دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 5
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
المسألة الرابعة في الاحتياط مع التمكن من الاجتهاد والتقليد
قال الماتن قدس الله نفسه: «الأقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزمًا للتكرار وأمكن الاجتهاد أو التقليد». وموضوع هذه المسألة هو الاحتياط مع التمكن من الوصول إلى الحكم؛ إما عن طريق الاجتهاد وإما عن طريق التقليد. فهل الاحتياط هنا صحيح جائز أم لا؟
وهنا لا بأس أن نقدم بمقدمتين ثم نرد فيما أفاده سيد المستمسك قدس الله نفسه.
المقدمة الأولى: ما هو المقصود هنا من الجواز؟
عبارة الماتن هي: «الأقوى جواز الاحتياط». وهنا يوجد عندنا احتمالان:
* الاحتمال الأول: أن المراد من الجواز هو الجواز الوضعي؛ بمعنى صحة الاكتفاء بالعمل على طبق الاحتياط، أي أنه يصح الاكتفاء به وإن تمكن المكلف من الاجتهاد أو التقليد.
* الاحتمال الثاني: أن المراد من الجواز هو الأعم من الجواز الوضعي والتكليفي؛ أي يجوز الاحتياط بمعنى ما ذكرناه، وبمعنى أنه لا يعاقب عليه في قبال الحرمة التكليفية.
فما هو الاحتمال الراجح من هذين الاحتمالين؟
الجواب عن ذلك: الاحتمال الثاني على الظاهر هو أرجح الاحتمالين؛ لماذا؟ لأننا إذا لاحظنا الأدلة التي استدلوا بها على عدم الجواز -كما سنعرضها إن شاء الله- أحد الدليلين ناظر إلى الجواز الوضعي وهو الدليل الأول؛ إذ إن محصل الدليل الأول هو أن الاحتياط لازمه عدم صحة العبادة، وعدم تحقق نية الأمر. فحينما يقال «يجوز الاحتياط» في المقابل يعني ماذا؟ تصح العبادة على طبقه، وهذا جواز وضعي. بينما الدليل الثاني الذي سياتينا هو حرمة اللعب والعبث؛ فإن الاحتياط يستلزم اللعب والعبث، واللعب والعبث حرامان تكليفيان. فإذا قلنا بجواز الاحتياط في مقابل حرمة اللعب والعبث تكليفًا (عفوًا)، إذاً فجوازه جواز ماذا؟ تكليفي. وعلى ذلك، فبمقتضى ملاحظة الأدلة التي يُستدل بها في هذه المسألة، يُعلم أن المراد من الجواز هنا الأعم من الجواز
الوضعي والتكليفي.
المقدمة الثانية: مقتضى القاعدة في الاحتياط
هي أن مقتضى القاعدة في المقام هو جواز الاحتياط. لماذا؟ لأن المكلف حينما يحتاط فقد حقق المأمور به، وليس المطلوب من المكلف أكثر من ذلك؛ يعني ليس المطلوب من الآمر أكثر من تحقيق المأمور به. وكما أن المكلف يحقق المأمور به في صورة الاجتهاد وفي صورة التقليد، كذلك يحقق المأمور به في صورة الاحتياط أيضًا. فمقتضى القاعدة هو جواز الاحتياط حتى مع التمكن من الاجتهاد والتقليد. إذاً، بحسب المقتضى نتكلم -لا كلام في اقتضاء القاعدة أو في اقتضاء حكم العقل لجواز الاحتياط-؛ لأن العقل يقول: المطلوب من المكلف إذا أمره الآمر هو أن يأتي بالمأمور به ليسقط عنه التكليف، وأتيانه بالمأمور به -كما ذكرنا- كما يتحقق اجتهادًا وتقليدًا يتحقق احتياطًا. فمن حيث الاقتضاء، لا إشكال في جواز الاحتياط. إذاً، البحث ليس في مرحلة الاقتضاء، وإنما البحث في مرحلة المانع: هل يوجد مانع يمنع من الاحتياط مع التمكن من الاجتهاد والتقليد أو لا يوجد عندنا مانع؟
ومن هنا نشرع فيما أفاده السيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف. السيد الشارح رضوان الله تعالى عليه قال: قد يستدل على المنع من الاحتياط مع التمكن من الاجتهاد والتقليد بدليلين:
