منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 41

تحميل Word

041

التحليل العقلي وطرق اكتشاف الحدود والرسوم

الطرُق لمنحصرة بنوعين من القسمة: القسمة الطبيعية بالتحليل العقلي وتسمى طريقة التحليل العقلي، والقسمة المنطقية الثنائية. ونحن أشرنا في غضون كلامنا في التعريف والقسمة إلى ذلك، وقد جاء وقت بيانه. فنقول: كان الكلام في أنه كيف يمكننا تحصيل الحد والرسم في الأبحاث السابقة؟ بينا ما هو الحد وما هو الرسم، وأن المجهول التصوري إنما يكون معلوماً تصورياً إذا عُرِف حده ورسمه. أما كيف نستطيع الوصول إلى حد المجهول التصوري ورسم المجهول التصوري؟ هنا توجد طريقتان: الطريقة الأولى وهي طريقة التحليل والتركيب، والطريقة الثانية وهي الطريقة المعروفة بطريقة القسمة المنطقية الثنائية.

ومن بين هاتين الطريقتين، المهم هي الطريقة الأولى، وهي المعروفة بعملية التحليل والتركيب. نحن بالأمس بينا بأنه لا يمكن اكتساب الحد من الأدوات، وكذلك من الطرق التي تذكر لمعرفة الحد هو معرفة حد ضد هذا الشيء المجهول، يعني معرفة الشيء عن طريق معرفة ضده؛ فإذا عرفنا الحد الذي يلزم حد ضده، نستطيع أن نتعرف على حد هذا المجهول. هذا أيضاً طريق، إلا أن هذا الطريق أيضاً فيه محاذير وفيه أمور لا يمكن الالتزام بها، وهي معرفة الشيء عن طريق معرفة ضده.

الطريقة الثالثة التي تُذكر أيضاً لمعرفة حدود الأشياء، هي معرفة حد الشيء عن طريق الاستقراء. هنا الاستقراء، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إما استقراء تام وإما استقراء ناقص. والاستقراء التام يقولون إنه لا يقع من الناحية العملية، والاستقراء الناقص لا يفيد اليقين كما سيأتي بيانه. إذاً، معرفة الحد عن طريق الاستقراء أيضاً لا تكون مفيدة لليقين، فينجصر الأمر في معرفة الحد والتعرف على حد المجهول التصوري عن طريق التحليل والتركيب.

كيف نحلل وكيف نركب؟ يتذكر الإخوة في الصفحة 23 من هذا الكتاب، عندما تكلمنا في عملية الفكرة، هناك في صفحة 23 عندما قال تعريف النظري أو الفكر، قلنا إن عملية الفكر عند الإنسان لتحصيل مجهول تصوري عن طريق المعلوم التصوري تمر بخمس مراحل:

المرحلة الأولى: هو مواجهة نفس المشكل المجهول، يعني المراد من مواجهة المشكل أن يأتي المشكل إلى الذهن، وإلا إذا المشكل لم يأتي إلى الذهن أساساً، نحن لا نبحث عن ما هو حده، ما هو رسمه. المراد من مواجهة المشكل أن يأتي المشكل والمجهول إلى الذهن.

المرحلة الثانية: معرفة نوع المشكل، فقد يواجه المشكل ولا يعرف نوعه، هذه هي المرحلة الثانية.

المرحلة الثالثة: هي حركة العقل من المشكل إلى المعلومات المخزونة عنده. بعد أن شخص ما هو المجهول، لابد أن يرجع أنه أي نوع من أنواع المعلومات ترتبط بحل هذا المجهول، وإلا ليست كل المعلومات يمكن الاستفادة منها في معرفة أي مجهول، بل كل مجهول له نحو خاص من المعلوم ينسجم مع نحو خاص من المعلوم في الذهن يستطيع أن يحل ذلك المجهول وأن يكشف عن ذلك المجهول، فيرجع إلى ماذا؟ إلى المعلومات الموجودة عنده، بعد ذلك ينتقل من المعلوم الموجود عنده إلى المجهول.

المقدمة الأولى أو المرحلة الأولى والمرحلة الثانية ليست مهمة، وإنما المراحل الثلاث الأخيرة هي المهمة، يعني الانتقال من المجهول إلى المعلوم، ثم البحث في المعلوم، ثم الانتقال من المعلوم إلى المجهول، وهذا ما يسمى في كلماتهم بالحركة الذاهبة والحركة الدائرية والحركة الراجعة. الحركة الذاهبة يعني الذاهبة من المجهول إلى المعلوم بعد أن يتعرف على نوع المشكل، الحركة الدائرية هو البحث في المعلومات الموجودة عنده ليستطيع من خلالها التعرف على المجهول ثم الانتقال من المعلوم الموجود إلى المجهول الذي يريد اكتشاف حده.

هذه هي الطرق أو المراحل التي يمر بها الفكر الإنساني للتعرف على مجهول تصوري، والطريق لذلك -يعني للمعرفة خصوصاً في مرحلة أو في الحركة الدائرية- هو عملية التحليل ثم عملية التركيب؛ من خلال هذه العمليات يستطيع الذهن أن يتعرف على حد ذلك المجهول التصوري.

