دروس مقررة — النصوص المتاحة
53 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 60
اللهم صل على محمد وآل محمد. الطريق الثاني من طرق إثبات العدالة هو طريق البينة، وتحدث السيد رضوان الله تعالى عليه حول هذا الطريق في عدة مطالب.
سند رواية علقمة ودلالتها
المطلب الأول والذي سبق أن تحدثنا فيه هو بيان الأدلة على طريقية هذا الطريق، وقد تقدم الكلام حول خبرين، والخبر الثالث من هذه الأخبار ما عبر عنه السيد قدس سره برواية علقمة، وهي قوله عليه السلام: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبًا، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر». هذه الرواية هنالك كلام يرتبط بسندها، وكلام يرتبط بدلالتها.
أما ما يرتبط بسندها فقد تقدم سابقًا بأن سند هذه الرواية الشريفة يشتمل على الأجلاء، ولكن يوجد في سندها راويان لم يرد فيهما توثيق: الراوي الأول هو صالح بن عقبة، والراوي الثاني هو علقمة بن محمد الحضرمي. وقلنا بأن توثيقهما أو القول بحسنهما وممدوحيتهما بمكان من الإمكان وأجملنا القول بهذا المقدار، فارتأينا ها هنا بما أن السيد قد تعرض للرواية مرة أخرى أن نبين هذا المجمل، فنقول:
أما بالنسبة إلى صالح بن عقبة، فقد ذكرت وجوه لتوثيقه، ولكن الذي ينبغي أن يقال بأن كثيراً من هذه الوجوه ليس بتام ولا يمكن التعويل عليه، والعمدة في ذلك هو أن صالح بن عقبة قد ضعفه ابن الغضائري وتبعه العلامة الحلي قدس سره وكذلك ابن داود في رجاله. وبما أننا قد ذكرنا غير مرة بأن رجال ابن الغضائري لا يعول عليه لعدم اعتبار الكتاب في نفسه، وبما أن العلامة وكذلك أيضا ابن داود ناقلان عنه فلا عبرة بنقلهما أيضاً من هذه الناحية، فالتضعيف لم يثبت، لم يثبت عندنا تضعيف له.
فيقى هل هنالك توثيق له أم لا؟ نقول: عمدة توثيقه وجهان:
الوجه الأول: رواية الأجلاء عنه في موارد كثيرة، فإن روايات صالح بن عقبة تنيف عن مئة وعشرين رواية، وفي كثير من هذه الروايات يروي عنه الأجلاء أمثال عبد الله بن المغيرة وأمثال يونس بن عبد الرحمن
أمثال إبراهيم بن هاشم وآخرين أيضا ممن لهم جلالة وشأن، وهذه تفيد الممدوحية والركون إلى المروي عنه على تفصيل إن شاء الله في محله نتعرض له.
والوجه الثاني من وجوه توثيقه -وهذا هو ما نعتمده أكثر من الاعتماد على سابقه- وقوعه في عقد المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة. فإن الواقعين في عقد المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة من مشايخ صاحب كتاب نوادر الحكمة، هؤلاء نستظهر وثاقتهم، بخلاف الواقعين في عقد المستثنى فإننا نستظهر تضعيفهم، فهناك مسارح وقرون في عقد المستثنى منها هؤلاء محكومون بالوثاقة، وصالح بن عقبة من هؤلاء، ولذلك فهو محكوم بالوثاقة من هذه الناحية، فإن أحد التوثيقات العامة والمهمة جداً والتي عليها المعول هو توثيق رجال نوادر الحكمة الواقعين في عقد المستثنى منه، وهذا هو أحدهم. فلا كلام في صالح بن عقبة من هذه الناحية؛ تضعيفه غير ثابت، توثيقه أيضاً بوجوه متعددة بمكان من الإمكان.
وأما الراوي الثاني وهو علقمة، فعلقمة أيضا قد ذكرت وجوه لتوثيقه، وهنالك محاولات عدة لإثبات وثاقته، ولكن عمدة هذه المحاولات -وهو ما نركن إليه بهذا البيان- هو اعتماد سيف بن عميرة على رواياته، بعبارة أخرى: وبيان هذا الطريق بثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى هي أن سيف بن عميرة من الثقات الذين لا ريب في وثاقتهم، فقد وثقه النجاشي، ووثقه الطوسي، ووثقه ابن شراحيل، ووثقه غيرهم، فلا كلام في وثاقته، فهو من أصحاب الأئمة عليهم السلام الثقات بلا ريب.
