دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 47
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
الجهة الدلالية لحسنة أبي خديجة
الجهة الثانية من جهات البحث حول الدليل اللفظي الذي استند إليه سيد المستمساك (أعلى الله مقامه) لإثبات جواز تقليد المتجزي -أو بعبارة أدق لإثبات إجزاء تقليد المتجزي- هي الجهة الدلالية لحسنة أبي خديجة أو مشهورة أبي خديجة. والاستدلال بها بحسب ما قرّبه (قدس الله نفسه) يبتني على تمامية مقدمتين:
المقدمة الأولى: هي ظهور الرواية في كفاية الاجتهاد التجزئي في باب القضاء. وهذا الظهور يستفاد من مفردة «من» التي جاءت في الرواية المباركة، حيث ورد فيها: «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضاينا». وقلنا بأن هذه النسخة هي النسخة الراجحة: «يعلم شيئاً من قضاينا». ولا شك أن «من» هاهنا إنما هي من التبعيضية، فإذا كانت «من» هي التبعيضية، دل ذلك على كفاية أن يكون القاضي ملمّاً ببعض قضائهم (صلوات الله وسلامه عليهم) ليتصدى للقضاء، ولا حاجة لأن يكون ملمّاً بجميع قضائهم مجتهداً مطلقاً.
المقدمة الثانية: وأما المقدمة الثانية التي يبتني عليها الاستدلال، فهي أن منصب القضاء منصب للفتوى وليس العكس، وبالتالي فكل ما دل على عدم اعتبار شيء في القاضي يدل أيضاً على عدم اعتباره في المفتي. وبيان هذه المقدمة هو أننا عندما نحلل حقيقة القضاء، نجد بأن القضاء فرع من فروع الإفتاء ونحو من أنحاء الإفتاء، غاية ما هنالك أن الإفتاء في مورده يكون إفتاءً شخصياً، وبعبارة أدق، يكون إفتاءً تطبيقياً.
فإذا جاء المتخاصمان والمترافعان، فإن القاضي إنما يحكم بينهما على طبق فتوى، ولكن هذه الفتوى يطبقها في المورد الخاص في مورد تلك المرافعات، وينشئ الحكم الخاص بتلك المخاصمة أو بتلك المنازعة أو بتلك المرافعة ليرفع التخاصم والتنازع. فإذاً، منصب القضاء في حقيقته هو منصب للفتوى وإن لم يكن العكس؛ إذ ليس منصب الفتوى منصباً للقضاء لكونه أعم منه. فإذا كان الأمر كذلك، فكل ما دل على عدم اعتبار شيء في منصب القضاء -وهو منصب للفتوى-
يدل على عدم اعتباره في منصب الفتوى.
وعلى ضوء هاتين المقدمتين نقول: ما دام قد دل الدليل على عدم اعتبار الاجتهاد المطلق في القاضي في باب القضاء، وباب القضاء هو أحد أبواب الفتوى، فهذا يدل على عدم اعتبار الاجتهاد المطلق في ماذا؟ في المفتي أيضاً، وكفاية أن يكون المفتي مجتهداً متجزئاً. إذاً، استدلال سيد المستمساك (قدس الله نفسه الزكية) يبتني على هاتين المقدمتين؛ فإن تمت هاتان المقدمتان فالاستدلال تام، وإلا فإنه محل نظر. وتقدم الكلام سابقاً حول المقدمة الثانية بنحو من الكلام.
كيف كان؟ فإن هذا الدليل اللفظي المؤيد بالسيرة العقلائية، وكذلك أيضاً المؤيد بالإطلاقات التي لم يشر إليها سيد المستمساك (قدس سره) -الإطلاقات التي تدل على جواز الرجوع إلى العالم وجواز الرجوع إلى الفقيه، وإذا كان المجتهد المتجزئ ممن اجتهد في عدة من المسائل معتدّ بها بحيث يصدق عليه عنوان الفقيه ويصدق عليه عنوان العالم، فلا شك في أنه يكون مشمولاً للإطلاقات- إذاً، الأدلة اللبية كما أشرنا يوم أمس لا تقتصر على حسنة أبي خديجة، لأن الإطلاقات أيضاً تشمل المجتهد المتجزئ، غايته أن يكون مجتهداً متجزئاً في عدة معتدّ بها من المسائل، لا في مسألة أو مسألتين أو ثلاث من المسائل.
