دروس مقررة — النصوص المتاحة
100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 44 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 66 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 77 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 83 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 101 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 102 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 103 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 104 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 105 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 102
102
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
نحن طالعنا هذا المتبقي من بحث الخطابة وبحث الشعر، يعني صناعة الخطابة وصناعة الشعر، وجدنا أنه لا يوجد فيها أمر مهم يستحق الوقوف عنده، وإن كنا إن شاء الله لعلنا نوفق في فصول أخرى نقرأ هذا المقدار. ولكن أنا أخشى أن أضطر لتعطيل هذا الدرس بعد هذا الأسبوع، فمن الأولى أن ندخل في صناعة المغالطة، ننتهي من هذه الصناعة، بقي عندنا وقت نرجع ونتم، وأما إذا ما أتممنا فلا يوجد هناك بحث مهم في المتروك.
صناعة المغالطة ومقدماتها ومعناها
الفصل الخامس صناعة المغالطة، وفيها ثلاثة مباحث: المقدمات، وأجزاء الصناعة الذاتية، وأجزاء الصناعة العرضية.
المبحث الأول: المقدمات، معنى المغالطة وبماذا تتحقق؟ المغالطة كما سيأتي تعريفها بعد ذلك، أنك تقيم قياساً يشبه الحق، ليس حقاً، وإنما يشبه الحق، فإما يشبه القياس البرهاني، وإما يشبه القياس الجدلي.
إنا قلنا فيما سبق بأن الخطاب والشعر ليست لهما تلك الأهمية، وإنما الأهمية إنما هي للبرهان وللجدل، وقد ميزنا فيما سبق بين البرهان وبين الجدل من حيث المقدمات، من حيث المادة، قلنا بأن البرهان هو الذي يعتمد على مقدمات يقينية، أما الجدل فهو الذي يعتمد على مقدمات مشهورة، شهرة حقيقية بالنحو الذي أشرنا إليه فيما سبق. وأنتم تعلمون بأنه هذا العالم الذي نعيش فيه، عالم كما ذكرنا فيما سبق، عالم اختلط فيه الحق بالباطل. فيوجد لكل حق باطل يشبهه وليس هو. فلهذا تجد أن القرآن الكريم يقول: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. هذا الزبد الرابي يتصور البعض أنه ماذا؟ هو الحق، مع أنه ماذا؟ ليس هو الحق، وإنما يشبه الحق.
ومن هنا ورد في الروايات أن الشبهة إنما سميت شبهة لأنها تشبه الحق. وهذه الروايات التي وردت بهذا المضمون: «قف عند الشبهة، فإن الوقوف عندها خير من الاقتحام في الهلكات». وبعض الفقهاء والأصوليين حملوها على الشبهة الأصولية وهي الشك، ولكنه المحققين منهم، فالسيد الشهيد (رحمه الله تعالى عليه) قال: لا، ليس المراد من الشبهة هنا الشبهة الأصولية، وإنما المراد من الشبهة هنا يعني ما يشبه الحق وليس بحق واقعاً، فمن حيث الظاهر يشبه الحق، ولكنه من حيث الباطن هو ماذا؟ هو من حيث الباطن هو باطل.
أنتم شايفين بعض الأحيان أنت تجد بعض المعادن ليست ذهب ولكنه ماذا؟ ها؟ مطلية بالذهب، فيتبادر إلى الذهن أول ما يراها الإنسان أنها كلها من الذهب وليس كذلك، فهذا ظاهره ذلك، وإلا فباطنه فهو شيء آخر. فلهذا ورد في الرواية: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة». طبعا أنت عندما تنظر إلى ظاهر الناس يوجد اختلاف أو لا يوجد اختلاف؟ لا يوجد اختلاف، كلهم ناس، كلهم يمشي على اثنين، وكلهم له عينان، وكلهم له أذنان، وكلهم له يدان ونحو ذلك، لا فرق. ولكنه لماذا صار الناس معادن كمعادن الذهب والفضة؟ لأن الظاهر شيء والباطن شيء آخر، والاختلاف إنما يكون ببواطنهم لا بظواهرهم.
إذا في كل مورد استعملناه قياساً يشبه الحق، هسه يشبه الحق البرهاني أو يشبه الحق الجدلي، وهو يسمى ماذا؟ مغالطة، ليس بحق ولكنه يشبهه، هسه يشبهه في المادة، يشبهه صورة لا فرق، أو يشبههما فيهما لا فرق في ذلك.
طيب، الغرض من إقامة مثل هذا القياس الشبيه وليس بالقياس الصحيح، شبيه بالصحيح شبيه بالحق، الغرض منه ما هو؟ الغرض منه تغليط الطرف الآخر مثلاً، أو نقض وضع معين للآخر، لأنه أنت ترى بأن هذا له وضع معين، فسرنا الوضع في الأبحاث السابقة، قلنا ما هو المراد من الواضع؟ الوضع يعني الرأي المعتقد به أو الملتزم به، وأنت تجد بأنه هذا الرأي المعتقد به حق، لا يمكن إقامة البرهان الحقيقي على خلافه، لأنه رأي مطابق للواقع، فتضطر إلى ماذا؟ إلى أن تقيم برهاناً يشبه الحق، حتى ماذا؟ حتى تنقض وضع.
