منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 53

تحميل Word

053

التنبيهات في القضايا وأهميتها

تنبيه، قد يغفل المبتدئ عن بعض القضايا فلا يسهل عليه إلحاقها بقسمها من أنواع القضايا. في هذا التنبيه يريد أن يشير إلى هذا المطلب، وهو أنه تقدم فيما سبق أن القضية تنقسم إلى حملية وإلى شرطية، ثم الحملية لها أقسامها الخاصة، والشرطية أيضاً لها أقسامها الخاصة، وتبين لنا فيما سبق بأنه كل من الحملية وأقسامها والشرطية وأقسامها كل واحدة منها لها حكم خاص بها تفترق به عن غيرها من أقسام القضايا الأخرى.

ومن هنا بعض الأحيان الإنسان قد يشتبه في إلحاق قضية بهذا السنخ من القضايا أو بذاك السنخ من القضايا، وإذا اشتبه في الإلحاق فإنه سيشتبه أيضاً في أحكام تلك القضية التي لم يعين أنها ملحقة بهذا أو اشتبه بإلحاقها بهذا القسم من القضايا أو بذاك القسم من القضايا. ومن هنا يريد أن يوصي الماتن الشيخ المظفر رحمة الله تعالى عليه بضرورة الالتفات جيداً وتمييز القضايا بعضها عن بعض حتى نعرف حكم كل واحدة منها بما يميزها عن غيرها، لا يوجد مطلب علمي مهم، فقط تنبيه لأمر أشرنا إليه فيما سبق.

عادة عندما يقولون تنبيه يعني مما تقدم اتضح ولكن قد يغفل الإنسان عنه فننبهك حتى لا تغفل. التنبيه يعني مما تقدم بيانه اتضح الأمر ولكنه قد يغفل عنه فننبهك حتى لا تغفل. وهذا معنى ما يرده في كتاب الإشارات والتنبيهات للشيخ الرئيس، سبب تسمية الكتاب بالتنبيهات بالإضافة إلى الإشارات أنه بعد أن اتضح لك المطلب وتبينا قد لا تلتفت إلى المطلب فننبهك عليه، فلهذا قال: «تنبيه قد يغفل المبتدئ».

إذاً التنبيه في مقابل ماذا؟ في مقابل الغفلة، والغفلة إنما تكون في مورد العلم، العلم بالشيء، وإلا الإنسان إذا لم يكن عالماً بالشيء لا يسمى غافلاً، يسمى جاهلا. إذاً الجهل في قبال عدم العلم، أما الغفلة في قبال العلم ولكن غير الملتفت إليه. قد يغفل المبتدئ عن بعض القضايا فلا يسهل عليه إلحاقها بقسمها من أنواع القضايا، لا سيما في التعبيرات الدارجة في ألسنة المؤلفين، ولا سيما أولئك الذين لم يقرؤوا المنطق ولكن يؤلفون الكتب، وكم وكم هم ما شاء الله، هواية ما شاء الله مقدمات، لا منطق، لا فقه، لا أصول، لا فلسفة، ولكنه بحمد الله هم في المنطق يكتبون، هم في الفلسفة، هم في الفقه، هم في الأصول، في كل العلوم. لا سيما في التعبيرات الدارجة في ألسنة المؤلفين التي لم توضع بصورة فنية مضبوطة كما تقتضيها قواعد المنطق، وهذه الغفلة قد توقع الإنسان في الغلط عند الاستدلال.

يريد أن يستدل بقضية شرطية حملية، بقضية شرطية متصله، وإذا به يأتي بقضية شرطية منفصلة، ومن الواضح أن المتصلة حكمها ترتب التالي على المقدم التلازم بين المقدم والتالي، ولكن المنفصله ماذا؟ العناية بين المقدم والتالي، وكم فرق بين الأمرَين! وهذه الغفلة قد توقعه في الغلط عند الاستدلال، أو لا يهتدي إلى وجه الاستدلال في كلام الغير؛ لأن ظاهر الجمله يراها متصلة، شرطية متصلة، ولكن مراد المتكلم أو المؤلف شرطية ماذا؟ منفصلة، فظاهرها يجد بأنه لا يجتمعان، ولكنه أديت بنحو المتصلة التي يتلازمان فيها المقدم مع التالي، مع أن مراد الكاتب والمؤلف هي المنفصله التي لا يجتمعان وأداها بصورة المتصلة التي يقع بينهما تلازم.