لكي يتضح المطلب نضرب مثالاً أو أمثلة نشير إليها، نضرب واحداً منها: افترضوا أنه جاء الإنسان واجه شيئاً، واجه كلمة من الكلمات، وهو يعلم أن الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف. الآن هذا التقسيم موجود عنده، ولكن هذه الكلمة التي أمامه يريد أن يتعرف عليها أنها فعل ماضٍ، أنها فعل مضارع، أنها فعل أمر ونحو ذلك. وهو في التعريف السابق له قد عرف بأي طريق أن الاسم ما هو، أن الحرف ما هو، أن الفعل ما هو. الآن يأتي ويحلل الفعل، عندما يحلل الفعل يجد أنه الذي يدل على زمان الماضي يدل على زمان قد مضى، المضارع يدل على ماذا؟ يدل على زمان يأتي. هسه عندما يرجع ويحلل هذين التعريفين للفعل المضارع وللفعل الماضي، يجد أن هناك جهة ماذا؟ اشتراك وجهة افتراق، لأن الفعل الماضي هو الذي دل على الزمان ولكن أي زمان؟ زمان مضى، والفعل المضارع هو الذي دل على الزمان ولكن زمان ماذا؟ سيأتي. إذاً، هنا توجد جهة اشتراك بينهما، وهو ماذا؟ وهو أن كلاً منهما يدل على الزمان، هذا دال على الزمان وذاك دال على الزمان. هنا يستطيع أن يتعرف على جنسه أو على الجهة المشتركة بين هذين الشيئين -هسه هذه الجهة المشتركة إما تكون مقومة، كيف نستطيع أن نتعرف على أنها مقومة؟ هذا بحث آخر، إما أن تكون مقومة وإما أن تكون ماذا؟ خاصة لا تنفك- المهم هذه الجهة المشتركة تكون بمنزلة الجنس، وتلك الجهة المختصة تكون بمنزلة الفصل. شوفوا هنا عندما حلل الفعل الماضي خرج بشيئين، وعندما حلل الفعل المضارع خرج ماذا؟ بشيئين؛ من هذا التحليل يستطيع أن يركب حقيقة هذا المحدود الذي يريد التعرف عليه. وهكذا في باقي الأشياء، يأتي إلى الشيء يحلله أولاً بحسب التحليل العقلي أو بحسب التحليل الخارجي -لا فرق، لأنه قلنا بأن التحليل لا يختص بالتحليل العقلي، بل يكون التحليل تحليلاً خارجياً أيضاً- يحلل الشيء، فمن خلال تحليل الشيء عقلياً أو تحليله خارجياً يتعرف على ماذا؟ يتعرف على المختصات وعلى المشتركات، فمن خلال معرفة المختصات والمشتركات يركب ماذا؟ يركب حد ذلك المجهول التصوري.

إذاً، العملية التي بواسطتها نستطيع أن نتعرف على رسوم الأشياء، أما على حدودها قلنا فيما سبق بأن التعرف على حدود الأشياء -يعني التعرف على الفصول- مشكل جداً، بل لعله غير واقع من الناحية العملية، نحن إنما نتعرف على الأشياء من خلال رسومها لا من خلال أصولها ومقوماتها الذاتية.

تطبيق خطوات التفكير على الأمور الخارجية

إذا توجهت نفسك نحو المجهول التصوري المشكل ولنفرضه الماء، هذا الذي امامنا سيضرب مثالاً مرتبطاً بالأمور الخارجية لا بالأمور الذهنية، ولنفرضه الماء مثلاً عندما يكون مجهولاً لديك، وهذا هو الدور الأول، وهو ماذا؟ وهو التوجه إلى المشكل. أما إذا لم يأتِ إلى ذهنك مشكل أساساً، لا تريد تعريفه أيضاً.

فأول ما يجب -بعد التوجه إلى المشكل، مو أول مراحل التفكير، أول مراحل التفكير التوجه إلى المشكل، فأول ما يجب يعني أول ما يجب بعد التوجه إلى المشكل، فأول ما يجب أن تعرف نوعه- مراد من النوع هنا مو في قبال الجنس والفصل، لا، أن تعرف أنه هذا يدخل تحت أي شيء من الأشياء، هل هو جوهر، هل هو عرض، ما هو جنسه البعيد؟ ما هو جنسه المتوسط؟ وهذه الأمور في الأعم الأغلب مشخصة أمامنا، لأنه الفكر البشري الآن ليس في ابتداء طريقه، وإنما قاطع أشواطاً كثيرة في معرفة الأشياء. فأول ما يجب أن تعرف نوعه، أي تعرف أنه داخل في أي جنس من الاجناس العالية أو ما دون الأجناس العالية. في كتب المنطق عموماً مولانا في هذه المقدمة يتعرضون للأجناس العالية، ولكن مما يؤسف له في منطق المظفر هذا غير موجود. شوفوا الآن احنا كثيراً ما ذكرنا الأجناس العالية، الجنس العالي، ولكن إلى الآن الطالب لا يعرف ما هي الأجناس العالية! لعل كثير من الإخوة يعرفون الأجناس العالية ولكن مو من خلال هذا الكتاب، من مكان آخر. بحسب الترتيب الفني كان ينبغي أن يبين الأجناس العالية ما هي؟ تنقسم إلى جنس معين، إلى جوهر وإلى عرض، ثم يبين أقسام الجوهر ما هي، ثم يبين أقسام العرض ما هي، حتى عندما يستعمل: هذه أجناس عالية، أجناس عالية، أجناس متوسطة، الطالب يعلم بأنه هذه الألفاظ ما هو المراد، ما هو تصوراتها المفهومية الموجودة في الذهن. وفي كل كتب المنطق هذا المطلب موجود، وهو التعرض للأجناس العالية وتقسيم الأجناس العالية إلى جوهر وإلى عرض. أي أن تعرف أنه داخل في أي جنس من الأجناس العالية أو ما دون الأجناس العالية كالأجناس المتوسطة، وقد تقدم بيانه فيما سبق، كأن تعرف أن الماء مثلاً من السوائل، افترضوا، وهذا هو الدور الثاني.

