى آخر كلامه. وذكره في رجاله أيضاً وقال بعد أن ذكره -طبعاً في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام-: "سالم بن مكرم أبو خديجة الجمال الكوفي، مولى بني أسد". هذا هو أبو خديجة سالم بن مكرم بن مكرم، هو نفسه أبو سلمة، وهو نفسه أبو خديجة، يروي عن أبي عبد الله -عليه السلام-، ويروي عن أبي الحسن -عليه السلام-. ذكره أيضاً الكشّي، وهذا لا بأس بذكره، قال محمد بن مسعود: قال سألت أبا الحسن علي بن الحسن -الذي هو ابن فضال- سألت أبا الحسن علي بن الحسن عن اسم أبي خديجة؟ قال: "سالم بن مكرم". فقلت له: ثقة؟ فقال: "صالح". وكان من أهل الكوفة وكان جمالاً، وذكر أنه حمل أبا عبد الله -عليه السلام- من مكة إلى المدينة. ثم يذكر تفصيلاً لحاله. حسناً، بعد أن ذكرنا هذه التفاصيل، يقول السيد الخوئي -قدس سره-: سالم بن مكرم هو أبو خديجة، وهذا هو محل الكلام. وعندنا هنالك شخص آخر يقال له سالم بن أبي سلمة، غيره، والشيخ النجاشي ذكره وصرح بأن حديثه ليس بالنقي، كما أن ابن الغضائري ضعفه أيضاً، وذكر الشيخ النجاشي أن له كتاباً. هنا نأتي ونتأمل، نقول: إن النجاشي ذكر شخصيتين؛ شخصية باسم سالم بن مكرم، وهو نفسه يُكنى بأبي سلمة بتكنية من الإمام الصادق -عليه السلام-، وهناك شخصية أخرى باسم سالم بن أبي سلمة أو ابن أبي سلمة، وهذا لم يوثقه النجاشي بل ذكر بأن حديثه ليس بالنقي. جيد جداً، نأتي الآن إلى ما كتبه الشيخ الطوسي، نحاول أن نبحث في رجال الشيخ الطوسي وكذلك في فهرست الشيخ الطوسي -قدس سره- عن هذين الرجلين، فلا نجد الشيخ الطوسي قد ذكرهما معاً بل ذكر واحداً منهما سواء في رجاله وكذلك أيضاً في فهرسته، مع أن سالم بن أبي سلمة الذي هو الثاني يفترض أن يُذكر في الرجال كراوٍ من الرواة، ويفترض أن يُذكر أيضاً في الفهرست كصاحب كتاب، إذ مر علينا بأنه صاحب كتاب.
فيفترض أن يُذكر في الفهرست المعد لذكر المؤلفين، والحال أن الشيخ الطوسي -قدس سره- في كلا كتابيه لم يذكره، لم يذكره، بل ذكر شخصية واحدة. وعند ذكره لهذه الشخصية الواحدة، تسرب في كلامه ما يشي بأنه خلط بين الشخصيتين. لماذا؟ لأنه حينما ذكره في رجاله قال: "سالم بن مكرم يكنى أبا خديجة ومكرم يكنى أبا سلمة"، فهو فهم بأن سالم بن مكرم هو نفسه سالم بن أبي سلمة، ولذلك حكم عليه بأنه ضعيف، والحال أن سالم بن مكرم يختلف عن سالم بن أبي سلمة. ومن هنا يُعلم بأن الشيخ الطوسي -أعلى الله مقامه- قد خلط بين شخصيتين وتصورهما شخصية واحدة، ونتيجة خلطه حكم على سالم بن مكرم بأنه ضعيف، والحال أن لتوهمه أنه هو سالم بن أبي سلمة، والحال أنه سالم بن مكرم وهو نفسه أبو سلمة، لا أنه ابن أبي سلمة. وعلى ذلك يظهر بأن كلام الشيخ الطوسي -عفواً- بأن تضعيف الشيخ الطوسي -قدس سره- لا يصلح لمعارضة توثيقه الذي نقله عنه العلامة، فضلاً عن معارضته لتوثيق النجاشي -قدس سره-. وهنا لفتة لا بأس أن أشير إليها وهي: أين هو توثيق الشيخ الطوسي الذي نقله العلامة ولا نراه في شيء من كتب الشيخ الطوسي -قدس سره-؟ يُحتمل هنا أن التوثيق الذي أشار إليه العلامة -قدس سره- هو التوثيق المستفاد من كلمات النجاشي، من كلمات الكشّي -عفواً-، فإنه كما مر علينا قال محمد بن مسعود الذي هو نفس الكشّي: سألت أبا الحسن علي بن الحسن عن اسم أبي خديجة، قال: "سالم بن مكرم". فقلت له: ثقة؟ فقال: "صالح". وصالح بإطلاقها تفيد ما هو فوق الوثاقة، يعني هو صالح قولاً وصالح عملاً، لا أنه ثقة، يعني لا تلحظ الجهة القولية فقط، بل هو صالح قولاً وصالح عملاً. فإذا كان كذلك فهذه الرواية تدل على الوثاقة، أو -عفواً- هذا الكلام يدل على الوثاقة. إذا كان يدل على الوثاقة فما هو ربط الشيخ الطوسي به؟
ربط الشيخ الطوسي به هو أنه هو الذي لخص رجال النجاشي -قدس سره- وحفظه من خلال كتابه المعروف باختيار معرفة الرجال، وقد ذكر بعض الرجاليين بأن هذا التلخيص يعبر عن اختيارات الشيخ الطوسي -قدس سره- من رجال الكشّي، وبالتالي فما دام الشيخ الطوسي قد حفظ هذا السؤال الذي سأله الشيخ الكشّي لعلي بن الحسن، فهذا يدل على أن الشيخ الطوسي -قدس سره- يعتقد بوثاقة من؟ بوثاقة أبي خديجة. إذاً فهذا توثيق منه في قبال تضعيفه، وقد ذكرنا بأن التضعيف ذاك لا يُعتد به لوقوع الاشتباه والخلط فيه، فيبقى توثيق الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي هنا -وكذلك توثيق الشيخ الطوسي- بلا معارض. وإن أبيت عن كون هذا توثيقاً من قبل الشيخ الطوسي، فقل هو توثيق من أبي الحسن علي بن الحسن، فهذا توثيق يُضم إلى توثيق الشيخ النجاشي -قدس سره-. وبهذه المحاولة ننتهي إلى وثاقة من؟ ننتهي إلى وثاقة أبي خديجة اعتماداً على توثيق النجاشي، واعتماداً على توثيق ابن فضال (وإن كان السيد الخوئي -قدس سره- يراه مدحاً ولا يراه توثيقاً)، واعتماداً على توثيق ابن فضال هذا من ناحية التوثيق الخاص، وكذلك اعتماداً -وإن كنا لا نعتقد بذلك- على التوثيق العام المستفاد من عبارة ابن قولويه في كامل الزيارات، ولكن هذا المبنى ليس بتام، كما أنه على مبنى سيدنا الخوئي -قدس سره- أيضاً ليس بتام لتراجعه عنه في أواخر عمره الشريف. فالرواية من حيث السند تامة، يبقى الكلام حولها من جهة دلالتها، والحمد لله رب العالمين.