إذاً، فهذا الدليل اللفظي مؤيد بالدليل اللبي من ناحية، ومعضد بالإطلاقات من ناحية أخرى. هذا الدليل يمكن أن يُستشكل فيه بأحد إشكالين:
الإشكال الأول: هو أن تمامية الاستدلال بهذا الدليل تتوقف على إثبات وجود الاجتهاد في زمن المعصوم (عليه السلام). فإذا أثبتنا وجود الاجتهاد في زمن المعصوم، حينئذ نقول بأنه: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا»، أي أنه مجتهد متجزئ وليس مجتهداً مطلقاً، فإذا لم يُعتبر الاجتهاد المطلق في القاضي لم يُعتبر في المفتي بضميمة المقدمة الثانية. ولكن وجود الاجتهاد في زمن المعصوم (عليه السلام) هو أول الكلام؛ إذ إنهم في تلك الأزمنة لم يكونوا بحاجة إلى الاجتهاد، وإنما فقط كانوا يعلمون الأحكام والمعارف الفقهية من المعصوم (صلوات الله وسلامه عليه) ويتلقونها منه بشكل مباشر. فلا يتم الاستدلال حينئذ بهذا الدليل اللفظي نظراً لعدم وجود الاجتهاد آنذاك في ذلك الزمان.
وأجاب سيد المستمساك (رضوان الله تعالى عليه) عن هذا الإشكال بأن دعوى عدم وجود الاجتهاد في ذلك الزمان كما ترى! لماذا هو اكتفى بهذه العبارة «كما ترى»؟ باعتبار أن الاجتهاد في حقيقته إنما هو عبارة عن التعامل مع الأدلة واستظهار المعرفة الدينية أو الفقهية أو الشرعية من خلالها على طبق ماذا؟ على طبق الأدوات؛ نظير تخصيص العام مثلاً، تقييد المطلق، نظير الجمع بين المتعارضين بأحد أنحاء الجمع. ولا شك أن كل ذلك مما كان في زمن المعصوم (عليه السلام)؛ إذ إنهم (صلوات الله وسلامه عليهم) كانوا يصرحون أحياناً تصريحات عامة ويعطون أحكاماً مطلقة، ثم إنهم في روايات أخرى يخصصون ويقيدون، كما أن الروايات كانت تأتي عنهم مختلفة إلى الرواة أو إلى غير الرواة من الدرجة الثانية، وكان الرواة يتحيرون في كيفية الجمع بين هذه الروايات، فجعل الأئمة (عليهم السلام) لهم ضوابط؛ نظير موافقة الكتاب، موافقة السنة، ترك ما خالف المشهور وهو الشاذ النادر، إلى غير ذلك من المرجحات التي تذكر في مظانها.
هذا مضافاً إلى الأصول العملية؛ نظير أصالة البراءة، نظير أصالة الاستصحاب، التي هي أصول عملية شرعية، ومضافاً إلى القواعد الفقهية التي أمر أهل البيت (عليهم السلام) بالاستفادة منها، وليس الاجتهاد سوى ذلك! فكيف يقال بأن الاجتهاد لم يكن في زمن المعصومين؟ فبحق لسيد المستمساك (قدس الله نفسه) أن يقول: «وهذه الدعوى كما ترى». نعم، الفرق بين الاجتهاد في زماننا وزمان المعصوم هو في السعة والضيق ليس إلا؛ وإلا فإن الاجتهاد الموجود آنذاك هو نفسه الاجتهاد الموجود في زماننا، أو أعكس القضية فنقول بأن الاجتهاد الموجود في زماننا هو نفسه الاجتهاد الموجود في زمن المعصوم، غايته أن الاجتهاد في زمن المعصوم كان ضيق الدائرة بحكم سهولة الوصول للمعصوم (عليه السلام)، بينما الاجتهاد في زماننا صارت دائرته واسعة جداً نظراً لماذا؟ نظراً لعدم إمكان التوصل إلى المعصوم (عليه السلام).