وحيث أن الطرف الآخر، وحيث أن الطرف الآخر ليست له قدرة التمييز بين القياس الحق والقياس الشبيه بالحق، فيتصور أن هناك برهان على خلاف وضعه وعلى خلاف الرأي الذي يعتقد به. طبعا، هذه القياسات التي يقيمها المغالطي لها أسماء متعددة، قد تسمى تبكيت، تبكيت برهاني، جدلي، عناد، امتحان. طبعا هذا باختلاف الخصوصيات، وإلا أصل المطلب هو هذا، وهو أنك تقيم قياساً أو تقيم استدلالاً ليس هو حق في الواقع، وإنما هو شبيه بالحق لنقض وضع معين، وحيث أن الطرف الآخر لا توجد عنده قدرة التمييز بين الحق وما يشبه الحق، فإنه تنطلي عليه هذه اللعبة، وهذه هي المغالطة.
قال: معنى المغالطة وبماذا تتحقق؟ كل قياس نتيجته تكون نقضاً لوضع من الأوضاع يسمى باصطلاح المنطقيين تبكيتاً. التبكيت لغة كما يقول التعنيف والتقريع، إما بالسوط أو بالسيف، ويستعمل أيضاً في التعنيف بالكلام مجازاً، باعتبار أنه تبكيت تعنيف لصاحب ذلك الوضع، لصاحب ذلك الرأي الذي يعتقد به.
فإذا كانت مواده، مواد هذا القياس التي هي نقض لوضع معين، فإذا كانت مواده من اليقينيات قيل له تبكيت برهاني. وإذا كانت مواده مواد القياس مادة القياس من المشهورات، طبعا المشهورات الحقيقية والمسلمات، قيل له تبكيت وتعنيف جدلي.
وأما إذا فرضنا، طبعا هذه إلى هنا إلى هنا لم ندخل في بحث المغالطة، من أين ندخل بحث المغالطة؟ من هنا، هذه كانت مقدمة لبيان معنى المغالطة. قال: وإذا لم تكن مواد القياس من اليقينيات في التبكيت البرهاني، ولا من المشهورات والمسلمات في التبكيت الجدلي، أو كانت منها المقدمات، كانت من المقدمات اليقينية في البرهان، في التبكيت البرهاني، من المقدمات المشهورة والمسلمة في التبكيت الجدلي، ولكن كانت صورة القياس ماذا؟ باطلة لا تتوفر فيها الشرائط المطلوبة، عندها تسمى ماذا؟ تسمى مغالطة.
إذاً، المغالطة ما هي؟ وهي أنك تأتي بمقدمات تشبه المقدمات اليقينية في التبكيت البرهاني أو تشبه المقدمات الجدلية في التبكيت الجدلي، هذا من حيث المادة، أو أنه من حيث المادة لا خلل في المقدمات، ولكنه من حيث الصورة الشرائط غير متوفرة، مثلاً الشرائط التي ذكرناها في الشكل الأول، في الشكل الثاني، أقسام الشكل الأول، أضرِب الشكل الأول، أضرِب الشكل الثاني وهكذا، شرائط غير موجودة، عند ذلك يسمى مغالطة.
قال: أو كانت منها أي المواد من اليقينيات أو من المشهورات والمسلمات، ولكن لم تكن صورة القياس صحيحة على حسب قوانين القياس. فلا بد أن يكون القياس حينئذ شبيهاً بالحق واليقين، هذا من حيث الصورة، أو شبيهاً بالمشهور مادة أو هيئة، هذاك ما القياس شبيهاً بالحق واليقين يمكن أن نقول مادة وصورة.
التفتوا جيداً العبارة: فلا بد أن يكون القياس حينئذ شبيهاً بالحق في مقابل القياس هذه إشارة إلى الهيئة، وشبيهاً باليقين، هذا إشارة إلى ماذا؟ إلى المادة، أو شبيهاً بالمشهور أيضاً مادة أو هيئة. فيلتبس أمره على المخاطب ويروج عليه، يعني يتصور أنه حق ويكون عنده في معرض التسليم ذلك القياس الذي يوجد فيه خلل من حيث أو خلل من حيث الصورة لأنه يشبه الحق يكون في معرض التسليم لقصور فيه، يعني لقصور في المخاطب أو غفلة.
وإلا، التفتوا، وإلا فلا يستحق أن يسمى قياساً، أما إذا لم يكن يشبه الحق مادة وصورة في القياس البرهاني وفي القياس الجدلي، هذا لا يسمى ماذا؟ لا يسمى قياساً أصلاً، أصلاً خارج عن محل الكلام. إذاً، المغالطة، إمتا تم تحديد المغالطة؟ المغالطة هو القياس الذي يشبه الحق البرهاني أو يشبه الحق الجدلي مادة أو صوراً.
وعلى هذا، فهو، أي أن كان هذا القياس المغالطي، فهو إن كان شبيهاً بالبرهان سمي سفسطائياً. سفسطة. إذاً، اصطلاح السفسطة ماذا؟ اصطلاح السفسطة في المنطق لا في الفلسفة. اصطلاح السفسطة في المنطق هو هذا، وهو أن تستعمل قياساً شبيهاً بالحق. ولكن أي حق؟ الحق البرهاني، يسمى سفسطة. هذا باصطلاح من؟ باصطلاح المناطق، وصناعته تسمى صناعة السفسطة.
