دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 52
اللهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين عدد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم بحق محمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد. بعد أن تم بيان التقريب الذي أفاده سيد المستنبط -قدس الله نفسه- بصحيحة ابن أبي يعفور، نتوقف عند ما عقّب به سيدنا الخوئي -قدس الله نفسه الزكية- على كلماته الشريفة؛ فقد ناقشه بعدة مناقشات، وأول هذه المناقشات هي المناقشة السندية؛ إذ أفاد بأن هذه الرواية وإن اشتهر التعبير عنها بالصحيحة، ولكنها ليست كذلك؛ وذلك لأنها مروية بطريقين. الطريق الأول هو طريق الشيخ الصدوق -أعلى الله مقامه الشريف-، والطريق الثاني هو طريق الشيخ الطوسي -قدس سره- في التهذيبين، وكل واحد من الطريقين مبتلًى بمشكلة أو بأكثر من مشكلة. وهنا نحن نوسّع الكلام حول مشاكل الطريقين. أما ما يرتبط بطريق الشيخ الصدوق -أعلى الله مقامه الشريف-، فهنالك مشكلتان. وأولًا نقرأ سند الشيخ الصدوق -أعلى الله مقامه- ثم بعد ذلك نوضح المشكلة. الشيخ الصدوق عند ذكره للرواية قال: «رُوي عن عبد الله بن أبي يعفور قال:» وهنا نحن نحتاج إلى مراجعة سنده في المشيخة لمعرفة أن طريقه لابن أبي يعفور تام أم لا. قال في المشيخة: «وما كان فيه عن عبد الله بن أبي يعفور فقد رويته عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار -رضي الله عنه-، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور». وهنا مشكلتان: المشكلة الأولى: تعبيره بـ «رُوي»؛ إذ لم يقل «روى عبد الله بن أبي يعفور» بل قال «رُوي عن عبد الله بن أبي يعفور»، وهنالك كلام تبناه بعضهم -ومنهم سيدنا الأستاذ السيد الشبيري -أعلى الله مقامه- هو أن من يروي عنهم الشيخ الصدوق -قدس الله نفسه- بهذه الصيغة، بصيغة «رُوي»، لا يمكن الجزم بأن ما ذكره من السند في المشيخة يشمل تلك الرواية.
يقول: لأن هذا التعبير مشعر بالإرسال؛ فعندما قال الشيخ الصدوق: «رُوي عن عبد الله بن أبي يعفور» ولم يقل: «روى عبد الله بن أبي يعفور»، فتعبيره هذا مشعر بالإرسال، وما ذكره من الأسانيد في المشيخة هو ناظر إلى الروايات المُسندة، لا إلى الروايات المُرسلة، وبالتالي فإن هذه الرواية لا تكون مشمولة لسند الشيخ الصدوق المذكور في المشيخة، فتبقى من الروايات محتملة الإرسال التي لا نجزم بإسنادها. هذه المشكلة الأولى. المشكلة الثانية: لو أغمضنا الطرف عن هذه المشكلة وسلّمنا بشمول السند المذكور في المشيخة لهذه الروايات، فإن السند مبتلًى بوقوع أحمد بن محمد بن يحيى العطار فيه، وأحمد بن محمد بن يحيى لم يُذكر في كتب الرجال بمدح ولا بقدح، وبالتالي فحاله مجهول، ومن هنا لا يمكن الاعتماد على الرواية ولا يمكن التعبير عنها بالصحيحة. هذا ما يرتبط بالطريق الأول وهو طريق الشيخ الصدوق. وأما الطريق الثاني وهو طريق الشيخ الطوسي، فقد ذكره بهذا النحو: «محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن موسى، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن علي بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميري، عن ابن أبي يعفور». طبعًا هنا يبدو وقوع خلل في السند، كما نبّه على ذلك سيدنا الخوئي -قدس سره- في المعجم، والخلل في السند من ناحية أنه قد عُبّر عن «محمد بن موسى عن الحسن بن علي»، والصحيح هو «أحمد بن الحسن بن علي»؛ لماذا؟ لأن السند هذا قد تكرر في موارد كثيرة من الروايات يروي فيه محمد بن موسى عن أحمد بن الحسن وليس عن الحسن، فيُعلم هنا وقوع سقط في هذا السند. كيف كان؟ أكان هو الحسن أم كان هو أحمد؟ فإن المشكلة من ناحية محمد بن موسى الذي يروي عن أحمد بن الحسن، فإنه محمد بن موسى الهمداني، وهو وإن ذُكر في أسانيد كامل الزيارات، وعلى مبنى سيدنا الخوئي -قدس سره- من ورد ذكره في أسانيد كامل الزيارات فهو ثقة، ولكنه قد ضُعّف، فعورض توثيقه العام بتضعيفه الخاص، وحينئذ يُقدّم التضعيف الخاص على التوثيق العام.
