منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 101

تحميل Word

101

تعريف هذه الصناعة وبيان معنى الخطبة

هذه الأبحاث، كما أشرنا في البحث السابق، لا يوجد فيها مطلب مهم، ولكن من باب أنه لا نترك شيئاً من الكتاب، نحن نحاول أن نقرأها بسرعة إن شاء الله تعالى حتى نصل إلى مباحث المغالطة.

قال: يمكن مما تقدم أن نتصيد تعريف صناعة الخطابة على النحو الآتي حسبما هو معروف عند المنطقيين، وهي أن الخطابة صناعة، ولكن الصناعة قد تكون علمية وقد تكون عملية، ولهذا قيد الصناعة بأنها علمية.

بسبب هذه الصناعة يمكن إقناع الجمهور، لأننا ذكرنا فيما سبق أن الهدف الأساسي من الخطابة هو الإقناع وليس الغلبة على الخصم. نعم، قد يحصل غلبة، ولكن الهدف الأساسي هو إقناع الطرف الآخر أو إقناع الجمهور. ويمكن إقناع الجمهور في الأمر الذي يتوقع حصول التصديق به بقدر الإمكان، وطبيعي هذا القدر الإمكان هذا القيد ذكرناه أيضاً في صناعة الجدل أيضاً بأنه بقدر الإمكان، لأنها ملكة، والملكة لها شدة ولها ضعف ولها مراتب مختلفة. هذا هو تعريف أصل هذه الصناعة التي غايتها حصول ملكة الخطابة، التي بها بهذه الملكة يتمكن الشخص من إقناع الجمهور.

والمراد من القناعة هنا معنيان أو أحد معنيين:

المعنى الأول: أن يحصل له اطمئنان بصحة هذا القول.

المعنى الثاني: ألا يحصل له اطمئنان بصحة هذا القول، ولكنه نفسه تميل إلى هذا القول أكثر مما تيلها إلى القول الآخر.

والمراد من القناعة هو التصديق بالشيء مع الاعتقاد بعدم إمكان أن يكون له ما ينقض ذلك التصديق، أو مع الاعتقاد بإمكان ما ينقضه، وهذا ما تقدم في بحث اليقين وفي بحث الظن. قد يحصل للإنسان اعتقاد جازم لا يحتمل النقيض، يحصل له اعتقاد جازم، يحصل له اعتقاد ولكنه يحتمل النقيض، أو مع الاعتقاد بإمكان ما ينقضه، إلا أن النفس تصير بسبب الطرق المقنعة أميل إلى التصديق من خلافه، أميل إلى التصديق من خلاف التصديق، يعني من عدم التصديق، وهذا الأخير هو المسمى عندهم بالظن على نحو ما تقدم في هذا الجزء.

ثم إنه ليس المراد من لفظ الخطابة التي وضعت لها هذه الصناعة مجرد معنى الخطابة المفهوم من لفظها في هذا العصر، لا يتصور نحن عندما نقول خطابة مرادنا يعني أن شخصاً يرتقي المنبر ويتكلم، لا، هذا أحد مصاديق الخطابة المنطقية، وإلا على صفحات المجلات والجرائد وفي الكتب والمحاورات أيضاً الخطابة قد تتحقق إذا توفرت فيها شرائط الخطابة وشرائط صناعة الخطابة التي نقول بها، وهو أن يقف الشخص ويتكلم بما يسمع المجتمعين بأي أسلوب كان، لا، ليس المراد من الخطابة هذا المعنى الذي نتعارفه من الخطابة والخطيب في أيامنا، بل أسلوب البيان أولاً، وأداء المقاصد بما يتكفل إقناع الجمهور ثانياً، هو الذي يقوِّم معنى الخطابة.

إذاً هذان الركنان هما اللذان يقوِّمان معنى الخطابة: أولاً، أسلوب البيان، وثانياً، أداء المقاصد بالنحو الذي يؤدي إلى إقناع الجمهور، وإن كان بالكتابة وإن كان بالمحاورة، كما يحصل في محاورة المرافعة عند القضاة والحكام، أيضاً هذا نحو من الخطابة، وهذه الصناعة تتكفل ببيان هذا الأسلوب وكيف يتوصل إلى إقناع الناس بالكلام، وما لهذا الأسلوب من مساعدات وأعوان من صعود على مرتفع ورفع صوت ونبرات خاصة وما إلى ذلك مما سياتي شرحه في مقومات وأجزاء الخطابة.

أجزاء الخطابة

قال: الخطابة تشتمل على جزئين رئيسيين: الجزء الأول الأعوان أو عفواً العمود، والجزء الثاني الأعوان.

المراد من العمود يعني تلك المقدمات التي يستعين بها الخطيب لتشكيل الاستدلال، سواء كان استدلالاً قياسياً أو استقرائياً أو تمثيلياً، المهم لا فرق، المهم تلك المقدمات التي يعتمد عليها الخطيب للوصول إلى النتائج المطلوبة وهي إقناع الجمهور، هذه تسمى بالعمود، لأنه واقعاً هي عمود هذا الفن وعمود هذه الملكة، وما زاد عن ذلك وهي أمور كثيرة فتسمى الأعوان باعتبار أنها تعين هذا العمود للوصول إلى المطلوب وهو إقناع الجمهور.