إذاً أولاً مواجهة المشكل، ثانياً معرفة نوع المشكل، أن هذا جامد، أن هذا سائل، أن هذا جوهر، أن هذا عرض ونحو ذلك. وكلما كان الجنس الذي عرفت دخول المجهول تحته قريباً، كان الطريق أقصر لمعرفة الحد أو الرسم في ذلك المجهول التصوري، لأنه أنت إذا تعرفت على أن هذا حيوان، بعد لا يوجد وتحت الحيوان إلا ماذا؟ إلا أنواع الحيوان إلا أن تشخصه أن هذا انسان أو بقر أو غنم أو فرس ونحو ذلك، فإذا يبقى عندك خطوة واحدة لمعرفة [الحد أو الرسم]. أما إذا جاءك شبح من بعيد، لا تعلم أنه هذا الشبح نامٍ، شبح جامد لا يتحرك من بعيد، لا تعلم أنه هذا جامد، هذا نامٍ، وإذا كان نامٍ، هذا نبات غير نبات، حيوان غير حيوان، والطريق طويل لمعرفة ذلك المجهول التصوري. أما لو تشخص أمامك هذا المجهول التصوري أنه حيوان، إذاً أنت قطعت أكثر الطريق، وما بقي إلا أن تعرف أنه حيوان ناطق أو أنه حيوان صاهل، وهذا بواسطة التحليل ثم عملية التركيب تستطيع أن تتعرف أنه أي حيوان هو، هل هو حيوان ناطق أو حيوان صاهل. طبعا في الرتبة السابقة لابد قد تم عندك ما هو المراد من الناطق، ما هو المراد من الصاهل، الآن تأتي وتطَبِّق لمعرفة أن هذا حيوان ناطق إذا كان يدرك الكليات، أو حيوان ليس بناطق إذا لم يكن يدرك الكليات.

حركات الفكر: الذاهبة والدائرية والراجعة

وإذا اجتزت الدور الثاني الذي لابد منه لكل من أراد التفكير بأية طريقة كانت -طريقة التحليل أو طريقة القسمة الثنائية- انتقلت إلى الطريقة التي تختارها للتفكير، ولابد أن تتمثل فيها -أي في تلك الطريقة- الأدوار الثلاثة الأخيرة أو الحركات الثلاث التي ذكرناها للفكر: الذاهبة والدائرية والراجعة، كما أشرنا.

وإذ نحن اخترنا الآن طريقة التحليل العقلي أولاً، فلنذكرها تلك الطريقة متمثلة في الحركات الثلاث، فإنك عندما تجتاز الدور الثاني تنتقل إلى الدور الثالث، وهو الحركة الذاهبة: حكة العقل من المجهول إلى المعلومات. وهذه حركة مهمة جداً، لأنك قد يكون المجهول مرتبطاً بأمور تجريبية، فلا بد أن تبحث عنه أين؟ في الأمور المرتبطة بالتجربة، وقد يكون المجهول من الأمور المرتبطة بماذا؟ بعالم العاقل والأبهاث العقلية، فلا بد أن تبحث أين عنه؟ في المعلومات العقلية البرهانية، لا أن تفتش عن مجهول تصوري مرتبط بالتجربة تبحث عنه ماذا؟ في الأمور العقلية، أو مرتبط بالعاقل تبحث عنه في الأمور التجريبية. المجهول الموجود عندك أمر مجرد، ولكن أنت تبحث عنه أين؟ في التجربة وفي المختبر لتتعرف على حده وعلى رسمه وعلى حقيقته، يمكن أو لا يمكن؟ لا يمكن. إذاً، أنت لابد أن تشخص أن هذا المجهول الذي عندك يرجع إلى أي سنخ من المعلومات، ينسجم مع أي نوع من المعلومات المخزونة عند الإنسان.

ومعنى هذه الحركة بطريقة التحليل المقصود بيانها، هو أن تنظر في ذهنك إلى جميع الأفراد الداخلة تحت ذلك الجنس الذي فرضت المشكلة داخلاً تحته، تنظر إلى تلك الأفراد لتتعرف على خصوصياتها، ثم لترى أن تلك الخصوصيات موجودة هنا وغير موجودة هنا. وفي المثال: تنظر إلى أفراد السوائل، سواء كانت ماءً أو غير ماء باعتبار أن كلها سوائل، وهنا ننتقل إلى الدور الرابع، وهو الحركة الدائرية، أي حركة العاقل بين المعلومات، وهو أشق الأدوار وأهم الأدوار دائماً في كل عملية تفكير. أنت بواسطة المرحلة الرابعة وهي عملية التحليل الموجودة تستطيع أن تصل إلى عملية التركيب، فإن نجح المفكر فيه -أي في الدور الرابع- انتقل إلى الدور الأخير الذي به حصول العلم، وإلا بقي في مكانه يدور على نفسه بين المعلومات من غير جدوى.