الدليل الأول: ما يستفاد من كلمات المحقق النائيني قدس سره. وما أفاده المحقق النائيني قدس سره هنا يتكون من شقين:
* الشق الأول: قال بأن الإتيان بالعمل احتياطًا موجب للإخلال بالعبادة (كلامنا في التعبديات). لماذا موجب للإخلال بالعبادة؟ قال لأن المطلوب في العمل العبادي الاتيان به بنية الأمر، أو بعبارة أخرى: الإتيان به بقصد الأمر (عبّرتُ بهذا التعبير أو بهذا التعبير كلاهما صحيح). المطلوب في العمل العبادي هو الإتيان به بقصد الأمر. فإذا كان المطلوب في العمل العبادي الإتيان به بقصد الأمر، ففي مورد الاحتياط لا يتحقق منه هذا القصد؛ لماذا؟ لأنه يأتي بالعمل بنية احتمال الأمر لا بقصد الأمر. يأتي بالعمل بنية احتمال الأمر لا بقصد الأمر؛ فهو عندما يأتي مثلاً -افترضوا بالقصر وبالتمام مرة بعد مرة- فهو حين لا يدري بأن وظيفته القصر أو التمام مع تمكنه من سؤال مرجعه مثلاً أو الاجتهاد، فهو حينما يأتي بالقصر يأتي بها بنية احتمال الأمر
لا بنية قصد الأمر، وكذلك حينما يأتي بالتمام أيضًا. وبالتالي، فما يعتبر في تحقق العباده -وهو قصد الأمر- لم يتحقق منه، وإذا لم يتحقق منه فإن العمل العبادي ماذا يكون؟ باطلاً. هذا الشق الأول من كلامه.
* الشق الثاني من كلامه: قال: لو شككنا في كفاية قصد احتمال الأمر وفي كفاية احتمال الأمر، لم يسعنا هاهنا التمسك بأصالة البراءة؛ لماذا؟ يقول لأن المورد من موارد جريان قاعدة الاشتغال، من موارد أصالة الاشتغال. لِـمَ؟ لأننا بحسب الفرض قاطعون بالتكليف، قاطعون بالتكليف، وإنما نشك بعد الإتيان بالتكليف -بعد الإتيان بالعمل بقصد احتمال الأمر- نشك في سقوط التكليف وعدم سقوطه؛ فأصالة الاشتغال تقتضي ماذا؟ عدم السقوط، أصالة الاشتغال تقتضي عدم السقوط.
وبعبارة أخرى: المقام من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، أي المقام من موارد دوران الأمر بين لزوم الإتيان بالفعل بقصد الأمر على نحو التعيين، وبين التخيير بين الإتيان به بقصد احتمال الأمر أو بقصد الأمر (أنت مخير). يدور الأمر بين التعيين والتخيير: إما أن تأتي به بقصد الأمر على نحو التعيين ولا توجد حصة أخرى، وإما أنت مخير بين هذه الحصة وبين حصة ثانية وهي الإتيان بالعمل باحتمال الأمر، بقصد احتمال الأمر لا بقصد الأمر نفسه. أنت مخير بين الأمرين، وإذا دار الأمر بين التعيين والتخيير، فإن أصالة التعيين ماذا؟ مستحكمة. وبمقتضى أصالة التعيين نقول: لا يجوز الإتيان بالعمل إلا بقصد ذات الأمر تعيينًا، ولا نلجأ إلى التخيير بينه وبين الحصة الثانية.
هذا ملخص ما أفاده المحقق النائيني رضوان الله تعالى عليه. وأجاب سيدنا سيد المستمسك قدس الله نفسه الزكية عما أفاده بجواب، ونضيف إلى جوابه جوابًا. أما الجوابان اللذان نضيفهما إلى جوابه ونذكرهما قبل جوابه -لأن جوابه يحتاج إلى بسط-:
* الجواب الأول: هو أنه لا دليل على أن العبادة يعتبر فيها الإتيان بالعمل بقصد الأمر، بقصد ذات الأمر. أول تعليق على ما أفاده المحقق النائيني رضوان الله تعالى عليه هو عدم الدليل على هذا المدعى؛ أنت أخذته أخذ المسلمات، والحال أنه أول الكلام.