العمود: ويقصدون بالعمود هنا مادة قضايا الخطابة، لأنكم تعلمون أن الخطابة ملكة وتحتاج إلى استدلال، وهذا الاستدلال يتقوم بالمادة والهيئة كأي استدلال آخر، فمادة قضايا الاستدلال في الخطابة تسمى ماذا؟ تسمى بالعمود. يقول والمقصود يقصدون بالعمود هنا مادة قضايا الخطابة التي تتألف منها الحجة الإقناعية، وتسمى الحجة الإقناعية باصطلاح هذه الصناعة تسمى ماذا؟ بالتثبيت، الحجة جميعاً تسمى بالتثبيت، المواد تسمى ماذا؟ بالعمود على ما سياتي إن شاء الله في الأبحاث اللاحقة. وبعبارة أخرى: العمود هو كل قول مو هيئة، يعني تلك القضايا المواد، كل قول منتج لذاته للمطلوب وهو إقناع الجمهور انتاجاً بحسب الإقناع، مو فقط أن تسكت الخصم، مو فقط أن تغلب الطرف الآخر، لا، لا، ليس الأمر كذلك، وإنما أن توصل الطرف الآخر إلى الإقناع، إلى التصديق، أسأ إما المانع من النقيض أو لا.

وإنما سمي عموداً فباعتبار أنه قوام الخطابة وعليه الاعتماد في الإقناع.

الأعوان: ويقصدون بها الأقوال والأفعال والهيئات الخارجة عن العمود، مو الخارجية، والهيئات الخارجة عن العمود المعينة للعمود على الإقناع المساندة للعمود على التأثير المهيئ للمستمعين على قبول ذلك الأمر وهو التثبيت.

وكل من الأمرين العمود والأعوان يعد في الحقيقة جزءاً مقوماً للخطابة، لأن العمود وحده قد لا يؤدي تمام الغرض من الإقناع ما لم تنضم إليه الأجزاء المساعدة والعوامل المساعدة، بل على الأكثر يفشل العمود في تحقيق الغرض المقصود وهو الإقناع، والمقصود الأصلي من الخطابة هو الإقناع كما تقدم، فكل ما هو مقتضٍ للإقناع ودخيل له، فكل ما هو مقتضٍ للإقناع دخيل في تحققه، لابد أن يكون في الخطابة دخيلاً، كل ما يؤثر في ايجاد هذا الهدف وتحقيق هذه الغاية وهي الإقناع يكون دخيلاً ويكون من أجزاء فن الخطابة، وإن كان من الأمور الخارجة عن مادة القضايا التي تتألف من تلك المادة الحجة وهي العمود.

وقولنا هنا مقتضٍ للإقناع أعم من أن يكون مقتضٍ ومقتضى، أو أن يكون مهيئاً لتحقق المقتضي. لأنه تعلمون تارة أن المقتضي يتحقق، يتحقق بعده بعد ذلك ماذا؟ الأثر. وأخرى أن المقتضي لا يتأثر، لا يوجد، ولكن تتهيأ مقدمات تحقق المقتضي من باب المثال، مرة أن النار موجودة، وهذا هنا المقتضي متحقق بالفعل، ومرة النار مو موجودة، ولكن عود الكبريت موجود، والورق موجود، والبنزين موجود، والسائل الذي نريد أن نحرقه أو المادة التي نريد أن نوجد منها النار موجودة، فهنا المقتضي ليس موجوداً بالفعل، ولكنه مقدمات المقتضي موجودة بالفعل.

يقول: هذه الأجزاء وهي المساعدات أو الأعوان، هذه إما هي مقتضية للإقناع، وإما هي تهيئ لوجود مقتضي الإقناع. وقولنا هنا مقتضي للإقناع، نقصد بالمقتضي بهذا القول أعم مما يكون مقتضياً لنفسه، للإقناع، أو مقتضياً للاستعداد للإقناع، يعني يهيئ الأرضية لتحقق المقتضي وتحقق الإقناع بعد ذلك.

والمقتضي لنفس الإقناع ليس العمود وحده كما ربما يتخيل، بل شهادة الشاهد أيضاً تقتضي الإقناع مع أن شهادة الشاهد من الأعوان لا من العمود، وشهادة الشاهد على قولين: إما شهادة قول وإما شهادة حال، إما شهادة قولية وإما شهادة حالية. فهذه أربعة أقسام ينبغي البحث عنها، العمود والشهادة القولية وشهادة الحال، ومو والمقتضي للإقناع، والمقتضي للاستعداد لتحقق الإقناع.

ويمكن فتح البحث فيها بأسلوب آخر من التقسيم، بأن نقول: الخطابة تشتمل على عمود وأعوان، ثم الأعوان على قسمين: إما بصناعة وحيلة، وإما بغير صناعة وحيلة، يعني إما أن تتحيل في تلك المقدمات أو لا، ثم الأعوان تلك المقدمات، تلك المساعدات على قسمين: إما بصناعة وحيلة، وإما بغير صناعة وحيلة. بيان الصناعة والحيلة يأتي، والأول وهو وما كان بصناعة وحيلة، وهو ما كان بصناعة وحيلة، ويسمى استدراجات.

طيب الاستدراج على ماذا؟ قال: والاستدراج على ثلاثة أقسام: استدراجات بحسب القائل، أو بحسب القول، أو بحسب المستمع، والمستمع، والثاني: وهو ما كان بغير صناعة وحيلة، يسمى نصرة وشهادة، وهي الشهادة، أي الشهادة على قسمين: شهادة قول وشهادة حال.

فهذه ستة أقسام: العمود أولاً، استدراجات القائل، استدراجات بحسب القول، استدراجات بحسب المستمع، وهو القسم الأول من الأعوان، ثم شهادة القول، ثم شهادة الحال، وهي القسم الآخر من الأعوان. فهذه الستة وهي بالاخير تكون أجزاء الخطابة، فينبغي البحث عنها واحدة واحدة.

