دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 53
وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. اللهم أكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا خزائن العلم، وأخرجنا من ظلمات الوهم، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
مناقشات السيد الخوئي لمسلك الملكات
ذكرنا بأن سيدنا الخوئي قدس سره الشريف قد ناقش ما أفاده السيد الحكيم أعلى الله مقامه بمناقشات، والكلام كان حول المناقشة السندية، وتم الكلام في ذلك. وأما المناقشة الدلالية، فهنا قبل أن نذكر هذه المناقشة ننبه على أن ما أفاده سيدنا الخوئي قدس سره إنما هو عبارة عن بلورة لما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري رضوان الله تعالى عليه في رسالة العدالة، فليس ما جاء به صاحب المستمسكة مطلباً تأسيسياً له قدس سره، وإنما هو مستفاد من كلمات الشيخ الأعظم قدس سره. ولذلك، فإن بعض هذه المناقشات التي أفادها سيدنا الخوئي هي ناظرة لكلمات الشيخ قدس سره، وبعض هذه المناقشات تتوجه لكلمات الشيخ وتتوجه لكلمات السيد الحكيم قدس سرهما معاً.
كيف كان، فإننا من مجموع تقريرين قدس الله نفسه في مباحث الاجتهاد والتقليد ننتزع أربعاً من المناقشات. والمناقشة الأولى التي تفضل بها قدس سره هي أن أصحاب هذا المسلك -مسلك الملكات- قالوا بأن سؤال السائل في الرواية: بما تعرف عدالة الرجل؟ إنما هو سؤال عن التعريف المنطقي، عن المعرّف المنطقي، وليس سؤالاً عن المعرّف الأصولي والمعرّف اللغوي. وهذا لا يمكن المصير إليه؛ لأن المعرّف المنطقي إنما هو اصطلاح حادث اصطلحه المناطقة، ولا ينبغي حمل الرواية عليه. ولكي يتضح الكلام في هذه المناقشة، أنا أولاً أبداً بقراءة شيء من كلمات الشيخ الأعظم قدس سره ثم أبين المقصود ثم نرجع إلى المناقشة مرة أخرى.
الشيخ الأعظم قال: (ودعوى أن ظاهر السؤال وقوعه عن الأمارة المعرّفة للعدالة بعد معرفة مفهومها تفصيلاً، والصفات المذكورة ليست أمارات، بل هي على هذا القول عينها، عين العدالة، فيدور الأمر بين حمل السؤال على وقوعه عن المعرّف المنطقي لمفهومها بعد العلم إجمالاً -إلى أن يقول:- نعم، وهو خلاف ظاهر السؤال، وبين خلاف ظاهر آخر، وهو حمل الصفات المذكورة على مجرد ملكاتها). ثم بعد ذلك هو يقول في مقام التعليق على هذا الكلام: أولاً ببعد إرادة مجرد الملكة من الصفات المذكورة، بخلاف إرادة المعرّف المنطقي الشارح لمفهوم العدالة
إلى آخر كلماته.
المعرّف المنطقي، اللغوي، والأصولي
وهنا لأجل أن نوضح المقصود، نقول بأن المعرّف في كلماتهم تارةً يريدون به المعرّف المنطقي، وتارةً يريدون به المعرّف اللغوي، وتارةً يريدون به المعرّف الأصولي.
في كلمات الفقهاء شيخنا؟ في كلمات الفقهاء نعم. والفرق بين هذه المعرّفات الثلاثة هو أن المعرّف اللغوي هو مجرد تعريف لفظ بلفظ آخر، كما يقال: (السعدانة نبت)، فعرفت السعدان بأنها نبت، استبدل لفظ بلفظ آخر ليس إلا، شأن اللغوي هو النظر إلى الألفاظ، ولذلك فإن تعريفه يكون بهذا اللحاظ لما هو ناظر إليه. وأما التعريف المنطقي فهو ناظر إلى الماهيات، ناظر إلى الحقائق، فيعرف الماهيات إما بالحد التام أو بالحد الناقص أو بالرسم التام أو بالرسم الناقص على ما هو مفصل في محله.
