دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 54
وعلى أعدائه أجمعين أبد الآبدين. اللهم أكرمنا بنور الفهم وافتح علينا خزائن العلم وأخرجنا من ظلمات الوهم بحق محمد وآله الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين. اللهم صل على محمد وآل محمد. المحطة الثانية من محطات البحث: مناقشة المسالك الأخرى في تفسير حقيقة العدالة، وأول هذه المسالك التي توقف عندها سيد المستمسك (قدس سره) هو المسلك المنسوب للمحقق ابن إدريس الحلي (قدس سره)، وهو عبارة عن أن العدالة هي ترك المعاصي أو اجتناب المعاصي، أو على صياغة أخرى: ترك خصوص الكبائر من المعاصي، فالعدالة هي اجتناب المعاصي وتركها، أو ترك خصوص الكبائر منها. هذا المسلك الذي نُسب لابن إدريس (قدس سره)، وكذلك أشار السيد الحكيم (قدس الله نفسه) إلى أن هذا المسلك هو المسلك الأشهر، كما صرح بذلك صاحب الكفاية السبزواري (على الله مقامه) إذ قال: "والأقرب الأشهر في معنى العدالة ألا يكون مرتكباً للكبائر ولا مصراً على الصغائر". وفي البحار أيضاً نُسب هذا المسلك إلى الأشهر. وعلى أية حال، من أراد أن يطلع على كلمات أصحاب هذا المسلك فليرجع إلى رسالة العدالة للشيخ الأعظم (قدس سره)، فإنه جمع فيها كلمات القوم ولسنا بحاجة للوقوف عندها الآن. والمهم هو الكلام في كيفية مناقشة هذا المسلك؛ فبعد أن تبنى الشيخ أن العدالة هي ملكة باعثة على الاجتناب، بأي نحو يناقش مسلك اجتناب المعاصي وترك المعاصي؟ فأفاد بأن نفس الصحيحة، وهي صحيحة ابن أبي يعفور، يستفاد منها نفي المسالك الأخرى؛ إذ أنها قد أثبتت بأن العدالة ملكة على ما بيّناه سابقاً، ومن ذلك يتضح أن جميع ما قيل على خلاف ما بينته هذه الصحيحة فهو ساقط عن الاعتبار. وبعبارة أخرى، الصحيحة لها مدلولان: مدلول إثباتي إيجابي وهو أن العدالة ملكة، ومدلول سلبي وهو أنها ليست فعلاً وليست مجرد ترك. ثم إن السيد الحكيم (قدس الله نفسه الزكية) قال بأن هذا المسلك -وهو مسلك الحلي (رضوان الله تعالى عليه)- قد مال إليه الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)، وبما أن الشيخ الأعظم قد حاول أن يستدل عليه، فلزم الوقوف عند كلامه لنرى هل يمكن إثبات هذا المسلك من خلال دليل أم لا.