وتكثر هذه الغفلة في الشرطيات بالخصوص، فلذلك وجب التنبيه على أمور تنفع في هذا الباب نرجو أن يستعين بها المبتدئ.

تأليف الشرطيات

الآن يشير إلى مجموعة من الأمثلة المرتبطة بالشرطيات ظاهرها شيء ولكن عند التحليل تخرج شيئاً آخر. إن الشرطية كما تعلمون تتألف من طرفين، وهذان الطرفان ليسا بمفردين أو بحكم المفرد بل هما قضيتان، وهذا ما بيناه فيما سبق للفرق بين الحملية والشرطية. قلنا في الحملية إن الطرفين فيها مفرد أو بحكم المفرد، أما بخلافه في الشرطية فإنه الطرفان فيها قضيتان كاملتان لو رفعنا أداة الشرط وفاء الجزاء.

إن الشرطية تتألف من طرفين هما قضيتان بالأصل، والمنفصلة بالخصوص قد تتألف من ثلاثة أطراف فأكثر، قلنا فيما سبق أن الكلمة إما اسم إما فعل إما حرف منفصلة أو مو منفصلة شرطية منفصلة أو لا، نعم أطرافها اثنان أو أكثر، لا أكثر وهي ثلاثة.

فالطرفان إذا كانت حملية، إذا كانت شرطية متصلة أو شرطية منفصلة، لها طرفان، أو الأطراف إذا كانت منفصلة لها أكثر من طرفين. فالطرفان أو الأطراف التي هي القضايا بالأصل قد تكون من الحمليات أو من المتصلات أو من المنفصلات أو من المختلفات. ومن الواضح الطرفان كلاهما حملي، كلاهما اتصالي، كلاهما انفصالي، أو مختلفة: حملي اتصالي، حملي انفصالي، انفصالي حملي، وهكذا أقسام كثيرة.

قال: قد تكون من الحمليات أو من المتصلات أو من المنفصلات أو من المختلفات، بأن تتألف المتصلة -يعني الشرطية المتصلة- في نفسها عندما نحللها نجدها أساساً هي مرتبة من حملية، يعني أحد الطرفين حملية والطرف الآخر مو حملية، والطرف الآخر ماذا؟ شرطية متصلة ولا محذور فيه، وترتقي أقسام تأليف الشرطيات إلى وجوه كثيرة لا فائدة في إحصائها وإنما كان يمكن التنبيه فقط الاقتصار على التنبيه بلا احتياج إلى هذه الأمثلة ولكنهم من باب التوضيح توضيح المطلب بالمثال يذكر بعض الأمثلة وعلى الطالب أن يلاحق ذلك بنفسه ولا يغفل عنه.

فقد ترد عليه شرطية مؤلفة من متصلة ومنفصلة، يعني شرطية مقدمها جملة شرطية متصلة وتاليها ماذا؟ جملة شرطية منفصلة، ولا محذور فيه، فيظن أنها أكثر من قضية مع أنها ليست إلا هي قضية شرطية واحدة. وللتوضيح نذكر بعض الوجوه وأمثلة الوجوه:

فمثلاً قد تتألف المتصلة -يعني الشرطية المتصلة الواحدة- تتألف من مقدم وتالي؛ مقدمها حملية ومؤخرها أو تاليها شرطية متصلة، من قبيل: (إن كان العلم سببا للسعادة) طب الآن ارفعوا (إن) هذه إن الشرطية الجملة ماذا تكون؟ (كان العلم سببا للسعادة) حملية لو ليس حملية؟ بل هي حملية مركبة من مبتدأ وخبر وكان داخل عليها، إذاً المقدم حملية. هسه تعالوا إلى التالية المؤخر قال: (فإن هذه فاء الجزاء التي تدل على أن الجملة جملة شرطية واحدة) تاليها ما هو؟ (إن كان الإنسان عالما كان ماذا؟ كان سعيدا) هذه (إن كان الإنسان عالما كان سعيدا) هذه شرطية لو حملية؟ شرطية، وهي واقعة ماذا؟ واقعة تالي للشرطية الأولى التي مقدمها حملية، فهذه جملة واحدة شرطية مركبة من حملية ومن شرطية متصلة، فإن المقدمة في هذه القضية حملية وهي قولنا: (كان العلم سببا للسعادة)، والتالي متصلة وهي -يعني شرطية متصلة- وهي قولنا: (إن كان الإنسان عالما كان سعيدا).