وأما المعرّف الأصولي، فهناك تشويش في كلماتهم في بيان حقيقة المعرّف الأصولي، والذي يظهر من كلمات سيدنا الخوئي قدس سره أن المعرّف الأصولي هو نفسه المعرّف اللغوي، ليس شيئاً آخر، فهو (شرح الاسم) كما يقولون، شرح الاسم. بينما الذي يظهر من كلمات آخرين أن المعرّف الأصولي هو بيان ما ينطبق عليه الاسم في الخارج، ما ينطبق عليه الاسم في الخارج؛ فالأصولي بما أنه يلحظ الموضوعات التي ترتبط بالأحكام الشرعية ويحاول أن تنقح تلك الموضوعات المرتبطة بالأدلة، فهو يلحظ الموضوعات الخارجية ويعرّف الألفاظ الواردة في لسان الأدلة طبقاً لما هو موجود في الخارج، طبقاً لما هو موجود في الخارج.
فإن قلت: إذاً ما هو الفرق بين المعرّف المنطقي وبين المعرّف الأصولي؟ قلنا بأن عمل المنطقي يدور في حدود المقولات العشر، فما كان من المقولات له ماهية يهتم المنطقي بتعريفه، وأما عمل الأصولي فلا يقتصر على ما يكون من المقولات، بل حتى ما يكون خارج المقولات كالأمور الاعتبارية، فانه محل نظر الأصولي أيضاً، فإنه محل نظر الأصولي. إذاً فالمعرّف الأصولي ربما يلتقي مع المعرّف اللغوي وربما يلتقي مع المعرّف المنطقي وربما يختلف عنهما؛ فالمعرّف الأصولي بيان لما ينطبق عليه العنوان في الخارج، بيان لما ينطبق عليه الاسم في الخارج، كان هذا البيان يستلزم الجنس والفاصل أو لم يكن يستلزم ذلك ولو بمجرد استبدال الألفاظ.
بعد هذه المقدمة، نقول بأن السيد الخوئي قدس سره قد فهم من كلام الشيخ الأنصاري -وهوه صريح صريح كما قرأنا بعض المقاطع من كلماته- قد فهم من كلام الشيخ الأنصاري بأنه قد حمل (بما تعرف عدالة الرجل) حمل هذا السؤال على المعرّف المنطقي وكأنه سأل هكذا: بم تعرف عدالة الرجل؟ لا، بم تعرف عدالة الرجل، بم تعرف عدالة الرجل؟ يعني ما هو التعريف الماهوي للعدالة؟ ما هو التعريف الماهوي للعدالة؟ ولذلك حمل الشيخ الأعظم صدر الرواية على ماذا؟ على أنها بيان لمفهوم العدالة: (أن تعرفوه بالستر والعفاف)، وانتهى من ذلك إلى أن العدالة ملكة باعثة على الاجتناب.
فتعليق السيد الخوئي قدس سره ومناقشته هي أن المعرّف المنطقي اصطلاح حادث، وإذا كان اصطلاحاً حادثاً فلا ينبغي حمل الرواية عليه. والذي نعلقه على كلماته قدس سره الشريف هو أن المعرّف المنطقي ليس اصطلاحاً حادثاً، بل هو اصطلاح متجذر قديم، غايته أن حمل الرواية الشريفة على الاصطلاح المنطقي يحتاج إلى دليل؛ يعني بعبارة أخرى: حمل الرواية على المعرّف المنطقي إنما هو إسقاط لاصطلاح علمي على لفظ حديثي عرفي، وهذا الإسقاط بحاجة إلى إثبات، بحاجة إلى إثبات.
فلو أن السيد الخوئي قدس سره صاغ المناقشة -ولعل هذا هو المقصود- لو أنه صاغ المناقشة بهذه الصياغة لكان ذلك أدل على المطلوب. وهذا ليس بتام، يعني حمل الرواية على المعرّف المنطقي ليس بتام لما ذكرناه، ولما بدأ به الإمام عليه السلام الجواب، فإن الإمام في مقام الجواب ماذا قال؟ (أن تعرفوه بالستر والعفاف)، والحال أن السؤال لو كان على المعرّف المنطقي لاختلف الجواب، فقال الإمام عليه السلام: هي الستر والعفاف، بما تعرف عدالة الرجل؟ يقول الإمام: هي الستر والعفاف هكذا، أما (أن تعرفوه بالستر والعفاف) فهذا لا يتناسب مع كون السؤال عن المعرّف المنطقي.
