دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 51
وصلى الله على أشرف بريته وخير خلفه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد.
ما زال الكلام في المسألة الثالثة والعشرين، وتقدم الكلام حول الأقوال في هذه المسألة، والمهم لنا هو البحث حول أدلة هذه الأقوال. ودليل القول الأول -الذي هو مبنى سيد العروة قدس الله نفسه، وتبناه السيد الشارح أيضًا رضوان الله تعالى عليهما- هو أن العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات وترك المحرمات.
فالعدالة بنظرهما قدس سرهما لا تتحقق إلا بوجود ملكة، وهذه الملكة تكون ملكة ذات آثار، بحيث يترتب عليها ترك المحرمات ويترتب عليها فعل الواجبات. وأما لو تحقق ترك للمحرمات أو فعل للواجبات ولكن من غير ملكة فليست هنالك عدالة، كما لو كانت هنالك ملكة إلا أن هذه الملكة لا أثر يترتب عليها فإنها أيضًا لا تتحقق العدالة. فالعدالة تتحقق بوجود ملكة، هذه الملكة مقتضية لفعل الواجبات وترك المحرمات. هذا هو المبنى في حقيقة العدالة الذي بني عليه، وكما ذكرنا، المهم هو معرفة الدليل على هذا المبنى.
وقد استدل السيد الشارح أعلى الله مقامه بصحيحة عبد الله بن أبي يعفور. صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، نبتدئ أولًا بقراءة ما ذكره منها -والرواية أطول من ذلك- ثم بعد ذلك يقع الكلام حول تقريب الاستدلال. طبعا السيد الشارح قدس الله نفسه سيكون كلامه حول هذه الرواية في محطات؛ المحطة الأولى: تقريب الاستدلال بها على هذا المبنى أن العدالة ملكة.
قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بما تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال عليه السلام: أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار، من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك». والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه.
فالكلام إذن في تقريب الاستدلال بهذه الرواية. وتقريب الاستدلال بهذه الرواية يبتني على استظهار أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه، أو أن السائل وهو ابن أبي يعفور، هل كان يسأل عن حقيقة العدالة وعن مفهومها حينما قال: «بما تُعرف عدالة الرجل»؟ هل كان يسأل عن مفهوم العدالة، أم أنه يسأل عن أمارة معرفة العدالة وطريق معرفة العدالة، لا عن حقيقتها وماهيتها؟
فالسيد رضوان الله تعالى عليه في مقام تقريب الاستدلال يقول: نحن نسلم بأن السؤال ظاهر في السؤال عن الطريق، وليس ظاهراً في السؤال عن ماذا؟ عن المفهوم والماهية. وربما يناقش في ذلك -كما عن بعضهم- بأن المعرفة كما تتعلق بالماهيات والحقائق، أو عفواً، كما تتعلق بالطرق والأمارات، كذلك تتعلق بالماهيات والحقائق، ولذا يقال مثلاً: تعريف الإنسان بالحيوان الناطق. فحينئذ يمكن أن يقال بأن هذا السؤال الذي جاء في كلام ابن أبي يعفور هو سؤال عن الماهية -إن لم نقل بأنه سؤال عن خصوص الماهية، بقرينة: «بما تُعرف عدالة الرجل»- يمكن أن نقول بأنه سؤال عن الـ «أنَّ»، هو يريد معرفة ماهية العدالة ويريد أن يعرف الطريق إليها أيضاً.
ولكن الإنصاف بأن الحق مع سيدنا الحكيم قدس سره؛ فإننا لا ندور مدار لفظ المعرفة هاهنا فقط، حتى نقول بأن المعرفة كما تتعلق بالطرق تتعلق بالماهيات، وإنما ندور مدار صيغة السؤال: «بما تُعرف»؟ فإنه قد سأل بـ «بما تُعرف»، وهذه الصيغة ظاهرة في السؤال عن الطريق، عن الأمارات، وليست سؤالاً عن الحقيقة.
وعلى ذلك نقول: فالسؤال ظاهر في أنه سؤال عن الطريق وليس سؤالاً عن الماهية. إنما الكلام: هل يمكن رفع اليد عن هذا الظهور أم لا؟ هل يمكن رفع اليد عن ظهور سؤال السائل عن الطريق ليقال بأنه سؤال عن المفهوم أم لا؟ وهذا ما صب السيد الحكيم قدس الله نفسه الزكية جهده عليه؛ فذكر أولاً بأن هاهنا قرينة تشهد بأن السؤال سؤال عن الماهية والمفهوم، ثم ذكر ثانياً بأن هنا شاهداً في الرواية يشهد بأن السؤال أيضاً عن المفهوم، ثم ذكر وجود مناسبة في الرواية تشهد بذلك أيضاً. فهو استند إلى ثلاثة أمور، عمدتها القرينة، ثم عضد هذه القرينة في...