المقدمة الثانية هي صحة قضية اعتماد سيف بن عميرة على علقمة بن محمد الحضرمي. وهذه القضية منقولة بالسند التالي: رواها الشيخ أعلى الله مقامه في التهذيب عن محمد بن خالد الطيالسي، عن سيف بن عميرة، عن صفوان بن مهران. فهنا نحتاج أولاً إلى ملاحظة سند الشيخ قدس سره لمن؟ للطيالسي، إذ أنه يظهر أنه ينقل الرواية من كتاب الطيالسي، فسند الرواية للطيالسي ما هو؟ قال في فهرسه: «رويناه عن الحسين بن عبيد الله الغضائري» -لا كلام في وثاقته- «عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار» -أيضا تقدم منا وثاقته- «عن أبيه» -من شيوخ أصحابنا في تمام الوثاقة-
محمد بن يحيى العطار عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن خالد الذي هو الطيالسي. فسند الشيخ قدس سره إلى الطيالسي سند لا غبار عليه. إنما الكلام كل الكلام فيمن؟ في الطيالسي فمن بعده. أما صفوان بن مهران وهو الراوي المباشر للقضية فثقة لا كلام فيه، وسيف بن عميرة أيضاً كما عرضنا بخدمتكم أيضاً ثقة لا كلام فيه، فيبقى الكلام فيمن؟ في الطيالسي؛ الطيالسي لم يوثق، ولكن مع ذلك فإنه يمكن توثيقه بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنه ممن وقع في عقد المستثنى منه من كتاب نوادر الحكمة.
الوجه الثاني: رواية الأجلاء عنه.
الوجه الثالث: كونه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح من أحد، وكونه من المعاريف ولم يرد فيه قدح من أحد يدل على أنه كان على ظاهر الوثاقة.
فالطيالسي أيضاً لا كلام فيه، فالسند معتبر والقضية لا كلام فيها.
المقدمة الثالثة هي صحة استظهار اعتماد سيف بن عميرة على علقمة بن محمد الحضرمي، يعني بعد أن ثبت أصل القضية فحينئذ هل يمكن أن نستظهر من هذه القضية اعتماد سيف بن عميرة على مرويات علقمة بن محمد أم لا؟
القضية هي هذه، قضية أنه عندما حدث صفوان بن مهران سيف بن عميرة بزيارة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه -زيارة عاشوراء- قال له سيف بن عميرة: فسألت صفوان فقلت له: إن علقمة بن محمد الحضرمي لم يأتنا بهذا عن أبي جعفر عليه السلام، إنما أتانا بدعاء الزيارة، دعاء يعني معروف بعد دعاء علقمة، إنما أتانا بدعاء الزيارة. فسيف بن عميرة يقول لصفوان: أنت زدت على الدعاء زيارة، هذه الزيارة ما جاء بها علقمة. فقال صفوان: وردت مع سيدي أبي عبد الله عليه السلام إلى هذا المكان، ففعل مثل الذي فعلناه في زيارتنا، ودعا بهذا الدعاء عند الوداع بعد أن صلى كما صلينا وودع كما ودعنا.
فالفارق بين ما رواه صفوان وما رواه علقمة أن الفعل الذي فعله الإمام صلوات الله وسلامه عليه بتفاصيله لم ينقله علقمة وإنما اكتفى بنقل الدعاء. هذا التعبير من سيف بن عميرة ظاهر في أن ما كان يأتيهم عن علقمة بن محمد الحضرمي كان محل اعتمادهم وكانوا يعولون عليه، ولذلك لما اختلف نقله عن نقل
صفوان زيادة ونقيصة كان ذلك محل تعجب أو استنكار -يمكننا أن نقول ذلك، أو فلنقل: كان محل تعجب- هذا المقدار المتيقن كان محل تعجب من سيف بن عميرة، فرفعه صفوان ببيان أن الإمام فعل كذا وكذا وكذا ونحن كنا بحضرته وأنا نقلت ما رأيته من الإمام صلوات الله وسلامه عليه. فهذه قرينة كافية لإثبات وثاقة علقمة بن محمد الحضرمي وإن لم يوثقه علماء الرجال. وكم لهذا من نظير في الرواة، فإن كثيراً منهم لم يوثقوا، ولو بنينا على مسلك التضعيف فإننا مباشرة نبادر إلى تضعيفه ونقول: مجهول الحال لم يوثق، وانتهى الأمر. ولكن مبنى التصحيح القائم على البحث عن القرائن يتوصل إلى استفادة توثيق العديد من الرواة من خلال أمثال هذه القرائن المبثوثة في الكتب الحديثية أو الرجالية، وهو يحتاج إنصافاً إلى مزيد من التتبع والبحث والتنقيب، وهذا ما أقوله مراراً وتكراراً بأن جانب التوثيق أصعب أصعب جداً من جانب التضعيف.