أما العمود: فقد تقدم الكلام عنه فيما سبق ولكنه الكلام كان عنه بنحو الإجمال، أما تفصيله وهو أن المقدمات التي نعتمدها في الخطابة ما هي؟ مادة الاستدلال ما هي؟

تقدم أن البرهان مادة الاستدلال فيه هي اليقينيات، وتقدم أن الجدل مادة الاستدلال فيه هي المشهورات الحقيقية، إلا أن مادة الاستدلال أعم من المشهورات الحقيقية والظاهرية والمسلمات والمقبولات ونحو ذلك، فدائرة المقدمات ودائرة المواد التي تدخل في عملية الاستدلال الخطابي أوسع بكثير من دائرة الجدل ودائرة اليقين ودائرة البرهان، وقد تقدم معناه وهو يتألف من المظنونات أو المقبولات أو المشهورات أو المختلف بينها، وقد سبح وسبق شرح هذه المعاني تفصيلاً في مقدمة الصناعات الخمس.

واستعمال المشهورات هنا ليس مختصاً بالمشهورات الحقيقية، وهي التي لا تزول عند التعقيب والتأمل، بل يمكن أن تكون من المشهورات الظاهرية، وهي التي تزول عند التعقيب والتأمل والفحص والتفتيش عنها.

قال: واستعمال المشهورات في الخطابة باعتبار ما لها من التأثير على السامعين في الإقناع، ولذا يعني الحيثية التي نستعمل هذه المواد وهذه القضايا، الغرض تأثير تلك المقدمات في الإقناع، سواء كانت مطابقة للواقع أو لا، سواء كانت مشهورات حقيقية أو لا. إذاً الغرض ماذا؟ أن المقدمة يكون لها التأثير في إقناع المستمع والجمهور. فستجدون هناك في البرهان قلنا إن الغرض والهدف هو الوصول للكشف، في الجدل قلنا الغرض هو التغلب على الخصم سواء كانت المقدمات واقعية مطابقة للواقع أو لا، أما هنا نقول الهدف هو إقناع الجمهور سواء كانت واقعية أو لا، سواء كانت مشهورات حقيقية أو لا.

واستعمال المشهورات في الخطابة باعتبار ما لهذه المشهورات من التأثير على السامعين في الإقناع، ولذا لا يعتبر في هذه المشهورات المستعملة في الخطابة إلا أن تكون إلا أن تكون مشهورات ظاهريّة، ولذا لا يعتبر فيها إلا أن تكون مشهورات ظاهريّة وهي التي تحمد في هي العبارة ظاهراً، ولذا لا يعتبر فيها أن تكون إلا أن تكون ولذا لا يعتبر فيها أن تكون مشهورات، لا يشترط إلا أن تكون مشهورات ظاهريّة.

يمكن أن تستفيد من المشهورات الحقيقية أيضاً. نعم، لا يشترط أن تكون مشهورات حقيقية، مو يشترط أن تكون مشهورات ظاهريّة، فرق كبير بين المقامين. مو يشترط أن تكون مشهورات ظاهريّة، يعني المشهورات الحقيقية لا يجوز استعمالها، لا، لا، لا يشترط أن تكون مشهورات حقيقية، يمكن أن تكون ويمكن أن تكون مشهورات ظاهريّة، مطلب واضح، وهي التي تحمد في بادئ الرأي عن المشهورات الظاهريّة وإن لم تكن مشهورات.

وبهذا تفترق الخطابة عن الجدل، إذ الجدل لا يستعمل فيه إلا المشهورات الحقيقية، وقد سبق ذلك في بحث الجدل، وقلنا هناك أن الظاهرية يعني المشهورات الظاهرية تنفع فقط في صناعة الخطابات، وإنما قلنا ذلك فلأن الخطابة غايتها الاقتناع، ويكتفى ويكتفى بما هو مشهور أو مقبول مسؤول لدى المستمعين، وإن كان مشهوراً في بادئ الرأي وتذهب شهرته بالتعقيب والتأمل والتعمق فيها، إذ ليس في الخطابة رد وبدل ومناقشة وتعقيب، على العكس من الجدل المبني على المحاورة والمناقضة، فلا ينبغي فيه أي في الخطابة في هذه الصناعة فلا ينبغي في الجدل استعمال المشهورات الظاهرية إذ يعطي بذلك لو استعملنا المشهورات الظاهرية في الجدل يعطي مجَالاً للخصم لنقضها وتعقيبها بالرد، أما المظنونات والمقبولات فواضح اعتبارها في عمود الخطابة إذا كان يحقق الغرض المقصود وهو إقناع الجمهور.

الاستدراجات بحسب القائل

إذاً تقدم أن العمود أولاً ما هو؟ وهي مادة الاستدلال الخطابي، وتبين أن هذه المادة أعم من المشهورات الحقيقية والظاهرية والمقبولات والمسلمات، وكل ما يؤدي الإقناع بالنسبة إلى الجمهور.

نأتي إلى القسم الثاني، وهي الاستدراجات بحسب القائل. ما هي الاستدراجات بحسب القائل؟ وهو أن يظهر القائل، وهو الخطيب، أن يظهر بمظهر يؤثر في إقناع الجمهور، كل بحسبه.

إذا كان المستمع من الجنود ومن العسكر، من الواضح أن الذي يؤثر فيه من؟ قائد يؤثر، فيفترض بأنه سيأتي إنسان يتكلم في ذلك الاختصاص الذي يريد أن يتكلم فيه القائد العسكري، وله معلومات أكثر من القائد العسكري، ولكنه الذي يستطيع أن يقنع تلك الحشود من من الجنود، من يستطيع أن يقنعهم أفضل؟ قائدهم يستطيع أن يقنعهم، لماذا؟ لأنه توجد مجموعة من القضايا موجودة في القائل غير موجودة في ذلك القائل الآخر.