الأمرين الآخرين.
تقريب القرينة الأولى على كون الرواية ناظرة للمفهوم
أما بالنسبة إلى القرينة التي ذكرها قدس الله نفسه الزكية، فهي أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه في مقام الجواب قال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج...» إلى آخره. فهنا إذا قلنا بأن الإمام عليه السلام في مقام بيان المفهوم، فلا مشكلة هنالك؛ لماذا؟ لأننا التزمنا بأن العدالة هي عبارة عن ماذا؟ عن الملكات التي تترتب عليها هذه الآثار المعينة، وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، فحينئذ يكون جواب الإمام عليه السلام موافقاً لذلك؛ لأنه أشار أولاً إلى الملكات فذكر الستر وذكر العفاف، ثم أشار إلى ماذا؟ إلى الأفعال وهي كف البطن، كف الفرج إلى آخره. فما جاء في جوابه هو مساوٍ لمفهوم العدالة، مساوٍ لمفهوم العدالة؛ لأننا عرفناها بأنها ملكات، ملكة مستتبعة لأفعال، فما جاء في الجواب يكون تعريفاً للعدالة، تعريَف بالمساوي، فلا مشكلة في البين حينئذ وتكون الرواية تامة.
ولكننا لو قلنا بأن الإمام في مقام بيان الطريق وليس في مقام بيان ماهية «أن تعرفوه بالستر والعفاف»، وفي مقام بيان الأمارة على العدالة، الطريق للعدالة، فهنا تلزم عندنا مشكلة؛ وهي ماذا؟ وهي أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه قد ذكر نوعين؛ النوع الأول: ملكات، إذ أنه ذكر العفاف، والعفاف ملكة وهذا ظاهر، وذكر الستر أيضاً، والستر أيضاً ماذا؟ الستر ملكة. لماذا الستر ملكة هنا؟ قد يقال بأن المراد من الستر هو الستر الفعلي، فلا يكون له ظهور في الملكة.
والجواب عن ذلك: بأن هنا ما يمنعنا من حمل الستر على كونه ستراً فعلياً وإرادة الملكة منه؛ الستر بمعنى الاستحياء من الله تعالى، ملكة الاستحياء من الله. الأمر الأول الذي يبعث على ذلك هو منع التكرار؛ إذ أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه لاحقاً سيقول: «والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه». فلو حملنا الستر هناك على الستر الفعلي لكان هنا تكرار، إذ أن الذيل ظاهر في الستر الفعلي بلا كلام، فلو أريد الستر الفعلي هناك أيضاً للزم التكرار. هذا أولاً.
ثانياً: هنا نكتة شريفة أشار إليها سيد المهذب أعلى الله مقامه، سيد السبزواري، وهي أن الإمام عليه السلام قال: «أن تعرفوه بالستر»، ولم يذكر كلمة الستر مجردة، بل قال: «أن تعرفوه بالستر»، أو «أن يعرفوه بالستر».
«أن تعرفوه بالستر»؛ هذا التعبير ظاهر في كون الستر ماذا؟ ملكةً. كما يقال مثلاً: «عرفت زيداً عالماً» مثلاً، أو «عرفت زيداً يصلي صلاة الليل»؛ هذا لا يحصل بمجرد صلاة واحدة، بل يحصل بالاطلاع على أنه مواظب على تلك الصلاة. فحينما يقول الإمام عليه السلام: «أن تعرفوه بالستر»، أي أن الستر ماذا؟ ملكة راسخة عنده، ملكة راسخة عنده.
فبهذين الأمرين نقول: بأن المقطع الأول من الرواية يتحدث فيه الإمام عليه السلام عن الملكات، بينما المقطع الثاني يتحدث فيه عن ماذا؟ عن الأفعال؛ فإنه حينما قال: «وكف البطن والفرج واليد واللسان»، هذا ظاهر في ماذا؟ ظاهر في الأفعال، كف البطن، كف اليد، كف اللسان، ظاهر في الأفعال.