إذاً، الطريقان مبتليان بمشاكل سندية، وهذه المشاكل أوجبت أن يعدل سيدنا الخوئي -قدس سره- عن التعبير عن هذه الرواية بالصحيحة، وهو ما التزم به في عدة من كتبه، ومنها تقريره الآخر «فقه الشيعة» فإنه التزم فيه بالتعبير عنها بالصحيحة، ولكنه في «التنقيح» عدل وقال: بأن هذه الرواية وإن اشتهرت بأنها صحيحة ولكنها ليست كذلك. فالكلام فعلاً في أن هذه الرواية هل يمكن عدّها من الروايات الصحيحة؟ أم أن هذه المشاكل التي عرضناها توجب التوقف في صحة هذه الرواية؟ فنتحدث أولًا عن طريق الشيخ الصدوق -أعلى الله مقامه-، ثم نتحدث عن طريق الشيخ الطوسي -قدس سره-. أما ما يرتبط بطريق الشيخ الصدوق -قدس الله نفسه-، فقد قلنا هنالك مشكلتان: المشكلة الأولى هي مشكلة «رُوي»، وهذه المشكلة بحسب الظاهر ليست بتامّة، والعجب من السيد الأستاذ -قدس الله نفسه- كيف بنى عليها -رضوان الله تعالى عليه-، طبعًا هو بنى عليها عند التعرض لرواية إسحاق بن عمار في ضمن روايات الاستصحاب مبتلات بنفس المشكلة، وهناك تعرّض لذلك على ما قررته له في «المشكات». هذه المشكلة بحسب الظاهر ليست بتامّة؛ لماذا ليست بتامّة؟ لأننا عندما نرجع إلى تعابير الشيخ الصدوق -قدس الله نفسه- التي استخدمها في المشيخة، نجد أن هذه التعابير شاملة لمجموع ما ذكره من الروايات في كتابه، سواء قد ذكرها بصيغة «روى» أم ذكرها بصيغة «رُوي»، وهذا إنما هو مجرد تفنّن في التعبير منه -أعلى الله مقامه-. لاحظوا في بداية المشيخة يقول: «محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي -رحمه الله تعالى-، كل ما كان في هذا الكتاب عن عمار بن موسى الساباطي»، وأول اسم يبدأ به المشيخة يقول: «كل ما كان في هذا الكتاب عن عمار»، ولا يفرق في ذلك بين، ومن الواضح أن هذا التعبير كما يشمل ما ذُكر عن عمار في الكتاب بصيغة «روى»، يشمل ما ذُكر في الكتاب ووُرد عنه بصيغة «رُوي»، فإن ذلك بتمام ينطبق عليه «كل ما كان في الكتاب». ثم يستمر في المشيخة إلى أن يصل إلى محل الكلام فيقول: «وما كان فيه عن عبد الله بن أبي يعفور»، ومن الواضح أن هذا التعبير «وما كان فيه عن عبد الله بن أبي يعفور» شامل لكلا التعبيرين، فكلمات الشيخ الصدوق
قدس سره في المشيخة لا تأبى الشمول، وبالتالي يُحمل هذا الاختلاف في التعبير منه بين مورد وآخر على كونه تفنّنًا في التعبير، فهذه المشكلة لا تقف أمام تصحيح السند. المشكلة الثانية: من جهة أحمد بن محمد، طبعًا هذه المشكلة مهمة؛ لماذا؟ لأن أحمد بن محمد بن يحيى العطار هو أحد مشايخ الإجازات، وكثير من الروايات -سيما التي يرويها الشيخ الصدوق -أعلى الله مقامه- هي واردة عن طريقه، وهنالك أحاديث مهمة أصلًا هي ترتكز على روايته، ومنها حديث الرفع المشهور، ولذلك فتنقيح الكلام حوله مهم. إذا كانت المشكلة من جهة أحمد بن محمد بن يحيى، فنقول بأن وجود أحمد بن محمد بن يحيى في سند من الأسانيد لا يضر باعتبار ذلك السند، بل إن توثيقه بمكان من الإنكار. فنحن لنا هنا دعويان وليست دعوة