هذا أولاً، فنحن نمنع هذا الإشكال من أساسه. وثانياً: هذا الإشكال لو سلمنا به، للزم من ذلك محذور لا يمكن الالتزام به، لكان لذلك تالٍ فاسد يدل على بطلان ملزومه. ما هو هذا اللازم الفاسد؟
اللازم الفاسد هو عدم نفوذ وصحة التمسك بالروايات الدالة على نفوذ القضاء؛ نظير هذه الرواية مثلاً، نظير مقبولة عمر بن حنظلة التي تقدمت وتأتينا مثلاً: «ينظران من كان منكم... إلى آخره، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً». هاتان الروايتان بمقتضى هذا الإشكال لا يمكن التمسك بهما في زماننا، لماذا؟ لأنهما بحسب فرض المستشكل ناظرتان إلى من كان يعرف المعارف الشرعية عن طريق التعلم من المعصوم (عليه السلام) مباشرة، لا عن طريق الاجتهاد في فهم كلام المعصوم. وبالتالي، لا يمكن تطبيق الروايتين على من هم في زماننا من القضاة؛ لأنهم ماذا؟ لأنهم مجتهدون في فهم كلام المعصوم (عليه السلام). فتلك الروايات الدالة على نفوذ القضاء إنما تدل على نفوذ قضاء من كان في عصر المعصوم (عليه السلام)، ولا يمكن تطبيقها على قضاة ما بعد عصر المعصوم (عليه السلام) لأنهم لا ينطبق عليهم أنهم يعلمون المعارف من المعصوم مباشرة، فلا يبقى عندنا ما يدل على نفوذ قضاء قاضٍ، وبالتالي فباب المرافعات، باب المخاصمات، باب المنازعات، يكون مسدوداً في زمن الغيبة باعتبار أن القضاة لا ينفذ حكمهم. وهذا التالي كما ترى في فساده فهو يدل على بطلان ملزومه.
إذاً، فالإشكال الأول إشكال غير تام وغير دقيق والجواب عنه بما ذكرنا.
الإشكال الثاني: هو معارضة مشهورة أبي خديجة بمقبولة عمر بن حنظلة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث... إلى أن قال قال (عليه السلام): ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً».
وجه المعارضة أين؟ وجه المعارضة هو أن قوله في حسنة أبي خديجة: «يعلم شيئاً من قضايانا»، يدل على كفاية علم الشيء. بينما قوله: «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا»، ظاهر في العموم، فيدل على عدم كفاية العلم بالشيء ومعرفة بعض الأحكام، بل لابد من أن يكون القاضي ناظراً في الحلال والحرام وعارفا بجميع الأحكام لا ببعض الأحكام. وهذا يعني أن رواية أبي خديجة
معارضة بمقبولة عمر بن حنظلة، وإذا كانت معارضة بها فلا يمكن الأخذ بها إلا أن نقيم دليلاً على ترجيحها على المقبولة. ولكن سيدنا المستمساك (رضوان الله تعالى عليه) أجاب عن هذا الإشكال بأربعة أجوبة:
الجواب الأول: هو أن القرينة الخارجية القطعية قائمة على أن هذا الفهم من المقبولة ليس مراداً، على أن هذا الفهم من المقبولة ليس مراداً جدياً، بل المراد الجدي هو العلم بالحلال والحرام والنظر في الحلال والحرام في الجملة وليس بالجملة. لماذا؟ لأننا نقطع بأن أحداً لا يمكنه أن يعرف جميع الحلال والحرام، ونقطع بأن أحداً لا يمكنه معرفة جميع الأحكام الصادرة عن المعصوم (صلوات الله وسلامه عليه) والنظر في جميع الحلال والحرام، سيما في زمن النص، في زمن الرواية، لماذا؟ لأنه إن كانت في زماننا قد جمعت الأخبار وبُوب وأطلع الفقهاء عليها، فإنها في زمن الرواية لم تكن كذلك، في زمن النص لم تكن كذلك، بل كانت الروايات والأخبار متفرقة بين الرواة، وبعض الرواة كما أن مراكز الرواة كانت مراكز مختلفة؛ فبعضهم في المدينة، بعضهم في الري، بعضهم في الكوفة، بعضهم في بغداد، مما يعني بأن الروايات كانت متفرقة، وبالتالي لم يكن يتسنى لأحد أن يحيط وأن ينظر في جميع الحلال والحرام وأن يعرف جميع الأحكام.