أول الكلام أن المطلوب في العمل العبادي هو الإتيان به بداعي ذات الأمر، بداعي قصد الأمر؛ إذ إن العمل العبادي لا يُطلب فيه إلا الإتيان به مضافاً إلى المولى سبحانه. أكثر من ذلك لم يقم عندنا دليل على اعتباره، والإضافة إلى المولى كما تتحقق بإتيان العمل بقصد ذات الأمر، تتحقق بقصد العمل بالإتيان بالعمل بقصد احتمال الأمر أيضاً، الإضافة تتحقق على كلا التقديرين.
* الجواب الثاني: هو أنك قد صوّرتَ يا شيخنا النائيني بأن المكلف في مورد الاحتياط والامتثال الإجمالي لم يأتِ بالعمل بقصد ذات الأمر (أنت مدعاك ذلك)، وإنما جاء به بداعي احتمال الأمر. نحن نسأل: لِمَ لم يأتِ بالعمل بقصد ذات الأمر عندما جاء بأحد الطرفين ولم يأتِ بالطرف الآخر، أو لم يأتِ بالعمل بقصد ذات الأمر بعد أن جاء بالطرفين معاً بالقصر والتمام معاً؟ إن قُلْتَ بأنه لم يقصد ذات الأمر حينما جاء بالطرف الأول وهو القصر مثلاً، فنقول بأنه لم يقتصر عليه بل الفرض أنه سيأتي بالطرف الثاني. وإن قلتَ بأنه لم يأتِ بقصد ذات الأمر حتى بعد الإتيان بالطرف الثاني، فهذا ممنوع؛ إذ لا شك أنه بالإتيان بالأطراف جميعاً قد قصد ذات الأمر، قد قصد ذات الأمر، ولذلك حقق جميع الأطراف التي يحقق من خلالها قصد ذات الأمر.
وأما الجواب الذي أفاده سيدنا الحكيم قدس سره فمحصل هذا الجواب هو أن الأمر -أُقدّم بهذه المقدمة ثم أعقب- هو أن الأمر هل هو دخيل في الداعوية بوجوده الواقعي أم هو دخيل في الداعوية بوجوده الإدراكي؟ عندما نقول ينبغي أو يلزم على المكلف أن يأتي بالفعل بداعي الأمر، الأمر يكون داعياً له تماماً. نسأل هذا السؤال: الأمر داعٍ بوجوده الواقعي أم الأمر داعٍ بوجوده الإدراكي؟ لا شك أن الأمر ليس داعياً بوجوده الواقعي؛ فما لم يدركه المكلف لا يكون الأمر ماذا؟ داعياً له. إنما يكون داعياً له إذا أدركه؛ فالأمر داعٍ بوجوده الإدراكي لا بوجوده الواقعي. تمام.
وإذا كان الأمر داعياً -هذه المقدمة فرغنا منها- إذا كان الأمر داعياً بوجوده الإدراكي، فإن الأمر كما يُدرك بالعلم التفصيلي كذلك يُدرك أيضاً بالعلم الإجمالي؛ كما يُدرك بالعلم التفصيلي فيكون داعياً، يُدرك بالعلم الإجمالي فيكون أيضاً ماذا؟
داعياً. وبالتالي، فعندما يأتي المكلف بالعمل في موارد العلم الإجمالي، فهو يأتي بداعي -فهو يأتي بالعمل بداعي- الأمر الذي أدركه، غاية ما هنالك أنه أدركه إدراكاً إجمالياً، فهو لا يأتي بالعمل بمجرد الاحتمال المحض، بل يأتي بالعمل بداعي الأمر الذي أدركه، غاية ما هنالك أن هذا الإدراك إدراك إجمالي.
وبعبارة دقيقة لابد من التنبه لها، وهي أن المكلف في موارد الاحتياط يأتي بالعمل بداعي الأمر نفسه، وإنما الاحتمال دخيل في الداعوية، الاحتمال دخيل في الداعوية لا أن المكلف يأتي بالعمل بداعي الاحتمال. أُبيّن ذلك: الاحتمال دخيل في الداعوية، ما معنى أن الاحتمال دخيل في الداعوية؟ هو ما ذكرته في المقدمة؛ من أن الداعي ليس هو الأمر بوجوده الواقعي، وإنما هو الأمر بوجوده الإدراكي، فالداعوية لا تتحقق إلا بالإדרاك، أما العلم فيكون العلم دخيلاً في الداعوية، وأما الاحتمال -يعني العلم الإجمالي- فيكون أيضاً دخيلاً ماذا؟ في الداعوية. فالاحتمال دخيل في الداعوية، وكونه دخيلاً في الداعوية شيء، والإتيان بقصد الأمر شيء ماذا؟ شيء آخر.