واحدة: الدعوة الأولى: هي أن وجود أحمد بن محمد بن يحيى في أحد الأسانيد لا يضر بذلك السند بغض النظر عن توثيقه. والدعوة الثانية: أن أحمد بن محمد ثقة، فوجوده في سند من الأسانيد موجب لاعتبار ذلك السند بلا ريب. فنحن نتكلم حول الدعوتين، ونحاول أن نقدّم ما يفيد في إثبات كل منهما. أما الدعوة الأولى فوجهها وجهان في الحقيقة؛ الوجه الأول: هو أن عمدة الإشكال عند المستشكلين في أحمد بن محمد بن يحيى هو عدم ذكره في شيء من كتب الرجال، فلا ذكره الطوسي ولا ذكره النجاشي ولا ذكره الكشي، ونحن نقول بأن عدم ذكره في شيء من هذه الأصول الرجالية لا يضر؛ لماذا؟ لأننا عندما نفهم فلسفة هذه الكتب وبواعث كتابتها والمنهجية التي كُتبت عليها، يندفع هذا الإشكال، وتفصيل ذلك هو أن كتاب الرجال لشيخنا الطوسي -قدس سره- كتاب لم يتم، وإنما وضع الشيخ الطوسي المسودات الأولى له على أن يعود له مرة أخرى بحسب الظاهر ولكن عمره الشريف لم يمكّنه من ذلك، والشاهد على ذلك هو أن الشيخ الطوسي -قدس سره- في موارد عديدة جدًا من كتابه الرجال قد ذكر أسماء ولم يعقّب عليها بشيء.
فلا ذكر أنه ثقة ولا ذكر أنه ضعيف، ولم يحكم عليه بشيء، وهذا عجيب؛ فإن ذكر اسم من الأسماء من غير التعقيب عليه بشيء لا وجه له، إلا أن يكون الشيخ قد كتب اسمه على أن يعود له ويعقّب ولكن عمره الشريف لم يساعده على ذلك. كذلك أيضًا، وهذا من الملفت في رجال الشيخ الطوسي -قدس سره-، أنه ذكر بعض الرواة في «من روى عنهم عليهم السلام» وذكر نفس الراوي في «من لم يروِ عنهم عليهم السلام»، مما يعني أن الكتاب لم يخضع للتنقيح وإنما كان مسوّدة، واشتغل الشيخ -قدس سره- بمشاغله الكثيرة التي يقول السيد البروجردي -أعلى الله مقامه الشريف-: لو أن مؤلفاته قد قُسّمت على عمره، لم يبقَ لكتاب الرجال من عمره إلا أيام معدودة جدًا. فإذاً عدم ورود اسمه في كتاب الرجال للشيخ الطوسي لا يدل على شيء باعتبار أن هذا الكتاب ليس كتابًا تامًا. وأما عدم ورود اسمه في رجال الكشي -رضوان الله تعالى عليه-، فلأن مبنى الشيخ الكشي في رجاله إنما هو ذكر الرجال الذين وردت فيهم رواية عن المعصوم مدحًا أو قدحًا، فكل راوٍ لم يرد فيه عن المعصوم شيء لم يتعرّض له في رجاله، فلا عجب أن لا يُذكر أحمد بن محمد بن يحيى ما دام لم يرد فيه عن المعصوم شيء. وأما بالنسبة للشيخ النجاشي -قدس سره- في رجاله، وكذلك الشيخ الطوسي -أعلى الله مقامه- في الفهرست، فلا عجب أيضًا في عدم ذكرهما لأحمد بن محمد بن يحيى؛ لماذا؟ لأن الكتابين فهرستان، قد التزم الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي فيهما بذكر من له كتاب، بذكر المصنّفين من الرواة ومن العلماء، وأحمد بن محمد بن يحيى لم يكن من المصنّفين، لم يكن له كتاب، وبما أنه ليس له كتاب فلذلك لم يُذكر في الكتابين. إذاً، فمجرد عدم ذكر راوٍ من الرواة في الأصول الرجالية لا يخدش ذلك فيه، بل لا بد من ملاحظة هذه الاعتبارات، ثم بعد ذلك يقال بأن عدم ذكره يضر به أو لا يضر به.