فعلى ذلك نأتي ونقول: إذا كان الإمام عليه السلام في مقام بيان الطريق للعدالة، وليس في مقام بيان مفهوم العدالة، وقد ذكر أن طريق العدالة -طريق معرفة العدالة- إما عبارة عن الاطلاع على ملكات الشخص، والاطلاع كذلك أيضاً على ماذا؟ على أفعاله، إذن فالعدالة شيء آخر؛ لأن الطريق غير ذي الطريق. فإذا قلنا بأن الطريق عبارة عن الملكات، إذن ذو الطريق ليس من الملكات. وبما أن أيضاً الطريق عبارة عن الأفعال، فذو الطريق أيضاً ليس من الأفعال. فيلزم من ذلك أن تكون العدالة شيئاً وراء ذلك، أي لا هي من الملكات ولا هي من الأفعال. وهذا لم يقل به أحد، أولاً وثانياً لا يمكن الالتزام به.
وهنا نحب أن نعلق على هذا المقطع من كلامه قدس سره: بأنه إن كان المحذور في عدم قول أحد بذلك، فلا ضير في ذلك إذا كان الدليل يساعد على القول بذلك، أنه لم يقل أحد بذلك وهذا لا ضير فيه إذا ساعد الدليل على الالتزام بأن العدالة شيء آخر وراء الأقوال والملكات لا مانع من ذلك. وإن كان المحذور في عدم إمكان الالتزام بذلك، نسأل: لماذا لا يمكن الالتزام بذلك؟ يعني لماذا لا يمكن الالتزام بأن العدالة شيء آخر وراء الملكات والأفعال؟
فإنه من الممكن ثبوتاً تصور أن العدالة شيء آخر وراء ذلك. ما هو هذا الشيء الآخر؟ السيد السيستاني دامت بركاته الشريف في تقريراته قال: يمكن أن نلتزم بأن العدالة هي عبارة عن الاستقامة، وبحسب تعبيره أن العدالة أمر قانوني، ونفسر هذا الأمر القانوني بأنه عبارة عن الاستقامة؛ فالعدالة استقامة، لا هي بملكة ولا هي بفعل، شيء آخر وراء هذين الأمرين، ما هو المانع أن نلتزم بذلك؟
ويمكن أيضاً أن نذكر -وهذا في بالي أنني اطلعت عليه في بعض الكلمات لكن لا أتذكر من الذي أشار إلى ذلك- هو أن العدالة التزام، والالتزام أمر جناحي قلبي، يمكن أن يكون ماذا تفسيراً للعدالة. فلم نحصر العدالة؟ أما هي من الملكات فنقول مثلاً بأنها ملكة، أو نقول بأنها هيئة كما ذكر ذلك بعضهم، أو نقول بأنها حالة راسخة كما قال بعض آخر. ولم نحصرها في الأفعال فنقول بأنها اجتناب الكبائر والمحافظة على الواجبات مثلاً. يمكن أن نفسرها بشيء وراء ذلك، فلمَ قال السيد الحكيم قدس سره: ولا يمكن الالتزام بذلك بأنها وراء الملكات والأفعال؟
والذي أتصوره في مقام الإجابة عن هذا التساؤل: بأن السيد الحكيم يريد أن يقول بأننا مهما جنحنا في تفسير العدالة فإننا لا نخرج عن هذين الأمرين؛ لأن الاستقامة التي ذكرها سيدنا السيستاني دام ظله، ماذا يراد بها؟ هل يراد بها الاستقَامة العملية أم يراد بها الاستقامة القلبية الالتزامية؟ إذا كان المراد بها الاستقامة العملية رجعنا إلى الأفعال، وإذا كان المراد بها الاستقامة القلبية رجعنا إلى الملكات؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق استقامة قلبية بمعنى الالتزام إلا أن يكون ذلك حالة راسخة متجذرة في نفس الإنسان، وإلا فلا تتحقق الاستقامة. فمهما خرجنا قلنا بأن العدالة استقامة أو قلنا بأن العدالة التزام، أيضاً الكلام هو الكلام: ما هو المراد بالالتزام؟ التزام عملي رجعنا إلى الأفعال، التزام قلبي لا يتحقق الالتزام من غير ماذا؟ من غير رسوخ، الذي هو عبارة أخرى عن الملكات.
فعلى ذلك نقول: بأن القرينة التي أفادها السيد الحكيم قدس سره لا غبار عليها من ناحية الأمر الثاني، وإن كان يمكن الكلام من ناحية الأمر الأول الذي هو عدم قول أحد بذلك. فإما دامت العدالة لا تخرج عن حيز الملكات وحيز...