وبعبارة أخرى نجمع جميع ما ذكرناه أولاً: المكلف تحصل له الداعوية -داعوية الأمر- عن طريق الاحتمال الذي هو العلم الإجمالي، فإذا حصلت له الداعوية عن طريق الاحتمال والعلم الإجمالي، أتى بالعمل بداعي الأمر الذي دعاه لا بداعي الاحتمال (صار معلوماً)، بداعي الأمر الذي علمه تفصيلاً أو إجمالاً لا بداعي الاحتمال؛ الاحتمال مرآة طريق كاشف ليس إلا، واما الداعي المحرك فهو نفس الأمر الذي أدركه صار معلوماً. وبالتالي، فما أفاده المحقق النائيني رضوان الله تعالى عليه -أو كما عبر عنه سيدنا سيد المستمسك ببعض الأعاظم- ما أفاده من أن العبادة قد اختلت لاختلال نية قصد الأمر، ليس دقيقاً؛ فإن قصد الأمر ماذا؟ متحقق، وما الاحتمال إلا قنطرة لإدراك داعوية الأمر الواقعي. هذا ما يرتبط بالشق الأول من كلام المحقق النائيني.
وأما ما يرتبط بالشق الثاني من كلامه، فهنا حتى يتضح أين هو محل الكلام ومحل النقض والإبرام، لابد أن نبين أولاً كمقدمة: ما هو الفرق بين موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير التي تكون أصالة الاشتغال فيها محكمة، وبين موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر التي تكون فيها ماذا؟
أصالة البراءة محكمة؟ ثم نأتي ونقول بأن ما نحن فيه هل هو من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير كما هو مدعى النائيني فتجري أصالة الاشتغال، أم هو من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر؟
الفرق بينهما هو هذا: في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير -وهذا خلوه في ذهنكم جيدا- نُحرز تعلق الأمر بحصة خاصة، نحرز ونشك: هل تعلق بحصة تكون عدلاً لها أيضاً، عدل بحصة أخرى تكون عدلاً لتلك الحصة أم لا؟ إذا أحرزنا تعلق التكليف بحصة وشككنا في تعلقه أيضاً بحصة أخرى تكون عدلاً لتلك الحصة، هذا يكون من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير؛ إذ إننا تعيينًا -لو كان التكليف متعلقًا بخصوص الحصة الأولى فهو تعيين، وإن كان متعلقًا بها وبعدلها فهو ماذا؟ تخيير- فيدور الأمر بين التعيين والتخيير. وأما موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر فنحرز تعلق الأمر بالمطلق لا بالحصة، نحرز تعلق الأمر بالمطلق وإنما نشك في اعتبار قيد زائد على المطلق: هل اعتبر الشارع قيداً زائداً على المطلق أم لا؟ فهنا يدور الأمر بين الأقل وماذا؟ والأكثر. الأقل هو المطلق، الأكثر هو المطلق مع القيد الزائد، هذا الأكثر، فيدور الأمر بين الأقل وبين الأكثر.
أُطَبّقُ ذلك على ما نحن فيه، نقول: لو شك مثلاً في أنه مطالب بصلاة مع سورة أم لا، مطالب بصلاة مع سورة أم لا؟ فهنا تارة نحرز بأن أمر الشارع قد تعلق بالحصة، تعلق بالحصة أي بالصلاة مع السورة، بالصلاة مع السورة، ونشك في صدور أمر من الشارع بكفاية الصلاة من غير سورة، أي نشك في تعلق الأمر بالبدل بحصة بديلة صلاة من غير سورة؛ هذا يكون من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وفي موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير أصالة الاشتغال محكمة، أصالة التعيين؛ إذ إننا نحرز تعلق الأمر بالصلاة مع سورة ونشك في جعل البدل ليتحقق به الامتثال أم لا، نتمسك بأصالة التعيين بأصالة الاشتغال، ونقول: لا يتحقق الامتثال إلا بالصلاة مع سورة.