وأما إن كان القياس الذي كان شبيهاً بالحق كان شبيهاً بالجدل، لم يكن شبيهاً بالبرهان مادة وصورة، وإن كان شبيهاً بالجدل سمي مشاغبياً وصناعته مشاغبة. هذا بيان الاصطلاح ليس مطلباً آخر.
لقائل أن يقول: أساساً لماذا يضطر الإنسان إلى السفسطة أو المشاغبة؟ يقول: يضطر إلى ذلك إما بالاختيار والعمد وإما عن الغفلة والاشتباه والغلط، إما أنه يريد أن يغلط الآخرين، وإما أساساً هو لا يعرف، يتصور أن هذه المقدمة يقينية وفي الواقع ليست يقينية، وإنما هي شبيهة باليقينيات لمناسبة من لمناسبات، وإلا هو لا يريد أن يغلط الغير، وإنما هو غالط في نفسه.
قال: وسبب كل من السفسطة والمشاغبة لا يخلو عن أحد شيئين: إما الغلط حقيقة من القائس، أساساً القائس هو يغلط باعتبار أنه لا يعرف الموازين مادة ولا يعرفها صورة، وإما تعمد تغليط الغير وإيقاع الغير في الغلط مع انتباهه إلى الغلط، هو ملتفت ولكنه يريد أن يغلط الآخرين لأنه لا يستطيع أن ينقض وضعهم بواسطة القياس الحقيقي البرهان أو الجدل. وعلى كل منهما يقال له مغالط، سواء كان غالطاً في نفسه أو كان عالماً بالغلط ويريد مغالطة غيره، وقياسه يسمى مغالطة باعتبار أنه في كلا الحالين يكون ناقضاً لوضع ما، لوضع معين.
وعلى هذا، فالْمُغَالَطَة التي نعنيها هنا يعني في صناعة المغالطة تشمل القسمين معاً، الغلط من نفس الغالط وتعمُّد التغليط من قبل المغاليط، ومن أجل ذلك الاعتبار أي اعتبار نقضه لوضع ما قيل له تبكيت، ولكنه تبكيت بعد ماذا؟ تبكيت مغالطي لا تبكيت برهاني، لأن التبكيت البرهاني هو الذي يكون قائماً على أساس برهاني مادة وصورة. لا تبكيت جدلي، لأن التبكيت الجدلي يكون قائم على أساس القوانين الجدلية مادة وصورة، وهذا لا يقوم على تلك القوانين، وإنما يقوم على أساس المشابهة والشبيه بينها وبين قوانين الحق البرهاني والجدل.
قال: تبكيت مغالطي وإن كان في الحقيقة ليس تبكيتاً، وإنما هو ماذا؟ تضليل، ليس تبكيتاً وإن كان في الحقيقة تضليلاً لا تبكيتاً. ولكن لماذا سمي تبكيت؟ قالوا: من باب المشابهة، من باب المشاكلة، من باب أن هذا يشبه ذاك، فسمي تبكيت مغالطي. وفي الواقع ليس هو تبكيت، ليس هو تعنيف للخاص بدليل لا لا، وإنما هو مغالطة له تضليل له، إما لأنه هو مضلل في نفسه، وإما هو عارف ولكن يريد أن يضلل غيره، كما قد يقال له بحسب غرض آخر امتحان أو عناد، كما سيأتي بيانه بعد ذلك، قلنا هذه اصطلاحات، وإلا البحث والمحتوى شيء واحد.
واعلم أن سبب وقوع تلك المواد في القياس، يعني في القياس المغالطي الذي يصح جعله قياساً، هو روايتها رواجها على العقول. هذه المقدمات كيف يمكن جعلها مقدمات في القياس المغالطي؟ يقول: رواجها وسبب الرواج مشابهة تلك المقدمات للحق في البرهان، للمشهور في الجدال. وسبب الرواج مشابهتها للحق في البرهان أو المشهور في الجدال، ولا تروج على العقول يشتبه عليها الحال لولا يقول هذا الرواج وهذا القبول من الآخرين لهذا المشابه للحق أو المشهور سببه من أين ينشأ؟ يقول سببه ينشأ قلة التمييز عند البعض بل عند الأكثر، حيث إن الأعم الأغلب لا يميزون بين الحق وما يشبه الحق، بين المشهور وما يشبه المشهور.
فلهذا تجد أن النبوءات أيضاً يصدقها جماعة. لماذا أنه فلان عندما يتنبأ ويدعي نبوة ويأتي بشيء يصدقه البعض؟ باعتبار أنهم لم يستطيعوا أن يميزوا بين المعجزة حقيقة وبين ما يشبه المعجزات. لماذا يقبل البعض؟ وهذا تجده أنت في كل المذاهب المنحرفة، الملل المنحرفة، الاتجاهات الباطلة. هؤلاء الناس الذين ذهبوا وراء مثل هذه الأديان أو المذاهب أو الملل أو الأحزاب أو النظريات، هذه لم يذهبوا إليها جزافاً، وإنما تصوروا أنها حق. هم كيف تصوروا أنها حق؟ لأنهم وجدوا فيها ما يشبه الحق، ولقلة تمييزهم بين الحق وما يشبه الحق، تصوروه حقاً واقعاً فذهبوا خلفه.