الأفعال، فهذا قرينة على أنها ليست شيئاً آخر وراء ذلك. فإذا لم تكن شيئاً آخر وراء ذلك، يكون كلام الإمام صلوات الله وسلامه عليه بياناً للمفهوم وليس بياناً للطريق؛ لأنه لو كان بياناً للطريق للزم المحذور المذكور، يعني للزم التالي الفاسد، والتالي الفاسد يدل على بطلان الملزوم. وبذلك نستكشف أن الإمام ليس في مقام بيان الطريق للعدالة، وإنما هو في مقام بيان المفهوم.
هذه هي القرينة التي اعتمدها السيد الحكيم قدس سره الشريف لبيان أن جواب الإمام عليه السلام ناظر إلى المفهوم. نعم، هنا نقطة ربما تعلّق على كلام السيد الحكيم قدس سره سنشير إليها لاحقاً، الآن لا أذكرها.
الشاهد الأول واستعراض إشكالاته
وأما الشاهد الذي استند إليه -قلنا هو استند إلى قرينة وإلى شاهد ومناسبة- فالشاهد الذي استند إليه رضوان الله تعالى عليه هو أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه بعد أن قال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف» إلى آخره، قال في ذيل الرواية: «والدلالة على ذلك ماذا؟ كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه».
فهنا نحن نقول: بأن الإمام في ذيل الرواية هل هو بصدد بيان الطريق إلى العدالة؟ أو هو بصدد بيان الطريق إلى الطريق؟ إذا قلنا بأنه في قوله: «أن تعرفوه بالستر» في مقام بيان المفهوم، إذن هو هنا في مقام بيان الطريق إلى العدالة. فبعد أن عرّف ما هي العدالة أوضح ما هو الطريق للوصول إلى معرفة تحقق ذلك المفهوم، إلى معرفة وجود ذلك المفهوم. وإما أن نقول بأنه بيان للطريق إلى الطريق، هذا فيما لو التزمنا ماذا؟ بأنه في قوله: «أن تعرفوه بالستر» كان في مقام بيان الطريق إلى العدالة، إذن هنا عندما قال: «والدلالة على ذلك كله»، هو في مقام بيان الطريق إلى ماذا؟ إلى الطريق، إلى الطريق.
فنحن بين خيارين: إما أن نلتزم بهذا، وإما أن نلتزم ماذا؟ بهذا. فإن قلنا بأن هذا بيان للطريق إلى الطريق، فهذا يلاحظ عليه ملاحظتان؛ الملاحظة الأولى: أنه بعيد في نفسه. بعيد في نفسه بمعنى أن الإمام صلوات الله وسلامه عليه إنما يكون بصدد بيان ماذا؟
بصدد بيان الطريق إلى العدالة، لا أنه بصدد بيان شيء بعيد وهو الطريق إلى الطريق. فحمل الرواية على ذلك بعيد في نفسه، هذا أولاً.
ثانياً: هناك مقطع في الرواية، وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك: «هذا، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته». الإمام عندما قال: «والدلالة على ذلك كله»، قال ماذا؟ «ويجب عليهم» أي على المسلمين «تزكيته وإظهار عدالته»، فجعل إظهار العدالة متفرعاً عن ماذا؟ متفرعاً عن أن يكون الرجل ساتراً لجميع عيوبه، مما يعني بأن ستره لجميع عيوبه طريق إلى العدالة، لأنه يجب إظهارها بعد تحقق هذا الطريق، فليس طريقاً إلى الطريق، وإنما هو طريق إلى نفس العدالة. فنظراً لذلك نقول: بأن حمل هذه الفقرة على أنها بيان لطريق الطريق غير مقبول، فإذا كان غير مقبول يبقى عندنا ماذا؟ الخيار الأول، وهو أن تكون الفقرة بياناً للطريق وليست بياناً للطريق إلى الطريق.