وهكذا أنتم تعالوا إلى مطلب إلى هذا عموم الناس، تجدون بأنه المرجع عندما يقول شيء، العالم عندما يقول شيء، يؤثر فيه. لعله نفس هذا المطلب يقوله من لم يكن متزيناً بهذا الزي، لا يكذب ولا يقتنع به، نفس هذا المطلب يقوله ولكن غير المتزيي بهذا الزي، لماذا؟ لأن القائل له مجموعة من الخصوصيات، من الملبس، من الكلام، من الناحية الروحية النفسية لها مجموعة من الآثار تؤثر في الإقناع، هذه غير موجودة ماذا؟ عند شخص آخر وإن كان من حيث معلومات أفضل منها ممكن أو غير ممكن؟ نعم، ممكن.

وهذه هي المراد من الاستدراجات بحسب القائل، فلهذا ينبغي على الخطيب أن يعرف نفسية الجماهير وما تؤثر فيه في نفسية الجماهير، تؤثر في نفسية الجماهير، وما يتنفر الجماهير منه وما ينجذب الجماهير إليه، حتى يستطيع أن يتكلم بتلك الأمور التي تجذب الجماهير إليه فيقنعها، لا أن تنفر الجماهير عنه فترفض الجماهير ذلك القائل وبالتبع ترفض رأي ذلك القائل.

وهي من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع، لا من الذي يقتضي نفس الإقناع كما أشرنا فيما سبق، وهي أي الاستدراجات بحسب القائل، وهي من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع، وتكون هذه الاستدراجات بصناعة وحيلة بتدخل من نفس القائل، وذلك بأن يظهر الخطيب قبل الشروع في الخطابة بمظهر مقبول بمظهر مقبول القول عند الجماهير، ويتحقق ذلك يعني أن يظهر بمظهر مقبول القول عند الجماهير على نحوين:

الأول: أن يثبت أو أن يثبت فضيلة نفسه، أنه صاحب تخصص في هذا الأمر الذي يريد أن يتكلم فيه إذا لم يكن معروفاً لدى المستمعين. إذا كان معروفاً أنه من أهل الاختصاص في هذا المجال لا يحتاج إلى تعريف، أما إذا كان مجهولاً ويبقى المستمع بين الرد وبالقبول، يقدم رشداً ويؤخر أخرى في أن يقبل أو لا يقبل، أن يثبت فضيلة نفسه إذا لم يكن معروفاً لدى المستمعين، أن يثبت فضيلة نفسه إما بتعريفه هو لنفسه، يعرف نفسه من هو وما هي اختصاصاته، أو بتعريف غيره يقدمه لهم أي للجماهير بالثناء بأن يعرف نسبه وعلمه ومنزلته الاجتماعية أو وظيفته إذا كان موظفاً أو نحو ذلك.

ولمعرفة شخصية الخطيب الأثر البالغ إذا كانت له شخصية محترمة في سهولة انقياد المستمعين إلى الخطيب والإصغاء له وقبول قوله، فإن الناس تنظر إليه، ينظر إلى من قال لا إلى ما قيل. ولهذا قالوا: عيون عقول الناس في عيونهم، لا عيونهم في عقولهم، يفكر بعينه، لا أنه ينظر ويرى بعقله، العاقل هو الذي يرى ولكن يرى بعقله، ولكنه الإنسان العادي هو الذي يفكر ماذا؟ بنظره ببصره بسمعه ونحو ذلك.

إذاً هنا يقول مع أن الحكمة مع أن الغرض انظر إلى ما قيل ولا تنظر إلى من قال، لأن الحكمة لأن الحكمة ضالة المؤمن يريدها أينما أو يبحث عنها ويريد الحصول عينيها أينما وجدها، سواء كانت عند هذا أو عند ذاك أو عند أي شخص آخر.

قال: فإن الناس يعني عموم الناس تنظر إلى من قال لا إلى ما قيل، وذلك لماذا؟ قال: وذلك لطبيعة اتباعاً لطبيعة المحاكاة التي هي من غريزة الإنسان، لا سيما في محاكاته لمن يستطيع أن يسيطر على مشاعره وإعجابه، ولا سيما في المجتمعات العامة، فإن غرائز الإنسان وبالخصوص غريزة المحاكاة تحيا في حال الاجتماع أو تقوى موجودة ولكنه تتقوى، وهذا ما يسمى بالعقل الجمعي، أن العقل الجمعي يؤثر في وجود الإنسان، لعل الإنسان لو كان على انفراد لما اتخذ هذا التصميم وهذا القرار وهذا لما قام بهذا العمل، ولكنه وهو في المجتمع فإن المجتمع لو يصمم شيء فانه أيضاً يقوم بذلك العمل.

أنتم واجدين بأنه الإنسان عندما يأتي في في في علامات المرور، يأتي ويجد أن العلامة حمراء، لو كان منفرداً لوقف، ولكنه يجد أنه هو يقف قليلاً تبدأ السيارات ماذا؟ تتجاوز العلامة الحمراء أيضاً يؤثر محاكاته، يؤثر هو أيضاً مع ويعلم أنه هذا هذا العمل خلاف، ولكنه مع ذلك طبيعة المحاكاة تحكم عليه أنه ماذا أيضاً يسري وراءه، أن يظهر بما أن يظهر بما يدعو إلى تقديره واحترامه.

شوفوا الآن مرجع وله لباسه المخصوص ووضعه المخصوص، هذا لو خرج بلباسه المخصوص وبمحاسنه المخصوصة إلى الناس وبعمامته المخصوصة أن له نحو من الأثر، هسا يفترض نفس هذا المرجع نزع العمامة وخفف المحاسن بالنحو الشرعي، عرفت شلون؟ ثم لبس لبساً آخر ثم تكلم للناس، وهم يعرفوه هو هو مو غير هذا، يقل تأثيره أو لا يقل تأثيره؟ مع أنه هو هو، هذه المظاهر ماذا تؤثر؟ هذه تؤثر في عقول العموم عموم الناس، هذه المطالب تؤثر فيه. ومن هنا جاءت بأنه خلاف المروءة أن يلبس العالم ماذا؟ لباس الجندي من هذه الجهة، أن يظهر بما يدعو إلى تقديره واحترامه وتصديقه والوثوق بقوله، وذلك يحصل بأمور منها لباسه وهندامه.