ومن هنا تتضح روايات أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) قالوا: «إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق»، فعلى الإنسان إذا أراد أن يعتقد، خصوصاً هذه الروايات في باب العقائد مهمة جداً، وهي أن الإنسان إذا أراد أن يعتقد بعقيدة فلا بد أن لا ينطلي عليه الأمر فيتصور ما يشبه الحق حقاً، حقاً واقعاً لا ليس الأمر وكم وكم للحق من شبيه وكم له من شديد بمختلف الأوجه! وإلا هؤلاء الآن الذين تجدهم في العالم أصحاب نظريات وأصحاب مذاهب وأصحاب أحزاب وأصحاب ملل وأصحاب فرق وأصحاب لا إله إلا الله، لم يقل أحد منهم أنا باطل وتعالوا خلفي، لا يقول أحد منهم ذلك.
ومنشؤه أيضاً أحد أمرين، أما هو هو غالط في نفسه ويتصور أن الذي يعتقده حق، وهذا طبعاً قليل، وإما ماذا؟ وإما هو مغرض. يريد ماذا؟ يريد الوصول إلى مقام جاه رئاسة قيادة وإلى آخره. فماذا؟ فيغلط الآخرين. يغلط من؟ يغلط أولئك الذين لهم قمة قلة التمييز وضعف الانتباه.
فلهذا تجدون من هنا ورد التأكيد من أئمة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) على العلم، على التفقه، على المعرفة. لماذا؟ لأن هؤلاء بعد لا يشتبه عليهم الأمر، وإذا اشتبه فهو نادر جداً، فهو قليل جداً، بخلاف قلة أصحاب قلة التمييز وفي ضعف التمييز بين الحق وما يشبه الحق، فإنهم اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، همج همج رعاع يميلون مع كل ريح أتباع كل ناعق، كل ما يصيح شيء هم يكونون خلفه.
التفتوا لهذه النقطة، فلهذا هذا بحث المغالطة لعله من حيث الاصطلاح ومعرفة الاصطلاح بحث ليست له تلك الأهمية، لكن من حيث المحتوى من الأبحاث الأساسية في المنطق، أن الإنسان إذا أراد أن يعتقد بشيء لا يتبادر إلى ذهنه بمجرد أن أقيم قياس يكون هناك برهان، لا لا، لابد أن يرونه أنه هذا برهان أو شبيه بالبرهان، هذا جدل أو شبيه بالجدل.
قال: ولا تروج على العقول فيشتبه فيشتبه عليها الحال إلا متى؟ لولا قلة التمييز وضعف الانتباه فيخلط الذهن بين المتشابهين ويجعل الحكم الخاص بأحدهما حكماً للآخر من غير أن يشعر بذلك، سواء كان قلة التمييز والخلط والغلط من قبل نفس القائس أو من قبل المخاطب، إذ يروج عليه ذلك.
وهذا نظير ما لو وضع الحاسب أحد العددين مكان الآخر لمشابهة بينهما، كالمثل العدد اثنين والعدد ثلاثة، يضع أحدهما مكان الآخر ماذا؟ فيشتبه، فإذا اشتبه يجد أن أحكام الاثنين يتكلم عنها وإذا هي تخرج ماذا؟ أحكام الثلاثة، فتكون كلها غلط، لمشابهة بينهما فيشتبه عليه، فيقع له الغلط في الحساب بجمع أو طرح أو نحوهما.
مثلا هذه أمثلة الآن لا نذكر باعتبار أنه سيأتي ستاتي الأمثلة مفصلاً من المصنف بعد ذلك. قال: مثلاً لو أن أحداً تمثل في ذهنه معنى من معاني المشترك في موضع معنى آخر لذلك المشترك، وهو غافل عن استعمال اللفظ في المعنى الآخر، فلا محالة يعطي للمعنى الذي تمثله الحكم المختص بذلك المعنى الآخر فيغلط.
وقد يتعمد ذلك ليوقع بالغلط غيره من قليلي التمييز، وهذا مثاله لعله الإخوة الذين يحضرون بحث الكلام عندنا واضح، وهو كلمة الرؤية مثلاً، القرآن الكريم أشار إلى أن الرؤية ممكنة، ولكن الرؤية ماذا؟ قد تستعمل ويراد منها الرؤية البصرية، وقد تستعمل ويراد منها الرؤية القلبية لا الرؤية البصرية، فهذا الغالط يتعمد أن يجعل أحد المعنيين مكان المعنى الآخر.
والخلاصة أنه لولا قلة التمييز وضعف الانتباه والقصور الذهني لما تحققت مغالطة ولما تمت لها صناعة. وهذا من قبيل الطب، فإنه لولا أن الناس يشتبهون فيستعملون ما يضرهم لما وجدت هناك صناعة الطب مثلاً. ومن سوء الحظ أن البشر مرتكس إلى قمة رأسه بالمغالطات والخلافات بسبب القصور الذهني العام الذي لا يكاد يخلو منه إنسان ولو قليلاً إلا من خصه الله تعالى برحمته من عباده الصالحين، الذين هم في الناس كالنقطة في البحر الخضم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
أغراض المغالطة
طيب، لماذا نستعمل المغالطة؟ يقول: والمغالطة بمعنى تعمد تغليط الغير بهذا المعنى لها أغراض، مرة أنه الغلط والمغالطة بسبب غلط نفس القائس، هذا لا علاقة لنا به، ومره لا أن المغالطة لا بسبب بسبب غلط نفس القائس، وإنما بسبب تعمد القائس، هذا له أغراض متعددة، هذه الأغراض متعددة يشير إليها، وكل واحد وكل غرض لها اسمها الخاص.