فإذا كانت بياناً إلى الطريق، هذا مما يشهد بأن الإمام في مقام الجواب أولاً لم يكن في مقام بيان الطريق وإنما كان في مقام بيان المفهوم. زين. على أنه لو قلنا بأن الفقرة الأولى بيان للطريق، لو قلنا بأن الفقرة الأولى بيان للطريق، فهذا أيضاً له مبعد؛ لماذا له مبعد؟ لأن الإمام عليه السلام في الفقرة الأولى ذكر طريقاً بحسب الفرض، وفي الفقرة الثانية ذكر طريقاً آخر. حتى أوضح ذلك أكثر؛ الخيار الثاني كان أن الرواية بصدد بيان ماذا؟ يعني الفقرة الأخيرة، الفقرة الثانية منها بصدد بيان الطريق للطريق، وقلنا بأن هذا ممنوع لما ذكرنا. الاحتمال الآخر هو أن الإمام عليه السلام كان بصدد بيان الطريق إلى العدالة عندما قال: «والدلالة على ذلك»، بصدد بيان الطريق. حينئذ نرجع إلى الفقرة الأولى التي هي محل الكلام والتي استدل بها المصنف على أن العدالة ملكة، نقول: بأن هذه الفقرة بيان للمفهوم أو أنها بيان للطريق؟ للمفهوم، تريثوا عليَّ قليلاً.
إن قلنا بأنها بيان للمفهوم فلا مشكلة في البين، الأمر مترتب جداً؛ بينا المفهوم أولاً ثم بينا الطريق ثانياً. وإن قلنا بأنه بصدد بيان الطريق، خَبْ نقول إذاً: الإمام قد بين طريقين حينئذٍ.
لأن الفرض أن الثانية مو طريق إلى الطريق، وإنما بيان إلى الطريق، فالأولى أيضاً ماذا؟ بيان للطريق، فالإمام بين بالنتيجة ماذا؟ طريقين، طريقين. وهذا أيضاً لا يمكن الالتزام به؛ لماذا لا يمكن الالتزام به؟ لأن الطريق الأول أخص من الطريق الثاني؛ فالطريق الثاني هو أن يكون الرجل معروفاً، بأن يكون الرجل ساتراً لجميع عيوبه، بينما الطريق الأول هو أن يعرف بالستر والعفاف وكف البطن والفرج إلى آخره. أي الطريقين أخص؟ الأول لا شك، لماذا؟ لأنه قد أُخذ فيه أن تكون عند الرجل ملكة وأن تكون هذه الملكة مستتبعة للأفعال، بينما الطريق الثاني لم يؤخذ فيه ذلك، كل ما أُخذ فيه أن يكون الرجل ساتراً لجميع عيوبه، كانت عنده ملكة أم لم تكن عنده ملكة، كانت هنالك عنده أفعال أم لم تكن عنده أفعال، المهم هو أن يكون ساتراً لجميع عيوبه.
فبذلك يُعرف أنه عادل. ومن الواضح أنه إذا كان هنالك طريقان، فتارة المتكلم يبين الطريق الأعم ثم يبين الطريق الأخص ولا مشكلة في ذلك؛ لأن الطريق الأخص يبين مقصوده من الطريق الأعم، فلو قال الإمام: «ليكون ساتراً لجميع عيوبه» ثم قال: «أن تعرفوه بالستر والعفاف»، يُعلم بأنه ليس مطلق الستر للعيوب، بل الستر الذي يكون عن ملكة. لكن إذا انعكس الأمر، فبينا الطريق الخاص أولاً ثم بينا الطريق الأعم ثانياً، حينئذ يكون الطريق الأخص لغياً، لا قيمة له؛ لماذا؟ لأن المدار على الأعم، أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، كانت عنده ملكة أو لم تكن عنده ملكة، وبالتالي فلو حصلت هذه الأمارة كانت كافية لإثبات العدالة ولا حاجة لملاحظة ما جاء في الطريق الأول، فيكون لاغياً.
أبين ذلك بمثال أوضح حتى يتضح الكلام: لو سئل الشارع المقدس: ما هي أمارة النجاة من النار مثلاً؟ ما هي أمارة النجاة من النار؟ أو كيف يُعرف أن الرجل من أهل الجنة؟ فقال: الطريق الإيمان، ثم بعد ذلك قال: الطريق هو الإسلام، يكون الطريق الأول ماذا؟ لغياً؛ لما يكفي في معرفة أن الرجل من أهل الجنة إسلامه، وبالتالي كان مؤمناً أو لا، أو ليس مؤمناً، لا قيمة لذلك. نعم، لو انعكس الأمر، قال: طريق معرفته أنه من أهل الجنة الإسلام، ثم بعد ذلك قال: الإيمان، لكان قد ضيّق الطريق الأول...