إذاً أولاً: هذا إسقاط لاصطلاح من الاصطلاحات العلمية، وهذا من المشاكل الفكرية الخطيرة جداً؛ إسقاط اصطلاحات العلوم على ألفاظ الروايات والأحاديث الشريفة، فهذا إسقاط لا دليل عليه. وثانياً: لا يتناسب ذلك مع صدر جواب الإمام صلوات الله وسلامه عليه. أواضح هذا؟
المناقشة الثانية التي أفادها أعلى الله مقامه الشريف هي أن الستر والعفاف ليسا من الصفات النفسية. وقبل أن أشرع في هذه المناقشة، أحب أن أعلّق على ما ذكرته في التعليق الأخير في التعليق السابق على المناقشة المتقدمة، من أن هذه المناقشة لو تمت فإنها إنما تتجه لكلمات الشيخ الأنصاري قدس سره ولكنها لا تتجه لكلمات السيد الحكيم أعلى الله مقامه.
فالسيد الحكيم، وإن اتفق مع الشيخ الأعظم في المضمون، في المحتوى، أي في حمل السؤال على كونه سؤالاً عن المفهوم، ولكنه تجاوز الصياغة التي التزم بها الشيخ الأعظم قدس الله نفسه، ولذلك لجأ إلى جعل الجواب قرينة على السؤال، لجأ إلى جعل الجواب قرينة على السؤال، فهو تجاوز مشكلة الصياغة وإن التزم بالمضمون نفسه بقرينة الجواب، فاعتبر أن هذا السؤال: (بم تعرف عدالة الرجل؟) سؤال عن المفهوم لأجل قرينة الجواب ليس إلا.
فالمناقشة متجهة لمثل كلمات الشيخ الأعظم، ولكنها ليست متجهة لكلمات السيد الحكيم قدس سره الشريف، باعتبار أن السيد قدم الجواب. باعتبار أن السيد الحكيم لم يقل بأن هذا السؤال سؤال عن المعرّف المنطقي. بعبارة أخرى -شوفوا شيخنا-: بم تعرف عدالة الرجل؟ الشيخ الأعظم من البداية قال: لفظ السؤال بم تعرف عدالة الرجل؟ هنا استخدم الإمام عليه السلام صيغة مفردة المعرفة بصيغة التفعيل، بصيغة التفعيل، هو الشيخ الأعظم هكذا التزم من البداية بصيغة التفعيل (بم تعرف؟). هذا السائل، السائل عفواً، السائل فالسائل استخدم مفردة المعرفة بنحو المبني للمجهول بصيغة التفعيل في إشارة إلى أن السائل قد التزم بالاصطلاح المنطقي، فهو يقول: ما هو تعريف العدالة؟ فهو يقول: ما هو تعريف العدالة؟
السيد الخوئي قدس الله نفسه قال: هذا إسقاط -بحسب صياغتنا لمناقشته- هذا إسقاط لاصطلاح منطقي على لفظ حديثي بلا دليل. والشيخ السيد الحكيم قدس سره لم يقل بأن هذا تعريف منطقي، وإنما قال بأن هذا سؤال عن المفهوم بقرينة جواب الإمام صلوات الله وسلامه عليه، ولم يدّعِ أن السائل قد استخدم الاصطلاح المنطقي، لم يدّعِ أنه، بل قد لا يكون السائل ملتفتاً لذلك أصلاً، وإنما هو يريد أن يسأل عن حقيقة العدالة
وهذا ما نفهمه من جواب الإمام صلوات الله وسلامه عليه. فالفرق بين الشيخ الأعظم وبين السيد الحكيم، أنهما معاً -وإن التزما بأن السؤال عن المفهوم- ولكن الشيخ الأعظم أضاف إلى ذلك أن السائل استخدم اصطلاحاً منطقياً للتعبير عن سؤاله، للتعبير عن مقصوده، وهذا ما ركز عليه السيد الحكيم -السيد الخوئي- في مقام المناقشة. نعم هذا هو. صار واضحاً؟ واضح سيدنا، مناقشة السيد الخوئي في الأصل هي موجهة للسيد الحكيم بدون الإشارة إلى الشيخ الأنصاري. قلت لكم: هما هو ما أفاده السيد الحكيم مستخلص من كلمات الشيخ الأعظم قدس سره، والشيخ والأعلام إذا وجدوا الأساس نظروا إليه، نظروا إليه.