لا بد من ملاحظة هذه الاعتبارات، فلو كان مثلًا من المصنّفين ولم يرد ذكره في رجال الشيخ -أو في فهرست الشيخ الذي هو رجال النجاشي، وإن هو اشتهر باسم رجال النجاشي، وإن هو فهرست- لو كان من المصنّفين ولم يُذكر في هذين الكتابين فهنالك علامة استفهام تثار حول ذلك، وإلا فلا. فهذا هو الوجه الأول الذي نرتكز عليه للقول بأن عدم ذكر أحمد بن محمد بن يحيى في كتب الرجال لا يضر به. الوجه الثاني: هو أن أحمد بن محمد بن يحيى من مشايخ الإجازة، ومشايخ الإجازة -وهذه نكتة نبّه عليها القهبائي -قدس الله نفسه- واعتمدها السيد رضا السيستاني -دام تأييده- وغيره أيضًا- وهي نكتة مهمة جدًا؛ أن مشايخ الإجازة على قسمين: هنالك بعض مشايخ الإجازة من المصنّفين، وهنالك بعض مشايخ الإجازة لا تصنيف لهم. ومشايخ الإجازة الذين لهم تصنيف فمن المهم جدًا تحصيل وثاقتهم؛ لأن له كتابًا ولا يمكن الأخذ بكتابه إلا أن يكون ثقة، وإلا كيف يُعوّل على كتابه؟ ولكن القسم الآخر من مشايخ الإجازة لا تهم وثاقته، ولا يهم إثبات وثاقته، وهو الذي ليس له كتاب، وإنما هو واسطة للاتصال بكتاب من الكتب المعروفة؛ فدوره دور تشريفي ليس إلا، دوره أنه يشكّل حلقة وصل بين من يريد رواية ذلك الكتاب وبين ذلك الكتاب. وحتى يتضح المطلب أكثر نضرب على ذلك مثالًا وجدانيًا: الآن الكتب الأربعة في زماننا، لو أن واحدًا منا أراد أن تكون له إجازة رواية لتلك الكتب الشريفة، فإنه لا يحتاج لإحراز وثاقة مشايخ الإجازة الذين يتصل من خلالهم بتلك الكتب؛ لماذا؟ لأنها كتب مشهورة معلومة، فدور مشايخ الإجازة إنما هو الربط فقط وتحصيل العنعنة بينه وبين تلك الكتب ولا نحتاج إلى إثبات وثاقتهم؛ لأن ما في هذه الكتب معلوم. كذلك أيضًا في زمن المتقدمين، الأصول الأربعمائة كانت مشهورة بينهم، ودور مشايخ الإجازة إنما هو فقط تشكيل حلقة الوصل بين من يريد رواية تلك الكتب عنعنةً بأسانيد متصلة.