طبعا تشوفون بأنه أمثلة غير موجودة وصحيحة أن لا تكون، لماذا؟ لأن وظيفة المنطقي هي أنه لا يشخص، لا يعرف لك شيئاً، وإنما يعلمك كيف تعرف، يعني يعلمك إذا دخلت في أمر مرتبط بامر طبيعي، بعلوم طبيعية، كيف تتعرف عليه. أما هو؟ هو لا يعرف شيئاً، يقول للفلسفة إذا أردت أن تتعرف على مجهول تصوري كيف تتعرف على مجهول تصوري؟ وإلا بقي في مكانه يدور على نفسه بين المعلومات من غير جدوى، وهذه الحركات الدائرية بين المعلومات في هذه الطريقة هي أن يلاحظ الفكر -يعني أن يلاحظ المفكر، هي أن يلاحظ المفكر مجاميع أفراد الجنس الذي دخل تحته المشكل- فيفرزها تلك المجاميع مجموعة مجموعة، فأفراد المجهول مجموعة، ولغيره من أنواع الجنس الآخر كل واحد مجموعة من الأفراد. وفي المثال الذي هو محل الكلام: يلاحظ مجاميع السوائل؛ الماء والزئبق واللبن والدهن إلى غير ذلك، وعند ذلك يبدأ في ملاحظتها ملاحظة دقيقة -يعني ماذا معنى يلاحظها؟ يعني يحللها- فبعد التحليل يستطيع أن يشخص ما هي المشتركات وما هي المختصات، فإذا استطاع أن يعرف المشتركات والمختصات عند ذلك يركب الحد أو الرسم الذي يريد الوصول إليه للمجهول التصوري، ليعرف ما تمتاز به مجموعة أفراد المشكل بحسب ذاتها وحقيقتها عن المجاميع الأخرى أو بحسب عوارضها الخاصة بها، الأول مرتبط بالحد والثاني مرتبط بالرسم.

ولابد هنا من الفحص الدقيق والتأمل -طبعا كل بحسبه، إذا كان أمراً عقلياً فحص دقيق في الأمور العقلية، وإذا كان أمراً تجريبياً فحص دقيق في الأمور [التجريبية]- ولابد هنا من الفحص الدقيق والتجربة ليعرف في المثال الخصوصية الذاتية والخصوصية العرضية التي بها يمتاز الماء عن غير الماء من السوائل في لونه، في طعمه، في وزنه، في ثقله، في أجزائه الطبيعية: أكسجين، هيدروجين. ولا يستغني الباحث -هذا هو المهم، وهو أن هذا الباحث المفروض أنه يمتلك ثروة علمية، وإلا إذا كان خالي الذهن ويريد أن [يفعل ذلك] لا يستطيع أن يعرف شيئاً- ولا يستغني الباحث عن الاستعانة بتجارب الناس والعلماء وعلومهم والبشر من القديم، كما قلنا في أول مبحث القسمة: والبشر من القديم اهتموا بفطرتهم في تقسيم الأشياء وتمييز الأنواع بعضها عن بعض، فحصلت للبشر بمرور الزمن الطويل معلومات قيمة هي ثروتنا العلمية التي ورثناها من أسلافنا. وإلا إذا نريد أن نعزل أنفسنا، يعني نريد أن نقول كل شيء ماذا؟ هذا سائل، يقول من يقول أنه سائل؟ هذا جامد، نقول من يقول هذا جامد؟ الطريق وكان البشر لابد أن يرجع ماذا؟ يرجع إلى ألف سنة قبل، إلى ألفي سنة قبل، إلى ما قبل الفكر البشري وتاريخ الفكر البشري، فالعملية تكون طويلة جداً.