السيد الخوئي أعلى الله مقامه بحسب ما لاحظناه -يعني في أبحاثه الشريفة الفقهية- أول نظرة للسيد الحكيم، أول نظرة في مباحثه كلها إلى المستمسك، ومن المستمسك ينطلق إلى غيره في مثلاً كالجواهر أو مصباح الفقيه للهمداني هذا كثير. فعلى أي حال، لذلك أنا من البداية أقول بأن هذه المناقشة -وإن لم يكن من الواضح أنها موجهة للسيد الحكيم وإنما هي موجهة للشيخ الأعظم قدس سره- لذا لزم التنويه بما ذكرناه، لزم التنويه بما ذكرناه حتى لا يقال لعل السيد الخوئي أصلاً غير ناظر للسيد الحكيم.
المناقشة الثانية: الستر والعفاف ليسا من الصفات النفسية
المناقشة الثانية التي أفادها هي أن الستر والعفاف ليسا من الصفات النفسية؛ فإن عمدة استدلال الشيخ الأعظم، وكذلك أيضاً محقق النائيني رضوان الله تعالى عليه والسيد الحكيم على أن العدالة ملكة، عمدة الاستدلال استظهار أن المراد من الستر هنا والعفاف أنهما من هذا، أنهما من سنخ الملكات، بينما كف البطن والفرج من سنخ الأفعال، وهذا ما أفضى بهما إلى التعريف الذي ذكرنا.
السيد الخوئي أعلى الله مقامه الشريف قال: هذا أول الكلام، أول الكلام أن المراد من العفاف والستر هنا ما هما من سنخ الأفعال لا الملكات، بل هما من سنخ الأفعال. فقال: أما الستر فالمراد به ستر الذنوب، وستر الذنوب بلا ريب هو ماذا؟ فعل من الأفعال، فلا ربط له بالملكات بحيث يحمل الستر على الحياء كما جاء في كلماتهم والحياء صفة نفسانية راسخة فيكون ملكة. كذلك أيضاً بالنسبة إلى العفاف، قال: المراد من العفاف في أحد تقريريه هو حفظ النفس عن المعاصي، المراد من العفاف حفظ النفس عن المعاصي، وحفظ النفس
عن المعاصي فعل من الأفعال، ولذلك اعتبر بأن الفقرة اللاحقة وهي (كف البطن والفرج) قال: هذا من عطف التفسير، من عطف التفسير للعفاف. وفي التقرير الآخر عبر عن العفاف بأنه الامتناع عما لا يحل، والجواب هو الكلام، هو الكلام، يعني حفظ النفس عن المعاصي والامتناع عما لا يحل بمعنى واحد، اختلف التعبير ليس إلا، وكلا المعنيين فعل من الأفعال.
ويضيف إلى ذلك قدس الله نفسه الزكية بأن القول بأن العفاف صفة من صفات الناس وملكة من الملكات ما هو إلا اصطلاح اصطلحه علماء الأخلاق فذكروا بأن العفاف صفة من صفات الناس، وإلا فإننا إذا رجعنا إلى الروايات النصوص الشريفة، وكذلك إذا رجعنا إلى كلمات اللغويين نجد بأن الستر والعفاف معاً يفسران على أنهما فعل من الأفعال. فإذا ثبت ذلك يسقط هذا المبنى من أساسه؛ لأن هذا المبنى يبتني على تفسير العفاف والستر بالملكتين، فإذا أثبتنا أنهما فعلان فلا يبقى عندنا ما يدل على أن العدالة ملكة.