وهنا يجدر التنبيه إلى أن الشيخ الأعظم (قدس سره) في رسالة العدالة قد بنى على أن العدالة ملكة على ما بيّناه سابقاً، ولكنه في مبحث صلاة الجماعة من كتاب الصلاة قد بنى على أن العدالة هي اجتناب الكبائر واجتناب المعاصي. والمهم أنه قد استفاد ذلك من نفس صحيحة ابن أبي يعفور التي نحن استدللنا بها على أن العدالة ملكة، هو استدل بها على أن العدالة اجتناب المعاصي، وذلك عملاً منه بظاهر السؤال؛ فقال إن ظاهر السؤال "بم تُعرف عدالة الرجل؟" ظاهره سؤال عن الأمارات، سؤال عن الطريق. وبما أن الجواب مطابق للسؤال؛ فإذاً جواب الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) ليس بياناً لحقيقة العدالة على ما مرّ سابقاً، وإنما هو بيان للطريق، أن تعرفوه بالستر والعفاف. هذا كله بيان للطريق. لا بأس أن أقف عند عبارة الشيخ ثم بعد ذلك أكمل، قال (قدس سره) في كتاب الصلاة المجلد الثاني صفحة 259: "بقي هنا شيء، وهو أن غاية ما دل عليه صحيح ابن أبي يعفور هو أن معرفة الشخص بهذه الصفات -الستر، العفاف، كف الباطن- موجب لمعرفة عدالته، هذه طرق، موجب لمعرفة عدالته، كما يرشد إليه قوله عليه السلام بعد قول السائل بم تُعرف عدالة الرجل؟ قال عليه السلام: "أن تعرفوه بالستر والعفاف"، على أن معرفته بالستر والعفاف طريق إلى معرفة عدالته" -صريح كلامه- "وأما أن العدالة من الصفات والملكات فلا. وأما أن العدالة من الصفات والملكات فلا". تماماً على خلاف ما تبناه في رسالة العدالة، ثم جاء بكلام مطول يثبت فيه أن العدالة هي عبارة عن الاجتناب، عبارة عن ترك المعاصي واجتناب المعاصي، وطريق معرفتها هو هذا أن يُعرف بالستر والعفاف والكف؛ فإذاً يقول: بما أن هذه الإجابة من الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) تبين الطريق إلى معرفة العدالة، وأن ستر الذنوب طريق إلى العدالة، والكف طريق إلى العدالة؛ إذاً فالعدالة هي عبارة عن ترك الذنوب وعبارة عن الكف، كف البطن وكف الفرج وكف اللسان وما شاكل ذلك، وهذا كله ترك للمعاصي، هذا كله ترك للمعاصي الأعم من الصغائر والكبائر. فإذاً ما دام الإمام في مقام بيان الطريق فإننا نستفيد من ذلك أن ذا الطريق الذي هو
العدالة هو عبارة عن ترك المعاصي واجتنابها. وقد يُستشكل على ما أفاده (قدس الله نفسه) -وهذا الإشكال هو ذكره وأجاب عنه-: وقد يُستشكل على ما أفاده (رضوان الله تعالى عليه) بأن الإمام بعد أن قال "أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف الباطن"، قال ماذا؟ "ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار". فيقول (رضوان الله تعالى عليه): إذا كان المقصود من تعرفوه بالستر بستر الذنوب، والمقصود من العفاف هو التعفف عن المعاصي؛ هكذا تقولون، فحينئذ ما معنى "ويُعرف باجتناب الكبائر"؟ هذا نفس ذاك، ليس شيئاً آخر، وبعبارة أخرى: هذا مندرج في ذاك. ولكي أزيد الإشكال وضوحاً، أقول: نحن قلنا هنا بأن جواب الإمام "أن تعرفوه بالستر والعفاف" بيان لطريق العدالة وليس بياناً لحقيقة العدالة، فإذاً العدالة هي اجتناب الكبائر، هذه هي العدالة، اجتناب المعاصي وطريق معرفتها هو ماذا؟ الستر، المعروفية بالستر والعفاف، هذا طريق معرفة أنه مجتنب للكبائر، أنه مجتنب للمعاصي؛ فإذا كان الأمر كذلك، هذا بيان للطريق، أوليس هذا يتنافى مع قوله بعد ذلك "ويُعرف باجتناب الكبائر"؟ ما معنى هذا الطريق مع كون ذلك طريقاً؟ قال: لا فرق بين الطريقين، فإن هذا الطريق الثاني الذي أشار إليه بقوله "ويُعرف باجتناب الكبائر" يراد منه خصوص الكبائر الظاهرة بين الناس. الكبائر الظاهرة بين الناس، نظير مثلاً الإفطار، نظير مثلاً شرب الخمر كما تفضلتم، أو قتل المسلم كما مُثّل، إهانة المؤمنين، وهكذا مما هو ظاهر. فإن قلت: ولم خص المعاصي الظاهرة بالذكر؟ يقول: لأنه إذا كان مجتنباً للكبائر والمعاصي الظاهرة، يُعرف من ذلك اجتنابه للمعاصي الخفية أيضاً في الخلوات؛ إذا كان محافظاً على اجتناب الكبائر الظاهرة والمعاصي الظاهرة، فمن ذلك يستكشف أنه أيضاً مجتنب للمعاصي الباطنة. شوف خلوني أقرأ عبارته حتى لا نكون بعيدين عنه، قال: "ولا ينافي ذلك" -يعني طريقية الحمل على الطريقية- "ولا ينافي ذلك جعل اجتناب الكبائر طريقاً لمعرفة العدالة في قوله عليه السلام"، أنا الآن أقرأ عبارة الشيخ نفسه: "ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار".