فإذا كان هذا متعذر التحقق، علم من الخارج أن المعرفة بجميع الأحكام على نحو الإحاطة بها بالجملة ليست مقصودة، وإنما المقصود هو المعرفة في الجملة. فإذا كان المقصود هو المعرفة في الجملة، فحينئذ يندفع التنافي بين المقبولة وبين الحسنة، إذ أن هذا المقصود -وهو المعرفة في الجملة- كما يصدق على المجتهد المطلق، يصدق أيضاً على المجتهد ماذا؟ المتجزي.
الجواب الثاني الذي أجاب به (قدس الله نفسه الزكية) هو الإجماع؛ فإن هذا الفهم الذي تم الإشكال على ضوئه مما قام الإجماع على خلافه؛ أي أن الإجماع قام على عدم اعتبار النظر في جميع الحلال والحرام، وعدم اعتبار معرفة جميع الأحكام. وهذا حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق في مرجع التقليد، فإن هؤلاء قد قام إجماعهم القولي أو العملي على كفاية النظر في الجملة، على كفاية النظر في الجملة. وإذا كان إجماعهم قائماً على ذلك، فالإجماع يكون دافعاً لهذا الفهم ومعيناً للفهم الآخر النافي للتنافي بين الحسنة وبين المقبولة.
أجوبة السيد المستمساك عن معارضة المقبولة
الجواب الثالث: هو عدم انسجام السياق، أو بتعبير السيد الشارح (قدس سره) هو تفكيك فقرات الرواية. ما معنى تفكيك فقرات الرواية؟ نحن عندما نرجع إلى الرواية نقرأ فيها هكذا: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا» (واحد)، «ونظر في حلالنا وحرامنا» (اثنان)، «وعرف أحكامنا» (ثلاثة) فليرضوا به حكماً. نأتي إلى هذه الفقرات واحدة واحدة، نقول: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا»، الموضوع الذي أُخذ هنا هو رواية الحديث: رواية الحديث، روى حديثنا، وهذا الموضوع أو هذا العنوان كما يصدق على من روى جميع أحاديثهم بالجملة، يصدق على من روى حديثهم في الجملة، فلا شك في صدق هذا العنوان على من روى الحديث في الجملة. نأتي إلى الفقرة الثانية، وهي: «ونظر في حلالنا وحرامنا»، والكلام فيه ماذا؟ هو نفس الكلام؛ إذ أن عنوان «نظر في حلالنا وحرامنا» صادق على من نظر في بعض حلالهم وحرامهم، فيقال بأنه نظر في حلالهم وحرامهم. هذه هي الفقرة الثانية، فهي كالفقرة السابقة في دلالتها على ماذا؟ في دلالتها على كفاية النظر في الجملة، كما هي الرواية في الجملة.