ينقل قضية الشيخ محمد جواد مغنية رحمة الله تعالى عليه في كتابه مع علماء النجف الأشرف يقول: حصلت هناك حصل هناك اجتماع بين علماء العامة وعلماء الإمامية في قم، واجتمع علماء رضوان الله تعالى، علم يذكر مجموعة من الأقطاب. يقول هؤلاء كانوا جالسين في المجلس، ثم دخل علماء العمة، أنا من نظرت إلى علمائنا ثم نظرت إلى علمائهم وجدت أساساً هو نفس مظهرهم هذا مقدم على مظهر هؤلاء، لماذا؟ لأنه بعض أولئك كان حليق اللحية، عالم من علمائهم ولكنه حليق اللحى، بعض لا لا عمة له بالمعنى المناسب ولكنه نظرت إلى علمائنا وجدت هذا الملبس الجيد وهذه العمة الكبيرة وهذه المحاسن أساساً الإنسان ينبهر فقط بهذا المظهر بلا احتياج إلى شيء آخر. وهذه تؤثر في الناس، اطمئنوا أنها مؤثرة تأثيراً كبيراً في الناس، أنتم واجدين بأنه عمة صغيرة أو عمة كبيرة تؤثر في الناس، أن الإنسان المتكلم عمته صغيرة له عمته كبيرة وتؤثر في وضع الناس وفي تقدير الناس له.

وذلك يحصل بأمور منها لباسه وهندامه، فاللازم على الخطيب أن يقدر المجتمعين ونفسياتهم وما يقدر من مثله أن يظهر به، ما يمكن لمثله أن يظهر به يجب أن يحصل له، فقد يقتضي أن يظهر بأفخر اللباس وبأحسن بزة تليق بمثله، وقد يقتضي أن يظهر بمظهر الزاهد الناعم الناسك، كل في زمانه.

فلهذا في الرواية عن الإمام الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: كان قد لبس جبة قيمتها كذا دينار، فدخل عليه أولئك الذين كانوا يظهرون شيئاً ويبطنون شيئاً آخر، فأشكلوا على الإمام الصادق: يا ابن رسول الله ما كان جدك أمير المؤمنين سلام الله عليه يلبس مثل هذه الثياب فلماذا أنت تلبس أفخر الثياب؟ الإمام سلام الله عليه قال: ادن مني. فلما دنا منه يقول: قلب رداءه، قال: هذا لبسناه لله وهذا لبسناه لكم باعتبار أن الزمن زمن الخير والناس يلبسون مثل هذه فنحن لبسنا حتى لا نكون شواذ بين الناس، ولكنه هذا الصوف الخشن لبسناه لمن؟ لبسناه لله. ولكن يا فلان ادن مني أنت تعليق! يقول: فقلب رداءه فوجده قد لبس اللباس الناعم تحت ولبس الصوف الخشن فوق، قال: هذا لبستموه لله وهذا لبستموه للناس، ذاك أنتم لبستموه لأنفسكم، شوفوا، أما للناس ماذا لبستم؟ لبستم كذا حتى تفعلوا معي.

وهذا يختلف باختلاف الدعوة وباختلاف الحاضرين. طيب أنت مرة تدعو إلى أن الإنسان لابد أن يتنعم بالدنيا وألا يترك الدنيا، وعليك لباس ماذا؟ لباس الزهد، هل يتناسب هذا اللباس مع الدعوة أو لا يتناسب؟ أنت تدعوهم تجد أنهم مجموعة من الناس تركوا كل شيء، نسائهم، دنياهم، أطفالهم، لباسهم، كل شيء تركوا، وانت الذي تدعو تدعوهم إلى الدنيا وتدعوهم إلى أن يتنعموا وأن يتقووا بهذه الأمور على العبادات، هم ينظرون إليك يجدون أنك مثلهم، يقيناً كلامك سوف لا يؤثر فيهم.

إذاً إذا كانت الدعوة إلى الدنيا فلا بد أن يكون الملبس ماذا؟ ملبس دنيا، أما إذا كانت الدعوة إلى الزهد وأنت لابس أفخر الثياب، شايفين البعض مولانا يدعو الناس إلى الزهد ولكنه هو مثلاً جالس في بيت من أفضل البيوت وجالس في يركب سيارة من أفضل السيارات، الناس لا تقبل منه أنه إذا كان زهد فلماذا أنت لا تزهد؟ (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم بأعمالكم ادعوا لنا).

قال: باختلاف الدعوة وباختلاف الحاضرين وعلى كل حال ينبغي أن يكون الخطيب مقبول الهيئة عند الحاضرين حتى لا يثير تهكمهم أو اشمئزازهم أو تحقيرهم له.

ومنها ومن تلك الأمور: ملامح وجهه وتقاطيع جبينه ونظرات عينيه وحركات يديه وبدنه، إن هذه أمور معبرة ومؤثرة في السامعين إذا استطاع الخطيب أن يححسن التصرف بهذه الأمور حسبما يريده من البيان والإقناع، وبعبارة أصرح: ينبغي أن يكون ممثلاً في مظهره، له قدرة على التمثيل، كيف؟ فيبدو حزيناً في موضع الحزن، وقد يلزم له أن يبكي أو يتباكى، ويبدو مسروراً مبتشاً في موضع السرور، ويبدو بمظهر الصالح الواثق من قوله المؤمن بدعوته في موضع ذلك وهكذا.