الذي ذكره. وما نحن فيه في الرواية إنما هو من قبيل المثال الأول لا من قبيل المثال الثاني؛ إذ أن الإمام قد ذكر الطريق الأخص أولاً ثم قد ذكر الطريق الأعم، وهذا يستلزم أن يكون الطريق الأول ماذا؟ لغياً، لغياً. إذاً فلا يمكننا -لا حمل الروايات، يعني صدر الرواية على أنه بيان لطريق وذيلها بيان لطريق آخر، ولا حمل صدر الرواية على أنه بيان لطريق وذيلها بيان لذلك الطريق لا لطريق آخر، وإنما بيان الطريق للطريق- لا هذا ممكن ولا هذا ممكن، فيتعين أن صدر الرواية ليس بياناً للطريق ولا لطريق آخر، وإنما هو بيان للمفهوم، وإنما هو بيان للمفهوم.
وهذا الذي أفاده قدس الله نفسه الزكية، يمكن أن يُعلق عليه فيما يرتبط بالخيار الثاني؛ يعني أن الفقرتين في مقام بيان الطريق للطريق، الفقرة الثانية في مقام بيان الطريق للطريق، يمكن أن يُعلق عليه بما ذكره سيدنا السيستاني دامت بركاته الشريف، من أن كلا المبعدين اللذين ذكرهما السيد ليسا بمبعدين.
لماذا؟ لأنه أما مسألة أن ذكر الطريق للطريق بعيد في نفسه، فلا بعد فيه بل مما جرت على ذلك، مما جرت على ذلك قوانين الشارع المقدس؛ فإنه في كثير من الموارد عندنا طريق للطريق، فمثلاً: لو أُخبر بدين بطهارة ما بيده، فإن هذا يكون طريقاً للطهارة، ولو قامت البينة على أن فلاناً قد أُخبر بذلك، صار طريقاً، صار طريقاً للطريق. وهذا متعارف في الشريعة المقدسة. كذلك أيضاً مثلاً: لو أُخبر شخص، أو لو أُخبر الفقيه بأن الفتوى في المسألة الكذائية هي كذا، ففتوى الفقيه طريق إلى الحكم، ولكن لم تصلنا هذه الفتوى بشكل مباشر، وإنما قامت البينة على أن الفقيه قد أتى بذلك، فالبينة طريق إلى الطريق.
بل يقول سيدنا السيستاني دام ظله: في كل مورد تصلنا فيه الرواية ويصلنا فيه الخبر بشكل غير مباشر -أي عن طريق راوٍ عن راوٍ آخر- فهذا كله من باب الطريق إلى الطريق؛ الراوي الأول طريق إلى المعرفة الوحيانية التي سمعها عن المعصوم عليه السلام، وكل من جاؤوا بعده ينطبق عليهم عنوان ماذا؟
طريق إلى الطريق، طريق إلى الطريق. فإذاً هذا ليس شاذاً في قوانين الشريعة المقدسة وفي عالم الشريعة المقدسة، وبالتالي فما أفاده السيد قدس سره في هذا المورد ليس تاماً.
وكذلك أيضاً ما يرتبط بالمبعد الثاني، وهو الرواية الشريفة -ذكر القصص بعد الآن لا مو ذكر ذاك في: «ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته»- فلا مانع أن يترتب ذلك على الطريق للطريق؛ لأن الفرض بأن عندنا ها هنا أمراً واقعياً وهو عبارة عن العدالة، وهي التي تترتب عليها الآثار، والطريق إلى معرفة العدالة عبارة عن ماذا؟ عبارة عن المعروفية بالستر والعفاف وكف الأذى، والطريق إلى الطريق أن يكون الرجل ساتراً لجميع عيوبه؛ فإذا حصل الطريق للطريق وصلنا إلى الواقع وتترتب الآثار، أي محذور في ذلك؟ فلا يظهر من هذا التعبير أن إظهار العدالة مترتب على الطريق المباشر، لأنه كما يترتب على الطريق المباشر يترتب على الطريق للطريق؛ إذ متى ما سلكنا الطريق الذي يوصلنا إلى الطريق فإنه يوصلنا بالنتيجة إلى الواقع، الواقع فتترتب الآثار حينئذٍ. فإذاً هذا الشاهد قد يناقش فيه من هذه الجهة، ولكن هذا طبعا لا يضر بأصل القرينة التي أفادها، وإنما يخلخل التمسك بالشاهد الذي أفاده أعلى الله مقامه الشريف.