وبالتالي فوثاقتهم -إثبات وثاقتهم- ليس بمهم؛ دورهم دور تشريفي ليس إلا، دورهم دور ربطي بين المتقدم وبين المتأخر لكي يكون السند متصلًا معنعنًا ليس إلا. وعلى ذلك، فهب أن أحمد بن محمد بن يحيى لم تثبت وثاقته، فهذا لا يضره، لا نحتاج لإثبات وثاقته إذ إنه مجرد شيخ من مشايخ الإجازة، ونحن لا نريد الاتصال بمصنّفاته بل نريد الاتصال بالمصنّفات المشهورة في عصره، وهو مجرد واسطة سندية ليس إلا لكتب مشهورة معروفة. هذا ما يرتبط بالدعوة الأولى. وأما الدعوة الثانية، فنحن نقول بأن أحمد بن محمد -زائدًا على ما تقدم- يمكن إثبات وثاقته، وبالتالي فهو ثقة، ويمكننا هنا أن نذكر وجوهًا لإثبات وثاقته. أما الوجه الأول: فهو أنه من مشايخ الإجازة المشهورين، كما ذكرنا ذلك قبل قليل، ومن البعيد جدًا أن يكون الشخص من مشايخ الإجازات المشهورين ومعتمدًا عند الأعلام والرواة ومع ذلك لا يكون ثقة. وبعبارة أخرى نقول: عندما نرجع إلى سيرة العقلاء -وأنا هنا لا أريد أن أبني على وثاقة مشايخ الإجازة طرًا، فهذا كلام يأتي في محله إن شاء الله- ولكن أقول بأن سيرة العقلاء قائمة في جميع الفنون بلا استثناء على الرجوع إلى من عليه المعوّل ومن عليه المعتمد، وهذا لا يختلف من فن إلى آخر، ومن علم إلى آخر، ومن صنعة إلى أخرى، ومن حرفة إلى ثانية؛ في جميع الفنون إذا وجدنا أصحاب ذلك الفن وأصحاب تلك الحرفة يرجعون إلى شخص معين ويأخذون عنه فهذا يعني أنه معتمد عندهم ويُحرزون بأن ما يرد من طريقه لا كلام فيه ولا غبار عليه، ومشايخ الإجازة المشهورون من هذا القبيل، فإذا وجدنا شيخًا مشهورًا في الإجازة والأعلام والرواة يرجعون إليه ويعتمدون عليه ويستندون إليه، فإن ذلك لا يتناسب إلا مع ثبوت وثاقته عندهم، وإلا كيف حصل كل هذا الاعتماد على ما يرويه سيما من الأعلام المعروفين بالدقة والتثبّت؟ هذا وجه. الوجه الثاني الذي يمكن أن يُذكر: هو أن بعض الأعلام، وإن لم يرد فيهم توثيق ظاهر، ولكن يمكن استكشاف وثاقتهم عن طريق تلامذتهم.
وهذا من إفادات السيد البروجردي -أعلى الله مقامه الشريف- الذي هو خِرّيت هذه الصناعة. يقول: بعض الأعلام وإن لم يرد فيهم توثيق بخصوصهم، ولكن من نوع تلامذتهم يُعلم أنهم ثقات أثبات. فإذا وجدنا علمًا من الأعلام، راويًا من الرواة يروي عنه مجموعة من الرواة الذين هم تلامذة له وهؤلاء الرواة عُرفوا بالتثبّت وعُرفوا بالدقة، فيُستكشف من ذلك أن ذلك الأستاذ ثقة بلا ريب. وبالنسبة لأحمد بن محمد بن يحيى العطار، فإن له تلميذين قد رويا عنه، وكل واحد منهما يشكّل قرينة أقوى من الأخرى؛ أما الراوي الأول فهو ابن الغضائري ويكفي به تلميذًا، وأما الراوي الثاني -وهذا ينبغي أن يُؤخذ بالحسبان- فهو الشيخ الصدوق، الشيخ الصدوق بأي لحاظ؟ بلحاظ أننا إذا رجعنا إلى المشيخات نجد أنه في المشيخات قد ذكر في بداية كتابه أنه قد اعتمد فيه على الكتب التي عليها المعوّل وعليها المعتمد وأفتى على ضوئها، وبالتمحيص في المشيخة وبالتمحيص في «من لا يحضره الفقيه» نجد بأنه -قدس سره- في الفقيه قد اعتمد اعتمادًا كليًا على أحمد بن محمد بن يحيى العطار، ولا يمكن أن يكون الشيخ الصدوق قد اعتمد على العطار هذا الاعتماد الكلي رغم عدم وثاقته -رضوان الله تعالى عليه-. هذا وجه ثانٍ. الوجه الثالث: ما أفاده الشيخ التبريزي -أعلى الله مقامه الشريف- وهو أن أحمد بن محمد بن يحيى من المعاريف، أي ممن سُلّطت عليهم الأضواء، ومع ذلك لم يردنا فيه قدح ولو بقول «ضعيف»، ولو بنحو القيل، لم يرد فيه قدح. يقول الشيخ التبريزي -قدس سره-: إذا كان الرجل من المعاريف ولم يرد فيه قدح إطلاقًا، فهذه أمارة وثاقته؛ إذ أن شأن من يكون من المعاريف أن تُسلّط عليه الأضواء، فإذا كان عنده ما يوجب الخلل في وثاقته فإنه بطبيعة الحال مما يتناقل ومما يشتهر، فحين لا يشتهر عنه شيء يكون ذلك منبّهًا على استقامة حاله ووثاقته. الوجه الرابع من الوجوه التي يمكن أن يُعتمد عليها للقول بتوثيقه هو إكثار الشيخ الصدوق -رضوان الله تعالى عليه- من الترضّي عليه.
فإنه قد ذكره في عدة من كتبه، لا سيما في الفقيه، وأكثر من الترضّي عليه، والترضّي من قبل الشيخ الصدوق يدل على جلالة من يترضّى عليه؛ لماذا؟ لأننا لاحظنا بعد التتبع أن الشيخ الصدوق -قدس سره- له قسمان من المشايخ: قسم من الإمامية وقسم من غيرهم، فمن كان من غيرهم لم يترضَّ عليهم ولا في مورد واحد، بينما من كانوا من الإمامية التزم بالترضّي على العديد منهم، والتزامه بالترضّي على العديد منهم دون الترضّي على غيرهم منبّه على جلالة شأنهم. -لماذا لا يكون فقط منبّهًا على الإمامة؟- نعم، ليش ما يكون فقط دار على الإمامة؟ لأنه لم يترضَّ على جميع الإمامية منهم، بل تروّض على قسم منهم. فترضّيه على قسم من مشايخه الإمامية منبّه على أن هؤلاء يمتازون عن أولئك، ولو استخدم الترضّي للجميع أيضًا هذا كان منبّهًا على جلالتهم. -أو ممكن يكون كلام الشيخ لو كان يترضّى عليهم جميعًا لكونهم إمامية فيأتي كلام الشيخ، بس ما له قسم منهم هذا تنبيه أكبر- نعم هذا يزداد المنبه وضوحًا، بس طبعًا السيد الخوئي كأنه لا يرى هذا وضوحًا، نحن إذا كان البناء على ما يقوله السيد الخوئي من البداية نحن نتوقف في المطلب. نقاش كلام السيد الخوئي، نعم نعم هي هي المباني نفسها عند السيد الخوئي، يعني لا نقول بأنها تامة. النقاش سبق ناجح. يعني المقصود ما في وجه ممكن أنك تبع السيد الخوئي على المباني. المناقشة في أصل المبنى لا على وفق مبنى، مناقشة في أصل مبنى، مضافًا إلى ذلك، يعني بعض هذه الوجوه التي ذكرناها السيد الخوئي لم يتعرّض لها نفيًا أو إثباتًا، نعم مثل الترضّي تعرّض له، مثل شيخوخة الإجازة تعرّض له، المعاريف مثلًا، أما مبنى المعاريف لم يتعرّض له، هم تلاميذ كما ذكر وجهه، كذلك أيضًا، فبهذه الوجوه على أية حال نقول بأن طريق الشيخ الصدوق -رضوان الله تعالى عليه- لا مانع من الاعتماد عليه في تصحيح الرواية.