مثال آخر: وقد تتألف المتصلة من مقدم هي حملية ومن مؤخر هي شرطية منفصلة، نحو: (إذا كان اللفظ مفرد) اللفظ مفرد حملية لو مو حملية؟ نعم حملية وهي واقعه مقدمه في هذه المتصله؛ لأنه إذا كان فإما فهي جملة جملة شرطية متصلة، ولكن هذه الجملة الشرطية المتصلة عندما نحللها إلى المقدم والتالي نجد أن مقدمها حملية، ونجد أن مؤخرها ماذا؟ شرطية منفصلة. (إذا كان اللفظ مفرداً فإما أن يكون اسما أو فعلا أو حرفا)، قولنا إما أن يكون الكلام أو اللفظ اسماً أو فعلاً أو حرفاً، هذه شرطية لو مو شرطية؟ نعم، منفصلة لو متصلة؟ منفصلة، فهذه المتصلة تألفت من مقدم حملية ومن تال شرطية، فالمقدم حملية والتالي منفصلة ذات ثلاثة أطراف.

وقد تتألف المنفصلة -مثال ثالث إذا كانت عندنا شرطية منفصلة- قد تتألف من حملية ومتصلة نحو: (إما ألا تكون هذه من قوله إما إذا نفهم أن الشرطية متصلة ومنفصلة منفصلة؛ لأن الشرطية المنفصلة هي إما وإما وإما) قال: (إما ألا تكون حيلولة الأرض سببا لخسوف القمر، وإاما هذه أو وإما أو إذا حالت الأرض بين القمر والشمس كان القمر منخسفاً هنا) وهكذا.

وقد تتألف المتصلة -هذا قال تتألف المنفصلة من حملية- تكون حيلولة الأرض سببا لخسوف القمر هي الجملة ماذا؟ حملية، حيلولة الأرض سبب لخسوف القمر هذه حملية، أو (إذا حالت كذا) فهي شرطية متصلة. وهكذا قد تتألف المتصلة أو المنفصلة من متصلتين أو منفصلتين أو متصلة ومنفصلة، ويطول ذكر أمثلتها بل لا تنتهي مولانا مو وحدة واثنين هنا.

ثم إن الشرطية التي تكون طرفاً في شرطية أيضاً تأليفها يكون من الحمليات أو الشرطيات أو المختلفات وهكذا، فتنبه لذلك. قلنا بأنه هذا من باب ذكر الأمثلة وإلا مطلب علمي لا يوجد هنا منحرفات تقسيم القضايا إلى أعم من أن تكون حملية أو أن تكون شرطية.

القضايا المنحرفة وغير المنحرفة

هذا قوله المنحرفات، هذه التنبيه فيه أمران: أولاً في الشرطيات، هذا التقسيم الآخر أن الجملة أو أن القضية تنقسم إلى منحرفة وغير منحرفة، تنقسم إلى محرفة وغير محرفة. في بعض كتب المنطق يعبرون عنها محرفة وغير محرفة، ومرادهم المنحرفة وغير المنحرفة.

تارة أن الجملة -سواء كانت حملية أو شرطية، سواء كانت الشرطية متصلة أو منفصلة- تستعمل فيها القواعد التي ذكرت لكل واحدة منها، يعني إذا كانت الجملة الشرطية متصلة فأداة الشرط تكون على القاعدة، تستعمل فيها ما للاتصال، وإذا كانت منفصلة تستعمل فيها أدوات الشرط التي تدل على الانفصال، وهكذا. هذه الجمل تسمى قضايا أو جمل غير منحرفة؛ لأنها على مقتضى القاعدة، ليست منحرفة عن طبيعتها الأصلية، وإنما طبيعتها الأصلية فالجملة الشرطية المتصلة أن يأتي (إن) و(فاء) في الجزاء، وهذا من الإنسان مستعمل (إن) و(فاء) في الجزاء فهي جملة غير منحرفة عن أصلها وطبيعتها الأولية.