لأن المراد من هذا الاجتناب هو الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته ومخالطته عن المعاصي التي تظهر للناس، مثل قتل المسلم، والإهانة بالمؤمنين وشتمهم، والظلم، وقد جعله الشارع طريقاً إلى الحكم عليه بأنه مجتنب في الواقع عن الجميع، عن الجميع حتى عن المعاصي الخفية مثل الإفطار في الخلوات، ونكاح الحائض، والسرقة عند الفرصة، وبغض المؤمنين؛ فالاجتناب عن المعاصي التي تظهر للناس عند وجودها طريق إلى العدالة التي هي الاجتناب عن الجميع. نعم، مو العكس هو الصحيح -المفروض يكون- أن الذي يترك الأشياء الخفية؛ قابل الأشياء الظاهرة ويتركها! طب ذاك لا يمكن أن يكون طريقاً لنا. الإمام في مقام بيان الطريق؛ يعني من لا يقتل، من لا يشرب الخمر، هذه في عامة الناس. لا، الشيخ يمكن تحتاجها شوية في عامة الناس. لحظة أكون بخدمتكم. ذكرنا سابقاً بأن كلمة "ويُعرف" لا تتحقق إلا بأن يكون الشيء عند الإنسان كالملكة الراسخة، ملكة راسخة، بعبارة أخرى: أي ليس شيئاً عابراً بل هو أمر راسخ عنده ثابت لا يتزلزل؛ فإذا علمنا استقامته في الظاهر بأنه في الظاهر مستقيم، وأن هذه الاستقامة هي بنحو الملكة عنده، يستكشف من ذلك أيضاً أنه مستقيم في الباطن؛ إذ لا تتحقق الاستقامة في الظاهر بحيث تكون ملكة راسخة مع عدم استقامته في الباطن. وكان هذا بعبارة أخرى هو أشبه بقضية حسن الظاهر، فإننا إنما نحكم على الرجل بالعدالة فيما لو حسن ظاهره، والحال أنه في الباطن لا نتيقن بأنه كذلك، ولكن من حسن الظاهر من الاستقامة الظاهرية يحصل اطمئنان بأنه كذلك في الباطن، وإلا فإنه لو كان في الباطن على خلاف واقعه الظاهري لظهر منه ولو في بعض الأحيان ما يكون على خلاف الاستقامة؛ فاستمراره على الاستقامة بحيث يُعرف بذلك يوجب الاطمئنان بأن واقعه هو الاستقامة، لا أنه يتصنع ذلك ظاهراً، فإن التصنع لا يتحول إلى ملكة راسخة دائمة بحيث يُعرف بها؛ فإن مراد الشيخ (قدس الله نفسه) ذلك. يا سلام، الشيخ مدافع عن الشيخ. على طيب، يا سلام يا مالكاً ما تأصل مالكاً! وعلى ذلك فنقول بأننا نحمل صدر الرواية على بيان الطريق.