وكثير من الواعظين يتاثر الناس بهم بمجرد النظر إليهم قبل أن يتفوهوا، ولعلكم هذا وجدتموه بنحو واضح في إمام الأمة قدس سره الشريف، الناس بمجرد كانوا ينظرون إليه يبدؤون بالبكاء، وكم من خطيب في مجالس ذكرى مصرع سيد الشهداء عليه السلام يدفع الناس إلى البكاء والرقة بمجرد مشاهدة هيئته وسمته قبل أن يتكلم. هذه هي الاستدراجات بحسب القائل.

الاستدراجات بحسب القول

أما الاستدراجات بحسب القول: مما تقدم في الاستدراجات بحسب القائل اتضح لنا الاستدراجات ماذا؟ بحسب القول وأنه كيف يتكلم معهم. ومن الواضح لابد أن يتعرف كاملاً على الذي يحرك عواطف الجماهير، إحساسات الجماهير، لابد أن يتكلم بمثل تلك الكلمات، وهي أيضاً من أقسام ما يقتضي الاستعداد، مو ما يقتضي الإقناع وإنما يقتضي الاستعداد للإقناع، وتكون بصناعة وحيلة، وذلك بأن تكون لهجة كلامه مؤثرة مناسبة للغرض الذي يقصده، أما بررفع صوته أو بخفضه أو ترجيعه أو استرسال بسرعة أو التأني به أو تقطيعه، كل ذلك حسبما تقتضيه الحال من التأثير على المستمعين.

الإنسان يذهب إلى مجلس انعقدت لموت فلان، فبدل ما يصعد في ذلك المجلس هو يذكر الناس بالأخرة ويذكرهم بالموت وما يجري على الإنسان وأن اللذات منقطعة، وإذا به بدل هذا يذكرهم الملاذ والطيبات في الدنيا وأن الإنسان كذا وكذا، وهذا مجيد إحنا مو مخالف للشرع هذا، ولكنه هل بحسب المقام أو خلاف المقام هذا وخلاف المقام؟ هذه ليست هذه خطاتبه ليست خطابة بارعة، استدراجات بحسب القول غير موجودة.

وحسن الصوت وحسن الإلقاء والتمكن من التصرف بنبرات الصوت وتغيير الصوت حسب الحاجة من أهم ما يتميز به الخطيب الناجح، وذلك في أصله موهبة ربانية يختص بها يختص بها بعض البشر من غير كسب، المراد من غير الكسب الاختياري له، وإلا هي من الكسب أيضاً باعتبار أنه افترض أن الوراثة التي حصل عليها، أو الظروف التي عاش فيها، أو البيئة التي عاش فيها، أو البيت الذي عاش فيه، كلها هيأت له إلى أن ماذا؟ أن تحصل.

فمجموعة من العوامل قد لا تكون اختيارية، ولكن كسبية أيضاً. إذا فسرنا الكسبي يعني الذي يأخذه الإنسان بالاختيار، هي ليست كسبية. أما إذا فسرنا الكسبي في مقابل الذاتي يعني الله سبحانه وتعالى ذاتاً أعطى لهذا ولم يعطِ لهذا، لا ليست ذاتية، وإنما اجتمعت مجموعة من العوامل هيأت شرائط لم تتهيأ لفلان، مثلاً افترضوا الشجاعة، أضرب مثال، الشجاعة يقولون بأن الشجاعة من الصفات المعنوية، والمعنويات لا تورث، لا تورث هكذا يقول علماء الوراثة، صادقون أو لا ذاك بحث آخر، يقول لا تورث، ولكن هم يقولون بأنه الوراثة لها مدخل في الشجاعة، لماذا؟ لأنه لو فرضنا أن الأبوين كل واحد منهما الأب طوله مترين ونصف وزنه 200 200 كيلو والأم ما شاء الله وزن طولها 180 طولها 180 ووزنها 120 كيلو، والابن الذي يخرج ماذا يخرج؟ يخرج طويل عريض، وهذا الطويل العريض مقدمات الشجاعة متهيئة له، مقدمات الإقدام متهيئة أم لا؟ نعم، أما بخلاف عندما يخرج شخص لا يتجاوز طوله وعرضه المترو 30 سانتي وهذا مسلماً حتى لو يريد ولكنه المقدمات مو موجودة، الظروف ليست مهيئة له، الشرائط غير موجودة له، فإذا الشرائط المادية لها أثر ماذا؟ في الأمور المعنوية.

كذلك هنا، افترضوا أن أصل الخطابة لا يورث، هذه قدرة الخطابية لا تورث، ولكن الشرائط التي تحيط بالإنسان هذه تهيئ له ظروف لا تتوفر لشخص آخر، يعني مثلاً، أنا مثال آخر أضرب، السيد الصدر رحمة الله تعالى عليه، السيد الصدر عنده قدرات وإمكانات الله سبحانه وتعالى أودع فيه إمكانات وقدرات واستعدادات وذكاء عالي جداً، ولكن لو فرضنا بأنه السيد الشهيد لم يولد في مثل هذه العائلة المحفوفة من الطرفين بالعلماء والمراجع وفي جو كبير جو النجف الأشرف المحفوف بالعلماء والمحققين، هم كان يصل إلى هذا المقام أو لا يصل؟ هذا دليل على أنه أنه كان أيضاً يصل، نعم يوجد هذا النبوغ، ولكن هذا النبوغ يحتاج لإخراجه من القوة إلى الفعلية، هذه إخراجه من القوة إلى الفعلية تحتاج مجموعة من الشرائط، هذه بعد ليست كسبية، يعني ولد من أب فلان ومن أم فلان ومن في بيئة كذا وفي وضع كان فيه كذا، هذه كسبية وغير كسبية، ليست باختيارها ولكنها أيضاً هي من الأمور التي ماذا؟ مرتبطة باختيار الآخرين، ليست ذاتية الله وضعها في هذا الإنسان لا في إنسان آخر.