وأخرى أن الجملة شرطية متصلة ولكن مستعملة فيها أدوات الشرطية المنفصلة، وهذه انحرفت عن طبيعتها وأصلها الطبيعي أو لم تنحرف؟ نعم؛ لأنه إذا هي متصلة في واقعها فلابد أن يؤتى بأدوات تدل على الاتصال، ونحن جئنا بأدوات تدل على الانفصال. إذاً المنحرفه هي تلك القضية التي ظاهرها بحسب الأدوات الشرط المستعملة فيها على خلاف واقعها وحقيقتها، أو لا، أساساً هي جملة شرطية ولكن لا نستعمل فيها أداة، نرتبها بنحو الجملة الحملية، بنحو القضية الحملية، فهذه منحرفة وليست منحرفة؟ نعم منحرفة.

المنحرفات ومن الموهمات في القضايا انحراف القضية عن استعمالها الطبيعي ووضعها المنطقي، فيشتبه حالها بأنها من أي نوع؟ هل هي من المتصلة أو المنفصلة، من الحملية أو الشرطية؟ ومثل هذه تسمى منحرفة أو محرفة، في قبال تلك القضايا التي استعملت فيها كطبيعتها الأولية فهي غير منحرفة وغير محرفة.

وهذا الانحراف في القضية قد يكون في الحملية، كما لو اقترن سور القضية بالمحمول مع أن السور لابد أنه يستفاد منه أين؟ في الموضوع، كما بيناه فيما سبق، مع أن الاستعمال الطبيعي أن يققرن السور بالموضوع كقولهم: (الإنسان ليس كل الحيوان)، هذه قضايا منحرفة، حق الاستعمال فيهما أن يقال: (بعض الحيوان إنسان)، يعني أن يدخل السور على الموضوع لا المحمول، و(ليس كل حيوان إنساناً).

وقد يكون الانحراف في الشرطية، ومن هنا نحن قلنا أن هذا تقسيم أعم للحملية والشرطية، وقد يكون الانحراف في الشرطية كما لو خلت عن أدوات الاتصال في الشرطية المتصلة، أو عن أدوات العناد في الشرطية المنفصلة، وكانت في الواقع الجملة شرطية متصلة أو منفصلة، فتكون بصورة حملية وهي في قوة الشرطية، نحو: (لا تكون الشمس طالعة أو يكون النهار موجوداً)، ظاهرها أنها جملة حملية، ولكن واقعها هي إما وإما متصلة منفصلة شرطية، فهي إما في قوة المتصلة، وهي قولنا: (كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً) إذا كان هذا المراد، وإما هذه الحملية في قوة الشرطية المنفصلة، وإما في قوة المنفصلة وهي قولنا: (إما ألا تكون الشمس طالعة -يعني الليل- وإما أن يكون النهار موجوداً) -طبعا غلط المثال ها، ولكنه الآن ليس من دائماً المحصلين المناقشة في الأمثال، الآن الشمس غير طالعة مولانا والنهار موجود وليس بموجودها، نهار موجود- ونحو: (ليس يكون النهار موجودا إلا والشمس طالعة).

طبعاً دفاعاً عن الشيخ المظفر رحمه الله تعالى عليه، مراده أن الشمس طالعة ولكن نورها لم يصل إلينا، مو مراد أن الشمس طالعة لابد أن يكون نورها واصل إلينا، لا، الشمس طالعة والنور غير واصل إلينا، والنور واصل إلينا ولكن لا نرى ذلك النور،ها ما يصير بأنه الشمس طالعة والنور غير واصل إلينا، لا مولانا، النور يصل إلينا ولكنه بعض الأحيان نحن لا نرى النور، وإلا الشمس إذا كانت طالعة فلا يمكن لإنسان أن يحجب الشمس، نعم يمكن أن يحجب نفسه عن الشمس، ولكن أن يحجب الشمس فهذا غير ممكن.

في الروايات إشارة إلى هذا المطلب، في الرواية أنه يسأل السائل بأن الحجة صلوات الله وسلامه عليه موجود أو ليس بموجود؟ يقول: موجود. غائب أو حاضر؟ يقول: لا غائب. يقول: ما هي فائدته للناس؟ إذا كان موجود وغائب إذاً معناه يصير وجوده كعدمه، شنو فائدته للناس؟ الإمام سلام الله عليه يشبه هذا الوجود الشريف -من باب تشبيه المعقول بالمحسوس- تشبهه بالشمس عندما تكون مغطاة بالغيوم، يقول بأن الشمس توصل فائدتها إلى الأرض وإن لم ترها.