بمعنى تعمد تغليط الغير قد تقع عن قصد صحيح لمصلحة محمودة، مثل اختباره وامتحان معرفته، هذا يدعي أنه عالم أو نريد أن نعرف بأنه تنطلي عليه الأمور الشبيهة بالحق أو لا تنطلي، أو الآن ناتي له ببعض القياسات المغالطية لنرى أنه يستطيع أن يميز بين الحق وما يشبهه أو لا يستطيع، فإن وجدناه يستطيع أن يميز بين الحق وما يشبه الحق، ويعرف الصحيح من السقيم منهما أو فيهما، عند ذلك يمكن أن نقول للناس اتبعوه، هذا الإنسان العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس.
التفتوا جيداً، العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس. اللوابس، اللوابس جمع ماذا؟ ها؟ جمع اللبس، لبس ماذا؟ لبس الباطل بالحق، هو باطل ولكن يلبسه الحق، يلبسون الحق بالباطل، هذا إلباس الباطل بالحق وجعل الباطل له تقلية طلاء من الحق، هذا ماذا؟ هذه هي اللوابس.
يقول: العارف بزمانه بعد لا تهجم عليه. فأنت تقيم بعض القياسات المغالطية لغرض لغرض أن تعرف أن هذا الإنسان يستطيع أن يميز اللوابس عن بعضها، الحق عما يشبه الحق أو لا يستطيع، فإن كان يستطيع فهو مؤهل لقيادة الناس، أما إذا لم يكن يستطيع، صحيح إنسان متقي، إنسان يصلي صلاة الليل، إنسان له صفات الكمال، ولكنه تنطلي عليه الأمور بسرعة، هذا يصلح لقيادة الناس أو لا يصلح بعد؟ ها؟
هسه من هنا قد يكون هناك عالمون، فقيهون، مجتهدون، أصوليون، حكيمون، عارفون، متقنون، ولي كل اجمعوا ما شئتم من صفات الكمال، ولكنه مولانا هذا الإنسان هذا الإنسان تنطلي عليه الأمور بسرعة، هذا له الصلاحية وليست له الصلاحية؟ في بحث الوقف يوجد شرط يقولون: يشترط في الولي للوقف، طبعاً مو في الوقف، في كل الأبواب هكذا، يشترط في الولي يعني الذي يتولى الوقف أن يكون له خبرة وبصيرة بإدارة الوقف. لماذا؟ حتى يعرف أنه لا تنطلي عليه الأمور إذا أراد أن يؤجر مثلاً الوقف ليُعطي بزهد بثمن زهيد جداً، لا لا؟ وهذا في كل أبواب الفقه، ليس مختصاً بباب دون باب آخر، بل في كل أمور الحياة لابد أن يكون الإنسان له الخبرة في ذلك الباب.
والمغالطة بمعنى تعمد تغليط الغير قد تقع عن قصد صحيح لمصلحة محمودة مثل اختباره وامتحان معرفته فتسمى امتحاناً، أو مدافعته أو مدافعته وتعجيل إذا كان مبطلاً، يعني نريد أن ندفع هذا الباطل، إذا كان مبطلاً مصراً على باطله، فتسمى ماذا؟ عناداً. اصطلاحات.
وقد تقع عن غرض فاسد. هذه المغالطة طبعاً لا تقع عن غرض غرض صحيح وهو كشف الطرف الآخر أو دفع باطله، وإنما عن غرض فاسد، وهو إبراز قدرته العلمية أمام الآخرين. قال: مثل الرياء بالعلم والمعرفة والتظاهر في حبهما، ومثل طلب التفوق على غيره. والذي يدفع الإنسان إلى هذا الرياء وطلب التفوق شعور الإنسان الذي يقوم بهذا العمل بالنقص، مركب النقص الذي يحس به من الناحية العلمية، فيريد في دخيلة نفسه أن يعوض عن هذا النقص، وإلا العالم كما يقولون كالشجرة، كلما ازدادت ثمراً ازدادت تواضعاً، وكلما خفت ثمراً ازدادت ماذا؟ تكبراً.
أنتم شايفين الأشجار عندما لا توجد فيها ثمرة أقرب إلى الأرض أو أقرب إلى السماء؟ ها؟ أقرب إلى السماء، أما عندما تحمل الثمر ماذا؟ كلما حملت ثمراً صارت أثقل فأقربت إلى الأرض.
ينقل أن السيد العلامة (رحمه الله تعالى عليه) صاحب الميزان لم يكن يتكلم ما لم يسأل. كان يجلس جالس في مجلس ويدور بحث حاد في مسألة هو ابن بجدتها، هو إمام تلك المسألة إذا أراد أن يحقق، ولكن باعتبار لم يسأله أحد يجعل الذين يقولون فليقولوا ما شاءوا أن يقولوا، مو مهم عنده. نعم، إذا وُجّه إليه سؤال عند ذلك ماذا؟ يبدأ بالتحقيق ويبدأ بالجواب.