قال: وكل ما نستطيع من البحث في هذا الشأن هو التعديل والتنقيح في هذه الثروات واكتشاف بعض الكنوز من الأنواع التي لم يهتدِ إليها السابقون على مرور الزمن وتقدم المعارف. فإن استطاع الفكر أن ينجح في هذا الدور -ينجح يعني استطاع أن يشخص، وقد يخطئ وقد يصيب، وهذا هو معنى تكامل الفكر البشري أن هذا الانسان بعد التأمل والدقة يقول هذا تعريفه كذا، لأنه داخل تحت المجموعة الكذائية، ويأتي شخص آخر يقول لا، في المجموعة الكذائية توجد خصوصية، وفي هذا المجهول التصوري لا توجد تلك الخصوصية، فلا بد أن يدخل في مجموعة أخرى- فإن استطاع الفكر أن ينجح في هذا الدور -الحركة الدائرية- بأن عرف ما يميز المجهول تمييزاً ذاتياً، أي عرف فصله، أو عرف ما يميز المجهول تمييزاً عرضياً، أي عرف خاصته، فإن معنى ذلك أنه استطاع أن يحلل معنى المجهول إلى جنس وإلى فصل، وإذا حلله إلى جنس وفصل، عند ذلك ماذا؟ يستطيع أن ينتقل إلى المرحلة الخامسة، أو تحليلاً عقلياً فيكمل عنده الحد التام أو الرسم التام بتأليفه مما انتهى إليه التحليل، كما لو عرف الماء في المثال بأنه سائل بطبعه -هسه من أين يتعرف أنه لا لون، لا طعم، لا رائحة؟ بعد هذه بواسطة التجربة، لأن البحث في الأمور الطبيعية، أو أنه له ثقل نوعي مخصوص، أو أنه قوام كل شيء حي ونحو ذلك. هسه هذه وأنها أنه قوام كل شيء حي كأنه يريد أن يشير ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ (الأنبياء: 30)، كأنه يريد أن يقول وفسر أيضاً الماء في الآية المباركة بهذا الماء. هسه لابد أن نرى بأن المراد من الماء الوارد في الآية المباركة هو هذا الماء الذي عندنا أو لا؟ وإلا الملائكة أحياء، لا، مو أحياء؟ ها؟ أحياء، هم أحياء بهذا الماء الموجود عندنا؟ هسه افترض كل ما في عالمنا حي بهذا الماء، حي بهذا الماء المتعارف، ولكن الملائكة أحياء، لا مو أحياء؟ الله حي وليس بحي؟ أم حي بهذا الماء؟ من الواضح لا. إذاً لابد أن نرجع لنرى أن هذيك الآية التي قالت: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ (الأنبياء: 30) أساساً فالسوال وهو أن هذا الماء الموجود مو شيء هو؟ ها؟ أم جعلناه من الماء حي؟ تبين أن هذا الماء كان قبل هذا الماء، لأن الآية تقول: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ (الأنبياء: 30) حتى هذا الماء حياته من أين؟ من ذاك الماء، إذاً لا يعقل أن يكون ذاك الماء هو هذا الماء، على أي الأحوال.

ومعنى كمال الحد أو الرسم عنده أن عقله قد انتهى إلى الدور الأخير وهو الحركة الراجعة، أي حركة العقل من المعلوم إلى المجهول، وعندها ينتهي التفكير بالوصول إلى الغاية من تحصيل المجهول التصوري. وبهذا اتضح معنى التحليل العقلي الذي وعدناك ببيانه سابقاً في القسمة الطبيعية، قلنا بأنه معرفة الحدود والرسوم إنما تتم بواسطة التحليل.

الآن لعله اكو إبهام في ذهن بعض الإخوة، ولكنه هذه العملية ستتضح أين؟ تتضح في العلوم الأخرى، يعني أنت عندما ترجع إلى العلوم الأخرى، سواء كانت الطبيعية أو الفلسفية، تجد أن الفكر البشري بطبيعته ينساق ماذا؟ طبعا لا تتصورون بأن هذا أمر وإنما هذا اكتشاف، يعني المنطق الأوروبي مو يقول يجب عليك أن تفعل كذا، يقول أنت عندما تفكر تفكر هكذا. معنى أن المنطق اكتشاف لا اختراع هذا، المنطق لا يقول لك افعل كذا وأنت لا تفعل كذا، لا، يقول أنا أبرمج لك هذا الأمر الفطري الذي تقوم به أنت به. الآن أنت الآن كثيراً من الأحيان أسألك واحد قضية فقهية، أنت تأخذ هذه المسألة الفقهية ترجع إلى ماذا؟ مخزوناتك، المسألة الفقهية سألك ما هي؟ سألك في طهارة الخمر أو عدم طهارته، في طهارة الفقاع أو لا، أنت ما تروح تبحث في باب الإرث عن المسألة في معلوماتك، تروح تبحث في باب الإرث عندك معلومات عن الإرث، عندك معلومات عن الطهارة، عندك معلومات عن النجاسة، عن الحج، أنت في المعلومات المخزونة عندك تروح في باب الإرث، لا تروح إلى باب الطهارة، المعلومات الموجودة عندك تروح إلى باب الطهارة، ثم تبحث في معلومات باب الطهارة الموجودة عندك لترى بأنه بحسب القواعد التي أنت دارسها هذا لابد أن يكون طاهراً أو أن يكون ماذا؟ نجس. طاهر أو نجس ماذا؟ ترجع إلى ذاك الذي هو طاهر، تقول من أحكام الطاهر أو من الأمور الطاهرة أن يكون كذا كذا كذا، وهذا واحد من مصادق ذلك الشيء، فتحكم ماذا؟ بطهارته، أو تحكم ماذا؟ بنجاسته. فتشوف هو الآن نفسه أولاً مواجهة المشكل، معرفة نوع المشكل، مواجهة المشكل، معرفة نوع المشكل، ثم ماذا؟ ثم الرجوع إلى المعلومات، ثم البحث في المعلومات، ثم التعرف على المجهول الذي أمامك. هذه طبيعة الإنسان في أي أمر عندما يسأل ماذا؟ يمر بهذه المراحل، ولكن المنطق يأتي ويمنهج وينظر ويشخص حدود هذه المراحل. وإلا أنتم في أي عملية منطقية، أنت عندما تريد أن تستدل، تستدل بالقياس من الشكل الأول، بعض أساتذتنا كان ينقل بأنه بعد أن درس تلاميذه دورة منطق قال: الآن اذهبوا إلى السوق، انظروا ماذا ترون في السوق. فقال: ذهبوا إلى السوق ورجعوا قالوا: لم نجد شيئاً! قال: عاد ما فهمتم المنطق، تعالوا اقرءوا المنطق مرة، قرءوا المنطق مرة ثانية، ثم ذهبوا إلى السوق، وجدوا الناس ملانة! كل هذا يحكي قضية حينية، يحكي قضية شرطية، ذاك يحكي قضية، كل صاحب المحل يقول لصانعه: بكرة لابد أن تأتي في الساعة السابعة، وإلا بكرة تأتي -يعني قضية شرطية: أنه إذا اجيت في الساعة السابعة فأجرتك كذا، أما إذا ما اجيت فلان أطلعك- فقضية شرطية. حياتنا كلها مبنية ماذا؟ على المنطق، طبعا مو المنطق الأرسطي فقط، المنطق الأرسطي كان يتصور أن كل عملية تفكير مبنية على ماذا؟ مبنية فقط على الطريقة الأرسطية في التفكير، مع أن البشر بعد ذلك اكتشف لا، إنه جملة من النتائج التي يتوصل إليها مو مبنية على الطريقة الأرسطية، مبنية على الطريقة ماذا؟ على الطريقة الاستقرائية، على الطريقة الاحتمالية، يعني أن شخصاً الآن يجي يخبره فلان مات، ثم يأتي الثاني يخبره، ثم يأتي الثالث يخبره، ثم يأتي الرابع يخبره، ثم الخامس، هذه كلما أخبره مخبر ماذا؟ زاد قوة احتمال موت ذلك الإنسان، إلى أن يصل قوة الاحتمال إلى 99%، إلى أن يصل إلى 999 من الألف، إلى أن يصل إلى كذا من المئة ألف، إلى أن يصل إلى كذا من المليون، فكلما زاد الاحتمال حصل ماذا؟ الاطمئنان، إلى أن يحصل عند الإنسان يقول: بلا احتياج إلى قياس منطقي وبرهان منطقي أرسطي.