قال: (وليس يكون النهار موجوداً إلا والشمس طالعة)، وهي أيضاً في قوة المتصلة أو المنفصلة المتقدمتين، وكذلك أمثله متعدده. ونحو: (لا يجتمع المال إلا من شح أو حرام) -فإنها في ما فيه- فإنها في قوة المنفصلة وهي قولنا: (إما أن يجتمع المال من شح أو أن يجتمع من حرام)، يعني لا يوجد مال كثير إلا من هذين. هذه مو قضايا منطقية عقلية، هذه قضايا إشارة إلى وقائع خارجية، فلهذا لا يمكن أن نشكل منها قضايا منفصلة حقيقية، وإلا إنسان مولانا جالس هنا ويأتيه خبر أنه مات فلان الذي لا وارث له إلا أنت، مولانا مولانا مال حلال، طبعاً بعد أن يعطي الخمس مولانا -ها مو بلا خمس، ها باعتبار إرث لا يحتسب هذا، وإرث لا يحتسب خمس مولانا، إذا بنجيب الخمس إنها نعمة بعد هذا، وإلا إذا ما جاب شو شنو داخل في جيسنا يعني- المهم مولانا فيصل إليه مال حلال كثير، طبعاً بشرطها وشروطها، ها أن الدولة لا تقول بأنه 50%، 75% من الضرائب، وإلا ما يبقى منها شيء، 20% يروح خمس، 75% تروح ضرائب، فتبقى 5% ما إلها قيمة بعد.

قال: (ونحن لا يجتمع المال إلا من شح أو حرام)، فإنها في قوة المنفصلة وهي قولنا: (إما أن يجتمع المال من شح أو من حرام)، أو في قوة المتصلة وهي قولنا: (إن اجتمع المال فاجتماعه إما من شح أو من حرام)، وهذه متصلة مقدمها حملية وتاليها منفصلة بالأصل كما تقدم بيانه في الشرطيات.

وعلى الطالب أن يلاحظ ويدقق القضايا المستعملة في العلوم فإنها كثيراً ما تكون منحرفة عن أصلها فيعني غفل عنها، وليستعمل فطنته في إرجاعها إلى أصلها. سيذكر مجموعة من التطبيقات ومجموعة من التمرينات بعض الإخوة هم يطالعونها.

هنا فالتقسيم يقول والخلاصة: الشرطية إما متصلة، والمتصلة إما لزومية وإما اتفاقية، والمنفصلة إما اتفاقية وإاما عنادية، والعنادية إما حقيقية، مانعة الجمع، مانعة الخلو، النحو الذي أشرنا إليه مفصلاً.

أحكام القضايا والنسب بينها

الفصل الثاني في أحكام القضايا أو النسب بين القضايا.

إذا يتذكر الإخوة نحن قبل الدخول في بحث الجزء الثاني قلنا بأن الدخول في هذا البحث فيه مقدمة، وهذه المقدمة يقع الحديث فيها عن أمور ثلاثة: الأمر الأول في تعريف القضية، الأمر الثاني في تقسيمات القضية، الأمر الثالث في بيان أحكام كل قضية. هذه أشرنا إليها في أول البحث، قلنا قبل الدخول في بحث الحجة وبحث القياس لابد أن نقدم مقدمة، وهذه المقدمة هي بيان القضية، والبحث في القضية يقع في ثلاثة أمور:

الأمر الأول في تعريف القضية، ما هو تعريفها؟ الأمر الثاني في انقسامات القضية، حملية، شرطية، انقساماتها. الأمر الثالث في بيان أحكام القضايا والنسب الواقعة بينها.