المناسبة الثالثة واستعراضها
وأما المناسبة التي استشهد بها رضوان الله تعالى عليه واستند إليها، فهي عبارة عن اختلاف التعبير؛ يقول: هذا مما يؤكد أن جواب الإمام أولاً كان عن المفهوم ولم يكن عن الطريق. لماذا؟ لأن السائل قد سأل الإمام: «بما تُعرف عدالة الرجل؟» فأجابه الإمام عليه السلام: «أن تُعرفوا»، استخدم نفس اللفظ «أن تُعرفوا»، بينما بعد ذلك استخدم لفظاً آخر فقال: «والدلالة»، ولم يستخدم لفظ المعرفة، مما يعني أنه هناك كان في مقام بيان شيء وهنا كان في مقام بيان شيء آخر، فبما أنه في الذيل كان في مقام بيان الطريق، إذن هو في الصدر كان في مقام بيان مفهوم. هذه المناسبة التي أفادها أعلى الله مقامه الشريف.
ولا بأس أن نقف عند عبارته رضوان الله تعالى عنه، قال بسم الله الرحمن الرحيم: «وكيف كان، فقد استدل على الأول بصحيح عبد الله بن أبي يعفور...»
«...قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بما تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟» إلى آخره. «وتقريب الاستدلال به أن ظاهر السؤال فيه -وإن كان السؤال عن الطريق إلى العدالة، فهذا الظهور لا كلام فيه، وقلنا ما دُغدغ به في هذا الظهور محل تأمل على ما أوضحناه- وإن كان السؤال عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها، لكن يتعين حمله على السؤال عن مفهومها، مو عن الطريق». لماذا؟ بقرينة ما في الجواب.
فأول ما استند إليه هو عبارة عن القرينة: «بقرينة ما في الجواب». فإن الستر -هذا بيان للقرينة- والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات. وقلنا: أما العفاف كونه من الملكات أمره واضح، الستر لماذا من الملكات؟ لما بيناه، فإن الستر والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات، وكف البطن وما بعده من سنخ الأفعال. فلو كان ذلك طريقاً إلى العدالة لزم كونها أمراً آخر وراء ما ذكر، فلا هي من الأفعال ولا هي من الملكات، وهو مما لم يقل به أحد؛ فإن فقهاءنا بين من أرجعها إلى الملكات فعبر عنها بأنها ملكة أو أنها حالة راسخة أو أنها هيئة، وبين من أرجعها إلى الأفعال، إلى الأفعال فعبر عنها مثلاً باجتناب الكبائر إلى آخره. ولا يمكن الالتزام به؛ غير أنه لم يقل به أحد، لا يمكن الالتزام به.
وكنا بأن لماذا لا يمكن الالتزام به؟ فإننا حتى ولو حاولنا تصوير ذلك في مقام الثبوت، إلا أنه في مقام الإثبات لا يخرج عن إحدى الخانتين: أما الملكات أو الأفعال، الأفعال، بل هو كذلك حتى في مقام الثبوت، وإنما تصورنا، فقو... فيتعين لذلك حمل السؤال على السؤال عن مفهومها لجهل السائل به الموجب للجهل بوجودها.
هذه العبارة خلوها بالكم برجعلها الآن: «فيتعين لذلك حمل السؤال على السؤال عن مفهومها». يعني هو فقط مستفاد من القرينة في صرف صدر الرواية عن بيان الطريق، وإنما استفاد من القرينة في صرف السؤال عن ظهوره في كونه سؤالاً عن الطريق إلى كونه سؤالاً عن المفهوم. ونحن نقول: هذا لا حاجة له، قرينة لا تلزمنا بذلك وهذا سنوضحه.
الشاهد الثاني وعبارة السيد الحكيم
ويشهد لذلك هذا الشاهد، قرينة خلصنا منها الآن، الشاهد: ويشهد لذلك أيضاً قوله عليه السلام: «والدلالة عليه على ذلك»؛ فانه كالصريح في كونه وارداً لبيان الطريق. وعليه، فإن كان المراد منه بيان الطريق، فإن كان المراد منه بيان الطريق إلى العدالة فحمل الأول -يعني ما دل على المفهوم- على بيان الطريق أيضاً، يلزم منه أن يكون المقصود...
جعل طريقين إلى العدالة، ولأجل أن الأول أخص يكون لغواً، يكون لغواً، الثاني ألغى الثاني، ألغاه. نعم، أحسنت.