وأما بالنسبة إلى طريق الشيخ الطوسي -قدس سره-، فقد ذكرنا بأن الإشكال فيه من جهة محمد بن موسى الهمداني، إذ أنه قد ضُعِّف وتعارض تضعيفه مع توثيقه. إنما الكلام في وجه ضعفه، لماذا قد ضُعِّف؟ هنا ثلاثة وجوه قد ذُكرت لتضعيفه: الوجه الأول: هو وقوعه في عقد مستثنى من كتاب «نوادر الحكمة»، ومن وقع في عقد مستثنى من كتاب «نوادر الحكمة» فقد حُكم بتضعيفه، بخلاف من وقع في عقد مستثنى منه، ولكن سيدنا الخوئي -قدس سره- ردّ هذا الوجه وأفاد بأن وجه الاستثناء توهّم، بأن وجه استثنائه مبني على توهّم، وهذا التوهّم هو أنه -قدس سره- أي محمد بن موسى قد وضع أصلي زيد النرسي وزيد الزرّاد، هنالك تهمة بأنه قد وضع هذين الأصلين، وعلى ضوء هذه التهمة استُثني من كتاب «نوادر الحكمة»، لكن السيد الخوئي -قدس سره- يقول: هذا وهم، لماذا وهم؟ يقول: لأنه قد ثبت عندنا وجود طريق لهذين الأصلين لا يمر أصلًا بمن؟ بمحمد بن موسى الهمداني؛ فلو كان هو الواضع لهذين الأصلين للزم أن لا يكون هنالك طريق آخر إليهما، بينما قد صرّح الشيخ النجاشي -أعلى الله مقامه- في رجاله بوجود سند صحيح معتبر إلى هذين الأصلين لا يمر بمحمد بن موسى الهمداني. فهذا الوجه للتضعيف لا يُعوّل عليه. الوجه الثاني: ما ذكره ابن الوليد، شيخ محمد بن الحسن بن الوليد -قدس الله نفسه- من أن الرجل كان يضع الحديث، أن محمد بن موسى كان يضع الحديث. وهنا السيد الخوئي -قدس سره- قال: لا يمكن حمل كلام الشيخ ابن الوليد على خصوص تهمة وضعه لأصلي الزيدين التي ذكرناها، وإنما نأخذ بإطلاقه أنه كان يضع الحديث، وإذا كان يضع الحديث فهو ضعيف بلا ريب، ولكن هذا الذي أفاده -قدس الله نفسه- يمكن أن يُعلَّق عليه بتعليقين. التعليق الأول: هو أن هذا الكلام «أنه كان يضع الحديث» مأخوذ من كلام النجاشي -قدس سره-، وإذا رجعنا إلى عبارة النجاشي نجد أن النجاشي لم يكن مطمئنًا بذلك.
فإنه قد قال هكذا: إنه ضعّفه القميون بالغلو، وكان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث، والله أعلم. فعطفه على العبارة بقوله «والله أعلم» ظاهر في عدم الاطمئنان بما نُقل عن ابن الوليد، أو بما ذهب إليه ابن الوليد -رحمه الله-. هذا أولًا. -استظهار سيدنا الوالد- نعم. هذا الاستظهار واضح لو كانت «والله أعلم» متعلقة به نقلوه، بس متعلقة بأن ابن الوليد يقول هذا والله أعلم، عدم الجزم، الله أعلم بكونه يضع أولاده. إيه. بس النسبة لابن الوليد تكون أُثّرت، لا لا ما كلامي مو في النسبة، كلامي في عدم اطمئنانه بما كان يقوله ابن الوليد، أي مو في النسبة. ثانيًا: نحن نقول بأن ما رُدّ به سيدنا الخوئي -قدس سره- الوجه السابق للتضعيف، يصلح لرد هذا الوجه الذي هو بنى عليه؛ فهناك كما ذكر بأن منشأ الاستثناء هو اتهامه بوضع الأصلين، كذلك أيضًا نقول هنا بأن اتهامه بوضع الحديث إنما هو لهذه التهمة التي هي وضع أصل، والتمسك بالإطلاق هنا من قبل سيدنا الخوئي عجيب؛ لماذا عجيب؟ لأن السيد الخوئي -قدس سره- مبناه في الأصول على التفصيل بين ما لو شك في أن المتكلم هل هو في مقام البيان أو هو في مقام الإهمال، لو شك أنه في مقام البيان أو في مقام الإهمال هنا يتمسّك بأصالة البيان ويقال بإطلاق كلامه، وهذا التزم به -قدس سره-، ولكن لو شك أنه يعلم بأنه في مقام لو شك أنه في مقام بيان الحدود، في مقام السعة أو الضيق، فهنا السيد الخوئي قد التزم بعدم انعقاد الإطلاق، والتزم بعدم التمسك بأصالة البيان. التمسك بأصالة البيان لو دار الأمر بين كونه في مقام الإهمال أو في مقام البيان يقال الأصل هو البيان، وحينئذ يتمسك بإطلاق كلامه، وأما لو شككنا في أنه في مقام البيان من جميع الجهات أو في مقام البيان من بعض الجهات، هذا شك في الحدود في السعة والضيق، هنا لم يتمسك بأصالة البيان. ولذلك في الآية المباركة {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (المائدة: 4)، هل أنه يريد الحلية أو يريد الطهارة أيضًا؟ سيد الخوئي منعه من التمسك بالإطلاق، قال: غاية ما نثبته بهذه الآية هو الحلية، أما أنه ناظر
إلى جميع الجهات حتى الطهارة أيضًا فلا، والمقام هنا من هذا القبيل؛ فهو عندما قال: إنه كان يضع الحديث، نشك في السعة والضيق، يضع الحديث هذا ناظر إلى خصوص وضعه للأصلين أم لوضعه لغيرهما أيضًا؟ نشك في السعة والضيق، فالتمسك بأصالة البيان والإطلاق على خلاف مبناه -قدس سره الشريف-، لذلك هذه العبارة لا يمكن الاعتماد عليها في تضعيفه مع احتفافها بقرينة توجب تضييقها. الوجه الثالث: هذا وإن كان السيد الخوئي لم يذكره في «التنقيح» لكن ذكره في تقرير الشيخ عرفانيان -رحمه الله-، وهو غلوه، الذي مرّ في عبارة النجاشي «ضعّفه القميون بالغلو»، وهذا أيضًا يُردّ عليه أولًا بأن تضعيف القميين بالغلو لا عبرة به إذا كان التضعيف من القميين. أنا هذا خصوص كلامي، إذا كان التضعيف من القميين بالغلو فهذا لا عبرة به، لأن مبناهم في الغلو ليس بشيء، لأن مبناهم في الغلو ليس بشيء، أوليس من القميين ابن الوليد -رحمه الله- الذي كان يقول: إن أول درجة في الغلو هي نفي السهو عن النبي -صلى الله عليه وآله-؟ فمن مبناهم في الغلو على ذلك لا عبرة باتهامهم لشخص بالغلو، فإذًا إذا كان الاتهام من القميين فنحن في راحة، لا مشكلة هنا. ثانيًا: شيخ النجاشي -أعلى الله مقامه- في ترجمته لمحمد بن موسى الهمداني قد ذكر بأن أحد كتبه هو «كتاب الرد على الغلاة»؛ فهل يُعقل أن يكون غاليًا من له كتاب في الرد على الغلاة؟ إلا أن يكون الغلو طبقًا لمباني القميين التي هي مبانٍ قد أكل عليها الدهر وشرب كما يقول الشيخ المامقاني -أعلى الله مقام الشيخ عبد الله المامقاني-، ما كان عندهم من الغلو هو من ضروريات المذهب في زماننا هذا ما كان من عندهم من الغلو ومن ضروريات المذهب، ومن ذلك نفي السهو عن النبي -صلى الله عليه وآله-، فظهر أن محمد بن موسى الهمداني لا وجه لتضعيفه، إنما الكلام بعد هذا كله هو أنه لم يثبت توثيقه، فإن العمدة في توثيقه هو ما أفاده من وروده في «كامل الزيارات»، وهذا المبنى ليس بتام، فيبقى سند طريق الشيخ الصدوق -أعلى الله مقامه- طريقًا جيدًا، طريقًا جيدًا، وهذا يعضده والحمد لله رب العالمين.