نأتي إلى الفقرة الثالثة، وهي: «وعرف أحكامنا». هنا ما هو المقصود «عرف أحكامنا»؟ قد يقال -كما يتصور- بأن المقصود من المعرفة الملكة: «وعرفنا» و«عرف أحكامنا» بمعنى أنه قد صارت عنده ملكة فيما يرتبط بأحكامهم، عرفها؛ أي أن المعرفة قد صارت ملكة عنده. وإذا كان المقصود هو ذلك، فحينئذ تكون الرواية -يعني المقبولة- مصادمة لماذا؟ للحسنة؛ لأن الحسنة تدل على كفاية معرفة البعض وإن لم تكن هنالك ملكة، بينما المقبولة تدل على ماذا؟ المقبولة تدل على عدم كفاية البعض، بل لابد من معرفة الكل بحيث تصبح المعرفة ملكة. وهنا يأتي المحذور الذي ذكرناه، وهو محذور تفكيك فقرات الرواية؛ فإن فقرتين من الفقرات تدلان على كفاية المعرفة في الجملة، على كفاية النظر في الجملة، على كفاية الرواية في الجملة، بينما الفقرة الثالثة -وهي فقرة المعرفة- تدل على عدم كفاية المعرفة في الجملة بل لابد من المعرفة بالجملة، فينخرم السياق حينئذ ويلزم التفكيك بين الفقرات. فلأجل حفظ وحدة السياق وعدم التفكيك بين الفقرات يلزمنا أن نحمل المعرفة على المعرفة ماذا؟
في الجملة، كما هي الرواية في الجملة، كما هو النظر في الجملة. وبذلك تكون المقبولة منسجمة مع ماذا؟ مع حسنة أبي خديجة.
وأما الجواب الرابع الذي أجاب به (قدس سره) فهو بأن الجمع العرفي بين حسنة أبي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة متأتٍ، وإذا كان متأتياً فلا وجه لحملها على ما ينافي الحسنة عرفاً. فلأبين ذلك: عندما تكون عندنا روايتان، وواحدة من هاتين الروايتين تحتمل معنيين؛ أحد المعنيين يتنافى بظاهره مع الرواية الأخرى، والمعنى الآخر المحتمل الذي لا مانع منه لا يتنافى مع الرواية الأخرى بل ينسجم معها. هنا هل نحمل الرواية على المعنى المنافي -مع أن ذاك المعنى أيضاً محتمل بنحو المكافأة لهذا الاحتمال وبنحو المساواة- أم أننا نحمل الرواية على المعنى الثاني وإن كان الاحتمال الأول موجوداً المنافي للاحتمال الثاني؟ نقول: مقتضى الجمع العرفي هو ماذا؟ حمل الرواية على المعنى الثاني.
تقول: ما هو الموجب؟ ما هو المرجح؟ نقول: المرجح هو الرواية الأخرى؛ فإن وجود المعنى الثاني في الرواية الأخرى منبه وقرينة على أن المقصود من معنى الرواية الأولى هو معناها ماذا؟ هو معناها الثاني وليس معناها الأول، وإن كانا متكافئين في نفسيهما، إلا أن الرواية الأخرى ترجح هذا على ذاك. وهنا من هذا القبيل: «وعرف أحكامنا» تحتمل احتمالين: الاحتمال الأول: عرف في الجملة على نحو الجزئية، والاحتمال الثاني: عرف بالجملة مطلقاً. فالرواية تحتمل احتمالين، نقول: أي الاحتمالين هو الراجح؟ نقول: الاحتمال الثاني. لماذا الاحتمال الثاني؟ لوجود رواية أخرى هي قرينة على هذه الرواية، وهي حسنة أبي خديجة. فما دام يمكن الجمع بينهما عرفاً بأن تجعل إحدى الروايتين قرينة على المقصود من الرواية الأخرى، فلا وجه لتصوير التنافي بين الروايتين.