شايفين؟ بخلاف البعض يدخل في مجالس العلماء، هسه هو بده يقرأ لهم عمو لو ديق رسالة عملية لو ديق مضضرة هسه وإذا فد بحث علمي قائم بين العلماء كذا هو لم يدخل في الميدان يا مولانا آخر! انت شوف بانه البحث فلهذا هواي هواي يحترموه يقولوا له أنت شوي اصبر، هو إذا يردون ما يردون يؤذوه يقول أنت شوي اصبر خليه ينتهي البحث ونجاوب، وانت شوف وضعك العلمي وين! هذا من قبيل أن جناب اثنين من الأطباء بل سيتكلمون في أبحاث تخصصية، فيأتي فالطالب علمي باعتباره طلبه بحث خارج يجي يقول بأنه هو يقول شيء يقول لا هذا مو صحيح بابا مو صحيح شنو علاقتك بالمطلب؟! كل واحد تخصصه وضعه الخاص وتخصصه الخاص، الإنسان رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، أن يعرف قدر الإنسان نفسه.
فبعضهم يريد أن يظهر هذا النقص الموجود عنده وهو أن يحفظ المسائل المعقدة المشكلة مثلاً، ويذهب إلى هذا العالم أمام الناس الجالسين ويذكر ذاك الفرع، هناك العالم ما مستحضر حتى يخرج في الخارج يقول بلي سألته ولم يجبني، وهذا متوفر،ها؟ لا تتصورون بأنه فد فروض نادرة، لا متوفر، يحفظ مسائل مشكلة ثم يذهب إلى العلماء في مجالسهم العامة، ثم يعنون البحث، العلماء ما مستحضر المطلب فيخرج يقول: وجدتم كيف غلبته أنا؟!
هذه الحالة بعد هذه مرجعها إلى هذه الأمور التي يقولها، يقول فيريد في دخيلة نفسه أن يعوض عن هذا النقص، وإذا يعرف من نفسه العجز عن التعويض بالطريق المستقيم، وهو التعلم والمعرفة الحقيقية، يلتجئ إلى التظاهر بما يسد نقصه بزعمه، وهو في هذا يشبه من يريد أن يستر نقصه في منزلته الاجتماعية بطريق التكبر والتعاظم، أو يستر نقصه في عيوبه الأخلاقية بالطعن في الناس وغيبتهم. ولذلك يلتجئ هذا الإنسان الذي فيه مركب النقص إلى أن يلتمس طرق الحيل والمغالطات عند مواجهة أهل العلم ليظهر أمام أو ليظهر أمام الناس بمظهر العالم القدير، فيجهد نفسه في تحصيل أصول المغالطة وقواعدها لتكون له ملكة ذلك والقدرة على المصاولة الخادعة.
ولم يدر هذا المسكين أن اللجوء إلى الرياء والتظاهر والتظاهر كالالتجاء إلى التكبر ونقد الناس، هذا تعبير صارخ عن نقصه الكامن في الوقت الذي يريد فيه خداعاً لنفسه أن يستر على نقصه ويظهر بالكمال. أعاذنا الله تعالى من الأباطيل والأحابيل وهدانا الصراط المستقيم.
فائدة صناعة المغالطة
فائدة هذه الصناعة. هذه الصناعة لها فوائد متعددة.
الفائدة الأولى: أن يتجنب الإنسان القياس المغالطي، يعني هو لا يقيم قياساً مغالطياً بغض النظر عن أنه يقام له قياس أو لا، هو يتجنب ذلك عندما يريد أن يستدل على شيء لإثبات حق حتى لا يقع في القياس المغالطي، لا يقع فيما يشبه الحق. إذاً، الثمرة الأولى للمغالطة وقياس المغالطة مرجعها إلى من؟ إلى نفس الإنسان بغض النظر عن الآخرين.
الثمرة الثانية: هي كشف مغالطات الآخرين، هو لا يقيس قياساً مغالطياً ولكن البعض ماذا؟ يشتبه فيقيم قياساً مغالطياً، وذاك أيضاً مو متعمد ولكنه يشتبه فيقيم قياساً مغالطياً، فعلى المعارف أو الذي يتعلم قياس المغالطة يستطيع أن يكشف القياس المغالطي أو يميز القياس المغالطي عن القياس الحق.
الفائدة الثالثة: ولعله فائدة أيضاً مهمة في محلها، وهي أنه ذكروا في محلها تذكر الإخوة في باب السحر، أن السحر لا يبطل إلا بماذا؟ إلا بالسحر. ومن هنا، وإن قال الفقهاء أن تعلم السحر حرام، إلا أنه في بعض الأحيان ماذا؟ أجازوه بل أوجبوه بنحو الواجب الكفائي، لأنه بعض السحر لا يمكن أن يدفع إلا بسحر يقابله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ (البقرة: 194). مع أنه الذي اعتدي عليه عندما يرد هذا لا يسمى اعتداء، يسمى اعتداء ها؟ ولكن القرآن القرآن سماه فاعتدوا، مع أنه مو اعتداء، هذا رد الاعتداء.