هذا ملخص ما أفاده في المناقشة الثانية، ولعل هنا شيئاً أيضاً يجدر أن نشير إليه في كلماته قدس سره، وهو بمثابة الاستدراك الدفعي، قال: لو قال قائل بأن هذه الملكات -بأن هذه الأفعال التي هي عبارة عن العفاف وعبارة عن الستر- إنما تكون وليدة مبادئ في النفس، ومن غير هذه المبادئ لا يمكن أن تتحقق، إن قال قائل بذلك فنقول: بأن هذا لا يصيرهما من الملكات، فإن الأكل والشرب أيضاً يتولدان عن مبادئ في داخل النفس، ومع ذلك لم يتصور أحد أن الأكل والشرب ماذا من الملكات، فالكلام في هذين الفعلين هو الكلام في ذينك بلا فرق. هذا ملخص ما أفاده في المناقشة الثانية.
وتعقيباً على ما أفاده أعلى الله مقامه، نقول: ينبغي التفصيل ابتداءً هكذا نقول، وبعد ذلك أيضاً لعلنا نعقب على هذا بتعقيب يوضح شيئاً يرتبط به. ابتداءً نقول: ينبغي التفصيل بين الستر والأفعال؛ فإن الستر وإن كان ظاهراً في كونه من الأفعال، وهذا أشرنا إليه من البداية من الدرس الأول، فإن الستر وإن كان ظاهراً في كونه من الأفعال إلا أن لفظ العفاف لا ظهور له في ذلك، وما أفاده أعلى الله مقامه الشريف من أن هذا اللفظ يستخدم في النصوص الشريفة فيما يكون من
الأفعال بمعنى حفظ النفس عما لا يليق، عن المعاصي، عما لا يحلو، هذا ليس بمقبول، بل نقول: بأن لفظ العفاف في النصوص الشريفة كما استخدم في موارد الأفعال، استخدم في موارد الملكات؛ فمثلاً قوله تبارك وتعالى: وأن يستعففن خير لهن [النور: 60]، هذا واضح أنه استخدام لفظ العفاف فيما هو من سنخ الأفعال: وأن يستعففن خير لهن. ولكن قول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (ثمرة العفة الصيانة)، بعيد عن كونه من الأفعال، بعيد عن كون العفة من الأفعال، بل هو ناظر إلى العفة التي تكون من الملكات، لماذا؟ لأنه صور لنا وجود ثمرة ووجود ذي الثمرة فقال بأن الثمرة هي الصيانة التي هي عبارة عن ماذا؟ الاجتناب عما لا يحل، الصيانة صيانة النفس عن المعاصي، تجنيب النفس عن المعاصي هذه ثمرة العفة لا أنها هي ماذا؟ لا أنها هي نفس العفة.
فلو قلنا بأن العفة فعل من الأفعال، للزم أن تكون الثمرة وذو الثمرة شيئاً واحداً، والحال أن الفعل الذي هو عبارة عن الصيانة والاجتناب عما لا يحلو ثمرة للعفة، مما يعني أن العفة ماذا؟ ليست فعلاً من الأفعال، وإنما هي صفة نفسانية باعثة على الاجتناب والصيانة. فهذه الرواية الشريفة ومثلها روايات أخرى لا ظهور لها في كون العفاف من الأفعال، وإنما هي أظهر بل ظاهرة في كون العفاف والعفة من الملكات والصفات النفسانية المنتجة لآثار خارجية.
وعلى ذلك، فدعواه قدس الله نفسه بأن لفظ العفاف ظاهر في ماذا؟ في الأفعال، هذه الدعوى ليست بتامة، بل لفظ العفاف كما يستخدم في الأفعال يستخدم أيضاً ماذا؟ في الصفات والملكات، فيبقى حينئذٍ أن هذا اللفظ هنا يراد به العفاف الذي يكون من سنخ الأفعال أو يراد به العفاف الذي يكون من سنخ الملكات.