فتحصل إلى هنا من جميع ما ذكرناه، بأن تقليد المجتهد المتجزئ لا محذور فيه في نفسه، لا محذور فيه في نفسه. نعم، ربما يكون المحذور من ناحية أن المجتهد المطلق قد يكون معاصراً للمجتهد المتجزئ وربما يكون أفضل منه، فحينئذ إذا سلمنا بوجود الأفضلية للمجتهد المطلق على المجتهد المتجزئ نقول: في هذه الصورة لا يجوز تقليد المجتهد المتجزئ مع وجود المجتهد المطلق. وأما إذا لم نسلم الملازمة بين الاجتهاد المطلق وبين الأفضلية لاحتمال أن يكون
المجتهد المتجزئ أفضل فيما تجزأ فيه من المجتهد المطلق، فحينئذ لا وجه لترجيح المجتهد المطلق على المجتهد المتجزئ.
ولا بأس أن أمُرّ على كلامه (قدس سره) مروراً سريعاً. قال (بسم الله الرحمن الرحيم): (وأما كونه مجتهداً مطلقاً فاعتباره هو المعروف المدعى عليه الوفاق أو الإجماع، فلا يصح تقليد المتجزأ. لكنه غير ظاهر الدليل، بل الأدلة على خلافه). لماذا؟ (لععموم بناء العقلاء له)، هذا اللي قلنا الدليل اللبي. (وكذا مشهورة أبي خديجة عن الصادق عليه السلام)، هذا اللي قلنا الدليل اللفظي: (إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً... إلى آخر الرواية. وسندها لا يخلو من اعتبار)، وقلنا هذا إما إيماء منه إلى ما وصفها به من المشهورية باعتباره يبني على جابرية الشهرة لضعف السند، وإما إيماء منه إلى الخلاف في أبي خديجة، وقد بينا أن الوجه هو اعتبار روايته، (وسندها لا يخلو من اعتبار).
دلالتها قال: (بعد أن استهذرنا من الرواية) -هذا أنا أقوله- بعد أن استظهرنا من الرواية كفاية العلم في الجملة، نحتاج إلى مقدمة ثانية، وهي أن هذه الرواية واردة في باب القضاء ونحن نتحدث في باب الإفتاء. أجاب عن ذلك قال: (وكونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في المقام، لأن منصب القضاء منصب للفتوى ولا عكس، فما دل على عدم اعتبار شيء في القاضي يدل على عدم اعتباره في المفتي، فيتم الاستدلال)؛ إذ أن هذه الرواية دلت على عدم اعتبار الاجتهاد المتجزئ في القاضي، فبالملازمة نعلم أنه ليس بمعتبر في المفتي أيضاً.
ولكن أمام هذا الاستدلال إشكالان:
الإشكال الأول: (ودعوى أن ما يعلم من المعصوم ليس من الاجتهاد ولم يكونوا يحتاجون في تلك الأزمنة إلى الاجتهاد كما ترى)، كما ترى لما أشار إليه. نعمّق الإشكال نقول: ولا سيما وأن ذلك يمنع من التمسك بالنصوص على نفوذ القضاء، إذ أن موضوعها هو القاضي الذي علم من المعصوم، فلا تنطبق على القضاة ما بعد زمن المعصوم لأنهم لم يعلموا من المعصوم، فلا يوجد عندنا دليل حينئذ يدلنا على نفوذ ماذا؟
على نفوذ قضاء القضاة، ولا سيما وأن ذلك يمنع من التمسك بالنصوص على نفوذ القضاء لاشتراك الجميع في الإشكال المذكور. فاندفع الإشكال الأول.