مؤخراً البعض يقول بأنه هذه إذا موهبة إلهية الله أعطى لذاك ما أعطى لذاك، الآن شنو أسأل؟ لا، لا مو بشكل، هذه مجموعة الشرائط اجتمعت تهيأت لفلان هذا هذه الظروف ولم تتهيأ لفلان، وتلك الشرائط أيضاً أمور اختيارية تابعة لأبويه لأبوي أبويه إلى آخره.

قال: وذلك في أصله موهبة ربانية يختص بها بعض البشر من غير كسب، غير أنها تقوى وتنمو بالتمرين والتعلم كجميع المواهب الشخصية، وليس هناك قواعد عامة مدونة يمكن بها بتلك القواعد ضبط وتغييرات الصوت ونبراته حسب الحاجة، وإنما معرفة ذلك تتبع نباهة الخطيب في اختياره للتغيرات الصوتية المناسبة التي يجدها بالتجربة والتمرين مؤثرة في المستمعين مع اختلاف حال المستمعين.

ولأجل هذا يظهر لنا كيف يفشل بعض الخطباء لأنه يحاول المسكين تقليد خطيب ناجح في لهجته وإلقائه كما هو المتعارف عندنا، فيبدو نابياً سخيفاً إذ يظهر بمظهر المتصنع، فاشل واضح، لأنه هذه تمثيل للآخرين، والممثل مهما حاول في النتيجة يبقى ممثل، والسر أن هذا يدرك بالغريزة والتجربة قبل أن يدرك بالتقليد للغير.

الاستدراجات بحسب المخاطب المستمع

وهي أيضاً من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع، وتكون بصناعة من الخطيب وذلك بأن يحاول استمالة المستمعين وجلب عواطفهم نحوه ليتمكن قوله فيهم ويتهيئوا للإصغاء إليه، وذلك بأن يمدحهم، بأن يكبرهم، بأن يحترمهم.

أما لو فرضنا أنه يصعد المنبر وأول ما يصعد المقدار يبدأ بالهجوم على الجماهير: أنتم كذا، أنتم كذا، أنتم مثلاً يصعد في الكوفة، أول ما يصعد يقول: يا أهالي الكوفة، أنتم الذين قتلتم الحسين، أنتم فعلتم بأمير المؤمنين كذا، أنتم، أنتم، أنتم، أنتم، وهذا بعد الناس يستعدون لأن يقبلوا قوله؟ لا يستعدون.

أما بخلافه، يبدأ بمدح الجماهير، يعطيهم الصفات اللائقه بهم، يحترمهم، يجلهم، عند ذلك هؤلاء قلوبهم ستنفتح لأن يصغوا إلى كلامه، يقول: مثل أن يحدث فيهم انفعالاً نفسياً مناسباً لغرضه كالرقة والرحمة أو القوة والغضب، أو يضحكهم بنكتة عابرة لتنفتح نفوسهم للإقبال عليه، ومثل أن يشعرهم بأنهم يتخلقون بأخلاق فاضلة كالشجاعة والكرم أو الإنصاف والعدل أو إيثار الحق، أو يتحلون بالوطنية الصادقة والتضحية في سبيل بلادهم أو نحو ذلك مما يناسب غرضه، وهذا يكون بمدحهم والثناء عليهم أو بذكر سوابق محمودة لهم أو لآبائهم أو أسلافهم.

وإذا اضطر إلى التعريض بخصومه الحاضرين فيظهر بأنهم الأقلية القليلة، هذه نقطة مهمة وهو أنه إذا أراد أن يقول يوجد فيكم من يعارضني، ليظهر بأنه أنتم نصفكم يعارضني، ثلاثة أرباعه، يقول أقل القليل واحد بالعشرة واحد بالمائة منكم يخالفني، قال: بأنهم الأقلية القليلة فيهم، أو يتظاهر بأنه لا يعرف بأنهم موجودون في المجتمع، أو أنهم لا قيمة لهم ولا وزن عند الناس.

وليس شيء أفسد للخطيب من التعريض بذم المستمعين والمخاطبين أو تحقيرهم أو التهكم بهم أو إخجالهم، فهذا كأنه يوجد حجاباً بينه وبين المستمع فإن خطابه سيكون قليل الأثر أو عديمه أصلاً، وإن كان يأتي بعد بذلك بقصد وإن كان هدفه من هذا التهكم التهكم والإخجال حتى يثير هممهم، ولكنه يؤثر عليه فلا يقبل قوله، وإن كان يأتي بذلك بقصد إثارة الحمية والغيرة فيهم لأن هذه الأمور بالعكس تثير غضبهم عليه وكرهه والاشمئزاز من كلامه، ولإثارة الحمية طرق أخرى غير هذا الطريق وهي الإخجال والاستشفاف وبعبارة أشمل وأدق أن التجاوب النفسي بين الخطيب والمستمعين شرط أساسي في التأثر بكلامه، فإذا ذمهم أو تهكم بهم بعدهم عنه وخسر هذا التجاوب النفسي.