على أي حال، سند هذه الرواية لا كلام فيه، ودلالتها على وثاقة علقمة أيضا واضحة. فالسند على ذلك -سند الرواية التي نحن بصددها- لا كلام فيه، يكون لوثاقة علقمة ووثاقة صالح بن عقبة. هذا ما يرتبط بسندها.
وأما دلالتها، الرواية قالت: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبًا، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر».
والاستدلال بها على أن البينة وشهادة العدلين طريق لإثبات العدالة يتوقف على ضم إحدى مقدمتين -المقدمة الأولى على ضم إحدى مقدمات لا على ضم مقدمتين، أي أن أي المقدمتين ضممناها وصلنا إلى النتيجة-. المقدمة الأولى هي الفحوى، وبيان الفحوى بهذا النحو وهو أن عدم شهادة العدلين كافية لإثبات العدالة. عدم شهادة العدلين كافية لإثبات العدالة، فإن الرواية هكذا قالت: «أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة». فإذا كان عدم شهادتهما كافياً لإثبات العدالة فشهادتهما بالعدالة أيضا يكفي -مو أيضا يكفي- تكون مثبتة للعدالة بالأولوية القطعية. إذا كان عدم شهادتهما بصدور ذنب منه، وهو سكوت وصمت، كافياً لإثبات عدالته،
فنطقهما وشهادتهما بعدالته يثبت عدالته بالأولوية القطعية، صار معلوما شيخنا؟
إذن المقدمة الأولى هي هذه وبها يتم الاستدلال، أو المقدمة الثانية وهي عدم القول بالفصل أو القول بعدم الفصل، وبيان ذلك بهذا النحو وهو أن يقال بأن المستفاد من هذه الروايات الشريفة هو أن الشهادة -شهادة العادلين- كافية لإثبات الفسق، وعليها المعول في مقام الجرح، كما يستفاد ذلك من المفهوم؛ فإن لم تر... فإن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة، فلو شهد عليه شاهدان بارتكاب الذنب لم يكن من أهل العدالة، بل هو من أهل الفسق. فإذن هذه الرواية بدلالة المفهوم تدل على أن شهادة العدلين كافية لإثبات الفسق، وبما أنه لا فصل بين الفسق والعدالة، فما يثبت الفسق يثبت العدالة.
فبما أنه ثبت عندنا ها هنا أن شهادة العدلين تثبت الفسق، إذن هي بضميمة عدم القول بالفصل تثبت أيضاً العدالة. فعدم القول بالفصل هذه المقدمة معناها هذا: أن هذه الرواية نستظهر منها أن شهادة العادلين كافية لإثبات الفسق، فنقول: ما يكفي لإثبات الفسق يكفي لإثبات العدالة لعدم القول الفصل -بالفصل- بينهما، كل ما يثبت هذا يثبت ذاك، وبما أنه قد ثبت أن شهادة العدلين تثبت هذا فهي تثبت العدالة أيضا بلا فرق. وهذا يعني إن كان عندنا تعليق عليه فهو التعليق الذي ذكرناه غير مرة من أن المعول عليه في مقام الاستدلال إنما هو القول بعدم الفاصل وليس عدم القول بالفاصل، فإن عدم القول بالفاصل سكوت لا يستفاد منه شيء، وإنما الذي يستفاد منه هو القول بعدم الفاصل، ولا يوجد عندنا قول بعدم الفاصل، يعني إجماع على عدم الفصل بين الفسق والعدالة في طرق الإثبات، هذا لا يوجد عندنا مثل هذا الإجماع.