وتارةً لا نحرز تعلق الأمر بالصلاة مع سورة، وإنما تعلق الأمر بمطلق الصلاة
بمطلق الصلاة من غير تقييد لها بالسورة، نشك في اعتبار أمر زائد، أي هل الشارع اعتبر في الصلاة الإتيان بها مع سورة أم لم يعتبر؟ فالأقل وهو الصلاة المطلقة نحرز تعلق التكليف به، نشك في القيد الزائد في اعتبار السورة: هل اعتبر أم لم يعتبر؟ نشك في الأكثر، هذا مورد دوران الأمر بين الأقل والأكثر، أصالة البراءة فيه محكمة خلافاً لذاك، لماذا؟ لأن أصل الأقل محرز التكليف به، نشك في تحقق تكليف زائد، الأصل هو عدم التكليف، الأصل البراءة عن التكليف. فإذا دار الأمر بين الأقل والأكثر، أصالة البراءة ماذا؟ مستحكمة.
هنا نأتي ونقول: ما نحن فيه هل هو من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير لتكون أصالة الاشتغال مستحكمة وبالتالي لا يصح اللجوء إلى الاحتياط بل يجب الاجتهاد أو التقليد، أم أنه من موارد الأقل والأكثر؟ الأول ادعاه النائيني، والسيد الحكيم ادعى ماذا؟ الثاني. لماذا؟ يقول: لأننا نحرز -لأننا نحرز- بأن الأمر قد تعلق بماذا؟ قد تعلق بالمطلق؛ المطلوب هو العمل العبادي، أما هل المطلوب العمل العبادي بقصد أمره؟ هذا قيد زائد نشك فيه. بعبارة أخرى: أدلة العبادات مطلقة لم يؤخذ فيها قيد ماذا؟ قصد الأمر. فإذا كانت مطلقة، إذاً الأقل محرز التكليف بالأقل محرز، وإنما نشك في قيد زائد: هل اعتبر في العبادة الإتيان بها بقصد أمرها المعلوم بالعلم التفصيلي أم لا؟ هذا شك في قيد زائد، مقتضى أصالة البراءة عدم الاعتبار به فيجوز الاحتياط وإن تمكن المكلف من الاجتهاد أو التقليد. صار معلوماً.
الدليل الثاني -خليه فيه شيء من الكلام إن شاء الله نتعرض له- نقرأ هذا المقدار. قال:
بسم الله الرحمن الرحيم: «وعن جماعة منعه» منع الاحتياط، بل هو الذي أصر عليه بعض الأعاظم دام ظله. معنى ذلك أن هذا المستمسك كتب في حياة المحقق النائيني قدس سره. النائيني متوفى سنة 1355، السيد الحكيم أظن مواليد سنة 1306-1307 هكذا، فيعني عند وفاة السيد الحكيم هو بعمر الـ 50، وبعمر الـ 50 يعني وفاة النائيني. فإذا كان هذا قد كتبه في حياته، مو معلوم كتبه في أي سنة، ولكن
في ذاك الوقت السيد الحكيم كان له شأن كبير جداً، مع أنه في الـ 50. مقصدي: النائيني ترى ذاكر في كتاب متخصصين فوق بحيث أنا أتذكر قرأت في -أظن في مذكرات الشيخ محمد تقي الفقيه قدس الله نفسه حجر وطين- يقول بأنه لما توفي النائيني شيخ عبد الرسول، ها شيخ لما توفي النائيني صار حيرة: من الذي يحل محله في مصلاه في الحرم الشريف؟ لأن الذي يحل محله لابد أن يكون قائماً مقامه. يقول هناك تسربت أخبار بأن السيد الحكيم -سيد محسن الحكيم- هو الذي سيحل محل النائيني الآن مو في ذهني جيدا أنه قال: إحنا ذاك الوقت ما كنا نعرف مثلاً من هو السيد الحكيم، أو بالنتيجة هو خمسيني يعني بعد ما بزغ بزوغاً تاماً. فيقول: أنا رحت لأستاذي الشيخ عبد الرسول الجواهري. الشيخ عبد الرسول كان من الأساطين، يقول: قلت لما نروح وكان كبيراً يعني أكبر من السيد الحكيم، يقول: قلت له هالشكل، يقول: بانه قال -مضمون كلامه-: الرجل المناسب في المكان المناسب، رجل مناسب في المكان المناسب، أهل ومحل لذلك. رضوان الله تعالى عنه.