وهكذا لو أضجرهم، وهكذا لو أضجرهم بطول الكلام، أو أضجرهم بطول الكلام، جعلهم يتضجرون بطول الكلام أو التكرار الممل أو التعقيد في العبارة أو ذكر ما لا نفع فيه لهم، أو ما ألف استماعه تكرار وعادة، والخطيب طبعا أنتم هذا تجدوه بأنه الآن المنابر التي يوجد فيها تكرار لا لا يوجد فيها جذب، لا توجد فيها لا يوجد فيها انجذاب إلى الخطيب، لا يوجد فيها تجاوب نفسي مع الخطيب، لأن الأمور التي يريد أن يقولها الحوادث التاريخية اللي يريد أن ينقلها المصائب التي يريد أن يقرأها كلها يعرفها، سمعها عشرات المرات من صغره وإلى يومه هذا، ومن هنا نحن أوصينا بعض الإخوة الذين يصعدون المنبر أنه قولوا أنه انتم تغيروا المنهجية المتعارفة في المنبر، وهو القضايا التاريخية والقضايا الخلافية والمصائب، لا، عرجوا بالمباحث إلى مباحث التوحيد، إلى مباحث الإمامة، إلى مباحث المعاد، إلى مباحث العقائد، عرجوا على تلك الأبواب، هذه أمور جديدة تطرق أسماع أسماع المستمعين فينجذبوا إليها وينسجموا معها.

والخطيب الحاذق الناجح من يستطيع أن يمتزج بالمستمعين ويهيمن عليهم بأن يجعلهم يشعرون بأنه واحد منهم وشريكهم في السراء والضراء وبأنه يعطف على منافعهم ويرعى مصالحهم وبأنه يحبهم ويحترمهم، لا سيما الخطيب السياسي والقائد في الحرب.

أسا بعد ذلك ننتقل إلى شهادة القول ثم شهادة الفعل.

أما شهادة القول: وهي من أقسام النصرة التي ليست بصناعة وحيلة. شهادة القول وهو أن يستشهد بقول هذه ليست دخيلة في أن يتصنع أو يمثل أو لا، يقول كلامه ثم يشهد أو يستشهد بقول المعصوم، بقول النبي، بقول العالم، بقول المرجع، ومن أقسام ما يقتضي نفس الإقناع، مو يقتضي الاستعداد، الإقناع، وهي تحصل إما بقول من يقتدى به مع العلم بصدقه كالنبي والإمام، أو مع الظن بصدقه كالحكيم والعالم والشاعر والعالم ونحو ذلك، وأما بقول الجماهير أو الحاكم أو النظارة، سيأتي من هو الحاكم ومن هم النظارة، وذلك بتصديقهم للخطيب يعني الحاكم أو النظارة، وذلك بتصديقهم للخطيب أو تأييدهم له بهتاف أو تصفيق أو نحوها، وأما بوثائق ثابتة كالصكوك والسجلات والآثار التاريخية ونحوها.

وهذه الشهادة على أنها من الأعوان، أنا بعض الإخوة يقولون سيدنا أنتم ابحث عندما تنقلوه في الدرس لماذا تقرؤوه؟ ما أدري الإخوة شايفين إنه أكثر الأحيان إحنا بنبين مطلب نحاول إنه المصدر للمطلب نذكره أولاً، بل نقرا عبارة الكتاب، مع أن المطلب نحن قررناه، لعله أيضاً فيه تكرار، ولكن يقيناً أن أبين أقرر المطلب من الخارج شيء وأن يستمعه الطالب أو المستمع من فمي أو من كتاب ألفه العلامة الطباطبائي شيء آخر، أو كتبه الإمام قدس سره شيء آخر، لأنه في النتيجة الهيبة والقبول العلمي الموجود في نفس المستمع للسيد الطباطبائي رحمه الله تعالى عليه حالة ومطلب، والقبول العلمي الذي يوجد عند الطالب لي أو لأستاذه مطلب آخر، فلهذا نحن نؤكد ستجدون في أبحاثنا نؤكد على هذه الحالة حتى نوجد ذلك تلك القناعة العلمية أنه هذا ليس فقط مطلب أنا أقرره ولعلي قد اشتبهت في نقله، لا، لا، المطلب موجود في كتب العلماء والمحققين حتى تحصل للطالب قناعة وللمستمع قناعة علمية وبصحة ما نقول، على أي الأحوال.

قال: أو مع الظن أو وإما بقول الجماهير أو الحاكم أو النظارة وذلك بتصديق من إلى آخره، وهذه الشهادة على أنها من الأعوان تفيد بنفي الإقناع توجد الإقناع مقتضي للإقناع، بل أساساً هذه قد تكون من ماذا؟ من العمود، لأنها إذا كان هذا القول الذي ينقله من المعصوم يمكن جعله مقدمة في الاستدلال فيكون ماذا؟ فيكون عموداً، وقد تكون بنفسها هذه الشهادة عموداً لو صح أخذ تلك الشهادة مقدمة في الحجة الخطابية وتكون حينئذ من قسم المقبولات التي قلنا إن الحجة الخطابية قد تتألف منها أن هذا القول الذي أنقله عن الإمام، عن المعصوم، عن النبي، هذا مقبول عند الطرف الآخر فيقتنع به.

أما شهادة الحال: قال: وهي أيضاً من أقسام النصرة التي ليست بصناعة وحيلة ومن أقسام ما يقتضي نفس الإقناع، وهذه الشهادة تحصل إما بحسب نفس القائل أو بحسب القول، ما هي بحسب القائل؟ مطالب تقدم الكلام لا يوجد فيها مطلب جديد، وما فيها بحسب القول مثل الحلف على صدق قول أو العهد أو التحدي كما تحدى نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قومه أن يأتوا بسورة أو آية أو آية من مثل القرآن المجيد، وإذا عجزوا عن ذلك التجؤوا إلى الاعتراف بصدقه، ومثل ما لو تحدى الصانع أو الطبيب أو نحوهما خصمه المشارك إلى آخره، إن شاء الله هذه الفرق بين الخطابة والجدل الجدال قراناه في الأبحاث السابقة وفي الدرس اللاحق ننتقل إلى أركان الخطابة، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.