فنستعيد القرينة التي ذكرناها في أول الأمر، وهي قرينة تعبير الإمام صلوات الله وسلامه عليه: (أن تعرفوه)، فإن هذا التعبير ظاهر عرفاً في ماذا؟ في كون العفاف ملكة راسخة مستدامة مستمرة بحيث يُعرف عن الرجل ذلك، كما يقال مثلاً: عرفت زيداَ بالزهد، عرفت زيداً بالحياطة، عرفت زيداً بحسن الخلق، هذا لا يكون بفعل يصدر منه مرة أو مرتين أو ثلاث، بل إنما يصدق هذا التعبير فيما لو كان منه الحلم ملكة راسخة ثابتة، وكذلك أيضاً
هنا: (أن تعرفوه بالستر والعفاف)، أي أن يكون العفاف عنده ماذا؟ ملكة راسخة ثابتة مستمرة. فهذه قرينة على أن العفاف هاهنا ليس من سنخ الأفعال، وإنما هو من سنخ الملكات.
وإن استشكلت في ذلك أو أبيت عن ذلك، فنقول: بأن العفاف هاهنا حتى لو حملناه على كونه من الأفعال، ولكن ليس مطلق العفاف الفعلي، وإنما هو العفاف المنبعث عن ملكة بقرينة ماذا؟ بقرينة (أن تعرفوه)، فهو العفاف الفعلي المنبعث عن ملكة راسخة. ومن هنا يأتي ما عندهم من كلام في أن العدالة هل هي الملكة الباعثة على الاجتناب أو أن العدالة الاجتناب المنبعث عن ملكة؟ من حيث المحصّلة لا فرق بين الأمرين، فإن نتيجتهما أن العدالة أشبه -لا أقول هي كذلك وإنما أقول أشبه- بالشيء المركب من ماذا؟ ملكات من ملكات وأفعال، سواء عبرنا بأن العدالة ملكة باعثة على الاجتناب أو عبرنا بأن العدالة اجتناب منبعث عن الملكة، النتيجة واحدة.
فهنا بقرينة (أن تعرفوه) إن لم نستظهر أن العفاف من سنخ الملكات، فلا أقل نحن نستظهر بأن ماذا؟ هذا العفاف الفعلي منبعث عن ملكة، منبعث عن ملكة. فإذا اتضح الكلام في العفاف بما ذكرناه، فالكلام في الستر هو نفسه الكلام، على أن لفظ الستر أيضاً -وهذا مما ينبغي التنبه له- على أن لفظ الستر قد استخدم في كلمات اللغويين بمعنى الحياء، لا أن هذا من الاصطلاحات الحادثة، نفس لفظ الستر قد استخدم في كلمات اللغويين بمعنى الحياء، بمعنى الصفة النفسية، ولذلك عندهم كلمة مشهورة: (ما له ستر ولا حجر)، أي لا حياء له ولا عاقل! هذه كلمة عربية يرددها العرب على ألسنتهم: (ما له ستر ولا حجر) أي لا حياء له ولا عقل له.
فتلخص من جميع ما ذكرناه بأن ما أفاده قدس سره من أن الحياء، عفواً، من أن العفاف والستر من الأفعال وليس من الملكات ليس بتام.
المناقشة الثالثة: الحمل على المعرّف المنطقي والخروج عن ظهور السؤال
المناقشة الثالثة التي أفادها هي أن الحمل على المعرّف المنطقي خلاف ظاهر السؤال، والخروج عن ظهور السؤال بظهور الجواب غير صحيح.
الخروج عن ظهور السؤال بظهور الجواب غير صحيح. وهذه المناقشة بهذا المقدار لا كلام فيها، ونحن ذكرناها سابقاً. وقلنا سابقاً بأنه إذا تتذكرون في مقام التعليق على كلام السيد الحكيم، بأن حمل الفقرة الأولى من الصحيحة على أنها بصدد بيان المفهوم لا يوجب رفع اليد عن ماذا؟ عن ظهور السؤال في كونه سؤالاً عن الطريق، الذي هو بحسب تعبيرات سيدنا الخوئي قدس سره سؤال عن المعرّف اللغوي، سؤال عن المعرّف الأصولي.
لا يوجب ذلك، لماذا؟ لاننا -كما ذكر سيدنا الحكيم قدس سره- يمكن أن نقول بأن السؤال كان عن المعرّف اللغوي، عن المعرّف الأصولي، أي عن الطريق والأمارات، كما هو ظاهر من صياغة (بما تعرف)، ولكن الإمام تفضلاً منه أجاب أولاً ماذا؟ ببيان المفهوم، فأجاب أولاً ببيان المفهوم فلا موجب لرفع اليد عن ظهور السؤال -هذا ذكرناه سابقاً-.
