دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 50
الحمد لله رب العالمين، صلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
مفهوم العدالة وتعاريضها المشهورة
العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات وترك المحرمات، وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظناً إلى آخر المسألة. بحث السيد الشارح أعلى الله مقامه الشريف حول هذه المسألة في مقامين: المقام الأول: تعرض فيه لبيان مفهوم العدالة أو تعريف العدالة. والمقام الثاني: تعرض فيه لبيان طرق إثباتها.
والتعاريف التي تعرض لها قدس الله نفسه عبارة عن ثلاثة تعاريف، واعتبرها هي التعاريف المعروفة المشهورة، ولذلك اهتم بها واجتنب التعاريف النادرة أو الشاذة. وهذه التعاريف الثلاثة، أولها: التعريف الذي أشار إليه السيد الماتن قدس الله نفسه وهو أن العدالة ملكة إتيان الواجبات وترك المحرمات. والتعريف الثاني: هو التعريف المنسوب إلى الحلي أعلى الله مقامه، أي إلى ابن إدريس قدس الله نفسه الزكية، وهو أن العدالة عبارة عن مجرد ترك المعاصي أو خصوص الكبائر منها، والمائز بين هذا التعريف وبين ذاك هو أخذ قيد الملكة في الأول دون الثاني. وأما التعريف الثالث: فهو ما أفاده الشيخ المفيد أعلى الله مقامه الشريف واختاره غيره أيضاً من الأعلام، وهو عبارة عن الاجتناب عن المعاصي عن ملكة.
وقبل بيان ما يمكن أن يستدل به على أي من هذه التعاريف، فإن السيد الشارح قدس الله نفسه اهتم ببيان النسبة بين هذه التعاريف الثلاثة من أجل فرزها وتمييزها، فأفاد بأن النسبة بين التعريف الأول والتعريف الثاني على أحد التصويرين هي نسبة العموم والخصوص من وجه، كما أنها على تصوير آخر هي نسبة العموم والخصوص المطلق. وكذلك أيضاً بالنسبة إلى النسبة بين التعريف الأول والتعريف الثالث على أحد التصويرين هي نسبة العموم والخصوص المطلق، بينما هي على التصوير الآخر نسبة التساوي. والسر في ذلك هو أن التعريف الأول قد أخذ فيه كما ذكرنا قيد الملكة، وقيد الملكة عندما نقول: ملكة إتيان الواجبات وترك المعاصي،
إما أن يلحظ هذا القيد بما هو باعث فعلي لترك المعاصي، وإما أن يلحظ بما هو باعث شأني لترك المعاصي؛ فإما أن تلحظ فعلية الملكات، فعلية باعثيتها، وإما أن تلحظ شأنية باعثيتها. فإذا لوحظت فعلية الباعثية للملكة، فإن النسبة كما ذكرنا تكون هي نسبة العموم والخصوص من وجه؛ وذلك لأنه ربما توجد الملكة ومع ذلك تصدر بعض المعاصي، لأن العدالة هي ملكة اجتناب المعاصي، فربما تكون هذه الملكة موجودة ومع ذلك تصدر بعض المعاصي، لأن الفرض أنها لوحظت شأنية. وقد تترك المعاصي من غير أن تكون هنالك ملكة، وقد تترك المعاصي للملكة؛ فإذا تركت المعاصي للملكة صار افتراق بين التعريف الأول والتعريف الثاني، وإذا وجدت الملكة ولم تترك المعاصي صار افتراق بين التعريف الثاني والأول، إذ إن المعصية حاصلة بينما هنا الملكة لم تمنع من تحققها. وقد يتحقق الأمران: ملكة مع ترك المعصية، فتكون النسبة على ذلك نسبة العموم والخصوص من وجه.
وأما إذا أخذناها بنحو الفعلية، فإن النسبة حينئذ ستكون نسبة العموم والخصوص المطلق؛ إذ إن مجرد ترك المعاصي كما هو مقتضى التعريف الثاني أعم من الترك عن ملكة أو عن غير ملكة، فتركها عن ملكة بنحو فعلي يكون أخص جزماً، فالنسبة تكون بينهما هي العموم والخصوص المطلق. وكذا الكلام أيضاً بالنسبة إلى النسبة بين التعريف الأول والتعريف الثالث، فإننا إن لاحظنا شأنية الباعثية فالنسبة بينهما ستكون نسبة العموم والخصوص المطلق؛ لأن التعريف الثالث هو الاجتناب عن الكبائر عن ملكة، أو اجتناب فعلي عن ملكة، فالباعثية فيه فعلية بينما هناك شأنية، فتكون النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. وأما لو حملنا الباعثية في الأول على الباعثية الفعلية فستكون النسبة هي التساوي.