الآن هذا الفصل الثاني في بيان ذاك الأمر الثالث وهو النسب الواقعة بين القضايا. يتذكر الإخوة نحن قلنا فيما سبق أنه توجد عندنا نسب بين المفاهيم، ننسب مفهوم إلى مفهوم، ننسب مفهوم إلى مفهوم بلحاظ المصادق، فإما أن يكون تباين، عموم وخصوص مطلق، وإلى غير ذلك. هنا أيضاً نريد أن ننسب شيئاً إلى شيء ولكن المنسوب والمنسوب إليه ماذا؟ قضية. المنسوب قضية والمنسوب إليه قضية أخرى، إذاً نريد أن نعرف النسب بين القضايا.

تارة أن القضيتين اللتين تنسب إحداهما إلى الأخرى متوافقتان، ما معنى متوافقتان؟ يعني مفادهما واحد، (كل إنسان بشر) (كل بشر إنسان)، قضيتان ولكن مفادهما واحد، إذا نسبت هذه إلى تلك، هذه إلى تلك، تلك إلى هذه، مفادهما واحد لا يختلف. وأخرى أن مفاد القضيتين متبانٍ لا متوافق.

فإذا كانت القضيتان متباينتين لا متوافقتين فهنا توجد أربع نسب:

النسبة الأولى: التناقض.

النسبة الثانية: التضاد.

النسبة الثالثة: التداخل.

النسبة الرابعة: الداخلة تحت التضاد.

هسه ما هو التضاد؟ ما هو الداخل تحت التضاد؟ بحثه سيأتي بعد ذلك، فلهذا تجد أن المصنف رحمة الله تعالى عليه في المقدمة يقول: هذا البحث من الأبحاث المهمة، والإنصاف أيضاً كذلك. لماذا؟ يقول؛ لأنه تارة نحن عندما ناتي إلى قضية مجهولة لنا نريد أن نجعلها معلومة لنا، قضية مجهولة من أي جهة مجهولة؟ مفرداتها لا، يعني نظرية، لا نعلم أن هذا المحمول ثابت لهذا الموضوع، أو يعني مجهول تصديقي فنريد أن نجعله ماذا؟ معلوماً تصديقياً.

تارة نستطيع أن نستدل على مفاد القضية بالمباشرة، نقيم دليلاً على أن مفاد هذه القضية دليلها هذا فالمحمول ثابت للموضوع أو أن المحمول مسلوب عن الموضوع. وأخرى أن القضية التي هي مجهول تصديقي بالنسبة إلينا أما لا يمكن إقامة البرهان عليها مباشرة، واما نعجز عن إقامة البرهان عليها مباشرة، فنلتجئ إلى حيلة علمية، ما هي؟ وهو أن نذهب إلى ما يناقضها، نبطل نقيضها فتثبت. هذا طريق صحيح، لماذا؟ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإذا بطل أحد النقيضين ثبت نقيضه الآخر. نريد أن نثبت أن المحمول ثابت للموضوع فنبرهن استحالة ماذا؟ الامتناع، نبرهن أن السلب غير ممكن فيثبت أن المحمول ثابت للموضوع، أو نذهب إلى قضية أخرى تلازمها في الصدق متلازمتان، فإذا بينا أو اثبتنا بالبرهان تلك القضية اللازمه لهذه القضية أو الملازمة لها فتثبت هذه القضية التي لا نستطيع أن نقيم البرهان عليها مباشرة، وهكذا.

ومن هنا نحتاج إلى معرفة النسب في القضايا، لأنه إذا كانت النسبة نسبة التناقض نستطيع أن نستفيد من هذا الطريق، أما إذا كانت النسبة نسبة التضاد، أما نستطيع أن نستفيد من هذا الطريق؟ لا، لماذا؟ باعتبار أن المتضادين قد يكون لهما ثالث، إذا أفترض أنا أبطلت هذا الضد هذا لا يثبت لي الضد المطلوب، لعله هناك ضد ثالث ورابع إلى آخرة.

إذاً لابد أن نعرف النسب بين القضايا، متى يكون تناقض، متى يكون تضاد، متى يكون تداخل، ونحو ذلك. هذه أهمية البحث وهو مهم جداً كما سيتضح إن شاء الله في أبحاث الفلسفة، في الأبحاث العقلية المرتبطة بعلم الكلام، هناك كثيراً ما نستعمل هذا الطريق وهو أنه لا نستطيع أن نثبت المطلوب أو المجهول التصديقي مباشرة فنلتجئ إلى طريق منحرف للإثبات.