قالوا: إنما سمي اعتداء من باب المشاكلة، لأن هذا الاعتداء لا يمكن أن يقف أمامه إلا اعتداد اعتداء يقابله. أنت عندما تحارب بأسلحة معينة لا تستطيع أن تدافع عن نفسك إلا بأن تحاربهم بنفس تلك الأسلحة، كذلك في بحث المغالطة، فإنه لو وجدت إنساناً يغالط في استدلاله فإنك لا تستطيع أن تقف أمامه إلا بقياس مغالطي، وإلا القياس الحق أنت لا تستطيع بالقياس الحق أن تقف أمامه. إذاً، الفائدة الثالثة هي أنه لا يمكن القيام أو الوقوف أمام المغالط إلا بمغالطة تماثل مغالطات ذلك الإنسان.
ومع كل ما قلناه، فإن لصناعة المغالطة فائدة لا يستهان بها لدى أهل العلم، وذلك من ناحيتين:
أنه بها، أي بالمغالطة، قد يتمكن الباحث من النجاة من الوقوع في الغلط ويحفظ نفسه من الباطل، لأنه إذا عرف مواقع المغالطة ومداخلها يعرف الطريق إلى الهرب من الغلط والاشتباه.
الأمر الثاني: أنه بالمغالطة قد يتمكن من مدافعة المغالطين وكشف مداخل. وعلى هذا ففائدة الباحث من تعلم صناعة المغالطة كفائدة الطبيب في تعلمه للسموم وخواصها، فإنه يتمكن بذلك من الاحتراز منها ويستطيع أن يأمر غيره بالاحتراز ويداوي أيضاً من يتناولها.
ثم لهذه الصناعة فائدة أخرى، وهي أن يقدر بها على مغالطة المغالط ومقابلة المغالطين المشعوذين بمثل طريقتهم، كما قيل في المثل المشهور: «إن الحديد بالحديد يفلح»، الفلح بفتحتين: الشق، ومنه الفلاح، الفلاح للحراد الذي يشق الأرض، يعني يمكن أن يشق الحديد، يمكن أن يشق الحديد وإلا غير الحديد لا يمكن أن يشق الحديد.
وقد سبق أن قلنا أن البشر مرتكس إلى قمة رأسه بالمغالطات والخلافات، فما أحوج طالب الحق السابح في بحر المعارف إلى أن يزيح عنه الزبد الطافح على الماء، على ماء الحقيقة، من رواسب غلطات الماضين بمعرفة ما يصطنعه المغالطون من أوهام. ولكن ذوو الطباع السليمة والآراء المستقيمة في غنى عن معرفة مواضع الغلط بتعلم القوانين والاصول في هذه الصناعة.
يقول: هناك بعض الناس الله سبحانه وتعالى زودهم بفطرة سليمة وبقدرة على تمييز الحق مما يشبه الحق، هؤلاء بعد لا يحتاجون إلى تعلم هذه القواعد، فإن لهم بمواهبهم الشخصية الكفاية، وإن كان لا تخلو هذه الصناعة من زيادة بصيرة لهم.
موضوع هذه الصناعة وموادها التي تستعملها، ليس لها موضوع معين كما يتضح، موادها ماذا؟ موادها ما يشبه مواد القياس البرهاني، ما يشبه مواد القياس الجدلي، ليس موضوع هذه الصناعة محدوداً بشيء خاص، بل تتناول كل تتناول كل ما تتعلق به صناعة البرهان والجدل. فموضوعاتها، يعني موضوعات صناعة المغالطة بإزاء موضوعاتهما، موضوعات صناعة البرهان وصناعة الجدل، ومسائل المغالطة بإزاء مسائلهما، مسائل الجدل والبرهان، بل إن مبادئها مقدماتها بإزاء مبادئ الجدل والبرهان، أي أن مبادئها مشابهة لمبادئهما لمبادئ الجدل والبرهان، غير أن هاتين الصناعتين حقيقيتين صناعة البرهان وصناعة الجدل وهذه هذه الصناعة صناعة المغالطة صورية ظاهرية لا واقعية، لأن المشابهة بحسب الرواج والظاهر كما قلنا سابقاً من جهة ضعف قوة التمييز والقصور الذهني.
ومواد هذه الصناعة هي المشبهات، إذا تتذكرون عندما تكلمنا في مبادئ الأقيسة واحدة من المبادئ ماذا كانت؟ المشبهات. هسه الإخوة ما أدري أين كانت هاي المشبهات؟ في مبادئ الاستدلال وين كانت الصفحة إيش قد مولانا؟ الوهميات، المخيلات، المسلمات، المشبهات، وهي قضايا في صفحة 305 من هذه النسخة البيدي، وهي قضايا كاذبة يعتقد بها لأنها تشبه اليقينيات المشهورات في الظاهر، فيغالط فيها المستدل غيره لقصور تمييز ذلك الغير بينما هو هو وبينما هو غيره، أو لقصور نفس نفس المستدل أو لغير ذلك. والمشابهة إما من ناحية لفظية مثل ما لو كان اللفظ مشتركاً فاشتبه الحال، وإما من ناحية معنوية، وتفصيل أسباب الاشتباه يأتي في صناعة المغالطة، لأن مادة المغالطة هي المشبهات والوهميات، واهم من الوهميات المشبهات.