عملية التفكير، نعم، هنا شكل وهناك شكل آخر، وهذه بطبيعة الإنسان، طبيعة الإنسان أنه الآن لو فرضنا جاءك شخص قال: رأيت إنسان له خمسة رءوس، أنت تصدق أو ما تصدق؟ يقول مولانا: والله شنو أقول لك أنا؟ يقول: احتمال ضعيف بأنه هذا شايفة، بس إنه شايف طيف مثلاً وكذا، وإلا إنسان خمس رءوس ما ممكن. استثنياً، ينقلوا لك أنه شايفين إنسان له خمسة رءوس، أم تسفّه القائل الأول بنفس الدرجة التي عندما يخبرك القائل الثاني؟ أو تقل درجة التسفيه؟ طبيعة الإنسان تقل: خليج الثالث، خليج الرابع مولانا، خليج الخامس، خليج العاشر، خليج الألف مولانا، عند ذلك أنت تقوم تدافع عن الفكرة! إذا نقلتها لواحد قال لك: مو ممكن، تقول له مولانا: أنت مشتبه، طبيعة العقل البشري أنه عندما يزداد الاحتمال -منطق أرسطو شنو يقول؟ هنا هم اكو قياس، هنا هم اكو والصدفة لا تكون دائمية ولا أكثرية- منطق الاحتمال يقول: لا مولانا، لا اكو قياس ولا نحتاج قياس، الفكر البشري الله مصمم الفكر البشري بنحو أنه إذا ازدادت الاحتمالات ماذا؟ ها؟ ازدادت قوة الاحتمال. هسه أما أسألك سؤال: اجتماع النقيضين محال، أنت عندك اعتقاد بها ولا ما عندك؟ ها؟ هسه سواء أخبرك واحد بها أو أخبرك ألف مليون عالم بها، يزداد اعتقادك أو ما يزداد؟ ما يزداد، لماذا؟ لأنه هي قضية يقينية عقلية. شوفوا الفرق بين التواتر وبين ماذا؟ اجتماع النقيضين المحال. شوفوا اجتماع النقيضين المحال أخبرك عالم أو أخبرك مليون، أنت عقيدتك لا تتغير أبداً. أما في القضية المتواترة، إذا أخبرك مئة تزداد، وإذا أخبرك ألف تزيد درجة أخرى، وهذا يتبين أن اجتماع النقيضين محال قضية عقلية، والتواتر يفيد اليقين، مو قضية عقلية وإنما قضية استقرائية. وإلا لو كان حكمها حكم اجتماع النقيضين محال، لماذا نجد هناك يزداد القوة هنا لا تزداد القوة؟ الاعتقاد هناك يزداد، هنا الاعتقاد لا يزداد، على أي الأحوال؟

قال: وبهذا اتضح معنى التحليل العقلي الذي وعدناك ببيانه سابقاً في القسمة الطبيعية، وهو إنما يكون باعتبار المتشاركات والمتباينات، أي أنه بعد ملاحظة المتشاركات بالجنس يفرزها ويوزعها مجاميع أوفق الأنواع بحسب ما فيها من المميزات المباينة، فيستخرج من هذه العملية الجنس والفصل، فيستخرج من هذه العملية الجنس والفصل، [أو] يستخرج مفردات الحد أو الجنس والخاصة مفردات الرسم. فكنت بذلك -فكنت بذلك- حللت المفهوم المراد تعريفه إلى مفرداته. هذا كله لو كان المشكل المتبقي شيئاً واضحاً، يعني عرفت أنه حيوان ولكن لا تعرف أنه ناطق أو غير ناطق. وبعض الأحيان أساساً لا تعرف أنه نامٍ حيوان أو ليس بحيوان، أساساً لا تعرف أنه نامٍ أو غير نامي، هنا بعد الطريقة ماذا؟ تكون معقدة، تكون أكثر طولاً.