تمهيد

كثيرًا ما يعاني الباحث مشقة في البرهان على مطلوبه مباشرة بل قد يمتنع عليه ذلك أحياناً؛ لأن ذلك المجهول التصوري لا يمكن معرفته كذات الباري سبحانه وتعالى، فنحتال إلى ماذا؟ نحتال لإثبات المطلوب عن طريق الملازم، إذا ثبت أن هذا ممكن فلا بد أن يكون له ماذا؟ لا بد أن يكون له واجب، ذاك الواجب لا يمكن أن نتعرف عليه حتى نستفيد أو نقيم عليه البرهان مباشرة مثلاً. بل قد يمتنع عليه ذلك أحياناً -يعني إثبات المطلوب مباشرة- فيلتجئ الباحث إلى البرهان ولكن برهان على ماذا؟ على قضية أخرى، تلك القضية الأخرى لها نسبة مع القضية المطلوبة ليقارنها بها، أي ليقارن هذه القضية التي أثبتها مع القضية المطلوبة، فقد يحصل له من العلم بصدق القضية المبرهن عليها يحصل له العلم بكذب القضية المطلوبة أو بالعكس إذا كان من المتناقضين، إذا كان هذا الذي ثبت عندي هي الصادقة فنقيضها يكون كاذباً إذا كان هناك تلازم بين صدق إحداهما وكذب الأخرى كما في التناقض.

وقد يحصل له من العلم بصدق القضية المبرهن عليها العلم بصدق القضية المطلوبة كما في الممكن والواجب، فإنه لو ثبت أنك ممكن يثبت أن هناك واجب الوجود سبحانه وتعالى، فالعلم بصدق هذه القضية يلزم منه العلم بصدق قضية أخرى. وقد يحصل له من العلم بصدق القضية المبرهن عليها العلم بصدق القضية المطلوبة، أو من العلم بكذب الأولى العلم بكذب الثانية، تلازم في الصدق أو تلازم في الكذب، أو تلازم كذب الأولى صدق الثانية، أو بالعكس وهكذا، وذلك إذا كان صدق الأولى يستلزم صدق الثانية أو كان كذب الأولى يستلزم كذب الثانية.

ومن هنا فلا بد للمنطقي قبل الشروع في مباحث الاستدلال وبعد إلمامه بجملة من القضايا أن يعرف النسب بين القضايا، بعد أن تعرف ما هي القضية؟ ما هي تقسيمات القضية؟ لابد أن يتعرف ثالثاً ما هي أحكام القضايا والنسب بينها، حتى يستطيع أن يبرهن على مطلوبه أحياناً بطريق غير مباشر من طريق البرهنة على قضية أخرى لها نسبتها مع القضية المطلوبة والتي هي مجهول تصديقي، فينتقل ذهنه من القضية المبرهن على صدقها أو كذبها إلى صدق أو كذب القضية التي يحاول تحصيل العلم بها على التفصيل المتقدم.

والمباحث التي تعرف بها النسب والمباحث التي تعرف بها النسب بين القضايا هي مباحث التناقض أولاً، ومباحث العكس المستوي ثانياً، وعكس النقيض ثالثاً، وملحقات هذه المباحث التي ستأتي تباعاً: التناقض، العكس المستوي، عكس النقيض.

إذا تبين أن هذه الأبحاث المرتبطة بالتناقض، بالعكس المستوي، بعكس النقيض، دائرتها أين؟ دائرتها في بيان أحكام نسب القضايا، وتسمى أحكام القضايا. ونحن نشرع إن شاء الله تعالى في هذه المباحث على هذا الترتيب المتقدم: التناقض، العكس المستوي، عكس النقيض.