هذا تمام الكلام حول هذه الرواية، وعلى أية حال تمت دلالة هذه الرواية من خلال المقدمة الأولى أو لم تتم، فإن صحيحة ابن أبي يعفور كما تقدم كافية للإثبات. وبهذا تحصل عندنا من خلال هذا المطلب بتمامه أن البينة طريق من طرق إثبات العدالة بلا كلام.
هل حجية البينات تعبدية؟
المطلب الثاني الذي تعرض له قدس الله نفسه هو أن حجية البينات وطريقية البينات هل هي طريقية تعبدية أم لا؟ بمعنى أن البينة يعول عليها وإن حصل ظن بالخلاف، أم لا يعول عليها إلا إذا حصل ظن بالوفاق؟
هنالك عندهم كلام طويل الذيل، أساس هذا الكلام قد تعرض له الشيخ الأعظم أعلى الله مقامه في رسالة العدالة، وتبعه سيد المستمسك قدس سره ولكنه اكتفى بالفهرسة، اكتفى بالإشارة ولم يحقق المطلب أصلاً وإنما اكتفى بالإشارة إليه.
ومحصل ما ذكره الشيخ الأعظم قدس سره في رسالة العدالة أن هذه المسألة يتصور فيها عدة تصورات:
التصور الأول: أن اعتبار البينة منوط بحصول الوثوق بالوفاق.
التصور الثاني: أن اعتبار البينة منوط بحصول الظن بالوفاق، لا نشترط الوثوق الذي هو عبارة عن الاطمئنان، بل يكفينا الظن بالوفاق.
التصور الثالث: هو أن اعتبار البينة منوط بعدم حصول الظن بالخلاف.
الاحتمال الرابع: أن اعتبار البينات اعتبار مطلق، فهي طريق تعبدي، بمعنى أن الشارع المقدس تعبدنا بالأخذ بالبينات بغض النظر: هل حصل لنا ظن بالوفاق أم لم يحصل؟ هل حصل لنا وثوق أم لم يحصل؟ هل عندنا ظن بالخلاف أم لا؟ هي طريق تعبدي تعبدنا الشارع به، وإذا كانت طريقاً تعبدياً فلا عبرة بغير بغير التعبد، فلا عبرة بغير التعبد.
وبالتالي فحتى لو حصل عندنا ظن بالخلاف فهذا الظن لا أثر له، لو أن الشارع تعبدنا بالأخذ بالبينة وقامت البينة على عدالة شخص من الناس، ولكن حصل عندنا ظن بخلاف هذه الشهادة، بخلافها، لا عبرة بذلك إذ البينة طريق تعبدي.
وما عليه التحقيق عندهم هو أن حجية البينة حجية تعبدية، وأن طريق البي... طريقية البينة طريقية ماذا؟ تعبدية. لماذا؟ لإطلاق الأدلة. لإطلاق الأدلة، والشيخ الأعظم نفسه قد أشار إلى ذلك أن المسألة منوطة بإطلاق الأدلة، إلا أن يدعى انصرافها إلى أحد التصورات التي ذكرناها، وهذه الدعاوى مما لا دليل عليها، فنبقى نحن وإطلاق الأدلة؛ البينة حجة بظاهر هذه الأدلة التي ذكرناها حجية مطلقة، فمتى ما حصلت تم التعويل عليها وإن كان لم يحصل ظن بالوفاق، بل وإن حصل ظن بالخلاف أيضا إطلاق الأدلة يكفينا.
طبعا هناك تفصيل تبناه الشيخ الأعظم هنا لكن أجد لا حاجة لذكره.
الشهادة القولية والشهادة الفعلية في إثبات العدالة
المطلب الثالث الذي تعرض له الشارح أعلى الله مقامه الشريف هو أن الشهادة التي هي طريق لإثبات العدالة هل هي مقصورة على الشهادة القولية أم تعم الشهادة الفعلية أيضاً؟
فتارة يشهد شاهدان شهادة قولية بأن زيداً من الناس عادل، وهنا لا كلام في عدالته بمقتضى ما تقدم. وتارة أخرى لا يشهدان قولا ولكنهما يفعلان فعلاً هذا الفعل شهادة بعدالة زيد من الناس، كأن يصليا وراءه من غير ضرورة تدعوهما للصلاة خلفه أو سبب من الأسباب يدعوهما للصلاة خلفه. فحينئذ إذا حصلت هذه الشهادة الفعلية منهما -من الشاهدين- بعدالة شخص، هل يمكن التعويل عليها أم لا؟
هذا المطلب أيضاً أساسه الشيخ الأعظم قدس الله نفسه في رسالة العدالة، والسيد قدس سره تبعا للشيخ، والشيخ الأعظم تبعا للشهيد رضوان الله تعالى عليه حيث جزم في محكي الدروس بعدم الفرق بين الشهادة الفعلية والشهادة القولية، كلهم بنوا على أنه لا فرق بين الشهادتين.