تنبيهات حول مسالك التحليل والأجناس

تنبيه: إن الكلام المتقدم في الدور الرابع فرضناه فيما إذا كنت من أول الأمر لما عرفت نوع المشكل عرفت جنسه القريب أيضاً كالحيوان مثلاً، فلم تكن بحاجة إلا للبحث عن مميزاته عن الأنواع المشتركة معه في ذلك الجنس القريب. أما لو كنت قد عرفت فقط جنسه العالي، علمت أنه جسم ولكن نامٍ أو غير نامٍ، بعد نفس الطريقة لابد أن تشخص نامٍ، ثم بعد ذلك تشخص ماذا؟ حساس متحرك بالإرادة، ثم تشخص أنه إنسان أو غير إنسان، كأن عرفت أن الماء جوهر لا غير، فإنك لأجل أن تكمل لك المعرفة لابد أن تفحص أولاً لتعرف أن المشكلة من أي الأجناس المتوسطة لتمييز بعضها عن بعض بفصولها أو خواصها على نحو العملية التحليلية السابقة حتى تعرف أن الماء جوهر ذو أبعاد أي جسم، ثم تفحص ثانياً بعملية تحليلية أخرى لتعرفه من أي الأجناس القريبة هو فتعرف أنه سائل، ثم تفحص ثالثاً بتلك العملية التحليلية أن يميزه عن السوائل الأخرى بثقله النوعي مثلاً أو بأنه قوام كل شيء حي، فيتألف عندك تعريف الماء على هذا النحو: جوهر ذو أبعاد سائل قوام كل شيء حي، ويجوز أن تكتفي عن ذلك فتقول: سائل قوام كل شيء حي، مقتصراً على الجنس القريب كما تقدم بيانه فيما سبق، لأن الجنس القريب جامع لكل الأجناس التي قبله كما ذكرناه.

الطريقة الطويلة من التحليل التي هي عبارة عن عدة تحليلات يلجأ إليها الإنسان إذا كانت الأجناس متسلسلة ولم يكن يعرف الباحث دخول المجهول إلا في الجنس العالي، نحتاج هذا الطريق الطويل. أما إذا كان يعرف ماذا؟ الجنس القريب بعد لا يحتاج إلى هذه. وفي الأعم الأغلب نحن لا نحتاج إلى أن نبدأ المسيرة من الأول، لأن الفكر البشري فيه ثروة علمية كبيرة، وكثيراً من الأخطاء عمن نشأها؟ الثروة العلمية الموجودة، ليش؟ لأننا نتصور أن هذه الثروة الموجودة كلها صحيحة، نريد نبني عليها ونصعد خطوة جديدة، وفي الواقع جملة من الخطوات أو جملة من الأمور المعلومة لنا هي في الواقع ماذا؟ أمور مجهولة لنا، معلوماتنا خاطئة عنها، فلهذا احنا بدنا نبني على أساس خاطئ، فالنتيجة أيضاً تكون خاطئة ولا نعلم.

ولكن تحليلات البشر التي ورثناها تغنينا في أكثر المجهولات عن إرجاعها إلى الأجناس العالية، فلا نحتاج على الأكثر إلا لتحليل واحد لنعرف به ما يمتاز به المجهول عن غير المجهول، على أنه يجوز لك أن تستغني بمعرفة الجنس العالي أو المتوسط -هسه بعض الأحيان أنت ما تريد تتعرف على حده التام، حده الناقص، رسمه التام، تريد أن تكتفي بالرسم الناقص، تريد أن تعرف هذا شنو هو أصلاً؟ داخل في هالمنجموعة وداخل في تلك المجموعة، فيكون رسماً ناقصاً- على أنه يجوز لك أن تستغني، يعني أن تكتفي، تستغني هنا يعني تكتفي، بمعرفة الجنس العالي أو المتوسط، فلا تجري إلا عملية واحدة للتحليل لتميز المشكلة عن جميع ما عداه مما يشترك معه في ذلك الجنس العالي أو المتوسط، غير أن هذا لا تعطينا إلا حدّاً ناقصاً أو رسماً ناقصاً، يعني إذا عرفت الجنس العالي فهو الحد الناقص، وإذا عرفت الجنس أو الخواص التي هي طبعا عفواً، إذا عرفت الجنس العالي فهو الرسم الناقص، لماذا؟ ارجعوا ويانا إلى صفحة... صفحة ملامة... 100، قال الرسم التام وهو التعريف بالجنس والخاصة آخر الصفحة، الرسم التام وهو التعريف بالجنس والخاصة كتعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق فاشتمل على الذاتي والعرضي ولهذا سمي تاماً. الرسم الناقص ما هو؟ وهو التعريف بالخاصة وحدها كتعريف الإنسان بأنه ضاحك. ولكن هنا يعرف يقول: الحد، الرسم الناقص ما هو؟ معرفة الجنس العالي أو المتوسط هذا رسم ناقص بعض؟ ها؟ فيما سبق ماذا قال؟ الرسم الناقص ما هو؟ قال: معرفة الخاصة والجنس العالي، خاصة، ليس خاصة؟ نعم ذكر في قوله قيل قال إن التعريف بالجنس البعيد والخاصة معدوم معدود من الرسم الناقص، وهنا أيضاً لا يصدق عليه ماذا؟ رسم ناقص، لماذا؟ لأنه فقط يوجد جنس بعيد، بعد لا يوجد خاصة، ذاك الذي ذكره من التعريف للرسم التام وللرسم الناقص كأنه رفع يده هنا قدس سره وعال، لأنه هنا يقول: لو تعرفت على الجنس البعيد أو على الجنس المتوسط فهو رسم ناقص، مع أنه هناك قال: الرسم الناقص ما هو؟ أما الخاصة واما الجنس البعيد معاً.