التناقض

الحاجة إلى هذا البحث والتعريف بهذا البحث، أي إلى التناقض، قفة مقدار منه اتضح أين؟ في المقدمة بينا بأنه كيف نحتاج إلى بحث التناقض والتناقض من خلال الأمثلة التي ضربناها، فلهذا لا نتأخر في قراءة الحاجة إلى التناقض؛ لأنه لا يخرج عن الحاجة إلى بحث بأحكام القضايا. قلنا في التمهيد -ومن هنا أيضاً هو استعان بالتمهيد أيضاً- قلنا في التمهيد أن كثيراً ما تمس الحاجة إلى الاستدلال على قضية ليست هي نفس القضية المطلوبة، ولكن العلم بكذبها يلزمه العلم بصدق القضية المطلوبة، لأنه الآن بحث بحث أين صار؟ في التناقض، بعد لا يمكن أن نقول يلزم العلم بها، العلم بصدق القضية المطلوبة، صدق القضية التي برهناها يلزم منه صدق القضية المطلوبة، هذا بعد في التناقض لا يعقل، نعم كذب القضية المبرهنة عليها يلزم منه صدق القضية المطلوبة. صدق القضية المبرهنة عليها يلزم منه كذب القضية المطلوبة، ولكن العلم بكذبها يلزمه العلم بصدق القضية المطلوبة أو بالعكس؛ لأن اجتماع النقيضين محال، ارتفاع النقيضين محال، عندما يكون صدق إحداهما يلزم كذب يلزم منه كذب الأخرى.

والقضيتان اللتان لهما هذه الصفة، أي صفة؟ صفة يلزم من صدقها كذب الأخرى، ومن كذبها صدق الأخرى، تسمى القضيتان المتناقضتان. فإذا أردت مثلاً أن تبرهن على صدق القضية (الروح موجودة)، يعني هناك موجود هناك وجود لشيء وراء البدن والذي نسميه النفس والذي نسميه الروح، أي شيء سميته هناك وجود وراء وجود هذه المادة، مع فرض أنك لا تتمكن على ذلك مباشرة لسبب من الأسباب، فيكفي أن تبرهن على كذب نقيضها وهو (الروح ليست بموجودة)؛ لأنه لا يعقل أن تكون كلتا القضيتين صادقة كلتاهما كاذبة، فإذا علمت بكذب هذا النقيض -يعني ليست الروح موجودة- لابد أن تعلم أن تعلم صدق الأولى -يعني الروح موجودة- لأن النقيضين لا يكذبان معاً، وإذا برهنت على صدق النقيض لابد أن تعلم ماذا؟ كذب الأولى؛ لأن النقيضين لا يصدقان معاً ولا يكذبان معاً لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أشرنا صدقاً وكذباً.

وربما يظن -السيد المظفر رحمة الله تعالى عليه يريد أن يبين أهمية المطلب- يقول: ربما يظن أن معرفة التناقض بين القضايا أمر سهل لا يحتاج إلى هذا الجهد الجهيد، يقول: لا، أن التناقض يتوقف على معرفة وحدات كثيرة وشروط كثيرة حتى لا حتى نعلم أنه هناك تناقض أو أنه لا يوجد هناك تناقض، ليس معرفة التناقض بين القضايا من الأمور الواقعة على قارعة الطريق كما تقدم مثل هذه العبارة منه فيما سبق.

قال: ليس معرفة تعاريف الأشياء من الأمور الواقعة على قارعة الطريق، بل تحتاج إلى دقة لفهم التعريف، ولبيان تعريف المفاهيم ولبيان تعريف المعرفات. كذلك هنا يقول: صحيح أنت تقول آخر التناقض بين الوجود والعدم من الأمور الواضحة التي لا شبهة فيها، فلماذا نحتاج أن نعقد لها بحثاً مستقلاً؟ يقول: سيتضح لكم بعد ذلك ماذا في جوف الفرى، هذا البحث الذي هو من الأبجديات البديهيات تجدون أن كيف سيقع فيه الاختلاف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من وجوب اجتماع النقيضين إلى استحاله اجتماع النقيضين، ثم القائل باستحالة اجتماع النقيضين أيضاً ستجد أن الشرائط التي ذكرت باستحالة اجتماع النقيضين، بعضهم يقول الشرائط اثنان، بعض ثلاثة، بعض خمسة، بعض ثمانية، بعض تسعة، بعض اثني عشر، بعضهم يقول ما لا عد له ولا حصر من الشرائط، فسيتبين أن هذا الأمر البديهي الذي هو أولى الأوائل والذي يتوقف عليه جميع العلوم، لا ليس أيضاً بهذا الأمر السهل الذي نقول يقول بأنه لا نحتاج فيه إلى بحث مستقيم. فلهذا يقول: وربما يظن أن معرفة نقيض القضية أمر ظاهر، يعني واقع على قارعة الطريق.

إلى آخر البحث. والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.