ومن ذلك يُعلم بأن العدالة هي اجتناب المعاصي وترك المعاصي، والطريق إلى معرفة هذا الاجتناب هو الستر والعفاف، ولا ينافي ذلك قوله بعد ذلك "ويُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار". هذا ملخص ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) في صلاة الجماعة، في مبحث صلاة الجماعة، ولكن سيدنا الحكيم (قدس سره) سجل عليه ثلاثاً من الملاحظات. أما الملاحظة الأولى فهي أن الرواية قد ذكرت الستر والعفاف، واحد: المعروفية بالستر والعفاف، ثم عطفت على ذلك بذكر ماذا؟ كف الباطن والفرج واللسان؛ فحينئذ نسأل سؤالاً وهو أن الستر والعفاف إذا كان طريقاً إلى العدالة، إذا كان طريقاً إلى العدالة، فكف البطن والفرج أيضاً يكون ماذا؟ طريقاً إلى العدالة، لأنه قد عطف هذا على ذاك. ومن الواضح جداً أن كف البطن والفرج يُراد به ماذا؟ نفس الاجتناب، اجتناب المعصية، ترك المعصية، وليس شيئاً آخر. كف البطن والفرج إنما يُراد به ترك المعصية، اجتناب المعصية، فإذا كان كذلك اتحد الطريق والمطروق، اتحد الطريق وذو الطريق؛ لأن ذا الطريق وهي العدالة بحسب هذا المبنى هي ماذا؟ الاجتناب، وترك الكف، وكف الباطن هو نفسه أيضاً ماذا؟ الاجتناب، فلزم اتحاد الطريق والمطروق، صار الطريق وذو الطريق شيئاً واحداً؛ العدالة هي اجتناب المعاصي والطريق عليها اجتناب المعاصي، وهذا غير صحيح. واضح شيخنا؟ التفتتم لذلك؟ فإذاً أول ملاحظة يسجلها السيد الحكيم (قدس سره) على الشيخ الأعظم هو أننا لو التزمنا بأن صدر العبارة بيان لطريق العدالة والتزمنا في الوقت نفسه بأن العدالة هي الاجتناب والترك، لزم اتحاد الطريق وذو الطريق. هذه الملاحظة الأولى. الملاحظة الثانية هي: مخالفة الظاهر مكررة، مخالفة الظاهر مكررة، لماذا؟ لأننا قد فرضنا بأن العدالة هي الاجتناب، والطريق عليها هو الستر والعفاف وكف البطن والفرج، ثم بعد ذلك "ويُعرف باجتناب الكبائر"، فهنا صارت هذه العبارات مبعثاً للاستشكال كما مر علينا سابقاً بأنه سيكون هنالك تنافي بين ما تقدم وبين هذه العبارة، مما دعا الشيخ (قدس سره) إلى أن يعالج هذا الإشكال بدعوى ماذا؟
بدعوى أن المراد من الكبائر هنا خصوص كبائر الظاهرة للتوفيق بين الصدر وبين هذه العبارة. يقول السيد الحكيم: وفي هذا تلزم مخالفتان للظاهر. أول مخالفة للظاهر هو تقييد الاجتناب، فأنت تقيد الاجتناب باجتناب خاص وهو الاجتناب للمعاصي الظاهرة، وهذا خلاف إطلاقه. والمخالفة الثانية للظاهر هي تقييد الكبائر، فإن الكبائر كما نعلم منها كبائر ظاهرة ومنها كبائر ماذا؟ غير ظاهرة، كبائر باطنة؛ فأنت عندما تقيد كلمة الكبائر وتقول يُراد بها خصوص الكبائر الظاهرة، فهذا مخالف للظاهر؛ إذ أن ظاهر الكلمة هو إطلاقها وعمومها، عمومها أدق من إطلاقها، إذ أن ظاهر الكلمة هو عمومها، فحملها على فرض خاص بلا دليل يكون على خلاف الظاهر؛ فالملاحظة الثانية هو أن الشيخ الأعظم لأجل أن يثبت مبناه قد ارتكب مخالفة الظاهر مرتين. الملاحظة الثالثة هي أن هذا الذي ذكره (قدس الله نفسه الزكية) يلزم منه -لو غضضنا الطرف عن مسألة المخالفة للظاهر- يلزم منه التدافع والتكرار، بعبارة أدق من عبارة التدافع: يلزم منه التكرار في الرواية الواحدة. لِمَ؟ لأننا قلنا "ويُعرف باجتناب الكبائر"، مراد من الكبائر الكبائر الظاهرة، سلّمنا مع الشيخ بذلك؛ ثم بعد ذلك تقول الرواية ماذا؟ "والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك". حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته، ومن الواضح جداً -بل هو كالصريح- أن هذه العبارة الأخيرة ناظرة إلى أي نوع من المعاصي؟ إلى المعاصي الظاهرة؛ أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، يعني العيوب التي ماذا؟ تظهر للناس التي من طبيعتها أن تظهر للناس، أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك، يعني مما لا يصل إليه، حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه؛ فحينئذ يلزم التكرار في الرواية بحمل الاجتناب على الاجتناب عن خصوص المعاصي الظاهرة، يلزم من ذلك ماذا؟ يلزم من ذلك التكرار في الرواية. بل يلزم من ذلك أيضاً مخالفة الظاهر، مو فقط التكرار. يلزم من ذلك مخالفة الظاهر، لماذا؟
لأن الظاهر أن هنا دالاً وماذا؟ ومدلولاً. ظاهر من الرواية بل صريح الرواية من خلال قول المعصوم "والدلالة على ذلك كله"، أن هنا دالاً ومدلولاً. بينما على ما أفاده الشيخ ينتفي ذلك ويلزم اتحاد الدال وماذا؟ والمدلول، يكون الدال والمدلول شيئاً واحداً؛ الدال هو اجتناب المعاصي الظاهرة والمدلول عليه أيضاً ستر العيوب اجتناب المعاصي الظاهرة، فيلزم اتحاد الدال والمدلول. ولكن يمكن أن يُتأمل في هذه الملاحظة الأخيرة من خلال تحديد الضمير في قول المعصوم (عليه السلام) "والدلالة على ذلك كله". المشار إليه هنا ما هو؟ هل المشار إليه خصوص "ويُعرف باجتناب الكبائر" التي حملها الشيخ على الظاهر؟ إذا كان هذا هو المشار إليه فإشكال السيد في محله، يلزم اتحاد الدال والمدلول؛ ولكن إذا كان المشار إليه الأعم من ماذا؟ من الظاهر، المشار إليه بـ "ويُعرف" وماذا؟ والباطن الذي تشمله المعروفية بالستر والعفاف، فحينئذ لا يلزم اتحاد الدال والمدلول، ولكن تبقى الملاحظة الأولى والملاحظة الثانية كما هما. وهنا دفع يرتبط بهذه الملاحظة الثالثة وهو نعم ملاحظة الثالثة اتحاد الدال والمدلول، قد يُقال في مقام دفع هذه الملاحظات بأن الملاحظة إنما تصح فيما لو قلنا بأن المدلول هو الاجتناب؛ لو قلنا بأن المدلول هو الاجتناب فحينئذ نقول: اجتناب الكبائر دال والمدلول هو الاجتناب، يلزم اتحاد الدال والمدلول. لكن لو قلنا بأن المدلول هو عبارة عن العدالة، لو قلنا بأن المدلول عبارة عن العدالة لا الاجتناب، المراد من المدلول العدالة لا الاجتناب، ونفترض أن ها هنا طريقين؛ أحد الطريقين هو ماذا؟ هو ما أُشير إليه في صدر الرواية، والطريق الآخر ما أُشير إليه في ذيلها بقوله (عليه السلام) "والدلالة". فحينئذ لا يرد عندنا إشكال اتحاد الدال والمدلول. يقول السيد الحكيم (قدس الله نفسه الزكية): هذا أولاً مع أنه خلاف الظاهر جداً، باعتبار أن الظاهر أن المدلول عليه هو ما أُشير إليه في نفس الرواية، وما أُشير إليه في نفس الرواية هو الاجتناب، لا أنه العدالة، هذا أولاً.