الأدلة على مفهوم العدالة
بعد بيان النسبة بين هذه التعاريف الثلاثة وفرزها بما أوضحناه، حينئذ يقع الكلام حول الدليل على أي من هذه التعاريف، وأن العدالة ما هي؟ فاستدل قدس الله نفسه الزكية على القول الأول -طبعاً هنا نقطة نسينا أن نذكرها عفواً قبل عرض الأدلة، وهي: أن المراد من الباعثية في التعريف الأول هل هي الباعثية الفعلية أم هي الباعثية الشأنية؟ فإن ما ذكرناه إنما هو بمقتضى مقام الثبوت، ولكن بمقتضى مقام الإثبات ماذا؟ هل هي شأنية أم فعلية؟ فقال بأنها فعلية؛ وذلك للتنبيه الذي نبه عليه الشيخ الأعظم قدس الله نفسه الأنصاري في رسالة العدالة، وهو أن صدور الكبيرة موجب لتحقق عنوان الفسق بلا خلاف، فإذا كان صدور الكبيرة موجباً لتحقق عنوان الفسق، إذن يزول عنوان العدالة بتحقق الكبيرة. مع أنه لو كان المراد من الملكة ما لها شأنية الباعثية فيفترض أن تكون باقية ولا تزول حتى بعد تحقق الكبيرة، لأن الملكة موجودة وباعثيتها الشأنية موجودة أيضاً وإن تحققت الكبيرة، والحال أن عنوان العدالة مرتفع قطعاً بتحقق الكبيرة، فإذا كان مرتفعاً كان ذلك منبهاً على أن المراد من الباعثية هي الباعثية الفعلية. فكل ملكة لا تبعث فعلاً على ترك الكبيرة فإنها ليست بعدالة، العدالة هي الملكة الباعثة فعلاً، وأما غير الباعثة فعلاً فليست بعدالة.
كيف كان؟ استدل قدس سره على أن العدالة هي عبارة عن الملكة الباعثة فعلاً على ترك المعاصي بأدلة، أول هذه الأدلة صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال عليه السلام: «أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار؛ من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس» إلى آخر الصحيحة.
مناقشة سند صحيحة عبد الله بن أبي يعفور
وهذه الصحيحة وقع كلام بينهم تارة في سندها وأخرى في دلالتها، ولكنه قدس الله نفسه فرغ من صحتها فعبر عنها بالصحيحة ولم يعتن بالكلام في سندها. وموجب الكلام في سند الرواية أن الرواية لها سندان؛ السند الأول يرويها الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه الشريف عن طريق أحمد بن محمد بن يحيى ومحمد بن خالد البرقي، والسند الثاني يرويها الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه الشريف عن محمد بن موسى بن المتوكل.
وهنا المشكلة في السندين، فإن هؤلاء الثلاثة من مشايخ الإجازة، إلا أنهم لم يوثقوا، وبالتالي فمن جمد على عدم ورود توثيق في حقهم فقد بنى على عدم صحة الرواية. وما انبنى على أن دور مشايخ الإجازة إنما هو دور تشريفي ليس إلا، باعتبار أن الكتب آنذاك والأصول كانت ذائعة وشائعة وموجودة ومتوفرة، وبالتالي فارتباط الناقل بشيخ الإجازة إنما هو ارتباط تشريفي ليس إلا، وإلا فالرواية بين يديه لا يشك في صدورها عن الراوي من خلال السند الموجود لها. فإذا بنينا على هذا المبنى، وأن دور مشايخ الإجازة هو دور تشريفي، فحينئذ نقول بأن هذه الرواية رواية معتبرة، كما أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة يمكن إقامة بعض الشواهد على وثاقته بغض النظر عن نكتة الدور التشريفي لمشايخ الإجازة.