ولكن الذي ينبغي ذكره هاهنا هو أن السيد السيستاني دام ظله قال: إذا اعترفتم بأن السؤال ظاهر في كونه سؤالاً عن المعرّف اللغوي، أو -بحسب تعبير سيدنا الخوئي- في كونه سؤالاً عن المعرّف الأصولي، إذا اعترفتم بذلك فينبغي الاعتراف أيضاً بأن جواب الإمام صلوات الله وسلامه عليه جواب عن ماذا؟ عن المعرّف الأصولي، عن المعرّف الأصولي أو اللغوي، لماذا؟ لضرورة التطابق بينهم، لضرورة التطابق بين السؤال وبين الجواب. فما دام السؤال سؤالاً عن المعرّف اللغوي إذاً فالجواب جواب عن ذلك، وبالتالي فقول الإمام عليه السلام: (أن تعرفوه بالستر) ليس بياناً لحقيقة العدالة وإنما هو بيان لطريق العدالة.
نعم، لغوي يعني؟ أحسنت، معرف لغوي أو معرف أصولي. وهذا الذي ذكره سيدنا الحكيم قدس، سيدنا السيستاني دام ظله، جوابه ما ذكرناه قبل قليل، من أن نفس أصحاب هذا المسلك ومنهم السيد الحكيم -كما قرأنا كلماته سابقاً- قد صرحوا بأن السؤال حتى وإن كان عن المعرّف اللغوي فإن الإمام قد أجاب عن هذا السؤال غايته أنه وسع الإجابة، فلم يكتفِ في مقام جوابه بالمعرّف اللغوي بل ضم إليه أيضاً ماذا؟ المعرّف المنطقي، فما خرجنا عن القاعدة وهي ضرورة التطابق بين السؤال وبين الجواب، تحفظنا على القاعدة من ناحية والتزمنا من ناحية أخرى بوجود بيان تفضلي
تفضلي من الإمام عليه السلام أوضح فيه مفهوم العدالة، فهذا الإيراد منه دام ظله الشريف لا يكون وارداً عليهم. واضح هذا شيخنا؟ ما أنا شايف المطابقه! وين المطابقة؟ مطابقة باعتبار أن الإمام عليه السلام أجاب بأمرين: الصدر والذيل، والذيل كان مطابقاً لمراد السائل على فرض أن السؤال سؤال عن المعرّف اللغوي، وأما الصدر فهو بيان تفضلي منه.
المناقشة الرابعة: المعروفية ومفهوم العدالة
وأما المناقشة الرابعة فهي -وهذه مناقشة مهمة- المناقشة الرابعة قال سيدنا الخوئي قدس سره بأن المعرّف مما يصح حمله على ماذا؟ عفواً، بأن المعرّف مما يصح حمله على المعرَّف، فعندما تقول (الإنسان) في مقام التعريف (حيوان ناطق)، فإن الحيوان الناطق وهو المعرَّف مما يصح حمله على المعرَّف على الإنسان، تقول: الإنسان حيوان ناطق.
وعلى ضوء هذه الضابطة، نقول بأن ما جاء في صدر الرواية لا يمكن أن يكون ماذا؟ تعريفا، لماذا لا يمكن أن يكون تعريفا للعدالة؟ لأن الإمام عليه السلام قد بدأ صدر الرواية بقوله: (أن تعرفوه بالستر والعفاف)، و(أن تعرفوه بالستر والعفاف) إذا اعتبرنا هذه معرفة للعدالة، فتكون العدالة ما هي؟ المعروفية بالستر والعفاف! ما هي العدالة؟ نقول: العدالة هي المعروفية بالستر والعفاف! ومن الواضح أن هذا مما لا يصلح، لماذا؟ لأن العدالة هي نفس الستر والعفاف، حتى عند من قالوا بأن العدالة هي الملكة ملكة الاجتناب، يرون أن العدالة هي نفس الستر والعفاف، متى ما تحقق الستر والعفاف كان المرء ماذا؟ عادلاً، عُرِفَ بذلك أم لم يُعْرَف بذلك، كما أنه لو عُرِف بالستر والعفاف، إلا أنه في الواقع ماذا لم يكن ستّاراً ولا عفيفاً، فلا تكون له عدالة، مما يعني أن المعروفية لا قيمة لها، ليست دخيلة في مفهوم الماهيات، ليست دخيلة في المفهوم والماهيات.