أما الوهميات ما هي؟ قال والمقصود بها القضايا الوهمية الصرفة لا واقع لها، وهي قضايا كاذبة إلا أن الوهم يقضي بها قضاء شديد القوة فلا يقبل ضدها وما يقابلها حتى مع بقيام البرهان على خلافها. وضربنا مثالاً، إذا تتذكرون في الوهميات، قلنا أن الإنسان في الليل لا يستطيع أن ينام في المقبرة بجنب إنسان ميت، لا، مع أنه هذا جماد ولا مو جماد؟ جماد، مع أنه هو يستطيع في بيته في الليل أن ينام إلى جنب جماد ممدود إلى جانبه، لماذا لا يستطيع أن ينام إلى جنب إنسان ميت ممدود أمامه؟ لماذا؟ باعتبار أن الوهم يوهمه بأشياء، مع أن البرهان العقلي يقول له ماذا؟ يقول له هذا جماد. ولهذا قال: ومواد هذه الصناعة هي المشبهات والوهميات على ما بيناه في مقدمات الصناعات في مقدمة الصناعات، والوهميات من وجه داخلة أيضاً من أين؟ في المشبهات كما أشرنا في محله باعتبار التوهم فيها أن المعقولات لها حكم المحسوسات.
أجزاء هذه الصناعة ولهذه الصناعة جزآن كالججزأين في صناعة الخطابة:
أحدهما كالعامود في الخطابة، وهي القضايا التي بذاتها تقتضي المغالطة، نفسها تقتضي المغالطة، إذا تتذكرون قلنا أن العامود بنفسه يقتضي ماذا؟ يقتضي الإقناع، أما الأجزاء أو الأعوان هي بنفسها لا تقتضي الإقناع، وإنما ماذا؟ تهيئ للإقناع، وهي نفس التبكيت، ولنسميها أجزاء الصناعة الذاتية.
وثانيهما كالأعوان في الخطابة، وهي ما تقتضي المغالطة ولكن لا بالذات وإنما بالعراض، وهي الأمور الخارجة عن التبكيت المغالطي كالتشنيع على المخاطب وتشويش أفكاره بإخجال والاستهزاء به ونحو ذلك مما سياتي، ولنسميها أجزاء الصناعة العرضية.
وقد عقدنا المبحث الثاني الآتي في الأجزاء الذاتية والمبحث الثالث في الأجزاء العرضية. هذا تمام الكلام في المبحث الأول.
أما المبحث الثاني وهو في أجزاء الصناعة الذاتية، تمهيد: أعلم أن الغلط الواقعي في نفس التبكيت، وهو القياس المغالطي، بينا قلنا التبكيت المغالطي هو نفس القياس المغالطي، أما أن يقع من جهة مادته وهي نفس المقدمات، أو من جهة صورته وهي التأليف بين المقدمات، أو من الجهتين معاً، من المادة والصورة معاً، يعني يشبه الحق من حيث المادة ويشبه الحق من حيث الصورة.
ثم أن أن هناك غلطاً يقع في القضايا وإن لم تؤلف قياساً، يعني لم يتألف منها شكل قياس. ثم الغلط الواقعي في مادة القياس على ثلاثة أنواع، طبعاً الآن هذه نقرأها تفصيلها مع الأمثلة، المصنف سيشير إليها بعد ذلك، الآن فقط بدنا نفهرس الباحث، فلهذا لا نقف عنده.
قال: ثم الغلط الواقع في مادة القياس على ثلاثة أنواع:
ألف: من جهة كذبها في نفسها، وقد ألبست هذه القضايا الكاذبة بالصادقة، أو شناعتها في نفسها، وقد التبست بالمشهورة، هذيك وقد ألبست في الصادقة، يعني في البرهان، شبيهة بالبرهان، شبيهة بالمقدمات البرهانية، هذه هم شبيهة بالمقدمات الجدلية.
ب: من جهة أنها ليست غير النتيجة، المقدمات ليست غير النتيجة، ولكنه ماذا؟ ولكنه يظهر للآخر أن هذه المقدمة غير النتيجة، فتكون مصادرة على المطلوب.
ج: من جهة أن المقدمات أو المادة ليست غير النتيجة واقعاً مع التوهم أن هذه المقدمات غير النتيجة، فتكون مصادرة على المطلوب. من جهة أن المواد ليست أعلى من النتيجة مع ظن القائس أو الطرف الآخر أنها أعرف من النتيجة.
ثم إن النوع الأول، وهو الكذب أو الشناعة والالتباس بالصادقة أو المشهورة، أهم الأنواع وأكثر ما تقع المغالطات من جهته، من جهة هذا النوع الأول، وهو تارة يكون من جهة اللفظ، وأخرى يكون من جهة المعنى، ومن هنا مغالطات تكون لفظية ومغالطات معنوية.
فهذه جملة أنواع الغلط، ثم يمكن إرجاع الأنواع الأخرى، يعني الثاني والثالث، حتى الغلط من جهة صورة القياس، إنه كان بحثنا في المادة، يقول: حتى من حيث الصورة، أيضاً يمكن إرجاعه إلى الغلط من جهة المعنى، فتقسم أنواع المغالطات إلى قسمين رئيسيين: المغالطات اللفظية والمغالطات المعنوية، والحمد لله رب العالمين.