وثانياً: يلزم لغوية الثاني لأنه أخص؛ لغوية الطريق الثاني لأنه أخص، باعتبار أننا قد فرضنا أن الطريق الثاني يتحدث عن خصوص كبائر الظاهرة، يتحدث عن خصوص المعاصي الظاهرة، "والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه" يعني العيوب التي من شأنها أن تظهر؛ فحينئذ الطريق الثاني ناظر إلى خصوص كبائر والمعاصي الظاهرة، بينما الطريق الأول من خلال الجمع بين المعروفية بالستر والعفاف وكف البطن عن كف البطن والفرج و"ويُعرف باجتناب الكبائر" هذا الطريق الأول ماذا؟ أعم، لأنه يشمل الظاهرة والباطنة، يشملهما معاً؛ فإذا كان الأمر كذلك وقلنا هذا طريق وهذا ماذا؟ طريق، حتى لا يتحد الدال والمدلول، يلزم من ذلك لغوية الثاني لِمَ؟ لأنه أخص. ولكن هذه الملاحظة منه (قدس سره) من خلال ما قدمناه فيما سبق يتضح ما فيها، فإننا فيما سبق فصلنا بين ما لو كان الدليل الأول هو الأخص والثاني هو الأعم، فإن الثاني يكون موجباً للغوية الأول، وأما لو كان الأول هو ماذا؟ هو الأعم والثاني هو الأخص، فإنه لا يكون موجباً للغوية الأول، بل يكون قرينة عليه، وهنا الكلام هو الكلام، وإذا تتذكر مثال الإيمان والإسلام جئنا به لتوضيح هذه الفكرة. وعلى أية حال، ولكنه الملاحظة الأولى وهي أن هذا الحمل خلاف الظاهر، خلاف الظاهر. فتحصل إلى هنا بأن المحاولة التي أفادها شيخنا الأعظم (قدس سره) لاستفادة أن العدالة هي اجتناب المعاصي من صحيحة ابن أبي يعفور هذه المحاولة ليست بتامة، بل هي خاضعة لهذه الملاحظات التي ذكرناها؛ فإلى هنا تكون النتيجة والمحصلة عندنا هي أن صحيحة ابن أبي يعفور دالة على أي المسلكين؟ دالة على مسلك الملكة. ولكن حتى يتم الاستدلال بها على أنها تدل على أن الصحيحة تدل على مسلك الملكة يلزم دفع محذور عنها، وهذا المحذور له بعدان أو له جهتان، الجهة الأولى هي أن الصحيح قد اقتصر فيها الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) على ذكر الستر والعفاف.
قال: "أن تعرفوه بالستر والعفاف" مع أن العدالة ترتكز على عدة ملكات، وليست على خصوص ملكتي الستر والعفاف. فلو كانت هذه الرواية بصدد بيان حقيقة العدالة وأنها ملكة، للزم أن يذكر الإمام فيها مجموع الملكات الباعثة على التقوى، لا أن يخص ذلك بذكر هاتين الملكتين. هذا بعد. البعد الآخر للإشكال هو أن الرواية لو كانت بصدد بيان حقيقة العدالة، للزم أن يذكر الإمام فيها (صلوات الله وسلامه عليه) فعل الواجبات، مع أنه لم يذكر ذلك، بل اكتفى بترك الكبائر؛ اكتفى بترك الكبائر مع أن العدالة لا تتقوّم بمجرد ترك الكبائر، بل لا بد من ترك المعاصي وفعل الواجبات، فلو كانت الرواية بصدد بيان حقيقة العدالة، للزم أن يكون الإمام بيّن فيها لهذا البعد الثاني. هذا هو الإشكال على الاستناد إلى الرواية، ولكن سيد المستمسك (قدس سره) دفع هذا الإشكال ببعده؛ قال: أما بالنسبة إلى البعد الأول، فنحن نحمل الستر في الرواية على مطلق الاستحياء، الاستحياء عن مطلق المعصية، وكذلك أيضاً نحمل العفاف في الرواية على التعفف عن جميع المعاصي، فإذا حملنا العفاف والستر على هذين المعنيين، بقية الملكات الباعثة على التقوى ترجع إلى هاتين الملكتين، وبعبارة أخرى: بين الملكات أمومة وبنوة؛ فبعض الملكات أمهات للملكات الأخرى بمعنى أن الملكات الأخرى ترجع إليها، ومن هذه الملكات ملكة الستر بمعنى الاستحياء، وملكة العفاف بمعنى التعفف عن عامة المعاصي، فكل الملكات الأخرى الباعثة على التقوى راجعة إلى هاتين الملكتين، وبما أن الإمام قد ذكر هاتين الملكتين اللتين لهما الأمومة استغنى بذلك عن ذكر بقية الملكات؛ فهذا الإشكال من هذه الناحية مندفع. وأما بالنسبة إلى عدم تعرض الإمام (عليه السلام) لفعل الواجبات؛ لأن الإمام قد أفاد بأن حقيقة العدالة متقوّمة بترك الكبائر، ومن جملة الكبائر التي ترك الواجبات؛ ومن جملة الكبائر هو ترك الواجبات، فإذا ترك الواجبات فهو ماذا؟ قد فعلها، ومما يدل على ذلك صحيح عبد العظيم الحسني، صحيح عبد العظيم هكذا: "وعنهم، عن أحمد بن محمد بن خالد" -يعني عن العدة، عن البرقي- "عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني" سند معتبر لا كلام فيه، قال: "حدثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام)".