وإن كان المراد منه -الشق الثاني- الطريق إلى الأول، مو الطريق إلى العدالة، فيكون طريقاً إلى الطريق، فهو مع بعده في نفسه ينافيه قوله عليه السلام بعده: «ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته»، فإنه ظاهر في كونه طريقاً إلى العدالة لا طريقاً إلى الطريق إليها. وقلنا بأن سيدنا السيستاني تأمل في كلا الأمرين وتأمله في محله.
ثالثاً: هذه المناسبة: «ويناسب ما ذكرنا جداً اختلاف التعبير»، فإنه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال، وفي الذيل بالدلالة المخالفة له، فيدل ذلك كله على أن المعرفة في السؤال وفي الصدر بمعنى معرفة المفهوم، وأن الدلالة في الذيل بمعنى معرفة وجود المفهوم، طريق إليه.
هنا تعليق لا بأس به، عندما قال قدس سره: «فإنه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال». سيد السيستاني دام ظله قال: حمل الكلمة هنا على المشاكلة البلاغية وقال: هذا على خلاف مطلوبه؛ لأنه في المشاكلة البلاغية تكون كل كلمة بمعنى يختلف عن الآخر، فإذا افترضنا أن المعرفة في صدر الرواية بمعنى ناظرة إلى المفهوم، إذاً لابد أن تكون المعرفة في السؤال ناظرة إلى المصدق، ناظرة إلى المصدق، والحال أن كلامه ليس ظاهراً في إرادة المشاكلة البلاغية، وإنما هو يريد أنها -يعني أن الإمام استخدم نفس الكلمات بينما في الذيل استخدم كلمة أخرى- فهو يريد معنى غير ما يريده في ذيل الرواية.
وبذلك تعرف أن قوله عليه السلام: «ويعرف باجتناب...» متمم للتعريف الأول لا طريق إليه، لا طريق إليه، ولا سيما بملاحظة ما بينهما من الاشتراكات؛ فإن كف البطن إلى آخره راجع إلى اجتناب جملة من الكبائر، ولأجل ذلك أيضاً يمتنع أن يكون طريقاً إلى العدالة. لو حمل الأول على بيان المفهوم المحذور هو نفسه المحذور.
خلاصة البحث
والمتحصل مما ذكرنا -هذا اللي قلنا يرتبط بما تقدم- أن الرواية الشريفة صدر الجواب فيها ظاهر في بيان مفهوم العدالة وليس في بيان طريق، نعم، وما بعده ظاهر في بيان الطريق إلى المصداق.
جيد؟ فإن حُمل السؤال على السؤال عن المفهوم بقرينة صدر الجواب لما بينه وبين السؤال من المشاكلة في التعبير -شوفوا يؤكد على أنه مشاكلة في التعبير- عن أن الإمام استخدم نفس الكلمة في الموردين، كان بيان الطريق في الذيل تفضلاً من الإمام عليه السلام باعتبار أن السؤال ماذا؟ عن المفهوم وليس عن الطريق، فأجابه الإمام ببيان الطريق في الذيل تفضلاً منه وزيادة.
وإن حُمل السؤال عن الطريق إلى المصداق، كان ما في الصدر من بيان المفهوم تفضلاً أو تمهيداً للجواب. فإحنا لو نلتزم بأن السؤال كان عن المفهوم فالذيل يكون تفضلاً وزيادة من الإمام، لو نلتزم بأن السؤال كان عن الطريق فبيان الإمام للمفهوم ماذا؟ تفضلاً، تفضلاً.
جميل. خب، على ذلك نقول يا سيدنا الحكيم: ما دامت العبارة تحتمل الأمرين، لم قلت هناك: «فيتعين لذلك حمل السؤال عن السؤال عن مفهومها»؟ نسلم معك بأن صدر الرواية هو بيان للمفهوم، لا كلام في ذلك، إنما لما يتعين حمل السؤال على كونه سؤالاً عن المفهوم؟ لما يتعين ذلك؟ السائل سأل عن المصداق، نحتفظ بهذا الظهور على ما هو عليه، ثم نقول بأن الإمام في مقام الإجابة تفضل ببيان المفهوم ولا محذور في ذلك.
فقوله هناك: «فيتعين لذلك حمل السؤال عن السؤال عن مفهومها» هذا لا معين له، بل يبقى محتملاً لا معين له، ومجرد المشاكلة في اللفظ لا تعين ذلك. هذا تمام الكلام في المحطة الأولى، ويأتي الكلام إن شاء الله حول ما بعدها. والحمد لله رب العالمين.