على أي حال، إحنا نتذلذذ بالحديث عنهم، لعل الله يكسبنا شيئاً مما أعطاهم.
«وعن جماعة منعه، بل هو الذي أصر عليه بعض الأعاظم دام ظله، وقد يستدل له أولاً» -أنا قلت لكم بأن كلام النائيني من شقين؛ في مقام عرض الدليل ذكر الشق الأول، وفي مقام الرد ذكر الشق الثاني- قال: «أولاً: بأن فيه فوات نية الأمر؛ لأن الفعل حينئذ يكون بداعي احتمال الأمر لا بداعي نفس الأمر. وثانياً: بأنه لعب أو عبث بامر المولى. وكلا الأمرين ممنوعان.
أما الأول -فوات نية الأمر- فلأن فعل كل واحد من الأطراف ناشئ عن داعي الأمر بفعل الواجب» -يعبرنا عن داعي الأمر- «داعي الأمر هو هو، والاحتمال دخيل في داعوية الأمر. احتمال دخيل؛ لأنه كاشف عن الأمر فهو دخيل في داعويته، إذ لو لم ينكشف ولم يُدرك لا تكون له ماذا؟
داعوية، إذ بوجوده الواقعي لا داعوية له، لا أنه الداعي له» -يعني اللبس عند النائيني هنا صار بين كون الاحتمال دخيلاً في الداعوية وبين كونه الداعي الداعي، وإلا يعني لو كان هو الداعي لكان اللازم في فرض العلم التفصيلي- هذا منبه على أنه ليس هو الداعي، وإلا لكان اللازم في فرض العلم التفصيلي البناء على كون الفعل ناشئاً عن داعي العلم. شأن في موارد العلم التفصيلي يصير أيضاً الإتيان بالعمل بداعي العلم بالأمر، والحال لا أحد يقول بذلك، وإنما هو بداعي الأمر نفسه، وإنما العلم قنطرة؛ كذلك في المقام أيضاً، فالاحتمال كالعلم دخيل في الداعوية لا أنه الداعي، لا عن داعي نفس الأمر، إذ الفرق بين المقامين غير ظاهر (يعني بين مقام العلم التفصيلي والعلم الإجمالي).
وبالجملة: العلم في فرض العلم التفصيلي، والاحتمال في فرض عدمه، دخيلان في داعوية الأمر إلى الفعل لا أنهما داعيان إليه.
«ومن ذلك» -هذا جواب الشق الثاني- «ومن ذلك تعرف أن مرجع الشك في المقام» -يعني على ضوء ما ذكرناه يتضح هذا الشيء، بناء على أن الاحتمال دخيل في الداعوية لا أنه الداعي- «تعرف أن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اعتبار العلم بالأمر في تحقق الإطاعات، فيكون من قبيل الدوران بين الأقل والأكثر لا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير». نعم! بناءً يتم ذلك -يعني الدوران بين التعيين والتخيير- بناء على أن الباعث على العمل الاحتمال هو الداعي؛ يعني لو قلنا بأن الداعي هو الاحتمال، فالآن جئنا كلام في أن الداعي هنا حصة أخرى غير تلك الحصة؛ إذ في موارد العلم التفصيلي الداعي ماذا؟ العلم، وهنا الداعي الاحتمال، فهذه حصة مباينة لتلك فيصير دوران أمر بين تعيين وتخيير. بينما هناك إذا قلنا بأن الاحتمال ماذا؟ دخيل في الداعوية لا أنه الداعي، فالداعي في موارد العلم التفصيلي هو نفسه الداعي في موارد العلم الإجمالي، وبالتالي فلو قلنا باعتبار الإتيان بالعمل عن العلم بالداعي هو شك في اعتبار قيد زائد، صار من دوران الأمر للأقل والأكثر. صار واضحاً.
«ومن ذلك» -نعم، يتم ذلك بناءً على أن الباعث على العمل الاحتمال- «لتباين نحوَيِ الامتثال حينئذ، امتثال بداعي احتمال الأمر، وامتثال بداعي العلم بالأمر؛ إذ في أحدهما يكون الباعث الأمر المعلوم تفصيلاً، وفي الآخر الاحتمال، فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي يكون من التردد بين التعيين والتخيير، لكن هذا على خلاف ما نقحناه من أنه دخيل في الداعوية وليس داعياً. وأما الثاني فيأتي فيه الكلام». والحمد لله رب العالمين.