قال: "سمعت أبي يقول، سمعت أبي موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله (عليه السلام)، فلما سلّم وجلس تلا هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} [الشورى: 37] ثم أمسك، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما أسكتك؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله عز وجل، فقال: نعم يا عمرو..." -شنو يعني أنت طالب شنو يعني؟- "وأكبر الكبائر الإشراك بالله، يقول الله: {مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] ثم إلى أن وصل إلى هذه الفقرة، الرواية طويلة، قال: "وترك الصلاة متعمداً، أو شيئاً مما فرض الله"، فأدخل الواجبات جميعاً، "وترك الصلاة متعمداً أو شيئاً مما فرض الله عز وجل؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله" إلى آخر الرواية. فإلى هنا ظهر بأن اقتصار الإمام (عليه السلام) على ترك الكبائر لا يمنع من كونه في مقام بيان حقيقة العدالة؛ لأن فعل الواجبات يمكن إدراجه ضمن هذا العنوان، فالإشكال عن ذلك مندفع. نحتاج نقرأ العبارة؟ نمر عليها سريعاً. ويزال... بسم الله الرحمن الرحيم. قال: "ومن ذلك يظهر ضعف ما تقدم عن الحلي وغيره، مثل أبو الصلاح الحلبي، هو أيضاً ممن قال بهذه المقالة، بل صريح الكفاية، كفاية السبزواري (على الله مقامه) أنه الأشهر، قال (رحمه الله): والأقرب الأشهر في معنى العدالة أن لا يكون مرتكباً للكبائر ولا مصراً على الصغائر، ونحوه في النسبة إلى الأشهر ما في البحار". البحار هكذا العبارة: "ثم الأشهر في معناها أن لا يكون مرتكباً للكبائر ولا مصراً على الصغائر". زين، في (ج 85، صفحة 25) ونحوه ومال إليه شيخنا الأعظم (قدس سره) في صلاة الجماعة عملاً بظاهر السؤال؛ في كونه سؤالاً عن الطريق إلى العدالة فيكون الستر والعفاف المذكوران في الجواب طريقاً إليها لا نفسها. طبعاً هنا في النسخ "لا نفسها"، حتى في هذه النسخة المحققة وهذا خطأ. "لا نفسها" نعم، "لا نفسها"، هنا عندي "لأنفسها"، هم في الطبعة الكمبيوترية أيضاً كذا "لأنفسها".