إنما أقول: أقصاه لو بنينا على عدم وجود شيء من الشواهد على وثاقة هؤلاء، فإن ذلك لا يضر بصحة الرواية ما دام سند الرواية معتبراً ولا يوجد فيه خلل إلا من ناحية شيخ الإجازة، لا يضر ذلك بصحة الرواية باعتبار أن دور هذا الشيخ دور تشريفي ليس إلا، فهو الراوي يريد أن يتصل بالرواية من خلال سند متصل فيروي عن هذا الشيخ، وإلا فهو ليس بحاجة للرواية عنه باعتبار أن الرواية معروفة متداولة والأصول بين أيديهم، فروايتهم عن مشايخ الإجازة إنما هو لأجل الاتصال بالسند ليس إلا، لأجل تحصيل اعتبار الرواية. صار معلومًا هذا الثاني! هذا إذا قلنا بصحة الرواية. نعم، الأول الذي يحكم بالضعف لعدم ورود التوثيق في حقه هو محمد بن أحمد بن يحيى، والثاني محمد بن خالد البرقي، والثالث
محمد بن موسى بن المتوكل؛ كلهم مشايخ إجازة فالأمر من ناحيتهم سهل، والرواية كما عبر عنها السيد قدس سره رواية صحيحة.
دلالة الرواية على التعريف الأول للعدالة
وإن شئتم الكلام بأكثر من ذلك فلنا مجال أن نتكلم إن شاء الله تعالى. كيف كان، فإن السيد المصنف أعلى الله مقامه قد ركز الكلام في هذه الرواية حول دلالتها على التعريف الأول للعدالة. وحاصل ما أفاده قدس الله نفسه: بأن السؤال الذي اشتملت عليه الرواية وإن كان ظاهراً في السؤال عن طريق إثبات العدالة، إذ قال ابن أبي يعفور: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟ فظاهر هذا السؤال أنه سؤال عن طرق إثبات العدالة، كيف تعرف العدالة؟ ولكن المستفاد من إجابة الإمام صلوات الله وسلامه عليه أنه إنما أجاب ببيان مفهوم العدالة. وبعبارة أخرى: السائل هنا سأل عن طرق إثبات العدالة ظاهر ذلك أنه سأل عن طرق إثبات العدالة، والإمام صلوات الله وسلامه عليه أجاب في الحقيقة بأمرين:
الأمر الأول: بين مفهوم العدالة، والأمر الثاني: بين فيه طرق إثبات العدالة. وعلى ذلك، فالسائل إن كان قد سأل عن طرق إثبات العدالة والإمام عليه السلام أجاب ببيان مفهوم العدالة قبل أن يبين الطرق، فهو تفضل من الإمام صلوات الله وسلامه عليه. وإن كان السائل في الواقع قد سأل عن مفهوم العدالة لا عن طرق إثباتها، ولكن صاغ السؤال بهذه الصياغة الظاهرة في السؤال عن طرق إثبات العدالة، فإن الإمام قد أجابه عن مفهوم العدالة كما هو سأل، وأجابه عن طرق إثبات العدالة متفضلاً؛ فالرواية على أي حال غير خالية عن التفضل على أي تقدير حملنا سؤال السائل.