والوجه في ذلك هو إطلاق الأدلة، فإن أدلة اعتبار البينة أدلة مطلقة، ويمكن أن يدعى بأن هذا الإطلاق يشمل الشهادة الفعلية كما يشمل الشهادة القولية. ولكن هذا مما يمكن أن يدغدغ فيه، باعتبار تحقق الانصراف في مثل هذه الأدلة للشهادة القولية ليس ببعيد، فإن الظاهر عرفاً من قولهم «شهد شاهدان بعدالة شخص» أو من قولهم «قامت البينة على عدالة زيد» ظاهر هذه الأدلة شهادة قولية قولية لفظية وليست الشهادة الفعلية، فلفظ البينة لا يبعد انصرافه إلى ماذا؟ إلى خصوص الشهادة القولية، وبالتالي فالتمسك بالإطلاق مع وجود هذا الانصراف في غير محله.
ولكن هذا مما تنبه له الشيخ الأعظم رضوان الله تعالى عليه وأجاب عنه فقال: بأن الانصراف ها هنا إن سلمنا به فإن ذلك لا يمنعنا من الاستدلال، لماذا؟ لإمكان تنقيح المناط القطعي. بأي بيان؟ يقول: نحن الذي نستفيده من هذه الأدلة أو مما شاكلها -نظير صدق العادلين، نظير صدق المؤمن- الذي نستفيده من لسان هذه الأدلة هو أن المدار على أنباء المؤمن، على أخبار المؤمن.
فمتى ما أنبأ المؤمن بنبأ، متى ما أخبر العادل بخبر، فإن هذا النبأ وهذا الخبر ينبغي التعويل عليه، ومتى ما أرشد إلى شيء فينبغي الأخذ بإرشاده، ومتى ما دل على شيء فينبغي الإصغاء لدلالته، هذا هو المستفاد من لسان هذه الأدلة.
وإذا كان هذا هو المستفاد من لسان الأدلة فإن الإنباء عن شيء كما يكون بالقول يكون بالفعل، ولذا لا يتردد أحد في أن العادلين لو كتبا شهادتهما ولم يتلفظا بها لا يتردد أحد في أن هذه الكتابة يعول عليها ويؤخذ بها مع أنها شهادة فعلية وليست شهادة قولية، وما ذلك إلا لماذا؟ إلا لوجود تنقيح المناط القطعي.
فإن أبيت -كما أبى سيدنا الاستاذ قدس سره في فقه الاجتهاد والتقليد- عن قطعية تنقيح المناط ها هنا، وإن أبيت من وجود تنقيح القطعي -تنقيح المناط القطعي- فلا أقل من وجود تنقيح المناط الاطمئناني، وهذا يكفينا. وما عليه سيرة المتشرعة من التعويل على الشهادة الفعلية يؤيد تنقيح المناط هذا، كأخذهم بالشهادات الكتبية في موارد الجرح والتعديل، فإننا إلى يوم الناس هذا وجميع المتشرعة نعول على تعديلات الشيخ النجاشي وتعديلات الشيخ الطوسي وجرحهما مع أنها تعديلات فعلية وليست لفظية لأن الكتابة من الشهادة الفعلية.
فعلى ذلك، هب أن الأدلة منصرفة، إلا أن الانصراف لا يمنع من التمسك بها لوجود طريق آخر لاستفاده الإطلاق وهو تنقيح المناط القطعي، وإن لم تقبل فالاطمئنان.
وبهذا يتم الكلام حول الطريق الثاني وهو طريق البينات، فيأتي الكلام إن شاء الله حول الطريق الثالث وهو حسن الظاهر. نسأل الله العافية والتوفيق والبقاء إن شاء الله. اللهم احفظكم. الحمد لله رب العالمين. اللهم احفظكم، وأنتم إن شاء الله.