طريقة القسمة المنطقية الثنائية

طريقة القسمة المنطقية الثنائية بعد هذه، تقدم الكلام عنها فيما سبق، وهي المبتنية على النفي والإثبات، عند ذلك نستطيع التعرف على حدود الأشياء من خلال هذه التقسيمات الثنائية. إنك بعد الانتهاء من الدورين الأولين -يعني مواجهة المشكل ومعرفة نوع المشكل، أي دور مواجهة المشكل ودور معرفة نوعه- لك أن تعمد إلى طريقة أخرى من التفكير تختلف عن الطريقة السابقة، وهي طريقة التحليل، هذه طريقة القسمة. إذا تتذكرون، نحن ميزنا بين التحليل وبين القسمة، قلنا: التحليل أن نبدأ من الأسفل للصعود إلى أعلى، وفي القسمة أن نبدأ من الأعلى للنزول إلى أسفل. فإن السابقة كانت النظرة فيها إلى الأفراد المشتركة في ذلك الجنس ثم تمييزها بعضها عن بعض لاستخراج ما يميز المجهول، أما هذه فإنك تتحرك إلى الجنس الذي عرفته -إذاك هناك تبدأ من الأفراد، يعني من الأسفل إلى أعلى، هنا تبدأ من أين؟ تبدأ من الجنس إلى الأفراد، يعني من الأعلى إلى الأسفل- أما هذه فإنك تتحرك إلى الجنس الذي عرفته فتقسمه بالقسمة المنطقية الثنائية إلى إثبات ونفي، الإثبات بما يميز المجهول تمييزاً ذاتياً أو عرضياً، والنفي بما عداه، وذلك إذا كان المعروف الجنس القريب كالحيوان مثلاً، فنقول في مثال ماء الذي عرف أنه سائل: السائل إما عديم اللون وإما غير عديم اللون، فتستخرج بذلك الحد التام أو الرسم التام وتحصل لديك الحركات الثلاث كلها بالنحو الذي تقدم في عملية التحليل، فقط الفرق أنه واحد من الأعلى وواحد من الأسفل.

أما لو كان الجنس الذي عرفته هو الجنس العالي أو المتوسط، فإنك تأخذ أولاً الجنس العالي مثلاً، فتقسمه بحسب المميزات الذاتية أو العرضية، ثم تقسم الجنس المتوسط الذي حصلته بالتقسيم الأول إلى أن يصل التقسيم إلى الأنواع السافلة على النحو الذي مثلنا به في القسمة الثنائية للجوهر، وقد تقدم الكلام عن ذلك. وبهذا تصير الفصول كلها معلومة على الترتيب، يعني هنا المراد من الفصول -يعني الفصول المنطقية لا الفصول الحقيقية، لأننا ذكرنا فيما سبق أن معرفة الفصول الحقيقية مشكل جداً، وسبب ذلك أن الفصول مرجعها إلى الوجود، والوجود لا يمكن معرفته بالعلم الحصولي. دليل أنه لا يمكن التعرف على الفصول الحقيقية أن الفصول ترجع إلى الوجود، والوجود حقيقته لا يمكن فهمها بالعلم الحصولي، نعم يمكن فهمها حقيقة الوجود من خلال العلم الحضوري، ونحن أكثر علومنا بل جميع علومنا علوم حصولية لا علوم حضورية إلا ما ندر- فتعرف بذلك جميع ذاتيات المجهول على التفصيل المتقدم.

هذا تمام الكلام بحمد الله تعالى في الجزء الأول من منطق الشيخ المظفر رحمة الله تعالى عليه، إن شاء الله تعالى في اليوم اللاحق سننتقل إلى الجزء الثاني، وهو البحث في القضايا، ولعله أيضاً هذا البحث أهم من البحث الأول، يعني نحن عندنا بحثان مهمان: بحث القياس وبحث البرهان. القياس سنقرأه، ثم بعد ذلك ندخل في البرهان، أما البحث في الصناعات الأخرى -كالجدلي والشعري ونحو ذلك والمغالطة- هذه إنما نقرأها حتى نميز البرهان عن غير البرهان، فكانت تلك لتمييز مقدمات لمعرفة البرهان، وإلا أصل المطلب مرتبط بالبرهان. والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.