والسيد الشارح كما ذكرناه استظهر من الرواية أن السؤال كان عن مفهوم العدالة وليس عن طرق إثبات العدالة، والوجه في ذلك قال: هو ما اشتمل عليه الجواب. السائل -سيد يوسف- فهم من السؤال عن الطرق ولا عن المفهوم؟ السيد يقول: ظاهر السؤال أنه سؤال عن الطرق، ولكن من خلال إجابة الإمام عليه السلام يتعين حمل السؤال على كونه سؤالاً عن المفهوم وليس سؤالاً عن الطرق، وذلك من خلال قرينة الجواب. فحينئذ نسأل السيد قدس سره: ما هي القرينة الموجودة في الجواب التي تعين ذلك؟
يقول: هي عبارة عن قرينتين؛ القرينة الأولى: أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه في مقام الإجابة قال: «تعرف عدالة الرجل... أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان». يقول السيد: هاهنا ذكر الإمام عليه السلام أمرين، الأمر الأول: العفاف، وهذا من الملكات. وذكر: كف البطن والفرج واليد واللسان، وهذا أمر آخر إذ هو من الأفعال. فحينئذ، إذا كان السؤال كما استظهر وكما هو الظاهر إذا كان سؤالاً عن طرق إثبات العدالة، فهذان إذن طريقان لإثبات العدالة؛ أحد الطريقين هو ماذا؟ العفاف، أن يعرف بالعفاف، والطريق الآخر هو أن يكون ممن كف بطنه وفرجه ويده ولسانه. وبما أن الطريقين يغايران المطروق، وببارة أخرى: بما أن الطريقين يغايران المطروق فلا بد أن تكون العدالة شيئاً آخر يختلف عن هذين الطريقين، فلا تكون لا هي من الملكات ولا تكون من الأفعال، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. وبعبارة أخرى: نحن إذا افترضنا بأن السؤال سؤال عن طريق إثبات العدالة، والإمام صلوات الله وسلامه عليه في مقام الإجابة أجاب ببيان طريقين لإثبات العدالة؛ أحد الطريقين هو العفاف وهذا من الملكات وليس من الأفعال، والطريق الآخر كف البطن، كف الفرج، كف اليد، وهذا من الأفعال وليس من الملكات. فإذاً الطريق الأول من مقولة والطريق الثاني من مقولة أخرى، وبما أنهما طريقان للعدالة فلا بد أن تكون العدالة من مقولة ثالثة، لأن المطروق يختلف عن الطريق، فلا تكون لا من مقولة الملكات ولا من مقولة الأفعال، والحال أن العدالة لا يخرج أمرها عن أحد هذين الأمرين: إما هي من الملكات كما هو ظاهر التعريف الأول وظاهر التعريف الثالث، وإما هي من الأفعال كما هو ظاهر التعريف الثاني، وكذلك أيضاً على التعاريف الأخرى الشاذة نظير مثلاً تعريف العدالة بأنها حسن الظاهر مثلاً، فإنها لا تخرج عن هذه الحدود.
وبالتالي يلزم محذور من حمل السؤال في الرواية على كونه سؤالاً عن طرق إثبات العدالة، يلزم محذور وهو أن تكون العدالة لا من الملكات ولا من الأفعال بل من مقولة ثالثة، وهذا ما لا يمكن الالتزام به.
ولذا نقول بأن السؤال ليس سؤالاً عن طرق إثبات العدالة، وإنما هو سؤال عن مفهوم العدالة، فيكون الجواب قرينة على المقصود من السؤال وتعين أن السؤال سؤال عن المفهوم وليس سؤالاً عن الطرق. هذه القرينة الأولى.
القرينة الثانية: هي قول الإمام صلوات الله وسلامه عليه في المقطع الثاني من الرواية: «والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه». يقول السيد قدس الله نفسه هنا: عندما قال الإمام: «والدلالة على ذلك»، إما أن يكون بصدد بيان الطريق إلى العدالة بعد أن بين مفهومها في الفقرة الأولى، وإما أنه بصدد بيان الطريق إلى الطريق. إذا حملنا الفقرة الأولى على أنها بيان لطريق معرفة العدالة، فهذه «الدلالة» تكون بياناً للطريق للطريق.
فإذا قلنا بأنها بيان للطريق للعدالة فحينئذ لو حملنا الفقرة الأولى على أنها أيضاً هي بيان للطريق، يلزم من ذلك محذور لغوي. لماذا يلزم من ذلك محذور لغوي؟ لأن النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص. لاحظوا، قال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان ويعرف باجتناب الكبائر» إلى آخره، ثم قال: «والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه». لا، ليس نفسها، تلك أخص من هذه، هنا من قوله «والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه» هذه أعم من تلك، فحينئذ لو حملنا تلك على بيان الطريق وهذه أيضاً على بيان الطريق يكون ما ذكره أولاً لغواً؛ أنه خاص وبعدين عام، أحسنت، خاص ثم جاء بعده العام. يقول: لا حاجة لذكر الأول حينئذ، لأنه في الأول قال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان ويعرف باجتناب الكبائر.