الثاني: (ومثلها في الإشكال دعوى معارضتها بمقبولة عمر بن حنظلة لظهور قوله (عليه السلام): حلالنا وحرامنا -عفوًا- حلالنا وحرامنا وأحكامنا في العموم)، بينما تلك تدل على ماذا؟ على كفاية البعض. وجه الإشكال ليش هذه يعني الاستدلال بها مشكل؟ أولاً: أن قوله (عليه السلام): «روى حديثنا» ليس المراد منه كل حديث لهم (عليهم السلام)، فإن ذلك مقطوع بخلافه لتعذر ذلك ولا سيما في زمن صدور الرواية، لما ذكرناه من تبعثر الرواة والرواية، فيمتنع أخذه شرطاً في القضاء، فيتعين أن يكون المراد أحاديثهم (عليهم السلام) في الجملة. فيكون المراد من قوله (عليه السلام): «ونظر في حلالنا وحرامنا» أنه نظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الأحاديث التي رواها، لا عموم الحلال والحرام.
ثانياً -أو لا، عفواً، تتمة الجواب-: وكذلك المراد من أحكامهم (عليهم السلام)، يعني الأحكام التي عرفها بعد النظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الأحاديث، فيتعين أن يكون المراد بعض الأحكام لا جميعها.
مضافاً إلى الإجماع على عدم اعتبار رواية جميع أحاديثهم ولا النظر في جميع حلالهم وحرامهم، حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق لاجتزائهم بالنظر في الجملة، فيتعين حمل الحديث والحلال والحرام على الجنس الصادق على البعض، وهكذا الحال في معرفة أحكامهم.
ثالثاً: (وحمل المعرفة على الملكة -كما يدعيه القائلون باعتبار الاجتهاد المطلق- مع أنه خلاف ظاهر المعرفة، تفكيك بين فقرات الرواية). ظاهر المعرفة لا يدل على أن المعرفة المطلوبة ملكة، تفكيك بين فقرات الرواية يأباه سياقها، فلاحظ وتأمل. لعل التأمل هاهنا من جهة أن الفقرتين الأولى والثانية تحتملان المعنيين؛ تحتملان روى حديثنا أي جميع حديثهم، ونظر في حلالنا وحرامنا أي نظر في جميع الحلال والحرام، تحتملان -لا، بيان ذلك كما تحتملان الرواية في الجملة والنظر في الجملة أيضاً- والفقرة الثالثة إذا سلمنا بأنها ظاهرة في الملكات، يعني المعرفة ظاهرة في الملكات، فإنها تكون قرينة على ماذا؟
قرينة على المعنى المقصود من الفقرتين السابقتين، فيكون المعنى المقصود هو ما يتلائم مع الملكات، أي النظر بالجملة والرواية بالجملة وليس في الجملة، لعله بقوله «وتأمل» يشير إلى ذلك.
رابعاً: (ولو أغمضنا النظر عن ذلك كله، فلا أقل من عدم صلاحية المقبولة لمعارضة رواية أبي خديجة، لإمكان حملها على ما لا ينافيها عرفاً)، وتكون حسنة أبي خديجة قرينة عليه كما أوضحناه في تقرير الدرس، فيتعين في مقام الجمع العرفي بينهما -يعني حملها على ما لا ينافيها عرفاً- ويكون العمل على ظاهر رواية أبي خديجة بلا مانع؛ لأنها تكون قرينة على المقصود.
فإذاً، ننتهي إلى ماذا؟ إلى كفاية الاجتهاد التجزئي على ضوء هذه النتيجة. يقول: (نعم، لو فرض ملازمة الأفضلية للاجتهاد المطلق تعين تقليد المجتهد المطلق عند الدوران بينه وبين المتجزئ، لكن الفرض المذكور غير ظاهر)، يعني فرض الملازمة، مع أن الكلام في الشرط مطلق ولو مع عدم وجود المجتهد المطلق. هذا كله بناءً على إمكان التجزئي في الاجتهاد -هذا الذي ذكرناه في دخولنا لهذه المسألة- هذا كله بناءً على إمكان التجزي في الاجتهاد، كما لعله المشهور والمنصور لاختلاف مراتب الملكة قوةً وضعفاً، كاختلاف المسائل وضوحاً وخفاءً. أما بناءً على امتناعه فلا ثمرة عملية للنزاع المذكور.
والحمد لله رب العالمين.