نعم طبعاً، ولا تحقيق الأحاديث. ولا ينافيه، هذا قلناه هو من جملة كلام الشيخ. بل "ولا ينافيه قوله (عليه السلام) في الجواب: ويُعرف باجتناب..." لأن المراد به الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته، فيختص بالمعاصي الظاهرة مثل قتل المسلم، مثل قتل المسلم وإهانة المؤمنين وشتمهم ونحو ذلك، فيكون المقصود جعل الاجتناب عن هذه المعاصي طريقاً إلى الاجتناب عن جميع المعاصي، حتى الخفيات مثل الإفطار في الخلوات، ونكاح الحائض، والسرقة عند الفرصة، وبغض المؤمنين. بهذا تم كلام الشيخ. وتوضيح الإشكال عليه أن كف البطن -هذه الملاحظة الأولى- وما عُطف عليه راجع إلى الاجتناب عن جملة من الكبائر، وكف البطن هو هذا، فإذا كان الستر والعفاف طريقاً إلى العدالة، تعين أن يكون اجتناب المعاصي الذي هو كف البطن أيضاً ماذا؟ طريقاً؛ إذ عُطف الكف على الستر والعفاف، فهذا طريق وهذا طريق، فكيف يمكن أن تكون نفس الاجتناب العدالة؟ إنه يلزم اتحاد الطريق وذو الطريق. هذه الملاحظة الأولى. ثانياً: مضافاً إلى أن حمل الاجتناب في قوله (عليه السلام) "ويُعرف باجتناب الكبائر" على الاجتناب الظاهر للناس عند المعاشرة خلاف الظاهر واحد، وخلاف ظاهر الكبائر في العموم اثنين للكبائر الخفية، فإذاً يلزم ارتكاب مخالفة الظاهر مرتين. ثلاثة الملاحظة الثالثة: مع أنه يلزم رجوعه إلى قوله (عليه السلام) "والدلالة على ذلك كله" لأن المراد منه -يعني من هذه العبارة- الاجتناب في الظاهر على ما بيّنا، وظاهر الرواية مخالفة له. لماذا من أين المخالفة؟ فإن الدال غير المدلول عليه؛ يعني ظاهر الرواية أن هنا دالاً ومدلولاً، بينما مقتضى ذلك توحيد الدال والمدلول وهو خلاف الظاهر. وجعل المدلول، هذا دخله، وجعل المدلول عليه نفس العدالة لا الاجتناب، فيكون الطريق إلى العدالة كلاً من الأمرين خلاف الظاهر جداً. مع أنه يلزم منه لغوية الثاني لكونه أخص، وقلنا هذا محل تأمل. نعم، هذه محطة ثالثة المفروض تكون. نعم يبقى الإشكال في الرواية من جهة الاقتصار فيها على الستر والعفاف، وعدم التعرض فيها لبقية الملكات الباعثة على التقوى واحد، ومن جهة عدم التعرض فيها لفعل الواجبات اثنين، لكن لا يبعد ولو بقرينة النصوص الأخرى التي نشير إلى بعضها، رايح تجينا روايات ثانية يُستدل بها على الملكة ويتضح فيها المطلوب.
أن يكون المراد من الستر الاستحياء من فعل المعصية مطلقاً، ومن العفاف التعفف عن عامة المعاصي؛ فترجع بقية الملكات إلى هاتين الملكتين، كما أنه لا يبعد أن يكون ترك ذكر الواجبات لأن ترك الواجبات من الكبائر كما في صحيح عبد العظيم، فيكون قد اكتفى عنه بذكر الكبائر مع أن الإجماع على اعتبارها -اعتبارها يعني ماذا؟ واجبة في حقيقة العدالة- مع أن الإجماع على اعتبارها، وما يظهر من مثل رواية علقمة الآتية. هذا ما ذكرناه في مقام بيان التقرير. بل من ذيل الصحيح المذكور -يعني الذي هو صحيح ابن أبي يعفور- في تتمة الرواية التي ما تعرضنا لها، كافٍ في إثبات اعتبارها فيها؛ يعني ها، هذا بالمنتهى بالآخرة، على قولة العجل. هب أنه هذه الروايات لم تتعرض لفعل الواجبات، هب أنه كذلك وهب أن فعل الواجبات لا تدخل في الكبائر؛ هب أنه كذلك هذا لا يوجب رفع اليد عن كونها تبين حقيقة العدالة، غاية ما هنالك أنها لم تبين تمام حقيقة العدالة، فجاءت الأدلة الأخرى، والتي منها رواية ابن علقمة، والإجماع، وكمّلت لنا هذه الرواية؛ يعني تكون حينئذ من الحجج المركبة لا من الحجج البسيطة، ولا ضير في ذلك، فهذا من أول الفقه إلى آخره على ذلك صار معلوماً، دليل الانضمام يعني. نعم نعم والحمد لله رب العالمين. أحسنتم ورحمة الله، والله أنا قلت خلاص كلام الشيخ.