ثم لم يكتف بذلك، قال: هذا الطريق لا يكفي بناء على أنه بيان للطريق، بل «والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه». فإذا كان المدار على الستر لجميع العيوب فذكر الأول يكون لغواً لا حاجة له، لأن المطلوب هو ستر جميع العيوب، وبالتالي فلاجل دفع محذور اللغوية لابد أن نحمل الفقرة الأولى على كونها بياناً للمفهوم، والفقرة الثانية على كونها بياناً للطريق لمعرفة ذلك المفهوم، فكف العفاف والستر وكف البطن وكف الفرج وكف اليد بماذا يعرف؟ يعرف بستره جميعاً. إذا حملنا الثانية على كونها بياناً للطريق وحملنا الأولى على كونها بياناً للمفهوم يندفع محذور اللغوية حينئذ، وإلا فهو باق على ما هو عليه.
وأما إذا حملناها -يعني حملنا الفقرة الثانية على كونها بياناً للطريق، والفقرة الأولى على كونها بياناً للطريق أيضاً- فذاك هو طريق معرفة العدالة، وهذا بيان لطريق معرفة ذلك الطريق! يقول السيد قدس سره: هذا أولاً بعيد في نفسه، بعيد، يعني المطلوب هو معرفة الطريق لمعرفة العدالة، أما أن يبين ما هو الطريق لمعرفة الطريق فهذا بعيد في نفسه، بعبارة أخرى: نحن في مقام معرفة العدالة كل ما نحتاج إليه هو معرفة الطريق إلى العدالة، وأما الطريق إلى الطريق أيضاً فهذا يعني يبدو أنه على خلاف المتفاهمات العرفية. سيدنا، لكونه شيئاً مسلوباً خفياً هذا الطريق يحتاج إلى علامة كبيرة، يعني من البعيد جداً شيخنا أن يكون الطريق مستوراً في نفسه لا خلاف طريقيته. هذا المطروق، يعني ما دام أخذ طريقاً مفترض فيه أن يكون واضحاً بحيث للشارع أن يعول عليه ولأتباع الشارع أن يعولوا عليه وإلا لم يكن طريقاً، فعلى ذلك هو بعيد في نفسه.
مضافاً إلى ذلك أيضاً ينافيه ماذا؟ ينافيه قول الإمام صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك: «ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته». فإن الظاهر من قوله: «ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته» أنه ناظر إلى ماذا؟ إلى الطريق إلى العدالة، وليس إلى الطريق إلى الطريق، ناظر إلى الطريق إلى العدالة وليس إلى الطريق إلى الطريق.
ولذلك قال: بمجرد تحقق هذا الطريق يجب عليهم إظهار عدالته. صار معلوماً شيخنا. ثم يعلق على ذلك قدس سره يقول: وهذا الفهم الذي استظهرناه من الرواية يناسبه اختلاف التعبير في الرواية، فانه قد عبر في صدر الرواية بالمعرفة، بينما قد عبر في ذيل الرواية بالدلالة.
هناك عبر في الفقرة الأولى بالمعرفة وهي المناسبة للسؤال، بينما في الفقرة الثانية عبر بالدلالة، والدلالة على ذلك كله مما يعني أنه في الفقرة الأولى كان ناظراً إلى غير العلامة، لا إلى مفهوم العدالة وهو ما سأل عنه السائل، بينما في الفقرة الثانية ناظر لبيان الطريق، إذاً الطريق هو الدليل، الدليل هو الطريق، فيكون في الفقرة الثانية ناظراً إلى الطريق لا أنه ناظر في كلتا الفقرتين إلى الطريق، يعني واحدة تكون إلى الطريق نفسه وواحدة إلى طريق الطريق. هذه عبارة فإنه ظاهر في كونه طريقاً إلى العدالة، العدالة المرادة هي طريقاً إلى مفهوم العدل، لا طريقاً إلى الطريق إليها. نعم نعم. نعم؟ بس هو عبارة عن طريق إلى العدالة مرادة إلى مفهوم العدل. دليل؟ أي أي، هذا أنا قلت لي في الطريق إلى العدالة، لا لا إلى العدالة مفهوماً مفهوماً. أي أي نعم، يناسب هذا التعليق في الأول تعرفه والدلالة عليه، يقول: هذا يناسب الاختلاف. أي أي أحسنت.
بهذا نكتفي بهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين. بارك الله فيك وإياكم.