والحال أننا إذا اعتبرنا أن صدر الرواية تعريف، فإنها تكون ماذا؟ دخيلة في الماهيات، ولذا يصح الحمل حملها على العدالة في مقام التعريف، فنقول: العدالة هي المعروفية بالستر والعفاف، والحال أن ذلك مما لا يصح بل لم يلتزم به أحدُهم.
والجواب عن هذه المناقشة التي أفادها قدس سره أولاً وثانياً:
أما أولاً، فنقول بأن هاهنا قرينة خارجية، هذه القرينة الخارجية تمنع من دخالة المعروفية في مفهوم العدالة. وهذه القرينة الخارجية هي ماذا؟ هذه القرينة الخارجية هي أن العدالة تعود للعادل لا لمعرفته، تعود للعادل صفة تعود للعادل، بينما المعروفية تعود لعارفيه لا أنها تعود له. فكيفما يكون، فكيفما يعود لغيره يكون مقوماً لصفة من صفاته؟ هذا لا يمكن، وبالتالي فهذه قرينة خارجية مانعة من القول بأن فقرة (أن تعرفوه)، بأن جملة (أن تعرفوه) ماذا؟ داخلة في مفهوم العدالة، حتى عند من التزم بأن هذه بأن صدر الرواية تعريف للعدالة، يقول من المقطوع به أن هذه الجملة ليست داخلة ضمن المفهوم للقرينة الخارجية، فلا يصح الاستشكال عليهم بما لا يلتزم به أحدُهم. هذا أولاً.
ثانياً: هذه التعبيرات (العلم، المعرفة، البيان) وما شاكلها -ولعلنا ذكرنا ذلك في درس المصباح عند التعرض للآيات التي استدل بها على حجية الخبر- هذه الألفاظ بطبيعتها ظاهرة غالباً في الطريقية وليست في الموضوعية، وإذا كانت ظاهرة في الطريقية وليست في الموضوعية، إذاً هذا التعبير (أن تعرفوه) ليس مأخوذاً على نحو الموضوعية حتى يقال بدخالته في مفهوم العدالة، وإنما هو مأخوذ على نحو طريقي، أي أن العدالة هي ماذا؟ هي الستر والعفاف، وإنما المعروفية ماذا؟ طريق لإحرازها، المعروفية طريق إحرازها، فإن (تعرفوه) هذه الفقرة ظاهرة في الطريقية وليست في الموضوعية، وإذا كانت ليست ظاهرة في الموضوعية نعلم من ذلك بأن مفهوم العدالة ماذا؟ عبارة عن الستر والعفاف.
تحقق الستر والعفاف فالعدالة متحققة، كانت هنالك معروفية التي هي طريق إليها أم لم تكن، وإن لم تتحقق فلا عدالة في البيت، وإن كان الطريق إلى الستر والعفاف متحققاً فلا عبرة بالطريق ما لم يكن ذو الطريق متحققاً. إذاً فهذا التعبير إذا حملناه على الطريقية كما هو الظاهر فيه غالباً، فهذه المناقشة لا تكون واردة بالنسبة لهؤلاء.
فإذاً هاهنا نصل بأن المناقشات التي تفضل بها سيدنا الخوئي قدس سره ليست واردة على أصحاب هذا المسلك، ويبقى ما ذكرناه من ظهور الصدر في كونه بياناً للمفهوم على ما هو عليه، وبذا ننتهي إلى أن هذه الصحيحة من الأدلة التي يمكن الاستناد إليها لإثبات مسلك أن العدالة ملكة باعثة على الاجتناب، وبهذا يتم الكلام حول المرحلة الأولى والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على نبينا محمد وآل محمد، يا رسول الله إياكم إن شاء الله.
